باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به
ج١٤ / ص٢٢٢( باب يقاتل من وراء الإمام ويتقى به ) 163 - حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، أن الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه ، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : نحن الآخرون السابقون . وبهذا الإسناد : من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ، ومن يعص الأمير فقد عصاني ، وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ، فإن أمر بتقوى الله وعدل فإن له بذلك أجرا ، وإن قال بغيره فإن عليه منه .
مطابقته للترجمة في قوله : ( وإنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به ) وسند هذا الحديث بهؤلاء الرجال قد مر غير مرة ، وأبو اليمان الحكم بن نافع ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . وأخرج النسائي بعض الحديث : الإمام جنة في البيعة وفي السير . قوله : ( نحن الآخرون ) أي في الدنيا ، ( السابقون ) في الآخرة ، وهذه القطعة مرت في كتاب الوضوء في باب البول في الماء الدائم ، فإنه أخرجه هناك وقال : حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : أخبرنا أبو الزناد أن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج حدثه أنه سمع أبا هريرة أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " نحن الآخرون السابقون " ثم قال وبإسناده قال : " لا يبولن .
" الحديث . قوله : ( وبهذا الإسناد ) أي الإسناد المذكور ، قال صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني " إلى آخره ، قال الخطابي : كانت قريش ومن يليهم من العرب لا يعرفون الإمارة ولا يطيعون غير رؤساء قبائلهم ، فلما ولي في الإسلام الأمراء أنكرته نفوسهم وامتنع بعضهم من الطاعة ، وإنما قال لهم صلى الله عليه وسلم هذا القول ليعلمهم أن طاعة الأمراء الذين كان يوليهم وجبت عليهم لطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس هذا الأمر خاصا بمن باشره الشارع بتولية الإمام به كما نبه عليه القرطبي بل هو عام في كل أمير عدل للمسلمين ، ويلزم منه نقيض ذلك في المخالفة والمعصية ، قوله : ( وإنما الإمام جنة ) بضم الجيم وتشديد النون أي سترة لأنه يمنع العدو من أذى المسلمين ، ويمنع الناس بعضهم من بعض ، والجنة الدرع ، وسمي المجن مجنا لأنه يستر به عند القتال ، والإمام كالساتر ، وقال الهروي : معنى الإمام جنة أن يقي الإمام الزلل والسهو كما يقي الترس صاحبه من وقع السلاح . وقال الخطابي : يحتمل أن يكون أراد به جنة في القتال وفيما يكون منه في أمره دون غيره .
قوله : ( يقاتل من ورائه ) على صيغة المجهول كما ذكرناه آنفا أي يقاتل معه الكفار والبغاة وسائر أهل الفساد ، فإن لم يقاتل من ورائه وأتى عليه مرج أمر الناس وأكل القوي الضعيف وضيعت الحدود والفرائض ، وتطاول أهل الحرب إلى المسلمين . قوله : ( ويتقى به ) مجهول أيضا وأصله يوتقى به التاء مبدلة من الواو وبعد الإبدال تدغم التاء في التاء لأن أصله من الوقاية ، وقال المهلب : معنى يتقى به يرجع إليه في الرأي والعقل وغير ذلك . قوله : ( وإن قال بغيره ) أي وأن أمر بغير تقوى الله وعدله والتعبير عن الأمر بالقول شائع ، وقيل : معناه وإن فعل بغيره ، وقال بعضهم : هذا ليس بظاهر فإنه قسيم قوله : فإن أمر فيحمل على أن المراد وإن أمر ، قلت : العرب تجعل القول عبارة عن جميع الأفعال وتطلقه على غير الكلام واللسان فتقول : قال بيده أي أخذ ، وقال برجله أي مشى ، وقال بالماء على يده أي قلب ، وقال بثوبه أي رفعه ، فإذا كان كذلك لا ينكر استعمال قال هنا بمعنى فعل .
وقال الخطابي : قال هنا بمعنى حكم ، يقال : قال الرجل واقتال إذا حكم ، ثم قيل : إنه هنا مشتق من القيل بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، وهو الملك الذي ينفذ حكمه ، وهذا في لغة حمير . قوله : فإن عليه منه ) أي فإن الوبال الحاصل عليه لا على المأمور . قال الكرماني : ويحتمل أن يكون بعضه عليه .
قلت : هذا على تقدير أن تكون من للتبعيض ، والظاهر أن المأمور أيضا لا يخلو عن ج١٤ / ص٢٢٣التبعة على ما حكي أن الحسن البصري وعامر الشعبي حضرا مجلس عمر بن هبيرة فقال لهما : إن أمير المؤمنين يكتب إلي في أمور فما تريان ؟ فقال الشعبي : أصلح الله الأمير أنت مأمور والتبعة على آمرك . فقال الحسن : إذا خرجت من سعة قصرك إلى ضيق قبرك فإن الله تعالى ينجيك من الأمير ولا ينجيك الأمير من الله تعالى والله أعلم بحقيقة الحال .