3017 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حَرَّقَ قَوْمًا ، فَبَلَغَ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْتُ أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ . وَلَقَتَلْتُهُمْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَيُّوبَ ) صَرَّحَ الْحُمَيْدِيُّ ، عَنْ سُفْيَانَ بِتَحْدِيثِ أَيُّوبَ لَهُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( إنَّ عَلِيًّا حَرَقَ قَوْمًا ) فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ الْمَذْكُورَةِ : أَنَّ عَلِيًّا أَحْرَقَ الْمُرْتَدِّينَ يَعْنِي الزَّنَادِقَةَ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، جَمِيعًا عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ ، وَأَيُّوبَ ، وَعَمَّارًا الدُّهْنِيَّ ، اجْتَمَعُوا فَتَذَّكَّرُوا الَّذِينَ حَرَّقَهُمْ عَلِيٌّ ، فَقَالَ أَيُّوبُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ عَمَّارٌ : لَمْ يَحْرِقْهُمْ ، وَلَكِنْ حَفَرَ لَهُمْ حَفَائِرَ وَخَرَقَ بَعْضَهَا إِلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ دَخَّنَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قَالَ الشَّاعِرُ : لِتَرْمِ بِيَ الْمَنَايَا حَيْثُ شَاءَتْ إِذَا لَمْ تَرْمِ بِي فِي الْحُفْرَتَيْنِ إِذَا مَا أَجَّجُوا حَطَبًا وَنَارًا هُنَاكَ الْمَوْتُ نَقْدًا غَيْرُ دَيْنِ انْتَهَى . وَكَأَنَّ عَمْرَو بْنَ دِينَارٍ أَرَادَ بِذَلِكَ الرَّدَّ عَلَى عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ فِي إِنْكَارِهِ أَصْلَ التَّحْرِيقِ . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْجُزْءِ الثَّالِثِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَاهِرٍ الْمُخْلِصِ : حَدَّثَنَا لُوَيْنٌ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، فَذَكَرَهُ عَنْ أَيُّوبَ وَحْدَهُ ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ عَنْ عَمَّارٍ وَحْدَهُ ، قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : فَذَكَرْتُهُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ : فَأَيْنَ قَوْلُهُ : أَوْقَدْتُ نَارِي وَدَعَوْتُ قَنْبَرًا فَظَهَرَ بِهَذَا صِحَّةُ مَا كُنْتُ ظَنَنْتُهُ ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ فِي آخِرِ الْحُدُودِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَيُّوبَ ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ : أُتِيَ عَلِيٌّ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ . وَلِأَحْمَدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ : أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الزَّنَادِقَةِ وَمَعَهُمْ كُتُبٌ ، فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُجِّجَتْ ثُمَّ أَحْرَقَهُمْ وَكُتُبَهُمْ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ نَاسٌ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ فِي السِّرِّ وَيَأْخُذُونَ الْعَطَاءَ ، فَأَتَى بِهِمْ عَلِيٌّ فَوَضَعَهُمْ فِي السِّجْنِ وَاسْتَشَارَ النَّاسَ ، فَقَالُوا : اقْتُلْهُمْ ، فَقَالَ : لَا بَلْ أَصْنَعُ بِهِمْ كَمَا صُنِعَ بِأَبِينَا إِبْرَاهِيمَ ، فَحَرَّقَهُمْ بِالنَّارِ . قَوْلُهُ : ( لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ ) هَذَا أَصْرَحُ فِي النَّهْيِ مِنَ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَزَادَ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَيُّوبَ فِي آخِرِهِ : فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ : وَيْحَ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ : مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَا يُعَذَّبُ بِعَذَابِ اللَّهِ · ص 175 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب لا يعذب بعذاب الله · ص 264 220 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان ، عن أيوب ، عن عكرمة : أن عليا رضي الله عنه حرق قوما ، فبلغ ابن عباس ، فقال : لو كنت أنا لم أحرقهم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : من بدل دينه فاقتلوه . مطابقته للترجمة : في قوله : لا تعذبوا بعذاب الله ، وعلي بن عبد الله هو ابن المديني ، وسفيان هو ابن عيينة ، وأيوب هو السختياني ، وعكرمة هو مولى ابن عباس . والحديث أخرجه البخاري أيضا في استتابة المرتدين ، عن أبي النعمان محمد بن الفضل ، وأخرجه أبو داود في الحدود ، عن أحمد بن حنبل ، وأخرجه الترمذي فيه ، عن أحمد بن عبدة الضبي ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمد بن عبد الله المخزومي ، وعن عمران بن موسى ، وعن محمود بن غيلان ، وأخرجه ابن ماجه في الحدود ، عن محمد بن الصباح . قوله : إن عليا حرق قوما ، وفي رواية الحميدي : إن عليا أحرق المرتدين ، يعني : الزنادقة ، وفي رواية ابن أبي عمر وعمر بن عباد ، جميعا عن سفيان قال : رأيت عمرو بن دينار وأيوب وعمار الدهني اجتمعوا فتذاكروا الذين أحرقهم علي ، فقال أيوب : فذكر الحديث ، قال : فقال عمار : لم يحرقهم ؛ ولكن حفر لهم حفائر وحرق بعضها إلى بعض ، ثم دخن عليهم ، وقال عمرو بن دينار : أراد بذلك الرد على عمار الدهني في إنكاره أصل التحريق ، وقال المهلب : ليس نهيه عن التحريق على التحريم ، وإنما هو على سبيل التواضع ، والدليل على أنه ليس بحرام سمل الشارع أعين الرعاة بالنار ، وتحريق الصديق رضي الله تعالى عنه الفجاة بالنار في مصلى المدينة بحضرة الصحابة ، وتحريق علي رضي الله تعالى عنه الخوارج بالنار ، وأكثر علماء المدينة يجيزون تحريق الحصون على أهلها بالنار ، وقول أكثرهم بتحريق المراكب ، وهذا كله يدل على أن معنى الحديث على الندب ، وممن كره رمي أهل الشرك بالنار عمر وابن عباس وابن عبد العزيز ، وهو قول مالك ، وأجازه علي ، وحرق خالد بن الوليد رضي الله عنه ناسا من أهل الردة ، فقال عمر للصديق : انزع هذا الذي يعذب بعذاب الله ، فقال الصديق : لا أنزع سيفا سله الله على المشركين ، وأجاز الثوري رمي الحصون بالنار ، وقال الأوزاعي : لا بأس أن يدخن عليهم في المطمورة إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة ، ويحرقوا ويقتلوا كل قتال ، ولو لقيناهم في البحر رميناهم بالنفط والقطران ، وأجاز ابن القاسم رمي الحصن بالنار والمراكب ، إذا لم يكن فيها إلا المقاتلة فقط . قوله : لو كنت أنا خبره محذوف ، أي لو كنت أنا بدله ، وكان ذلك من علي بالرأي والاجتهاد ، قوله : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا تعذبوا بعذاب الله هذا أصرح في النهي من الذي قبله ، وأخرج أبو داود هذا الحديث عن أحمد بن حنبل ، وفي آخره : فبلغ ذلك عليا ، فقال : ويح ابن عباس ، ورأيت في نسخة صحيحة : ويح أم ابن عباس . قوله : من بدل دينه فاقتلوه هذا يدل على أن كل من بدل دينه يقتل ولا يحرق بالنار ، وبه احتج ابن الماجشون أن المرتد يقتل ولا يستتاب ، وجمهور الفقهاء على استتابته ، فإن تاب قبلت توبته ، واحتج به الشافعي أيضا في قوله : من انتقل من كفر إلى كفر إنه يقتل إن لم يسلم ، وهذا مثل اليهودي إذا تنصر أو النصراني إذا تهود ، وعند أبي حنيفة لا يقتل لأن الكفر كله ملة واحدة ، واحتج به الشافعي أيضا في قتل المرتدة ، وعند أبي حنيفة لا تقتل بل تحبس .