3059 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ : حَدَّثَنِي مَالِكٌ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا عَلَى الْحِمَى ، فَقَالَ : يَا هُنَيُّ ، اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ ؛ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُسْتَجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ ، وَإِيَّايَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ ؛ فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَا إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَأْتِنِي بِبَنِيهِ فَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ . أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا لَا أَبَا لَكَ ؟ ! فَالْمَاءُ وَالْكَلَأُ أَيْسَرُ عَلَيَّ مِنْ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ ، وَأَيْمُ اللَّهِ ، إِنَّهُمْ لَيَرَوْنَ أَنِّي قَدْ ظَلَمْتُهُمْ ، إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ فَقَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمُوا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ اسْتَعْمَلَ مَوْلًى لَهُ يُدْعَى هُنَيًّا ) بِالنُّونِ مُصَغَّرٌ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَقَدْ يُهْمَزُ ، وَهَذَا الْمَوْلَى لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ مَعَ إِدْرَاكِهِ ، وَقَدْ وَجَدْتُ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمْرَ ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عُمَيْرٌ وَشَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَغَيْرُهُمَا ، وَشَهِدَ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى عَلِيٍّ لَمَّا قُتِلَ عَمَّارٌ ، ثُمَّ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ مَكَّةَ لِعُمَرَ بْنِ شَبَّةَ أَنَّ آلَ هُنَيٍّ يَنْتَسِبُونَ فِي هَمْدَانَ ، وَهُمْ مَوَالِي آلِ عُمَرَ ، انْتَهَى . وَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْفُضَلَاءِ النُّبَهَاءِ الْمَوْثُوقِ بِهِمْ لَمَا اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ . قَوْلُهُ : ( عَلَى الْحِمَى ) بَيَّنَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَيْرِ بْنِ هُنَيٍّ عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّهُ كَانَ عَلَى حِمَى الرَّبَذَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الشُّرْبِ . قَوْلُهُ : ( اضْمُمْ جَنَاحَكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ ) أَيِ : اكْفُفْ يَدَكَ عَنْ ظُلْمِهِمْ ، وَفِي رِوَايَةِ مَعْنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْغَرَائِبِ : اضْمُمْ جَنَاحَكَ لِلنَّاسِ ، وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ اسْتُرْهُمْ بِجَنَاحِكَ ، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ . قَوْلُهُ : ( وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ ) فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ ، وَأَبِي نُعَيْمٍ : دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ . قَوْلُهُ : ( وَأَدْخِلْ ) بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ ، وَالصُّرَيْمَةُ بِالْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرٌ ، وَكَذَا الْغُنَيْمَةُ ، أَيْ : صَاحِبَ الْقِطْعَةِ الْقَلِيلَةِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ ، وَمُتَعَلِّقُ الْإِدْخَالِ مَحْذُوفٌ ، وَالْمُرَادُ الْمَرْعَى . قَوْلُهُ : ( وَإِيَّايَ ) فِيهِ تَحْذِيرُ الْمُتَكَلِّمِ نَفْسَهُ ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَ النُّحَاةِ ، كَذَا قِيلَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الشُّذُوذَ فِي لَفْظِهِ ، وَإِلَّا فَالْمُرَادُ فِي التَّحْقِيقِ إِنَّمَا هُوَ تَحْذِيرُ الْمُخَاطَبِ ، وَكَأَنَّهُ بِتَحْذِيرِ نَفْسِهِ حَذَّرَهُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَيَكُونُ أَبْلَغَ ، وَنَحْوُهُ نَهْيُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ ، وَمُرَادُهُ نَهْيُ مَنْ يُخَاطِبُهُ ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي بَابِ الْغُلُولِ . وَقَوْلُهُ فِيهِ : ابْنِ عَوْفٍ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، وَ ابْنِ عَفَّانَ هُوَ عُثْمَانُ ، وَخَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ عَلَى طَرِيقِ الْمِثَالِ لِكَثْرَةِ نَعَمِهِمَا ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ مَيَاسِيرِ الصَّحَابَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ مَنْعَهُمَا الْبَتَّةَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَسَعِ الْمَرْعَى إِلَّا نَعَمَ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ فَنَعَمُ الْمُقِلِّينَ أَوْلَى ، فَنَهَاهُ عَنْ إِيثَارِهِمَا عَلَى غَيْرِهِمَا ، أَوْ تَقْدِيمِهِمَا قَبْلَ غَيْرِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَ حِكْمَةَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ . قَوْلُهُ : ( بِبَيْتِهِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُثَنَّاةٍ قَبْلَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ بِلَفْظِ مُفْرَدِ الْبَيْتِ ، وَلِلكُشْمِيهَنِيِّ بِنُونٍ قَبْلَ التَّحْتَانِيَّةِ بِلَفْظِ جَمْعِ الْبَنِينَ ، وَالْمَعْنَى مُتَقَارِبٌ . قَوْلُهُ : ( يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ) حَذَفَ الْمَقُولَ لِدَلَالَةِ السِّيَاقِ عَلَيْهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي لَفْظٍ ، وَالتَّقْدِيرُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا فَقِيرٌ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَنَا أَحَقُّ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( أَفَتَارِكُهُمْ أَنَا ؟ ) اسْتِفْهَامُ إِنْكَارٍ ، وَمَعْنَاهُ : لَا أَتْرُكُهُمْ مُحْتَاجِينَ ، وَقَوْلُهُ : لَا أَبَا لَكَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ ، وَظَاهِرُهُ الدُّعَاءُ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهُ عَلَى مَجَازِهِ لَا عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَهُوَ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ ؛ لِأَنَّهُ صَارَ شَبِيهًا بِالْمُضَافِ ، وَإِلَّا فَالْأَصْلُ لَا أَبًا لَكَ ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُمْ لَوْ مُنِعُوا مِنَ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ لَهَلَكَتْ مَوَاشِيهِمْ فَاحْتَاجَ إِلَى تَعْوِيضِهِمْ بِصَرْفِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لَهُمْ لِسَدِّ خُلَّتِهِمْ ، وَرُبَّمَا عَارَضَ ذَلِكَ الِاحْتِيَاجُ إِلَى النَّقْدِ فِي صَرْفِهِ فِي مُهِمٍّ آخَرَ . قَوْلُهُ : ( أَنَّهُمْ لَيُرَوْنَ ) بِضَمِّ التَّحْتَانِيَّةِ أَوَّلَهُ بِمَعْنَى الظَّنِّ ، وَبِفَتْحِهَا بِمَعْنَى الِاعْتِقَادِ . وَقَوْلُهُ : أَنِّي قَدْ ظَلَمَتْهُمْ قَالَ ابْنُ التِّينِ : يُرِيدُ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْكَثِيرَةِ ، كَذَا قَالَ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَرَادَ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي الْقَلِيلَةِ ؛ لِأَنَّهُمُ الْمُعْظَمُ وَالْأَكْثَرُ ، وَهُمْ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ بَوَادِي الْمَدِينَةِ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عُمَرَ : إِنَّهَا لَبِلَادُهُمْ وَإِنَّمَا سَاغَ لِعُمَرَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مَوَاتًا فَحَمَاهُ لِنَعَمِ الصَّدَقَةِ لِمَصْلَحَةِ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ عَنْ مَعَنِ بْنِ عِيسَى ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ : أَنَّ عُمَرَ أَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، بِلَادُنَا ، قَاتَلْنَا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَأَسْلَمْنَا عَلَيْهَا فِي الْإِسْلَامِ ، ثُمَّ تُحْمَى عَلَيْنَا ، فَجَعَلَ عُمَرُ يَنْفُخُ وَيَفْتِلُ شَارِبَهُ ، وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ مَالِكٍ بِنَحْوِهِ وَزَادَ : فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ ذَلِكَ أَلَحَّ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ قَالَ : الْمَالُ مَالُ اللَّهِ ، وَالْعِبَادُ عِبَادُ اللَّهِ ، مَا أَنَا بِفَاعِلٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : لَمْ يَدْخُلِ ابْنُ عَفَّانَ وَلَا ابْنُ عَوْفٍ فِي قَوْلِهِ : قَاتَلُوا عَلَيْهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَالْكَلَامُ عَائِدٌ عَلَى عُمُومِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، لَا عَلَيْهِمَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إِنَّمَا قَالَ عُمَرُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَسْلَمُوا عَفْوًا وَكَانَتْ أَمْوَالُهُمْ لَهُمْ ، وَلِهَذَا سَاوَمَ بَنِي النَّجَّارِ بِمَكَانِ مَسْجِدِهِ ، قَالَ : فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ فَهُوَ أَحَقُّ بِأَرْضِهِ ، وَمَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْعَنْوَةِ فَأَرْضُهُ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْعَنْوَةِ غُلِبُوا عَلَى بِلَادِهِمْ كَمَا غُلِبُوا عَلَى أَمْوَالِهِمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الصُّلْحِ فِي ذَلِكَ . وَفِي نَقْلِ الِاتِّفَاقِ نَظَرٌ لِمَا بَيَّنَّا أَوَّلَ الْبَابِ ، وَهُوَ وَمَنْ بَعْدَهُ حَمَلُوا الْأَرْضَ عَلَى أَرْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الَّتِي أَسْلَمَ أَهْلُهَا عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مِلْكِهِمْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ ذَلِكَ هُنَا ، وَإِنَّمَا حَمَى عُمَرُ بَعْضَ الْمَوَاتِ مِمَّا فِيهِ نَبَاتٌ مِنْ غَيْرِ مُعَالَجَةِ أَحَدٍ ، وَخَصَّ إِبِلَ الصَّدَقَةِ وَخُيُولَ الْمُجَاهِدِينَ ، وَأَذِنَ لِمَنْ كَانَ مُقِلًّا أَنْ يَرْعَى فِيهِ مَوَاشِيَهُ رِفْقًا بِهِ ، فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْمُخَالِفِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ : ( يَرَوْنَ أَنِّي ظَلَمْتُهُمْ ) ، فَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ أَوْلَى بِهِ ، لَا أَنَّهُمْ مُنِعُوا حَقَّهُمُ الْوَاجِبَ لَهُمْ . قَوْلُهُ : ( لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) أَيْ : مِنَ الْإِبِلِ الَّتِي كَانَ يَحْمِلُ عَلَيْهَا مَنْ لَا يَجِدُ مَا يَرْكَبُ ، وَجَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عِدَّةَ مَا كَانَ فِي الْحِمَى فِي عَهْدِ عُمَرَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ أَلْفًا مِنْ إِبِلٍ وَخَيْلٍ وَغَيْرِهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ : مَا كَانَ فِيهِ عُمَرُ مِنَ الْقُوَّةِ وَجَوْدَةِ النَّظَرِ وَالشَّفَقَةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي الْمُوَطَّأِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ : هُوَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا وبَاب إِذَا أَسْلَمَ قَوْمٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَهُمْ مَالٌ وَأَرَضُونَ فَهِيَ لَهُمْ · ص 204 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إذا أسلم قوم في دار الحرب ولهم مال وأرضون فهي لهم · ص 304 255 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني مالك ، عن زيد بن أسلم ، عن أبيه : أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل مولى له يدعى هنيا على الحمى ، فقال : يا هني اضمم جناحك عن المسلمين ، واتق دعوة المظلوم فإن دعوة المظلوم مستجابة ، وأدخل رب الصريمة ورب الغنيمة وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان فإنهما إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، وإن رب الصريمة ورب الغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتني ببنيه فيقول : يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين ، أفتاركهم أنا لا أبا لك ، فالماء والكلأ أيسر علي من الذهب والورق ، وايم الله إنهم ليرون أني قد ظلمتهم ، إنها لبلادهم ، فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام ، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا . مطابقته للترجمة : يمكن أن تؤخذ من قوله : إنها لبلادهم فقاتلوا عليها في الجاهلية وأسلموا عليها في الإسلام وذلك لأن أهل المدينة أسلموا لو لم يكونوا من أهل العنوة فهم أحق ، ومن أسلم من أهل العنوة فأرضه فيء للمسلمين ، وإسماعيل هو ابن أويس واسمه عبد الله وهو ابن أخت مالك ، وأسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه . وهذا الأثر تفرد به البخاري ، عن الجماعة ، وقال الدارقطني : فيه غريب صحيح . قوله هنيا بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء آخر الحروف ، وقد يهمز ، أدرك أيام النبي صلى الله عليه وسلم ولكن لم يذكره أحد في الصحابة ، وروى عن أبي بكر وعمر وعمرو بن العاص ، وروى عنه ابنه عمير وشيخ من الأنصار وغيرهما ، وشهد صفين مع معاوية ، ولما قتل عمار تحول إلى علي رضي الله تعالى عنه ، ولولا هو من أهل الفضل والثقة لما ولاه عمر على موضع . قوله : على الحمى بكسر الحاء المهملة وفتح الميم مقصورا ، وهو موضع يعينه الإمام لأجل نعم الصدقة ممنوعا عن الغير ، وبين ابن سعد من طريق عمير بن علي ، عن أبيه أنه كان على حمى الربذة ، قوله : اضمم جناحك ضم الجناح كناية عن الرحمة والشفقة ، وحاصل المعنى كف يدك عن ظلم المسلمين ، وفي رواية معن بن عيسى ، عن مالك عند الدارقطني في الغرائب اضمم جناحك للناس وفي التلويح : اضمم جناحك على المسلمين يريد استرهم بجناحك ، وفي بعض الروايات على المسلمين أي لا تحمل ثقلك عليهم وكف يدك عن ظلمهم . قوله : واتق دعوة المظلوم هكذا في رواية الإسماعيلي والدارقطني وأبي نعيم ، ويروى : واتق دعوة المسلمين . قوله : وأدخل بفتح الهمزة وكسر الخاء المعجمة ، أمر من الإدخال ، يعني : أدخل في المرعى رب الصريمة بضم الصاد المهملة وفتح الراء مصغر الصرمة وهي القطيعة من الإبل بقدر الثلاثين ، والغنيمة مصغر الغنم ، والمعنى صاحب القطيعة القليلة من الإبل والغنم ، ولهذا صغر اللفظين ، قوله : وإياي وكان القياس أن يقول وإياك ؛ لأن هذه اللفظة للتحذير ، وتحذير المتكلم نفسه شاذ عند النحاة ؛ ولكنه بالغ فيه من حيث إنه حذر نفسه ومراده تحذير المخاطب ، وهو أبلغ لأنه ينهى نفسه ومراده نهي من يخاطبه . قوله : نعم ابن عوف وهو عبد الرحمن بن عوف ، ونعم بن عفان وهو عثمان بن عفان ، وإنما خصهما بالذكر على طريق المثال لكثرة نعمهما لأنهما كانا من مياسير الصحابة ، ولم يرد بذلك منعهما البتة وإنما أراد أنه إذا لم يسع المرعى إلا نعم الفريقين فنعم المقلين أولى ، فنهاه عن إيثارهما على غيرهما وتقديمهما على غيرهما ، وقد بين وجه ذلك في الحديث بقوله فإنهما أي فإن ابن عوف وابن عفان إن تهلك ماشيتهما يرجعان إلى نخل وزرع ، أراد أن ماشيتهما إذا هلكت كان لهما عوض ذلك من أموالهما من النخل والزرع وغيرهما يعيشان فيها ، ومن ليس له إلا الصريمة القليلة أو الغنيمة القليلة إن تهلك ماشيتهما يستغيث عمر ويقول أنفق علي وعلى بني من بيت المال ، وهو معنى قوله : يأتني ببنيه أي بأولاده ، فيقول يا أمير المؤمنين نحن فقراء محتاجون ، وهذا في رواية الكشميهني هكذا ، ببنيه جمع ابن ، وفي رواية غيره ببيته بلفظ البيت الذي هو عبارة عن زوجته ، قوله : يا أمير المؤمنين يا أمير المؤمنين هكذا هو بالتكرار ، قوله : أفتاركهم أنا الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، والمعنى أنا لا أتركهم محتاجين ولا أجوز ذلك ، فلا بد لي من إعطاء الذهب والفضة إياهم بدل الماء والكلأ ، قوله : لا أبا لك هو حقيقة في الدعاء عليه لكن الحقيقة مهجورة ، وهي بلا تنوين ؛ لأنه صار شبيها بالمضاف وإلا فالأصل لا أب لك ، قوله : وايم الله من ألفاظ القسم كقولك لعمر الله وعهد الله ، وفيه لغات كثيرة ، وتفتح همزتها وتكسر ، وهمزتها همزة وصل وقد تقطع ، وأهل الكوفة من النحاة يزعمون أنها جمع يمين ، وغيرهم يقول هو اسم موضوع للقسم ، قوله : إنهم ليرون بضم الياء أي ليظنون أني قد ظلمتهم ، ويجوز بفتح الياء أي ليعتقدون ، قوله : قد ظلمتهم قال ابن التين : يريد أرباب المواشي الكثيرة ، والظاهر أنه أراد أرباب المواشي القليلة لأنهم الأكثرون وهم أهل تلك البلاد من بوادي المدينة ، يدل عليه قوله : إنها أي إن هذه الأراضي لبلادهم ، فقاتلوا عليها في الجاهلية ، والمراد عموم أهل المدينة ، ولم يدخل في ذلك ابن عوف ولا ابن عفان ، قوله : لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله أي من الإبل التي كان يحمل عليها من لا يجد ما يركب ، وجاء عن مالك أن عدة ما كان في الحمى في زمن عمر رضي الله تعالى عنه بلغ أربعين ألفا من إبل وخيل وغيرهما . وفيه دليل على أن مشارع القرى وعوامرها التي ترعى فيها مواشي أهلها من حقوق أهل القرية ، وليس للسلطان بيعه إلا إذا فضل منه فضلة ، فإن قلت : قد مضى لا حمى إلا لله ولرسوله قلت : معناه لا حمى لأحد يخص به نفسه ، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث ذلك عنه صلى الله عليه وسلم من الخلفاء للمصلحة الشاملة للمسلمين وما يحتاجون إلى حمايته .