16 - بَاب مَنْ تَوَضَّأَ فِي الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى 274 - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى ، قَالَ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ ، عَنْ سَالِمٍ ، عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ مَيْمُونَةَ قَالَتْ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَضُوء الِجَنَابَةٍ فَأَكْفَأَ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ غَسَلَ فَرْجَهُ ثُمَّ ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ أَوْ الْحَائِطِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى رَأْسِهِ الْمَاءَ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ثُمَّ تَنَحَّى فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ قَالَتْ فَأَتَيْتُهُ بِخِرْقَةٍ فَلَمْ يُرِدْهَا فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَنْ تَوَضَّأَ فِي الْجَنَابَةِ ) سَقَطَ مِنْ أَوَاخِرِ التَّرْجَمَةِ لَفْظُ مِنْهُ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِ أَبِي ذَرٍّ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا ) وَلِأَبِي ذَرٍّ ( حَدَّثَنَا الْفَضْلُ ) . قَوْلُهُ : ( وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وُضُوءَ الْجَنَابَةِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْإِضَافَةِ ، وَلِكَرِيمَةَ وُضُوءًا بِالتَّنْوِينِ لِجَنَابَةٍ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ للجَنَابَةٌ وَلِرَفِيقَيْهِ وُضِعَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ لِرَسُولِ اللَّهِ بِزِيَادَةِ اللَّامِ أَيْ لِأَجْلِهِ وُضُوءٌ بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ . قَوْلُهُ : ( فَكَفَأَ ) وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ فَأَكْفَأَ أَيْ قَلَبَ . قَوْلُهُ : ( عَلَى يَسَارِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَلِلْمُسْتَمْلِي وَكَرِيمَةَ عَلَى شِمَالِهِ . قَوْلُهُ : ( ضَرَبَ يَدَهُ بِالْأَرْضِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ضَرْبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : حَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ قَبْلَهُ أَلْيَقُ بِالتَّرْجَمَةِ ; لِأَنَّ فِيهِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَفِيهِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ فَدَخَلَ فِي عُمُومِهِ مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ فَلَا يُطَابِقُ قَوْلُهُ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ وَأَجَابَ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ وَالْعُرْفِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ يَخُصُّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَإِنَّ تَقْدِيمَ غَسْلِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ وَعُرْفُ النَّاسِ مِنْ مَفْهُومِ الْجَسَدِ إِذَا أُطْلِقَ بَعْدَهُ يُعْطِي ذَلِكَ ا هـ . وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَأَجَابَ ابْنُ التِّينِ بِأَنَّ مُرَادَ الْبُخَارِيِّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ أَيْ مَا بَقِيَ مِنْ جَسَدِهِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ تِلْكَ الْقِصَّةِ كَمَا قَدَّمْنَا فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : لَفْظُ جَسَدِهِ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَعْضَاءِ الْبَدَنِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ السَّابِقُ ، أَوِ الْمُرَادُ هُنَا بِسَائِرِ جَسَدِهِ أَيْ بَاقِيهِ بَعْدَ الرَّأْسِ لَا أَعْضَاءُ الْوُضُوءِ . قُلْتُ : وَمِنْ لَازِمِ هَذَا التَّقْريرِ أَنَّ الْحَدِيثَ غَيْرُ مُطَابِقٍ لِلتَّرْجَمَةِ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ حَمَلَ قَوْلُهُ ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ عَلَى الْمَجَازِ أَيْ مَا بَقِيَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدُ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِذْ لَوْ كَانَ قَوْلُهُ غَسَلَ جَسَدَهُ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ لَمْ يَحْتَجْ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ ثَانِيًا ; لِأَنَّ غَسْلَهُمَا كَانَ يَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِتَصَرُّفَاتِ الْبُخَارِيِّ إِذْ مِنْ شَأْنِهِ الِاعْتِنَاءُ بِالْأَخْفَى أَكْثَرَ مِنَ الْأَجْلَى . وَاسْتَنْبَطَ ابْنُ بَطَّالٍ مِنْ كَوْنِهِ لَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ إِجْزَاءَ غُسْلِ الْجُمْعَةِ عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَإِجْزَاءَ الصَّلَاةِ بِالْوُضُوءِ الْمُجَدَّدِ لِمَنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ التَّجْدِيدِ مُحْدِثًا . وَالِاسْتِنْبَاطُ الْمَذْكُورُ مَبْنِيٌّ عِنْدَهُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ الْوَاقِعَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ سُنَّةٌ وَأَجْزَأَ مَعَ ذَلِكَ عَنْ غَسْلِ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ بَعْدَهُ . وَهِيَ دَعْوَى مَرْدُودَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ النِّيَّةِ ، فَمَنْ نَوَى غَسْلَ الْجَنَابَةِ وَقَدَّمَ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ لِفَضِيلَتِهِ ثُمَّ غَسَلَهُ وَإِلَّا فَلَا يَصِحُّ الْبِنَاءُ الْمَذْكُورُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( يَنْفُضُ الْمَاءَ بِيَدِهِ ) سَقَطَ الْمَاءُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَلِلْأَصِيلِيِّ فَجَعَلَ يَنْفُضُ بِيَدِهِ . وَبَاقِي مَبَاحِثِ الْمَتْنِ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْغُسْلِ . وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَنْ تَوَضَّأَ فِي الْجَنَابَةِ ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ وَلَمْ يُعِدْ غَسْلَ مَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مَرَّةً أُخْرَى · ص 455 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب مَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ ثم غسل سائرَ جَسَدهِ وَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرة أخرى · ص 315 16 - بَابُ مَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ ، ثم غسل سائرَ جَسَدهِ وَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرة أخرى خرج فيهِ : 274 - حديث ميمونة : قالت : وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءًا للجنابة ، فكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا . ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض - أو الحائط - مرتين أو ثلاثًا . ثم تمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه . ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه . قالت : فأتيته بخرقة ، فلم يردها ، فجعل ينفض الماء بيده . خرجه من طريق الفضل بن موسى ، عن الأعمش - بإسناده المتقدم . ووجه دلالة الحديث على ما بوب عليهِ أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده . ولم يعد غسل وجهه وذراعيه ، وإنما غسل رجليه أخيرًا ؛ لأنه لم يكن غسلهما أولًا . وقد خرج مسلم هذا الحديث من رواية عيسى بن يونس عن الأعمش ، وفي حديثه : ( ثُم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ، ثم غسل سائر جسده ) . وقوله : ( غسل سائر جسده ) - يدل على أنه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ ؛ لأن ( سائر ) إنما تستعمل بمعنى ( الباقي ) لا بمعنى ( الكل ) ، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة . وكذلك خرج مسلم حديث عائشة من حديث أبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - فذكرت الحديث ، وفي آخره : ( ثم أفاض على سائر جسده ) . وهو أيضا : دليل على أنه لم يعد غسل ما مضى غسله منه . والعجب من البخاري - رحمه الله - كيف ذكر في تبويبه ( من توضأ للجنابة ، ثم غسل سائر جسده ) ، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ ، وإنما تتم الدلالة به . ومقصوده بهذا الباب أن الجنب إذا توضأ فإنه يجب عليهِ غسل بقية بدنه ، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء . والجنب له حالتان : إحداهما : أنه لا يلزمه سوى الغسل ، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول : إن الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل ، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا - فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل . فإن بدأ بأعضاء الوضوء ، فغسلها - لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه ، بغير تردد . وينوي بوضوئه الغسل ، لا رفع الحدث الأصغر . صرح به الشافعية ، وهو ظاهر . الحالة الثانية : أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة ؛ إما بأن يحدث ، ثم يجنب . أو على قول من يقول : إن الجنابة بمجردها تنقض الوضوء ، وتوجب الغسل ، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره . فهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها . وأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل في الجملة . قالَ الحسن : إذا اغتمس في النهر ، وهو جنب - أجزأه عن الجنابة والحدث . فعلى هذا ، إذا غسل أعضاء الوضوء مرة لم يحتج إلى إعادة غسلها . قالَ أحمد : العمل عندي في غسل الجنابة أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء ، ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده . ولكن على هذا التقدير ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء . فإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل . ثم إن المشهور عن أحمد عندَ أصحابه كالخرقي ومن تابعه - أن الغسل والوضوء لا يتداخلان إلا بأن ينويهما كالحج والعمرة في القران ، وهو وجه للشافعية . وعلى هذا ، فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر . صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا . ويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى . فإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معًا لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى . والمنصوص عن الشافعي أنهما يتداخلان بدون نية ، نص على ذَلِكَ في ( الأم ) ، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن أحمد ، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء . فعلى هذا ، يجزئ الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة . وإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر كانَ أفضل ، قاله بعض الشافعية . ولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في الغسل . وعلى هذا التقدير ، فإن رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر ، بخلاف عكسه . وعن أحمد رواية أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء ، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود ، وهو وجه للشافعية ؛ لأن سببهما مختلف ، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة . وعلى هذا ، فيجب غسل أعضاء الوضوء مرتين [...] : مرة للوضوء ، ومرة في الغسل . وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر ، وبالغسل رفع الحدث الأكبر . وقالت طائفة : إن غسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان ، وإذا نوى رفعهما فلا يجب عليهِ إلا غسل باقي بدنه للجنابة . وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة ، وعليه أن يأتي بالوضوء على وجهه ؛ ليرفع الحدث الأصغر . وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه ، وهو قول أبي بكر بن جعفر ، ومن اتبعه من أصحابنا . واعتبروا أيضا أن يمسح رأسه . وقد سبق نص أحمد على أنه لا يحتاج إلى مسح رأسه ، بل يكفيه صب الماء عليهِ . وهو يدل على أن خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل الجنابة . وهو أيضا وجه لأصحاب الشافعي ، لكنهم لا يعتبرون الموالاة ولا نية الحدث الأصغر ، على الصحيح عندهم . وعندنا هما معتبران على الصحيح . وزعم أبو بكر الخلال أن هذا القول هوَ مذهب أحمد ، ووهم من حكى عنه خلافه ؛ فإن حنبلًا نقل عن أحمد في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق ، لم يحركه ، فصلى ، ثم ذكر - قالَ : يغسل موضعه ، ويعيد الصلاة . قالَ الخلال : هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ ؛ لأن أحمد عنده أن من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى ، أنه يعيد الوضوء والصلاة . قالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب ( الشافي ) : هذا يدل على أنه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء . قلت : إنما قالَ أحمد : ( يعيد الوضوء والصلاة ) - في المحدث حدثا أصغر . فأما الجنب فإن المنصوص عن أحمد أنه إذا انغمس في ماء وتمضمض ، واستنشق - أنه يجزئه ، بخلاف من يريد الوضوء ؛ فإنه يلزمه الترتيب والمسح . ولكن الخلال تأول كلامه على أن الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة ، وأما عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب ، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده . ونقول : إن قول أحمد : ( إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه ) - عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث . والذي عليهِ عامة الأصحاب ، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه - خلاف [ذَلِكَ] ، وأن أحمد إنما أراد المحدث حدثًا أصغر . ورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى ، وقول الخلال : ( إنها وهم بغير شك ) - غير مقبول ، والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب من توضأ في الجنابة ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى · ص 222 باب من توضأ في الجنابة ، ثم غسل سائر جسده ولم يعد غسل مواضع الوضوء مرة أخرى أي هذا باب في بيان حكم من توضأ . قوله : ولم يعد بضم الياء من الإعادة . قوله : منه في رواية أبي ذر ، وفي رواية الباقين ليس بموجود . وجه المناسبة بين البابين من حيث وجود الإكمال فيهما أما في الباب السابق فبالتخليل ، وفي هذا الباب بالوضوء في الاغتسال . 26 - حدثنا يوسف بن عيسى ، قال : أخبرنا الفضل بن موسى ، قال : أخبرنا الأعمش ، عن سالم ، عن كريب مولى ابن عباس ، عن ابن عباس ، عن ميمونة ، قالت : وضع رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءا للجنابة ، فأكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثا ، ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض أو الحائط مرتين أو ثلاثا ، ثم مضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه . اختلف الشراح في وجه مطابقة هذا الحديث للترجمة ، فقال ابن بطال : حديث عائشة الذي في الباب قبله أليق في الترجمة ، فإن فيه : ثم غسل سائر جسده ، وأما حديث الباب ففيه : ثم غسل جسده ، فدخل في عمومه مواضع الوضوء فلا يطابق . قوله : ولم يعد غسل مواضع الوضوء وأجاب ابن المنير بأن قرينة الحال والعرف من سياق الكلام تخص أعضاء الوضوء وذكر الجسد بعد ذكر الأعضاء المعينة يفهم عرفا بقية الجسد لا جملته ؛ لأن الأصل عدم التكرار . قلت : حاصل كلامه أن استخراج الترجمة بعيد لغة ، ومحتمل عرفا إذا لم يذكر إعادة غسلها ، وأجاب ابن التين بأن مراد البخاري أن يبين أن المراد بقوله في هذه الرواية : ثم غسل جسده ، أي : ما بقي من جسده بدليل الرواية الأخرى ، وقال الكرماني ما ملخصه : إن لفظ : جسده ، في قوله : ثم غسل جسده شامل لتمام البدن ، أعضاء الوضوء وغيره ، وكذا حكم الحديث السابق إذ المراد بسائر جسده ، أي : باقي جسده هو غير الرأس لا غير أعضاء الوضوء وغيره ، وقال بعضهم : في كلام ابن المنبر كلفة ، وفي كلام ابن التين نظر ؛ لأن هذه القصة غير تلك القصة ، وقال في كلام الكرماني من لازم هذا التقدير أن الحديث غير مطابق للترجمة ، ثم قال هذا القائل : والذي يظهر لي أن البخاري حمل قوله : ثم غسل جسده على المجاز ، أي : ما بقي ، ودليل ذلك قوله : بعد فغسل رجليه إذ لو كان قوله : غسل جسده محمولا على عمومه لم يحتج لغسل رجليه ثانيا ؛ لأن غسلهما دخل في العموم ، وهذا أشبه بتصرفات البخاري إذ من شأنه الاعتناء بالأخفى أكثر من الأجلى . قلت : ما ثم في هذا الذي ذكره هؤلاء المذكورون أكثر كلفة من كلام هذا القائل ؛ لأنه تصرف في كلامهم من غير تحقيق وأبعد من هذا دعواه أن البخاري حمل لفظ الجسد على المجاز ، فلا يعلم هو أن المجاز لا يصار إليه إلا عند تعذر الحقيقة أو لنكتة أخرى وأي ضرورة هاهنا إلى المجاز ، ومن قال : إن البخاري قصد هذا وأبعد من ذلك أنه علل ما ادعاه بغسل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رجليه ثانيا ، وما ذاك إلا لكون رجليه في مستنقع الماء ، وحاصل الكلام كلام ابن المنير أقرب في وجه مطابقة الحديث للترجمة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : ( يوسف بن عيسى ) بن يعقوب المروزي ، والفضل بن موسى أبو عبد الله السيناني ، والبقية ذكروا عن قريب . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين عند أبي ذر في الثاني ، وعند غيره أخبرنا ، وكذلك أخبرنا ( الأعمش ) . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . ( ذكر معانيه ) . قوله : وضوء للجنابة بفتح الواو وفي رواية كريمة : وضوء لجنابة بلام واحدة ، وفي رواية الكشميهني : وضوء الجنابة ، وقوله : وضع على بناء المعلوم ورسول الله فاعله ، ويروى على بناء المجهول : وضع لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أي : لأجله . قوله : فأكفأ ، كذا هو في رواية الأكثرين ، ورواية أبي ذر فكفأ ، أي : قلب . قوله : على يساره ، كذا هو للأكثرين . ولكريمة والمستملي : على شماله . قوله : ضرب يده بالأرض ، كذا هو للأكثرين وللكشميهني : بيده الأرض . ( قالت : فأتيته بخرقة فلم يردها فجعل ينفض بيده ) . فاعل قالت ميمونة ، ووقع في رواية الأصيلي : قالت عائشة : وهو غلط ظاهر ، وبيان الأحكام قد تقدم فيما مضى .