2957 - وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي وَإِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ فَإِنْ أَمَرَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَعَدَلَ فَإِنَّ لَهُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ وَبِهَذَا الْإِسْنَادِ مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ الْحَدِيثَ ، الْجُمْلَةُ الْأُولَى طَرَفٌ مِنْ حَدِيثٍ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي كِتَابِ الْجُمُعَةِ ، وَسَبَقَ فِي الطَّهَارَةِ أَنَّ عَادَتَهُ فِي إِيرَادِ هَذِهِ النُّسْخَةِ - وَهِيَ شُعَيْبٌ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - أَنْ يُصَدِّرَ بِأَوَّلِ حَدِيثٍ فِيهَا وَيَعْطِفَ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ سَمِعَهَا هَكَذَا ، وَأَنَّ مُسْلِمًا فِي نُسْخَةِ مَعْمَرٍ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ سَلَكَ طَرِيقًا نَحْوَ هَذِهِ ، فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي أَوَّلِ كُلِّ حَدِيثٍ مِنْهَا : فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْتَ وَكَيْتَ . وَتَكَلَّفَ ابْنُ الْمُنِيرِ فَقَالَ : وَجْهُ مُطَابَقَةِ التَّرْجَمَةِ لِقَوْلِهِ ( نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ ) الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ الْإِمَامُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ أَحَدٍ أَنْ يُقَاتِلَ عَنْهُ وَيَنْصُرَهُ ، لِأَنَّهُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فِي الزَّمَانِ لَكِنَّهُ مُتَقَدِّمٌ فِي أَخْذِ الْعَهْدِ عَلَى كُلِّ مَنْ تَقَدَّمَهُ أَنَّهُ إِنْ أَدْرَكَ زَمَانَهُ أَنْ يُؤْمِنَ بِهِ وَيَنْصُرَهُ ، فَهُمْ فِي الصُّورَةِ أَمَامَهُ وَفِي الْحَقِيقَةِ خَلْفَهُ فَنَاسَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ : يُقَاتَلُ مِنْ وَرَائِهِ لِأَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْخَلْفُ أَوِ الْأَمَامُ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : وَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ كَذَا هُنَا ، قِيلَ : اسْتَعْمَلَ الْقَوْلَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ ، حَيْثُ قَالَ : فَإِنْ قَالَ بِغَيْرِهِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ ، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ فَإِنَّهُ قَسِيمُ قَوْلِهِ : فَإِنْ أَمَرَ ، فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ وَإِنْ أَمَرَ ، وَالتَّعْبِيرُ عَنِ الْأَمْرِ بِالْقَوْلِ لَا إِشْكَالَ فِيهِ . وَقِيلَ : مَعْنَى قَالَ هُنَا حَكَمَ ، ثُمَّ قِيلَ إِنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْقَيْلِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ الْمَلِكُ الَّذِي يَنْفُذُ حُكْمُهُ بِلُغَةِ حِمْيَرَ ، وَقَوْلُهُ : فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ أَيْ : وِزْرًا ، وَحَذَفَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى طَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ لِدَلَالَةِ مُقَابِلِهُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ مِنْهُ تَبْعِيضِيَّةً ، أَيْ : فَإِنَّ عَلَيْهِ بَعْضَ مَا يَقُولُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ مُنَّةً بِضَمِّ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ بَعْدَهَا هَاءُ تَأْنِيثٍ ، وَهُوَ تَصْحِيفٌ بِلَا رَيْبٍ ; وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ أَبُو ذَرٍّ . وَقَوْلُهُ : إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ بِضَمِّ الْجِيمِ ، أَيْ : سُتْرَةٌ ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ الْعَدُوَّ مِنْ أَذَى الْمُسْلِمِينَ وَيَكُفُّ أَذَى بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ كُلُّ قَائِمٍ بِأُمُورِ النَّاسِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب يُقَاتَلُ مِنْ وَرَاءِ الْإِمَامِ وَيُتَّقَى بِهِ · ص 135 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به · ص 221 ( باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ) أي هذا باب يذكر فيه أن الإمام جنة يقاتل من ورائه ، ويقاتل على صيغة المجهول ، والمراد به المقاتلة للدفع عن الإمام سواء كان ذلك من خلفه أو قدامه ، ولفظ وراء يطلق على المعنيين ، قوله : ( ويتقى به ) أيضا على صيغة المجهول عطف على يقاتل أي يتقى بالإمام شر العدو وأهل الفساد والظلم ، وكيف لا وإنه يمنع المسلمين من أيدي الأعداء ويحمي بيضة الإسلام ويتقي منه الناس ويخافون سطوته . 163 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون . وبهذا الإسناد : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه . مطابقته للترجمة في قوله : ( وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ) وسند هذا الحديث بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . وأخرج النسائي بعض الحديث : الإمام جنة في البيعة وفي السير . قوله : ( نحن الآخرون ) أي في الدنيا ، ( السابقون ) في الآخرة ، وهذه القطعة مرت في كتاب الوضوء في باب البول في الماء الدائم ، فإنه أخرجه هناك وقال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نحن الآخرون السابقون " ثم قال وبإسناده قال : " لا يبولن . . . " الحديث . قوله : ( وبهذا الإسناد ) أي الإسناد المذكور ، قال صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني " إلى آخره ، قال الخطابي : كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم ، فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة ، وإنما قال لهم صلى الله عليه وسلم هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء الذين كان يوليهم وجبت عليهم لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به كما نبه عليه القرطبي بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية ، قوله : ( وإنما الإمام جنة ) بضم الجيم وتشديد النون أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ، ويمنع الناس بعضهم من بعض ، والجنة الدرع ، وسمي المجن مجنا لأنه يستر به عند القتال ، والإمام كالساتر ، وقال الهروي : معنى الإمام جنة أن يقي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح . وقال الخطابي : يحتمل أن يكون أراد به جنة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره . قوله : ( يقاتل من ورائه ) على صيغة المجهول كما ذكرناه آنفا أي يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد ، فإن لم يقاتل من ورائه وأتى عليه مرج أمر الناس وأكل القوي الضعيف وضيعت الحدود والفرائض ، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين . قوله : ( ويتقى به ) مجهول أيضا وأصله يوتقى به التاء مبدلة من الواو وبعد الإبدال تدغم التاء في التاء لأن أصله من الوقاية ، وقال المهلب : معنى يتقى به يرجع إليه في الرأي والعقل وغير ذلك . قوله : ( وإن قال بغيره ) أي وأن أمر بغير تقوى الله وعدله والتعبير عن الأمر بالقول شائع ، وقيل : معناه وإن فعل بغيره ، وقال بعضهم : هذا ليس بظاهر فإنه قسيم قوله : فإن أمر فيحمل على أن المراد وإن أمر ، قلت : العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول : قال بيده أي أخذ ، وقال برجله أي مشى ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، فإذا كان كذلك لا ينكر استعمال قال هنا بمعنى فعل . وقال الخطابي : قال هنا بمعنى حكم ، يقال : قال الرجل واقتال إذا حكم ، ثم قيل : إنه هنا مشتق من القيل بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وهو الملك الذي ينفذ حكمه ، وهذا في لغة حمير . قوله : فإن عليه منه ) أي فإن الوبال الحاصل عليه لا على المأمور . قال الكرماني : ويحتمل أن يكون بعضه عليه . قلت : هذا على تقدير أن تكون من للتبعيض ، والظاهر أن المأمور أيضا لا يخلو عن التبعة على ما حكي أن الحسن البصري وعامر الشعبي حضرا مجلس عمر بن هبيرة فقال لهما : إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور فما تريان ؟ فقال الشعبي : أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على آمرك . فقال الحسن : إذا خرجت من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فإن الله تعالى ينجيك من الأمير ولا ينجيك الأمير من الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال .