9 - بَاب هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ ؟ وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ فِي الطَّهُورِ وَلَمْ يَغْسِلْهَا ثُمَّ تَوَضَّأَ ، وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ بَأْسًا بِمَا يَنْتَضِحُ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ . 261 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ، أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ ، عَنْ الْقَاسِمِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ) أَيِ الَّذِي فِيهِ مَاءُ الْغُسْلِ ( قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ) أَيْ خَارِجَ الْإِنَاءِ ( إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ ) أَيْ مِنْ نَجَاسَةٍ وَغَيْرِهَا ( غَيْرِ الْجَنَابَةِ ) أَيْ حُكْمِهَا ; لِأَنَّ أَثَرَهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَدَخَلَ فِي قَوْلِهِ قَذَرٌ ، وَأَمَّا حُكْمُهَا فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إِلَى أَنَّ يَدَ الْجُنُبِ إِذَا كَانَتْ نَظِيفَةً جَازَ لَهُ إِدْخَالُهَا الْإِنَاءَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ أَعْضَائِهِ نَجِسًا بِسَبَبِ كَوْنِهِ جُنُبًا . قَوْلُهُ : ( وَأَدْخَلَ ابْنُ عُمَرَ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ يَدَهُ ) أَيْ أَدْخَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي الْوَقْتِ يَدَيْهِمَا بِالتَّثْنِيَةِ . قَوْلُهُ : ( فِي الطَّهُورِ ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيِ الْمَاءِ الْمُعَدِّ لِلِاغْتِسَالِ ، وَأَثَرُ ابْنِ عُمَرَ وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِمَعْنَاهُ ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُ يَدَهُ قَبْلَ التَّطَهُّرِ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَنْزِلَا عَلَى حَالَيْنِ : فَحَيْثُ لَمْ يَغْسِلْ كَانَ مُتَيَقِّنًا أَنْ لَا قَذَرَ فِي يَدِهِ ، وَحَيْثُ غَسَلَ كَانَ ظَانًّا أَوْ مُتَيَقِّنًا أَنَّ فِيهَا شَيْئًا ، أَوْ غَسَلَ لِلنَّدْبِ وَتَرَكَ لِلْجَوَازِ . وَأَثَرُ الْبَرَاءِ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِلَفْظِ أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْمَطْهَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُدْخِلُونَ أَيْدِيَهُمُ الْمَاءَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلُوهَا وَهُمْ جُنُبٌ . قَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ) أَمَّا أَثَرُ ابْنِ عُمَرَ فَوَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِمَعْنَاهُ ، وَأَمَّا أَثَرُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَوَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ ، وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ أَيْضًا عَنْهُ ، وَتَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِلتَّرْجَمَةِ أَنَّ الْجَنَابَةَ الْحُكْمِيَّةَ لَوْ كَانَتْ تُؤَثِّرُ فِي الْمَاءِ لَامْتَنَعَ الِاغْتِسَالُ مِنَ الْإِنَاءِ الَّذِي تَقَاطَرَ فِيهِ مَا لَاقَى بَدَنُ الْجُنُبِ مِنْ مَاءِ اغْتِسَالِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ : إِنَّمَا لَمْ يَرَ الصَّحَابِيُّ بِذَلِكَ بَأْسًا ; لِأَنَّهُ مِمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، فَكَانَ فِي مَقَامِ الْعَفْوِ ، كَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ : وَمَنْ يَمْلِكُ انْتِشَارَ الْمَاءِ ؟ إِنَّا لَنَرْجُوَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ مَا هُوَ أَوْسَعُ مِنْ هَذَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ ) زَادَ مُسْلِمٌ ابْنُ قَعْنَبٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا ) وَلِكَرِيمَةَ أَخْبَرَنَا أَفْلَحُ وَهُوَ ابْنُ حُمَيْدٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ ، عَنْ أَفْلَحَ بْنِ سَعِيدٍ شَيْئًا ، وَالْقَاسِمُ هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَتْنُ فِي بَابِ غُسْلِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى مَعَ مُغَايَرَةٍ فِي آخِرِهِ ، وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي آخِرِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ أَيْ لِأَجْلِ الْجَنَابَةِ ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ ، وَابْنِ حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ أَفْلَحَ أَنَّهُ سَمِعَ الْقَاسِمَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَائِشَةَ . . فَذَكَرَهُ وَزَادَ فِيهِ وَتَلْتَقِي بَعْدَ قَوْلِهِ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ ، وَلِلْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ إِسْحَاقَ بْنِ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَفْلَحَ تَخْتَلِفُ فِيهِ أَيْدِينَا يَعْنِي حَتَّى تَلْتَقِيَ ، وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ يَعْنِي وَتَلْتَقِي ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ قَوْلَهُ وَتَلْتَقِي مُدْرَجٌ ، وَسَيَأْتِي فِي بَابِ تَخْلِيلِ الشَّعْرِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهَا كُنَّا نَغْتَسِلُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ نَغْتَرِفُ مِنْهُ جَمِيعًا ، فَلَعَلَّ الرَّاوِيَ قَالَ وَتَلْتَقِي بِالْمَعْنَى ، وَمَعْنَى تَخْتَلِفُ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَرِفُ تَارَةً قَبْلَهَا وَتَغْتَرِفُ هِيَ تَارَةً قَبْلَهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي ، زَادَ النَّسَائِيُّ وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ جَوَازُ اغْتِرَافِ الْجُنُبِ مِنَ الْمَاءِ الْقَلِيلِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنَ التَّطَهُّرِ بِذَلِكَ الْمَاءِ وَلَا بِمَا يَفْضُلُ مِنْهُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ انْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ إِنَّمَا هُوَ لِلتَّنْزِيهِ كَرَاهِيَةَ أَنْ يُسْتَقْذَرَ ، لَا لِكَوْنِهِ يَصِيرُ نَجِسًا بِانْغِمَاسِ الْجُنُبِ فِيهِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ جَمِيعِ بَدَنِ الْجُنُبِ وَبَيْنَ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ . وَأَمَّا تَوْجِيهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ لِلتَّرْجَمَةِ فَلِأَنَّ الْجُنُبَ لَمَّا جَازَ لَهُ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ لِيَغْتَرِفَ بِهَا قَبْلَ ارْتِفَاعِ حَدَثِهِ لِتَمَامِ الْغُسْلِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِغَسْلِ يَدِهِ قَبْلَ إِدْخَالِهَا لَيْسَ لِأَمْرٍ يَرْجِعُ إِلَى الْجَنَابَةِ ، بَلْ إِلَى مَا لَعَلَّهُ يَكُونُ بِيَدِهِ مِنْ نَجَاسَةٍ مُتَيَقَّنَةٍ أَوْ مَظْنُونَةٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ قَذَرٌ غَيْرُ الْجَنَابَةِ · ص 443 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ · ص 280 9 - بَابُ هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ ؟ وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده في الطهور ، ولم يغسلها ، ثم توضأ . ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسًا بما ينتضح من غسل الجنابة . أشار البخاري هاهنا إلى مسألتين : إحداهما : أن الجنب إذا أدخل يده في الماء قبل غسلها ، وليس على يده نجاسة - فإنه لا ينجس الماء ؛ فإن المؤمن لا ينجس . وقد ذكر عن ابن عمر والبراء بن عازب أنهما أدخلا أيديهما في الطهور من غير غسل ، ثم توضآ . وهذا في الوضوء . وقد سبق ذكره في الكلام على حديث عثمان بن عفان في صفة الوضوء ، وعلى الكلام على حديث ( إذا استيقظ أحدكم من النوم فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ) . وروى وكيع ، عن الأعمش ، عن إسماعيل بن رجاء ، عن أبيه ، قالَ : رأيت البراء بن عازب بال ، فأدخل يده في مطهرة المسجد ، يعني : قبل أن يغسلها . وعن سفيان ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي ، قالَ : كانَ الرجال على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدخلون أيديهم في الإناء وهم جنب ، والنساء وهن حيض ، لا يرون بذلك بأسًا . ورخص فيهِ ابن المسيب وغيره . واختلف كلام أحمد في ذَلِكَ ؛ فقالَ مرة في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء إذا كانَا نظيفتين : لا بأس به . ونقل عنه ابنه عبد الله في الجنب يدخل يده في الإناء ، ولم يمسها أذى ، ولم ينم - قالَ : إن لم ينم فأرجو أن لا يكون به بأس ، وإن نام غسلها . يشير إلى أنه إن كانَ قائما من النوم فإنه لا يرخص لهُ في ترك غسلها ، فجعل القائم من النوم أشد من الجنب . ونقل عنه كراهة ذَلِكَ : نقل عنه صالح وابن منصور في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء ، قالَ : كنت لا أرى به بأسًا ، ثم حدثت عن شعبة ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، فكأني تهيبته . ونقل عنه صالح أيضًا في جنب أدخل يده في ماء ، ينظر حره من برده : إن كانَ أصبعًا رجوت أن لا يكون به بأس ، وإن كانَ اليد أجمع فكأنه كرهه . ونقل عنه صالح أيضًا في جنب يدخل الحمام ، ليس معه أحد ، ولا ماء يصب به على يده - ترى لهُ أن يأخذ بفمه ؟ قالَ : لا ، يده وفمه واحد . وروى بقية ، عن الزبيدي ، عن علي بن أبي طلحة ، في الجنب يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها - قالَ : يهريق أعلاه . وخرج أبو عبيد بإسناده ، عن النخعي ، قالَ : إذا غمس الجنب يده في إناء صغير [فأهرقه] ، وإن كانَ كبيرًا فلا بأس به . وهذا قد يرجع إلى القول بنجاسة بدن الجنب ، وهو قول شاذ ترده السنة الصحيحة . وقد روي عن أحمد في جنب اغتسل في ماء يسير [...] . ولم ينقل عنه في المحدث يتوضأ في ماء يسير ، وإن كانَ أصحابنا قد سووا بينهما . وروى مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ يكره فضل الحائض والجنب . وروى أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كانَ لا يرى بسؤر المرأة بأسًا ، إلا أن تكون حائضًا أو جنبًا . وروي عن معاذة ، عن عائشة ، أنها كانت تكره سؤر الحائض ، وأن يتوضأ به . وروي عن أحمد كراهة سؤر الحائض إذا [...] بالماء . وفي ( مسند بقي بن مخلد ) من رواية سويد بن عبد العزيز الدمشقي ، عن نوح بن ذكوان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ماء ، وأدخلت يدي فيهِ ، فلم يتوضأ منه . وهذا منكر ، لا يصح . وسويد ونوح ضعيفان . فأما إن أدخل الجنب يده في الماء بعد أن نوى الغسل ، فاغترف منه ، وكان الماء قليلًا - فإن نوى الاغتراف من الماء لم يضره ، وإن نوى غسل يده من الجنابة في الماء صار الماء مستعملًا . وإن أطلق النية ففيه قولان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء ، أشهرهما عندهم أنه يصير مستعملًا ، وهو قول الشافعية . والصحيح أنه لا يصير بذلك مستعملًا . وعليه يدل حديث عائشة وميمونة ، واغتسال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأزواجه من إناء واحد ؛ فإنه لو كانَ يصير الماء مستعملًا بغمس اليد في الماء بدون نية الاغتراف لوجب بيانه للأمة بيانًا عاما ؛ فإن هذا مما تدعو الضرورة إليه ؛ فإن عامة الناس لا يستحضرون نية الاغتراف ، وأكثرهم لا يعلمون حكم ذَلِكَ ، بل قد روي عن النبي وأصحابه ما يدل على خلاف ذَلِكَ ، وأن الماء لا يجنب باغتراف الجنب منه . وروى سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، قالَ : اغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من جفنة ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتوضأ ، فقالت : يا رسول الله ، إني كنت جنبًا ! قالَ : ( إن الماء لا يجنب ) . خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي وقال : حسن صحيح ، وابن خزيمة في ( صحيحه ) ، والحاكم وصححه . وأعله الإمام أحمد بأنه روي عن عكرمة مرسلًا . وقد صح عن ابن عباس أنه سئل عن الجنب يغتسل من ماء الحمام ، فقالَ : الماء لا يجنب . وصح عنه أنه قالَ : الماء لا يجنب . وكذلك صح عن عائشة من رواية شعبة ، عن يزيد الرشك ، عن معاذة ، قالت : سألت عائشة عن الغسل من الجنابة ؟ فقالت : إن الماء لا ينجسه شيء ؛ كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد . وخرجه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، ولفظه : إن عائشة قالت : الماء طهور ، لا يجنب الماء شيء ؛ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الإناء الواحد . قالت : أبدؤه ، فأفرغ على يديه من قبل أن يغمسهما في الإناء . وروى المقدام بن شريح ، عن أبيه ، أنه سأل عائشة عن غسل الجنابة ؟ فقالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد . قالَ شريح : كيف يكون ؟ قالت عائشة : إنه ليس على الماء جنابة ، مرتين أو ثلاثة . خرجه [...] وبقي بن مخلد في ( مسنده ) . وخرجه إسحاق بن راهويه في ( مسنده ) ، وعنده : فقالت : إن الماء لا ينجس . وقد رفع بعضهم آخر الحديث ، وهو قوله : ( الماء لا ينجس ) ، فجعله من قول النبي صلى الله عليه وسلم . خرجه الطبراني والقاضي إسماعيل وابن عدي وغيرهم - مرفوعًا . والصحيح أنه موقوف على عائشة . المسألة الثانية : ما ينتضح من بدن الجنب في الماء الذي يغتسل منه . وقد ذكر البخاري عن ابن عمر وابن عباس أنهما لم يريا به بأسًا . وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن سفيان ، عن العلاء بن المسيب ، عن رجل ، عن ابن عباس - أنه لم يكن يرى به بأسًا . وكذلك رخص فيهِ أكثر السلف ، منهم ابن سيرين والحسن والنخعي وأبو جعفر . قالَ النخعي : أو تجد من ذَلِكَ بدا ؟ وعن الحسن نحوه . ورخص فيهِ أيضًا مالك وأحمد وإسحاق ، وغيرهم . وقد سبق بسط ذَلِكَ في ذكر الماء المستعمل ، وأنه ليس بنجس . ويدل على ذَلِكَ أن اغتسال النبي صلى الله عليه وسلم مع بعض أزواجه من الإناء الواحد لا يسلم من إصابة رشاش الماء المتقاطر منهما [للماء] ، ولو كانَ ذَلِكَ نجسًا لوجب بيانه والأمر بالتحرز منه ؛ فإن هذا مما تعم به البلوى ، ولا يكاد يسلم الناس منه . وكلام أحمد يدل على أن ما ينضح من الماء عندَ الغسل والوضوء على البدن أو الثوب في الماء لا بأس به . فإن توضأ في طشت ، ثم صبه ، فأصاب ثوبه منه - فإنه يستحب لهُ غسله والتنزه عنه ؛ فإن هذا لا يشق التحرز عنه ، وهو ماء [قذر] ، قد أخرج الذنوب والخطايا ، واختلف في نجاسته .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب هَلْ يُدْخِلُ الْجُنُبُ يَدَهُ في الإنَاء قَبْل أنْ يَغْسِلَهَا إذا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدهِ قَذَرٌ غَيْر الجَنَابةِ · ص 286 ثم خرج البخاري في هذا الباب أربعة أحاديث : الحديث الأول : 261 - من حديث : أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة ، قالت : كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ، تختلف أيدينا فيهِ . وخرجه مسلم في ( صحيحه ) ، وزاد فيهِ : ( من الجنابة ) . وهذا الحديث يستدل به على جواز إدخال الجنب يده قبل كمال غسله في الماء الذي يغتسل منه ، وعلى أن ما نضح من ماء الغسل في الإناء ، الغسل منه لا يضره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة · ص 207 باب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن على يده قذر غير الجنابة أي هذا باب في بيان : هل يدخل الجنب يده... إلخ . قوله : في الإناء ، أي : الإناء الذي فيه الماء . قوله : قذر ، أي شيء مستكره من نجاسة وغيرها . قوله : غير الجنابة يشعر بأن الجنابة نجس وليس كذلك ؛ لأن المؤمن لا ينجس كما ثبت ذلك في الصحيح ، وقال بعضهم : غير الجنابة ، أي : حكمها ؛ لأن أثرها مختلف فيه ، فدخل في قوله : قذر . قلت : لم يدخل الجنابة في القذر أصلا ؛ لأنها أمر معنوي لا يوصف بالقذر حقيقة ، فما مراد هذا القائل من قوله : أي حكمها ، فإن كان الاغتسال فلا دخل له هاهنا ، وإن كان النجاسة فقد قلنا : إن المؤمن لا ينجس ، وكذا إن كان مراده من قوله : لأن أثرها ، أي : المني ، وهو طاهر في زعمه . ( وأدخل ابن عمر والبراء بن عازب يده في الطهور ولم يغسلها ثم توضأ ) الكلام فيه على أنواع : الأول : أن الواو في قوله : وأدخل ما هي ؟ قلت : قد ذكرت غير مرة أن هذه الواو تسمى واو الاستفتاح ، يستفتح بها كلامه ، وهو السماع من المشايخ الكبار . الثاني : أن هذا الأثر غير مطابق للترجمة على الكمال ؛ لأن الترجمة مقيدة والأثر مطلق . الثالث : أن هذا معلق ، أما أثر ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقد وصله سعيد بن منصور بمعناه ، وأما أثر البراء فقد وصله ابن أبي شيبة بلفظ أنه أدخل يده في المطهرة قبل أن يغسلها ، فإن قلت : روى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : أخبرنا محمد بن فضيل ،عن أبي سنان ضرار ، عن محارب ، عن ابن عمر قال : من اغترف من ماء وهو جنب فما بقي نجس ، وهذا يعارض ما ذكره البخاري . قلت : حملوا هذا على ما إذا كان بيده قذر توفيقا بين الأثرين ، وقال بعضهم : أو غسل للندب وترك للجواز . قلت : كيف يكون تركه للجواز إذا كان بيده قذر ، وإن لم يكن فلا يضر ، فلم يحصل التوفيق بينهما بما ذكره هذا القائل ، وهذا الأثر من أقوى الدلائل لمن ذهب من الحنفية إلى نجاسة الماء المستعمل فافهم . الرابع : في معناه فقوله : يده ، أي : أدخل كل واحد منهما يده ، وفي رواية أبي الوقت : يديهما بالتثنية على الأصل ، وقال الكرماني : وفي بعض النسخ : يديهما ولم يغسلاهما ، ثم توضأ بالتثنية في المواضع الثلاث . قوله : في الطهور بفتح الطاء ، وهو الماء الذي يتطهر به في الوضوء والاغتسال . الخامس : في حكم هذا الأثر ، وهو جواز إدخال الجنب يده في إناء الماء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها نجاسة حقيقية ، وقال الشعبي : كان الصحابة يدخلون أيديهم الماء قبل أن يغسلوها وهم جنب ، وكذلك النساء ولا يفسد ذلك بعضهم على بعض ، وروي نحوه عن ابن سيرين وعطاء وسالم وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن أبي جبير وابن المسيب . ( ولم ير ابن عمر وابن عباس بأسا بما ينتضح من غسل الجنابة ) وجه مطابقة هذا الأثر بالتعسف كما يأتي ، وهو من حيث إن الماء الذي يدخل الجنب يده فيه لا ينجس إذا كانت طاهرة ، فكذلك انتشار الماء الذي يغتسل به الجنب في إنائه ؛ لأن في تنجيسه مشقة ، ألا ترى كيف قال الحسن البصري : ومن يملك انتشار الماء ، فإنا لنرجو من رحمة الله ما هو أوسع من هذا . أما أثر ابن عمر فوصله عبد الرزاق بمعناه . وأما أثر ابن عباس فرواه ابن أبي شيبة ، عن حفص ، عن العلاء بن المسيب ، عن حماد ، عن إبراهيم ، عن ابن عباس في الرجل يغتسل من الجنابة فينتضح في إنائه من غسله ، فقال : لا بأس به ، وهو منقطع فيما بين إبراهيم وابن عباس ، وروي مثله عن أبي هريرة وابن سيرين والنخعي والحسن فيما حكاه ابن بطال عنهم ، ويقرب من ذلك ما روي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى فيمن كان يصلي فانتضح عليه البول أكثر من قدر الدرهم فإنه لا يفسد صلاته بل ينصرف ويغسل ذلك ويبني على صلاته . 14 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، قال : أخبرنا أفلح ، عن القاسم ، عن عائشة قالت : كنت أغتسل أنا والنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من إناء واحد تختلف أيدينا فيه . مطابقة هذا الحديث للترجمة من حيث جواز إدخال الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها إذا لم يكن عليها قذر يدل عليه من قول عائشة : تختلف أيدينا فيه ، واختلاف الأيدي في الإناء لا يكون إلا بعد الإدخال ، فدل ذلك على أنه لا يفسد الماء ، فإن قلت : الترجمة مقيدة ، وهذا الحديث مطلق ، قلت : القيد المذكور في الترجمة مراعى في الحديث للقرينة الدالة على ذلك ؛ لأن شأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وشأن عائشة رضي الله تعالى عنها أجل من أن يدخلا أيديهما في إناء الماء ، وعلى أيديهما ما يفسد الماء ، وحديث هشام الذي يأتي عن قريب أقوى القرائن على ذلك ، وهذا هو التحقيق في هذا الموضع لا ما ذكره الكرماني إن ذلك ندب ، وهو جائز ، ثم اعلم أن البخاري أخرج في هذا الباب أربعة أحاديث فمطابقة الحديث الأول للترجمة قد ذكرناها ، والثاني مفسر للأول على ما نذكره ، والثالث والرابع وإن لم يذكر فيهما غسل اليد ولكنهما محمولان على معنى الحديث الثاني ، وهذا المقدار كاف للتطابق ولا معنى لتطويل الكلام بدون فائدة نافعة كما ذكره ابن بطال وابن المنير وغيرهما ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : عبد الله بن مسلمة بفتح الميمين القعنبي ، وقد تقدم ذكره غير مرة ، وفي رواية مسلم : حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب . الثاني : أفلح بن حميد بضم الحاء الأنصاري المدني ، وقد وقع في نسختنا الصحيحة هكذا أفلح بن حميد بذكر أبيه حميد ، كما وقع في رواية مسلم ، وفي أكثر النسخ أفلح غير منسوب ، وهو ابن حميد بلا خلاف ، وليس في البخاري غيره ، وأخرج له أبو داود والنسائي أيضا ، وفي مسلم أفلح بن سعيد وأفلح عن مولاه ، وفي النسائي أفلح الهمداني والأصح أبو أفلح بن سعيد السابق وليس في هذه الكتب سواهم . الثالث : القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم . الرابع : عائشة الصديقة . ( بيان لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفي رواية كريمة في موضع واحد ؛ لأن في روايتهما : حدثنا عبد الله بن مسلمة ، أخبرنا أفلح . وفيه : العنعنة في موضعين . وفيه : أن رواته كلهم مدنيون ، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان من طريق ابن وهب عن أفلح أنه سمع القاسم يقول : سمعت عائشة فذكره . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الطهارة عن عبد الله بن مسلمة ، نحوه . ( بيان إعرابه ومعناه ) . قوله : والنبي بالرفع عطف على الضمير المرفوع في كنت ، وأبرز الضمير أيضا ليصح العطف عليه ، ويجوز فيه النصب على أنه مفعول معه فتكون الواو للمصاحبة . قوله : تختلف أيدينا فيه ، جملة في محل النصب ؛ لأنها حال من قوله : من إناء واحد ، والجملة بعد المعرفة حال وبعد النكرة صفة ، والإناء هنا موصوف ، ومعنى اختلاف الأيدي في الإناء يعني من الإدخال فيه والإخراج منه ، وفي رواية مسلم في آخره : من الجنابة ، أي : لأجل الجنابة ، وفي رواية أبي عوانة وابن حبان بعد قوله : تختلف أيدينا فيه وتلتقي ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق إسحاق بن سليمان عن أفلح تختلف فيه أيدينا حتى تلتقي ، وفي رواية البيهقي من طريقه : تختلف أيدينا فيبادرني حتى أقول : دع لي ، وفي رواية النسائي فيه يعني : وتلتقي . وفيه إشعار بأن قوله : تلتقي مدرج ، وفي رواية أخرى لمسلم من طريق معاذة عن عائشة : فيبادرني حتى أقول : دع لي ، وفي رواية النسائي : وأبادره حتى يقول : دعي لي . ومما يستنبط منه جواز اغتراف الجنب من الماء الذي في الإناء ، وجواز التطهر بذلك الماء وبما يفضل منه ، وقال بعضهم : فيه دلالة على أن النهي عن انغماس الجنب في الماء الدائم إنما هو للتنزيه كراهية أن يستقذر لا لكونه يصير نجسا بانغماس الجنب فيه . قلت : هذا الكلام على إطلاقه غير صحيح ؛ لأن الجنب إذا انغمس في الماء الدائم لا يخلو إما أن يكون ذلك الماء كثيرا أو قليلا ، فإن كان كثيرا نحو الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر ، فإن الجنب إذا انغمس فيه لا يفسد الماء وإن كان قليلا لا يبلغ الغدير العظيم ، فإن الجنب إذا انغمس فيه فإنه يفسد الماء ، وهل يطهر الجنب أم لا ؟ فيه خلاف .