23 - بَاب عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ 283 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرٌ ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقِيَهُ فِي بَعْضِ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ ، فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ أَيْنَ كُنْتَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ كُنْتُ جُنُبًا فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إِنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ ) كَأَنَّ الْمُصَنِّفَ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْخِلَافِ فِي عَرَقِ الْكَافِرِ ، وَقَالَ قَوْمٌ : إِنَّهُ نَجِسٌ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ كَمَا سَيَأْتِي ، فَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ بَيَانُ حُكْمِ عَرَقِ الْجُنُبِ وَبَيَانُ أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ ، وَإِذَا كَانَ لَا يَنْجُسُ فَعَرَقُهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْكَافِرَ يَنْجُسُ فَيَكُونُ عَرَقُهُ نَجِسًا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ ، وَحُمَيْدٌ هُوَ الطَّوِيلُ ، وَبَكْرٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيُّ ، وَأَبُو رَافِعٍ هو الصَّائِغُ وَهُوَ مَدَنِيٌّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ ، وَمَنْ دُونَهُ فِي الْإِسْنَادِ بَصْرِيُّونَ أَيْضًا ، وَحُمَيْدٌ ، وَبَكْرٌ ، وَأَبُو رَافِعٍ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ . قَوْلُهُ : ( فِي بَعْضِ طريقٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَالْأَصِيلِيِّ طُرُقٌ وَلِأَبِي دَاوُدَ ، وَالنَّسَائِيِّ لَقِيتُهُ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ تُوَافِقُ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ . قَوْلُهُ : ( وَهُوَ جُنُبٌ ) يَعْنِي نَفْسَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَأَنَا جُنُبٌ . قَوْلُهُ : ( فَانْخَنَسْتُ ) كَذَا لِلْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَالْحَمَوِيِّ ، وَكَرِيمَةَ بِنُونٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ نُونٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ ، وَقَالَ الْقَزَّازُ : وَقَعَ فِي رِوَايَةٍ فَانْبَخَسْتُ يَعْنِي بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ . قَالَ : وَلَا وَجْهَ لَهُ ، وَالصَّوَابُ أَنْ يُقَالَ فَانْخَنَسْتُ يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ ، قَالَ : وَالْمَعْنَى مَضَيْتُ عَنْهُ مُسْتَخْفِيًا وَلِذَلِكَ وُصِفَ الشَّيْطَانُ بِالْخَنَّاسِ ، وَيُقَوِّيهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَانْسَلَلْتُ . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَقَعَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَانْبَخَسْتُ يَعْنِي كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ : وَلِابْنِ السَّكَنِ بِالْجِيمِ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا أَيْ جَرَتْ وَانْدَفَعَتْ ، وَهَذِهِ أَيْضًا رِوَايَةُ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي الْوَقْتِ ، وَابْنِ عَسَاكِرَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي فَانْتَجَسْتُ بِنُونٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ فَوْقَانِيَّةٍ ثُمَّ جِيمٍ أَيِ اعْتَقَدْتُ نَفْسِي نَجِسًا . وُوُجِّهَتِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَنْكَرَهَا الْقَزَّازُ بِأَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْبَخْسِ وَهُوَ النَّقْصُ أَيِ اعْتَقَدَ نُقْصَانَ نَفْسِهِ بِجَنَابَتِهِ عَنْ مُجَالَسَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَثَبَتَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ رِوَايَةِ ابْنِ السَّكَنِ ، وَقَالَ : مَعْنَى انْبَخَسْتُ مِنْهُ تَنَحَّيْتُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَثْبُتْ لِي مِنْ طَرِيقِ الرِّوَايَةِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ ، وَأَشْبَهُهَا بِالصَّوَابِ الْأُولَى ثُمَّ هَذِهِ . وَقَدْ نَقَلَ الشُّرَّاحُ فِيهَا أَلْفَاظًا مُخْتَلِفَةً مِمَّا صَحَّفَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ لَا مَعْنَى لِلتَّشَاغُلِ بِذِكْرِهِ كَانْتَجَشْتُ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مِنَ النَّجْشِ وَبِنُونٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ سِينٍ مُهْمَلَةٍ مِنَ الِانْحِبَاسِ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ ) تَمَسَّكَ بِمَفْهُومِهِ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ : إِنَّ الْكَافِرَ نَجِسُ الْعَيْنِ ، وَقَوَّاهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ طَاهِرُ الْأَعْضَاءِ لِاعْتِيَادِهِ مُجَانَبَةَ النَّجَاسَةِ بِخِلَافِ الْمُشْرِكِ ; لِعَدَمِ تَحَفُّظِهِ عَنِ النَّجَاسَةِ وَعَنِ الْآيَةِ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُمْ نَجَسٌ فِي الِاعْتِقَادِ وَالِاسْتِقْذَارِ ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ نِكَاحَ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ عَرَقَهُنَّ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ مَنْ يُضَاجِعُهُنَّ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يُجِبْ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْكِتَابِيَّةِ إِلَّا مِثْلَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ غُسْلِ الْمُسْلِمَةِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْآدَمِيَّ الْحَيَّ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ . وَأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ ، فَنَسَبَ الْقَوْلَ بِنَجَاسَةِ الْكَافِرِ إِلَى الشَّافِعِيِّ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْمَيِّتِ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ الطَّهَارَةِ عِنْدَ مُلَابَسَةِ الْأُمُورِ الْمُعَظَّمَةِ وَاسْتِحْبَابُ احْتِرَامِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَتَوْقِيرِهِمْ وَمُصَاحَبَتِهِمْ عَلَى أَكْمَلِ الْهَيْئَاتِ . وَكَانَ سَبَبُ ذَهَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا لَقِيَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ مَاسَحَهُ وَدَعَا لَهُ هَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ ، وَابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ، فَلَمَّا ظَنَّ أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْجُنُبَ يَنْجُسُ بِالْحَدَثِ خَشِيَ أَنْ يُمَاسِحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَعَادَتِهِ ، فَبَادَرَ إِلَى الِاغْتِسَالِ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلَهُ وَأَنَا عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ . وَقَوْلُهُ سُبْحَانَ اللَّهِ تَعَجَّبَ مِنِ اعْتِقَادِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّنَجُّسَ بِالْجَنَابَةِ أَيْ كَيْفَ يَخْفَى عَلَيْهِ هَذَا الظَّاهِرُ ؟ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِئْذَانِ التَّابِعِ لِلْمَتْبُوعِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُفَارِقَهُ ; لِقَوْلِهِ أَيْنَ كُنْتَ ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ لَا يُفَارِقَهُ حَتَّى يُعْلِمَهُ . وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَنْبِيهِ الْمَتْبُوعِ لِتَابِعِهِ عَلَى الصَّوَابِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ . وَفِيهِ جَوَازُ تَأْخِيرِ الِاغْتِسَالِ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِ وُجُوبِهِ ، وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ابْنُ حِبَّانَ الرَّدَّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْجُنُبَ إِذَا وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَنَوَى الِاغْتِسَالَ أَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ يَنْجُسُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى طَهَارَةِ عَرَقِ الْجُنُبِ ; لِأَنَّ بَدَنَهُ لَا يَنْجُسُ بِالْجَنَابَةِ ، فَكَذَلِكَ مَا تَحَلَّبَ مِنْهُ . وَعَلَى جَوَازِ تَصَرُّفِ الْجُنُبِ فِي حَوَائِجِهِ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فقال :
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عَرَقِ الْجُنُبِ وَأَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يَنْجُسُ · ص 464 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس · ص 344 23 - باب عرق الجنب ، وأن المسلم لا ينجس 283 - حدثنا علي بن عبد الله : نا يحيى : نا حميد : نا بكر ، عَن أبي رافع ، عَن أبي هريرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه في بعض طريق المدينة وَهوَ جنب ، فانخنست منهُ . فذهب فاغتسل ، ثم جَاءَ ، فقال : ( أين كنت يا أبا هريرة ؟ ) قالَ : كنت جنبًا ، فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة . فقالَ : ( سبحان الله ! إن المؤمن لا ينجس ) . قوله : ( انخنست ) ، أي : تواريت ، واختفيت منهُ ، وتأخرت عَنهُ . ومنه الوسواس الخناس وَهوَ الشيطان ، إذا غفل العبد عَن ذكر الله وسوس لَهُ ، فإذا ذكر الله خنس وتأخر . ومنه سميت النجوم خنسًا ، قالَ تعالى : فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ وانخناسها : رجوعها وتواريها تحت ضوء الشمس ، وقيل : اختفاؤها بالنهار . وفيه دليل على أن الجنب لَهُ أن يذهب في حوائجه ، ويجالس أهل العلم والفضل ، وأنه ليسَ بنجس . وإذا لَم يكن نجسًا ففضلاته الطاهرة باقية على طهارتها ، كالدمع والعرق والريق . وهذا كله مجمع عليهِ بين العلماء ، ولا نعلم بينهم فيهِ اختلافًا . قالَ الإمام أحمد : عائشة وابن عباس يقولان : لا بأس بعرق الحائض والجنب . وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر . وثبت عَن عمر وابن عباس وعائشة أنهم قالوا ذَلِكَ ، ثم سمى جماعة ممن قالَ به بعدهم ، وقال : ولا أحفظ عَن غيرهم خلافهم . قلت : وقد سبق خلاف في كراهة سؤر الحائض والجنب ، وفي كراهة الماء الذِي أدخلا فيهِ أيديهما . ولعل من كره ذَلِكَ لَم يكرهه لنجاسة أبدانهما عنده ، والله أعلم . وقد روى وكيع عَن مسعر ، عَن حماد ، في الجنب يغتسل ، ثم يستدفئ بامرأته قبل أن تغتسل - قالَ : لا يستدفئ بها حتى يجف .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس · ص 237 باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس أي هذا باب في عرق الجنب ولم يبين ما حكم عرق الجنب ولا ذكر في هذا الباب شيئا يطابق هذه الترجمة ، وقال بعضهم : كأن المصنف يشير بذلك إلى الخلاف في عرق الكافر ، وقال قوم : إنه نجس بناء على القول بنجاسة عينه . قلت : ما أبعد هذا الكلام عن الذوق ، فكيف يتوجه ما قاله والمصنف قال : باب عرق الجنب ، وسكت عليه ولم يشر إلى حكمه لا في الترجمة ولا في الذي ذكره في هذا الباب ، وفائدة ذكر الباب المعقود بالترجمة ذكر ما عقدت له الترجمة ، وإلا فلا فائدة في ذكرها ، ويمكن أن يقال : إنه ذكر ترجمتين ، والترجمة الثانية تدل على أن المسلم طاهر ، ومن لوازم طهارته طهارة عرقه ، ولكن لا يختص بعرق المسلم والحال أن عرق الكافر أيضا طاهر . قوله : وإن المسلم لا ينجس عطف على المضاف إليه ، والتقدير : وباب أن المسلم لا ينجس . وذكر هذا الباب بين الأبواب المتقدمة والآتية لا يخلو عن وجه المناسبة ، وهو ظاهر . 34 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا يحيى ، قال : حدثنا حميد ، قال : حدثنا بكر ، عن أبي رافع ، عن أبي هريرة ، أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لقيه في بعض طريق المدينة ، وهو جنب فانخنست منه ، فذهبت فاغتسلت ، ثم جاء ، فقال : أين كنت يا أبا هريرة ؟ قال : كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة ، فقال : سبحان الله ، إن المؤمن لا ينجس . مطابقة هذا الحديث لإحدى ترجمتي هذا الباب ظاهرة ، وهي الترجمة الثانية . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : علي بن عبد الله المديني . الثاني : يحيى بن سعيد القطان . الثالث : حميد بضم الحاء الطويل التابعي ، مات وهو قائم يصلي . الرابع : بكر بفتح الباء الموحدة ابن عبد الله بن عمر بن هلال المزني البصري . الخامس : أبو رافع واسمه نفيع بضم النون وفتح الفاء الصائغ بالغين المعجمة البصري تحول إليها من المدينة أدرك الجاهلية ولم ير النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. السادس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) . فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، والعنعنة في موضعين . وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . وفيه : أن رواته بصريون ، ومن أجل لطائفه أنه متصل . ورواه مسلم مقطوعا حميد عن أبي رافع كذا في طريق الجلودي والحافظ الجياني ، والصواب ما رواه البخاري وغيره حميد عن بكر ، عن أبي رافع ، وذكر أبو مسعود وخلف أن مسلما أخرجه أيضا كذلك . وقال صاحب ( التلويح ) : قد رأينا من قاله غيرهما ، فدل على أن في مسلم روايتين . قلت : ذكر البغوي في ( شرح السنة ) أن مسلما أخرجه بإثبات بكر . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا عن عياش بن الوليد عن عبد الأعلى . وأخرجه مسلم في الطهارة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن زهير بن حرب . وأخرجه أبو داود في الصلاة عن مسدد . وأخرجه الترمذي فيه عن إسحاق بن منصور . وأخرجه النسائي فيه عن حميد بن مسعدة . وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة به . ( ذكر لغاته ومعناه ) . قوله : في بعض طريق ، كذا هو في رواية الأكثر ، وفي رواية كريمة والأصيلي طرق بالجمع ، وفي رواية أبي داود والنسائي : لقيته في بعض طريق من طرق المدينة . قوله : فانخنست ، فيه روايات كثيرة : الأولى فانخنست كما في الكتاب بالنون ، ثم بالخاء المعجمة ، ثم بالنون ، ثم بالسين المهملة ، وهي رواية الكشميهني والحموي وكريمة ، ومعناه : تأخرت وانقضت ورجعت ، وهو لازم ومتعد ، ومنه خنس الشيطان . الثانية : فاختنست مثل الرواية الأولى في المعنى غير أن اللفظ في الرواية الأولى من باب الانفعال ، وفي هذه الرواية من باب الافتعال . الثالثة : فانبجست بالباء الموحدة والجيم ، وكذا هو في رواية الترمذي ، ومعناه : اندفعت ، ومنه قوله تعالى : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا أي : جرت واندفعت ، وهي رواية ابن السكن والأصيلي أيضا ، وأبي الوقت وابن عساكر أيضا . الرابعة : فانتجست من النجاسة من باب الافتعال والمعنى اعتقدت نفسي نجسا ، وهو رواية المستملي . الخامسة : فانتجشت بالشين المعجمة من النجش ، وهو الإسراع . السادسة : فانبخست بالباء الموحدة والخاء المعجمة والسين المهملة من النجس ، وهو النقص فكأنه ظهر له نقصانه عن مماشاته رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهو رواية المستملي لما اعتقد في نفسه من النجاسة . السابعة : فاحتبست بحاء مهملة ، ثم تاء مثناة من فوق ، ثم باء موحدة ، ثم سين مهملة من الاحتباس ، والمعنى حبست نفسي عن اللحاق بالنبي صلى الله عليه وسلم . الثامنة : فانسللت . التاسعة : فانسل ، وهو رواية مسلم والنسائي أيضا ،. وقال بعض الشارحين : ولم يثبت لي من طريق الرواية غير ما تقدم ، وأراد به رواية الكشميهني وأبي الوقت والمستملي ونسب بعضها إلى التصحيف ، ولا يلزم من عدم ثبوت غير الروايات الثلاث عنده عدم ثبوتها عند غيره ، وليس بأدب أن ينسب بعض غير ما وقف عليه إلى التصحيف ؛ لأن الجاهل بالشيء ليس له أن يدعي عدم علم غيره به . قوله : يا با هريرة بحذف الهمزة في الأب تخفيفا . قوله : جنب يقال : أجنب الرجل فهو جنب ، وكذلك الاثنان والجمع والمذكر والمؤنث . قال ابن دريد : وهو أعلى اللغات ، وقد قالوا : جنبان وأجناب ولم يقولوا : جنبة ، وفي ( المنتهى ) رجل جنب وامرأة جنب وقوم جنب وجنبون وأجناب ، وفي ( الصحاح ) أجنب الرجل وجنب أيضا بضم النون ، وفي ( الموعب ) لابن التياني عن الفراء وقطرب : جنب الرجل وجنب بسكر النون وضمها لغتان ، وقال المطرزي : يقال من الجنابة : أجنب الرجل ، وجنب بفتح النون وكسرها ، وجنب وتجنب ، لا يقال عن العرب غيره ، وحكى بعضهم : جنب بضم النون وليس بالمشهور ، وفي ( الاشتقاق ) للرماني : أجنب الرجل ؛ لأنه يجانب الصلاة ، وقال أبو منصور : لأنه نهي عن أن يقرب مواضع الصلاة ، وقال العتبي : سمي بذلك لمجانبة الناس وبعده منهم حتى يغتسل . قوله : سبحان الله . قال ابن الأنباري : معناه : سبحتك تنزيها لك يا ربنا من الأولاد والصاحبة والشركاء ، أي : نزهناك من ذلك ، وقال القزاز : معناه برأت الله تعالى من السوء . وقال أبو عبيدة : نسبح لك ونحمدك ونصلي لك ، وقال الزمخشري في ( أساس البلاغة ) : سبحت الله ، وسبحت له ، وكثرت تسبيحاته وتسابيحه ، وفي ( المغيث ) لأبي المديني : سبحان الله قائم مقام الفعل ، أي : أسبحه وسبحت ، أي : لفظت : سبحان الله ، وقيل : معنى سبحان الله : أتسرع إليه وألحقه في طاعته من قولهم : فرس سابح ، وذكر النضر بن شميل أن معناه السرعة إلى هذه اللفظة ، لأن الإنسان يبدأ فيقول : سبحان الله . قوله : لا ينجس : قال ابن سيده : النجس والنجس والنجس : القذر من كل شيء ، ورجل نجس والجمع أنجاس ، وقيل : النجس يكون للواحد والاثنين والجمع ، والمؤنث بلفظ واحد ، فإذا كسروا النون جمعوا وأنثوا ، ورجل رجس نجس يقولونها بالكسر لمكان رجس ، فإذا أفردوه ، وقالوا : نجس ، وفي ( الجامع ) أحسب المصدر من قولهم : نجس ينجس نجسا ، والاسم النجاسة ، وذكره ابن القوطية وابن طريف في باب فعل وفعل ، فقالا : نجس الشيء ونجسا نجاسة ضد طهر . وفي ( الصحاح ) نجس الشيء بالكسر ينجس نجسا فهو نجس ونجس ، وفي ( كتاب ابن عديس ) : نجس الرجل ، ونجس نجاسة ونجوسة بكسر الجيم وضمها إذا تقذر . ذكر إعرابه . قوله : وهو جنب جملة اسمية وقعت حالا من الضمير المنصوب الذي في لقيته . قوله : فذهبت فاغتسلت . قال الكرماني : وفي بعضها ، أي : في بعض النسخ : فذهب فاغتسل . قلت : على تقدير صحة الرواية بها يجوز فيه الأمران الغيبة بالنظر إلى نقل كلام أبي هريرة بالمعنى والتكلم بالنظر إلى نقله بلفظه بعينه على سبيل الحكاية عنه ، وأما جواز لفظه بالغيبة فمن باب التجريد ، وهو أنه جرد من نفسه شخصا وأخبر عنه . قوله : كنت جنبا ، أي : ذا جنابة . قوله : وأنا على غير طهارة جملة اسمية وقعت حالا من الضمير المرفوع في أجالسك وأجالسك في قوة المصدر بأن المصدرية ، وإنما فعل أبو هريرة هذا ؛ لأنه عليه السلام كان إذا لقي أحدا من أصحابه ماسحه ودعا له كما ورد في النسائي من حديث أبي وائل عن ابن مسعود قال : لقيني النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأنا جنب فأهوى إلي فقلت : إني جنب ، فقال : إن المسلم لا ينجس . قوله : سبحان الله ، سبحان علم للتسبيح كعثمان علم للرجل . وقال الفراء : منصوب على المصدر كأنك قلت : سبحت الله تسبيحا فجعل سبحان في موضع التسبيح ، والحاصل أنه منصوب بفعل محذوف لازم الحذف فاستعماله في مثل هذا الموضع يراد به التعجب ، ومعنى التعجب هنا أنه كيف يخفى مثل هذا الظاهر عليك . بيان استنباط الأحكام الأول ، وقد عقد الباب له أن المؤمن لا ينجس وأنه طاهر ، سواء كان جنبا أو محدثا حيا أو ميتا ، وكذا سؤره وعرقه ولعابه ودمعه ، وكذا الكافر في هذه الأحكام ، وعن الشافعي قولان في الميت ، أصحهما الطهارة وذكر البخاري في ( صحيحه عن ابن عباس تعليقا : المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . ووصله الحاكم في ( المستدرك ) ، فقال : أخبرني إبراهيم عن عصمة ، قال : حدثنا أبو مسلم المسيب بن زهير البغدادي ، أخبرنا أبو بكر وعثمان ابنا أبي شيبة ، قالا : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن عطاء ، عن ابن عباس ، قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تنجسوا موتاكم ؛ فإن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا . قال : صحيح على شرطهما ولم يخرجاه ، وهو أصل في طهارة المسلم حيا وميتا . أما الحي فبالإجماع حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها . وأما الكافر فحكمه كذلك على ما نذكره إن شاء الله تعالى ، وفي صحيح ابن خزيمة عن القاسم بن محمد قال : سألت عائشة عن الرجل يأتي أهله ، ثم يلبس الثوب فيعرق فيه ، أنجس ذلك ؟ فقالت : قد كانت المرأة تعد خرقة أو خرقا ، فإذا كان ذلك مسح بها الرجل الأذى عنه ولم نر أن ذلك ينجسه ، وفي لفظ : ثم صليا في ثوبهما ، وروى الدارقطني من حديث المتوكل ابن فضيل عن أم القلوص العامرية عن عائشة : كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لا يرى على البدن جنابة ولا على الأرض جنابة ولا يجنب الرجل ، وعن محيي السنة البغوي قال : معنى قول ابن عباس : أربع لا يجنبن : الإنسان والثوب والماء والأرض . يريد الإنسان لا يجنب بمماسة الجنب ولا الثوب إذا لبسه الجنب ولا الأرض إذا أفضى إليها الجنب ، ولا الماء ينجس إذا غمس الجنب يده فيه . وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن عرق الجنب طاهر ، وثبت ذلك عن ابن عباس وابن عمر وعائشة ، أنهم قالوا ذلك ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، ولا أحفظ عن غيرهم خلاف قولهما ، وقال القرطبي : الكافر نجس عند الشافعي ، وقال أبو بكر ابن المنذر : وعرق اليهودي والنصراني والمجوسي طاهر عندي ، وقال ابن حزم : العرق من المشركين نجس لقوله تعالى : إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ وتمسك أيضا بمفهوم حديث الباب ، وادعى أن الكافر نجس العين ، والجواب عنه أنهم نجسوا الأفعال لا الأعضاء أو نجسوا الاعتقاد ومما يوضح ذلك أن الله تعالى أباح نكاح نساء أهل الكتاب ، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ، ومع ذلك لا يجب عليه من غسل الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة ، فدل على أن الآدمي الحي ليس بنجس العين إذ لا فرق بين النساء والرجال ، وفي ( المدونة ) على ما نقله ابن التين : إن المريض إذا صلى لا يستند لحائض ولا جنب وأجازه ابن أشهب . قال الشيخ أبو محمد : لأن ثيابهما لا تكاد تسلم من النجاسة ، وقال غيره : لأجل أعينهما لا لثيابهما ، وما ذكرناه يرد ذلك . فإن قلت : على ما ذكرت من أن المسلم لا ينجس حيا ولا ميتا ينبغي أن يغسل الميت ؛ لأنه طاهر . قلت : اختلف العلماء من أصحابنا في وجوب غسله فقيل : إنما وجب لحدث يحله باسترخاء المفاصل لا لنجاسته فإن الآدمي لا ينجس بالموت كرامة ، إذ لو نجس لما طهر بالغسل كسائر الحيوانات ، وكان الواجب الاقتصار على أعضاء الوضوء كما في حال الحياة ، لكن ذلك إنما كان نفيا للحرج فيما يتكرر كل يوم ، والحدث بسبب الموت لا يتكرر ، فكان كالجنابة لا يكتفى فيها بغسل الأعضاء الأربعة بل يبقى على الأصل ، وهو وجوب غسل البدن لعدم الحرج فكذا هذا ، وقال العراقيون : يجب غسله لنجاسته بالموت لا بسبب الحدث ؛ لأن للآدمي دما سائلا فيتنجس بالموت قياسا على غيره ، ألا ترى أنه لو مات في البئر نجسها ، ولو حمله المصلي لم تجز صلاته ، ولو لم يكن نجسا لجازت كما لو حمل محدثا . الثاني من الأحكام فيه استحباب احترام أهل الفضل وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم ، فيكون على أكمل الهيئات وأحسن الصفات ، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله عند مجالسة شيخه ، فيكون متطهرا متنظفا بإزالة الشعوث المأمور بإزالتها نحو قص الشارب وقلم الأظفار وإزالة الروائح المكروهة وغير ذلك . الثالث : فيه من الآداب أن العالم إذا رأى من تابعه أمرا يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه ، وقال له صوابه وبين له حكمه . الرابع : فيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه والواجب أن لا يؤخره إلى أن يفوته وقت صلاة . الخامس : فيه جواز انصراف الجنب في حوائجه قبل الاغتسال ما لم يفته وقت الصلاة . السادس : فيه أن النجاسة إذا لم تكن عينا في الأجسام لا تضرها ؛ فإن المؤمن طاهر الأعضاء فإن من شأنه المحافظة على الطهارة والنظافة . . السابع : فيه ائتلاف قلوب المؤمنين ومواساة الفقراء والتواضع لله واتباع أمر الله تعالى ؛ حيث قال جل ذكره : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه . وقال بعضهم : وفيه : استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه . قلت : هذا بعيد ؛ لأن الحديث المذكور لا يفهم منه ذلك ، لا من عبارته ، ولا من إشارته ، ولا فيه التابع والمتبوع ؛ لأن أبا هريرة لم يكن في تلك الحالة تابعا للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في مشيه ، بل إنما لقيه النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بعض طرق المدينة كما هو نص الحديث ، وقال أيضا : وبوب عليه ابن حبان الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع في البئر فنوى الاغتسال أن ماء البئر ينجس . قلت : هذا الرد مردود حينئذ ؛ لأن الحديث لا يدل عليه أصلا ، والحديث يدل بعبارته أن الجنب ليس بنجس في ذاته ولم يتعرض إلى طهارة غسالته إذا نوى الاغتسال .