باب مَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ ثم غسل سائرَ جَسَدهِ وَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرة أخرى
بَابُ مَنْ توضَأ في الْجَنَابِةِ ، ثم غسل سائرَ جَسَدهِ وَلَمْ يعدْ غَسلْ مَواضِع الْوضُوءِ منْهُ مَرة أخرى خرج فيهِ : 274 - حديث ميمونة : قالت : وضع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضوءًا للجنابة ، فكفأ بيمينه على شماله مرتين أو ثلاثًا . ثم غسل فرجه ، ثم ضرب يده بالأرض - أو الحائط - مرتين أو ثلاثًا . ثم تمضمض واستنشق ، وغسل وجهه وذراعيه .
ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده ، ثم تنحى فغسل رجليه . قالت : فأتيته بخرقة ، فلم يردها ، فجعل ينفض الماء بيده . خرجه من طريق الفضل بن موسى ، عن الأعمش - بإسناده المتقدم .
ووجه دلالة الحديث على ما بوب عليهِ أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل وجهه وذراعيه ، ثم أفاض على رأسه الماء ، ثم غسل جسده . ولم يعد غسل وجهه وذراعيه ، وإنما غسل رجليه أخيرًا ؛ لأنه لم يكن غسلهما أولًا . وقد خرج مسلم هذا الحديث من رواية عيسى بن يونس عن الأعمش ، وفي حديثه : ( ثُم توضأ وضوءه للصلاة ، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ، ثم غسل سائر جسده ) .
وقوله : ( غسل سائر جسده ) - يدل على أنه لم يعد غسل ما كانَ غسله منه قبل ذَلِكَ ؛ لأن ( سائر ) إنما تستعمل بمعنى ( الباقي ) لا بمعنى ( الكل ) ، على الأصح الأشهر عندَ أهل اللغة . وكذلك خرج مسلم حديث عائشة من حديث أبي معاوية ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة - فذكرت الحديث ، وفي آخره : ( ثم أفاض على سائر جسده ) . وهو أيضا : دليل على أنه لم يعد غسل ما مضى غسله منه .
والعجب من البخاري - رحمه الله - كيف ذكر في تبويبه ( من توضأ للجنابة ، ثم غسل سائر جسده ) ، ولم يسق الحديث بهذا اللفظ ، وإنما تتم الدلالة به . ومقصوده بهذا الباب أن الجنب إذا توضأ فإنه يجب عليهِ غسل بقية بدنه ، ولا يلزمه إعادة غسل ما غسله من أعضاء الوضوء . والجنب له حالتان : إحداهما : أنه لا يلزمه سوى الغسل ، وهو من أجنب من غير أن يوجد منه حدث أصغر - على قول من يقول : إن الجنابة المجردة لا توجب سوى الغسل ، كما هوَ قول الشافعي وابن حامد من أصحابنا - فهذا لا يلزمه أكثر من الغسل .
فإن بدأ بأعضاء الوضوء ، فغسلها - لم يلزمه سوى غسل بقية بدنه ، بغير تردد . وينوي بوضوئه الغسل ، لا رفع الحدث الأصغر . صرح به الشافعية ، وهو ظاهر .
الحالة الثانية : أن يجتمع عليهِ حدث أصغر وجنابة ؛ إما بأن يحدث ، ثم يجنب . أو على قول من يقول : إن الجنابة بمجردها تنقض الوضوء ، وتوجب الغسل ، كما هوَ ظاهر مذهب أحمد وغيره . فهذه المسألة قد سبقت الإشارة إليها والاختلاف فيها .
وأكثر العلماء على تداخل الوضوء والغسل في الجملة . قالَ الحسن : إذا اغتمس في النهر ، وهو جنب - أجزأه عن الجنابة والحدث . فعلى هذا ، إذا غسل أعضاء الوضوء مرة لم يحتج إلى إعادة غسلها .
قالَ أحمد : العمل عندي في غسل الجنابة أن يبدأ الرجل بمواضع الوضوء ، ثم يغسل بعد ذَلِكَ سائر جسده . ولكن على هذا التقدير ينوي بوضوئه رفع الحدثين عن أعضاء الوضوء . فإن نوى رفع الحدث الأصغر وحده احتاج إلى إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل .
ثم إن المشهور عن أحمد عندَ أصحابه كالخرقي ومن تابعه - أن الغسل والوضوء لا يتداخلان إلا بأن ينويهما كالحج والعمرة في القران ، وهو وجه للشافعية . وعلى هذا ، فينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر . صرح به ابن أبي موسى من أصحابنا .
ويلزم من ذَلِكَ وجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء في الغسل مرة أخرى . فإن نوى بالوضوء رفع الحدثين معًا لم يلزمه إعادة غسلهما مرة أخرى . والمنصوص عن الشافعي أنهما يتداخلان بدون نية ، نص على ذَلِكَ في ( الأم ) ، وحكاه أبو حفص البرمكي رواية عن أحمد ، كما لو كانا من جنس واحد عندَ أكثر العلماء .
فعلى هذا ، يجزئ الوضوء بنية رفع الحدث الأكبر خاصة . وإن نوى بالوضوء رفع الحدث الأصغر كانَ أفضل ، قاله بعض الشافعية . ولكن ينبغي أن يقولوا بوجوب إعادة غسل أعضاء الوضوء مرة أخرى في الغسل .
وعلى هذا التقدير ، فإن رفع الحدث الأصغر لا يندرج فيهِ الأكبر ، بخلاف عكسه . وعن أحمد رواية أنه لا يرتفع الحدث الأصغر بدون الإتيان بالوضوء ، وحكي مثله عن مالك وأبي ثور وداود ، وهو وجه للشافعية ؛ لأن سببهما مختلف ، فلم يتداخلا كحد الزنا وحد السرقة . وعلى هذا ، فيجب غسل أعضاء الوضوء مرتين [...] : مرة للوضوء ، ومرة في الغسل .
وينوي بالوضوء رفع الحدث الأصغر ، وبالغسل رفع الحدث الأكبر . وقالت طائفة : إن غسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية ارتفع عنهما الحدثان ، وإذا نوى رفعهما فلا يجب عليهِ إلا غسل باقي بدنه للجنابة . وإن لم يغسل أعضاء الوضوء مرتبة متوالية لم يرتفع عنها سوى حدث الجنابة ، وعليه أن يأتي بالوضوء على وجهه ؛ ليرفع الحدث الأصغر .
وحكي هذا عن إسحاق بن راهويه ، وهو قول أبي بكر بن جعفر ، ومن اتبعه من أصحابنا . واعتبروا أيضا أن يمسح رأسه . وقد سبق نص أحمد على أنه لا يحتاج إلى مسح رأسه ، بل يكفيه صب الماء عليهِ .
وهو يدل على أن خصائص الوضوء عنده كلها غير معتبرة في وضوء غسل الجنابة . وهو أيضا وجه لأصحاب الشافعي ، لكنهم لا يعتبرون الموالاة ولا نية الحدث الأصغر ، على الصحيح عندهم . وعندنا هما معتبران على الصحيح .
وزعم أبو بكر الخلال أن هذا القول هوَ مذهب أحمد ، ووهم من حكى عنه خلافه ؛ فإن حنبلًا نقل عن أحمد في جنب اغتسل وعليه خاتم ضيق ، لم يحركه ، فصلى ، ثم ذكر - قالَ : يغسل موضعه ، ويعيد الصلاة . قالَ الخلال : هذا وهم من حنبل لا شك فيهِ ؛ لأن أحمد عنده أن من لم يحرك خاتمه الضيق في الوضوء وصلى ، أنه يعيد الوضوء والصلاة . قالَ أبو بكر ابن جعفر في كتاب ( الشافي ) : هذا يدل على أنه لا بد في غسل الجنابة من الوضوء .
قلت : إنما قالَ أحمد : ( يعيد الوضوء والصلاة ) - في المحدث حدثا أصغر . فأما الجنب فإن المنصوص عن أحمد أنه إذا انغمس في ماء وتمضمض ، واستنشق - أنه يجزئه ، بخلاف من يريد الوضوء ؛ فإنه يلزمه الترتيب والمسح . ولكن الخلال تأول كلامه على أن الجنب يجزئه انغماسه في الماء من غسل الجنابة ، وأما عن الوضوء فلا يجزئه حتى يرتب ، كالمحدث الحدث الأصغر بانفراده .
ونقول : إن قول أحمد : ( إذا انغمس وأراد الوضوء لا يجزئه ) - عام فيمن أراد الوضوء وهو جنب أو محدث . والذي عليهِ عامة الأصحاب ، كالخرقي وابن أبي موسى والقاضي أبي يعلى وأصحابه - خلاف [ذَلِكَ] ، وأن أحمد إنما أراد المحدث حدثًا أصغر . ورواية حنبل هذه صريحة في هذا المعنى ، وقول الخلال : ( إنها وهم بغير شك ) - غير مقبول ، والله سبحانه وتعالى أعلم .