بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 57 - كِتَاب فَرْضِ الْخُمُسِ 1 - بَاب فرض الخمس 3091 - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا السَّلَام أَخْبَرَهُ ، أَنَّ عَلِيًّا قَالَ : كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنْ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ ، أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِيَ ، فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسِي ، فَبَيْنَا أَنَا أَجْمَعُ لِشَارِفَيَّ مَتَاعًا مِنْ الْأَقْتَابِ وَالْغَرَائِرِ وَالْحِبَالِ ، وَشَارِفَايَ مُنَاخَتَانِ إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَرَجَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ ، فَإِذَا شَارِفَايَ قَدْ اجْتُبَّ أَسْنِمَتُهُمَا ، وَبُقِرَتْ خَوَاصِرُهُمَا ، وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا ، فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ذَلِكَ الْمَنْظَرَ مِنْهُمَا ، فَقُلْتُ : مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ فَقَالُوا : فَعَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَهُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ فِي شَرْبٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَدْخُلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ - فَعَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجْهِي الَّذِي لَقِيتُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لَكَ ؟ فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ ؛ عَدَا حَمْزَةُ عَلَى نَاقَتَيَّ ، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا ، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا ، وَهَا هُوَ ذَا فِي بَيْتٍ مَعَهُ شَرْبٌ ، فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِدَائِهِ ، فَارْتَدَى ، ثُمَّ انْطَلَقَ يَمْشِي ، وَاتَّبَعْتُهُ أَنَا وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، حَتَّى جَاءَ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ حَمْزَةُ ، فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُمْ ، فَإِذَا هُمْ شَرْبٌ ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلُومُ حَمْزَةَ فِيمَا فَعَلَ ، فَإِذَا حَمْزَةُ قَدْ ثَمِلَ ، مُحْمَرَّةً عَيْنَاهُ ، فَنَظَرَ حَمْزَةُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى رُكْبَتِهِ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى سُرَّتِهِ ، ثُمَّ صَعَّدَ النَّظَرَ فَنَظَرَ إِلَى وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ حَمْزَةُ : هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ فَعَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ ثَمِلَ ، فَنَكَصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ الْقَهْقَرَى ، وَخَرَجْنَا مَعَهُ . قَوْلُهُ : ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . كِتَابُ فَرْضِ الْخُمُسِ ) كَذَا وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَلِلْأَكْثَرِ بَابُ ، وَحَذَفَهُ بَعْضُهُمْ ، وَثَبَتَتِ الْبَسْمَلَةُ لِلْأَكْثَرِ وَ الْخُمُسُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ مَا يُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : فَرْضُ الْخُمُسِ أَيْ : وَقْتُ فَرْضِهِ ، أَوْ كَيْفِيَّةُ فَرْضِهِ ، أَوْ ثُبُوتُ فَرْضِهِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَ فَرْضِ الْخُمُسِ كَانَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ الْآيَةَ ، وَكَانَتِ الْغَنَائِمُ تُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ، فَيُعْزَلُ خُمُسٌ مِنْهَا يُصْرَفُ فِيمَنْ ذُكِرَ فِي الْآيَةِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي مُسْتَحِقِّيهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ ، وَكَانَ خُمُسُ هَذَا الْخُمُسِ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَهُ ؛ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي الْمَصَالِحِ ، وَعَنْهُ يُرَدُّ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الْمَذْكُورِينَ فِي الْآيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِمْ ، كَمَا سَيَأْتِي ، وَقِيلَ : يَخْتَصُّ بِهِ الْخَلِيفَةُ ، وَيُقَسَّمُ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ عَلَى الْغَانِمِينَ إِلَّا السَّلَبَ ؛ فَإِنَّهُ لِلْقَاتِلِ عَلَى الرَّاجِحِ ، كَمَا سَيَأْتِي ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : أَحَدُهَا حَدِيثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي قِصَّةِ الشَّارِفَيْنِ قَوْلُهُ : ( كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ الْمَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ ) الشَّارِفُ : الْمُسِنُّ مِنَ النُّوقِ ، وَلَا يُقَالُ لِلذَّكَرِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَحَكَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ جَوَازَهُ ، قَالَ عِيَاضٌ : جَمْعُ فَاعِلٍ عَلَى فُعُلٍ بِضَمَّتَيْنِ قَلِيلٌ . قَوْلُهُ : ( وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخُمُسَ شُرِعَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ السِّيَرِ أَنَّ الْخُمُسَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ : قِيلَ : إِنَّهُ أَوَّلُ يَوْمٍ فُرِضَ فِيهِ الْخُمُسُ ، قَالَ : وَقِيلَ نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ ، قَالَ : ولَمْ يَأْتِ مَا فِيهِ بَيَانٌ شَافٍ ، وَإِنَّمَا جَاءَ صَرِيحًا فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَحْتَاجُ قَوْلُ عَلِيٍّ إِلَى تَأْوِيلٍ . قَالَ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ فِي رَجَبٍ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ ، وَأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ قَالَ : ذَكَرَ لِي بَعْضُ آلِ جَحْشٍ ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ : إِنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا غَنِمْنَا الْخُمُسَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ الْخُمُسَ ، فَعَزَلَ لَهُ الْخُمُسَ ، وَقَسَّمَ سَائِرَ الْغَنِيمَةَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، قَالَ : فَوَقَعَ رِضَا اللَّهِ بِذَلِكَ ، قَالَ : فَيُحْمَلُ قَوْلُ عَلِيٍّ : وَكَانَ قَدْ أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ أَيْ : مِنَ الَّذِي حَصَلَ مِنْ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ . قُلْتُ : وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي الْمَغَازِي وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَانِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ عَزَا هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِأَبِي دَاوُدَ وَجَعَلَهَا شَاهِدَةً لِمَا تَأَوَّلَهُ ، وَغَفَلَ عَنْ كَوْنِهَا فِي الْبُخَارِيِّ الَّذِي شَرَحَهُ ، وَعَنْ كَوْنِ ظَاهِرِهَا شَاهِدًا عَلَيْهِ لَا لَهُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَهْلُ السِّيَرِ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي غَنَائِمِ بَدْرٍ خُمُسٌ ، وَالْعَجَبُ أَنَّهُ يُثْبِتُ فِي غَنِيمَةِ السَّرِيَّةِ الَّتِي قَبْلَ بَدْرٍ الْخُمُسَ ، وَيَقُولُ : إِنَّ اللَّهَ رَضِيَ بِذَلِكَ ، وَيَنْفِيهِ فِي يَوْمِ بَدْرٍ مَعَ أَنَّ الْأَنْفَالَ الَّتِي فِيهَا التَّصْرِيحُ بِفَرْضِ الْخُمُسِ نَزَلَ غَالِبُهَا فِي قِصَّةِ بَدْرٍ ، وَقَدْ جَزَمَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ بِأَنَّ آيَةَ الْخُمُسِ نَزَلَتْ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ : نَزَلَتِ الْأَنْفَالُ فِي بَدْرٍ وَغَنَائِمِهَا ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ آيَةَ قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ نَزَلَتْ بَعْدَ تَفْرِقَةِ الْغَنَائِمِ ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السِّيَرِ نَقَلُوا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَّمَهَا عَلَى السَّوَاءِ ، وَأَعْطَاهَا لِمَنْ شَهِدَ الْوَقْعَةَ أَوْ غَابَ لِعُذْرٍ تَكَرُّمًا مِنْهُ ؛ لِأَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ أَوَّلًا بِنَصِّ أَوَّلَ سُورَةِ الْأَنْفَالِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : وَلَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَى مَا قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ حَدِيثُ عَلِيٍّ ، يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ حَيْثُ قَالَ : وَأَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الْخُمُسِ يَوْمَئِذٍ ، فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ كَانَ فِيهَا خُمُسٌ . قُلْتُ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ قِسْمَةُ غَنَائِمِ بَدْرٍ وَقَعَتْ عَلَى السَّوَاءِ بَعْدَ أَنْ أُخْرِجَ الْخُمُسُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِصَّةِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ ، وَأَفَادَتْ آيَةُ الْأَنْفَالِ - وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ إِلَى آخِرِهَا - بَيَانُ مَصْرِفِ الْخُمُسِ لَا مَشْرُوعِيَّةَ أَصْلِ الْخُمُسِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ فَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ يُحْتَجُّ بِمِثْلِهِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، قَالَ : فَلَمَّا اخْتَلَفْنَا فِي الْغَنِيمَةِ وَسَاءَتْ أَخْلَاقُنَا انْتَزَعَهَا اللَّهُ مِنَّا فَجَعَلَهَا لِرَسُولِهِ ، فَقَسَمهَا عَلَى النَّاسِ عَنْ سَوَاءٍ أَيْ : عَلَى سَوَاءٍ ، سَاقَهُ مُطَوَّلًا ، وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حَيَّانَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ لَيْسَ فِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( أَبْتَنِي بِفَاطِمَةَ ) أَيْ : أَدْخُلُ بِهَا ، وَالْبِنَاءُ الدُّخُولُ بِالزَّوْجَةِ ، وَأَصْلُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ بُنِيَتْ لَهُ قُبَّةٌ فَخَلَا فِيهَا بِأَهْلِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَقْتِ دُخُولِ عَلِيٍّ بِفَاطِمَةَ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ كَانَ عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ؛ فَإِنَّ وَقْعَةَ بَدْرٍ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ مِنْهَا ، وَقِيلَ : تَزَوَّجَهَا فِي السَّنَةِ الْأُولَى ، وَلَعَلَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَرَادَ الْعَقْدَ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ كَانَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ، وَقِيلَ : فِي رَجَبٍ ، وَقِيلَ : فِي ذِي الْحِجَّةِ ، قُلْتُ : وَهَذَا الْأَخِيرُ يُشْبِهُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى شَهْرِ الدُّخُولِ بِهَا ، وَقِيلَ : تَأَخَّرَ دُخُولُهُ بِهَا إِلَى سَنَةِ ثَلَاثٍ ، فَدَخَلَ بِهَا بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ بُعْدٌ . قَوْلُهُ : ( وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا ) بِفَتْحِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّشْدِيدِ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي الشُّرْبِ : طَابِعٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ وَمُوَحَّدَةٍ ، وَطَالِعٌ بِلَامٍ بَدَلَ الْمُوَحَّدَةِ ، أَيْ : مَنْ يَدُلُّهُ وَيُسَاعِدُهُ ، وَقَدْ يُقَالُ : إِنَّهُ اسْمُ الصَّائِغِ الْمَذْكُورِ ، كَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ بُعْدٌ . قَوْلُهُ : ( مُنَاخَتَانِ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَهُوَ بِاعْتِبَارِ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُمَا نَاقَتَانِ ، وَفِي رِوَايَةٍ كَرِيمَةَ : مُنَاخَانِ بِاعْتِبَارِ لَفْظِ الشَّارِفِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى جَنْبِ حُجْرَةِ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . قَوْلُهُ : ( فَرَجَعْتُ حِينَ جَمَعْتُ مَا جَمَعْتُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ فِي الشُّرْبِ : وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ ، أَيْ : الَّذِي أَنَاخَ الشَّارِفَيْنِ بِجَانِبِهِ ، وَمَعَهُ قَيْنَةٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا نُونٌ ؛ هِيَ الْجَارِيَةُ الْمُغَنِّيَةُ ، فَقَالَتْ : أَلَا يَا حَمْزُ لِلشُّرُفِ النِّوَاءُ ، وَالشُّرُفُ جَمْعُ شَارِفٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالنِّوَاءُ - بِكَسْرِ النُّونِ وَالْمَدِّ مُخَفَّفًا - جَمْعُ نَاوِيَةٍ وَهِيَ النَّاقَةُ السَّمِينَةُ ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّ ابْنَ جَرِيرٍ الطَّبَرِيَّ رَوَاهُ : ذَا الشَّرَفِ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَفَسَّرَهُ بِالرِّفْعَةِ ، وَجَعَلَهُ صِفَةً لِحَمْزَةَ ، وَفَتَحَ نُونَ النِّوَاءِ وَفَسَّرَهُ بِالْبُعْدِ أَيْ : الشَّرَفِ الْبَعِيدِ ، أَيْ : مَنَالُهُ بَعِيدٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَهُوَ خَطَأٌ وَتَصْحِيفٌ . وَحَكَى الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَبَا يَعْلَى حَدَّثَهُ بِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ فَقَالَ : الثِّوَاءُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، قَالَ : فَلَمْ نَضْبِطْهُ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْقَابِسِيِّ ، وَالْأَصِيلِيِّ النَّوَى بِالْقَصْرِ ، وَهُوَ خَطَأٌ أَيْضًا ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : النِّوَاءُ : الْخِبَاءُ ، وَهَذَا أَفْحَشُ فِي الْغَلَطِ ، وَحَكَى الْمَرْزُبَانِيُّ فِي مُعْجَمِ الشُّعَرَاءِ أَنَّ هَذَا الشِّعْرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ جَدِّ أَبِي السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ الْمَدَنِيِّ ، وَبَقِيَّتُهُ : وَهُنَّ مُعَقَّلَاتٌ بِالْفِنَاءِ ضَعِ السِّكِّينَ فِي اللَّبَّاتِ مِنْهَا وَضَرِّجْهُنَّ حَمْزَةُ بِالدِّمَاءِ وَعَجِّلْ مِنْ أَطَايِبهَا لِشَرْبٍ قَدِيدًا مِنْ طَبِيخٍ أَوْ شِوَاءِ وَالشَّرْبُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ جَمْعُ شَارِبٍ ، كَتَاجِرٍ وَتَجْرٍ ، وَالْفِنَاءُ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَالْمَدِّ : الْجَانِبُ ، أَيْ : جَانِبُ الدَّارِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا . وَالْقَدِيدُ اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ ، وَالتَّضْرِيجُ بِمُعْجَمَةٍ وَجِيمٍ : التَّلْطِيخُ ، فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا فَقَدْ عَرَّفَ بَعْضَ الْمُبْهَمِ فِي قَوْلِهِ فِي شَرْبٍ مِنَ الْأَنْصَارِ لَكِنَّ الْمَخْزُومِيَّ لَيْسَ مِنَ الْأَنْصَارِ ، وَكَأَنَّ قَائِلَ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ عَلَيْهِمْ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ . وَأَرَادَ الَّذِي نَظَمَ هَذَا الشِّعْرَ ، وَأَمَرَ الْقَيْنَةَ أَنْ تُغَنِّيَ بِهِ أَنْ يَبْعَثَ هِمَّةَ حَمْزَةَ ؛ لِمَا عَرَفَ مِنْ كَرَمِهِ عَلَى نَحْرِ النَّاقَتَيْنِ ؛ لِيَأْكُلُوا مِنْ لَحْمِهِمَا ، وَكَأَنَّهُ قَالَ : انْهَضْ إِلَى الشُّرُفِ فَانْحَرْهَا ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ مِنْ بَقِيَّةِ الشِّعْرِ . وَفِي قَوْلِهَا : لِلشُّرُفِ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِلَّا ثِنْتَانِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ إِطْلَاقِ صِيغَةِ الْجَمْعِ عَلَى الِاثْنَيْنِ . وَقَوْلُهُ : يَا حَمْزُ تَرْخِيمٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الزَّايِ ، وَيَجُوزُ ضَمُّهَا . قَوْلُهُ : ( قَدْ أُجِبَّتْ ) وَقَعَ مِثْلُهُ فِي رِوَايَةِ عَنْبَسَةَ فِي الْمَغَازِي ، وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ هُنَا : قَدْ جُبَّتْ بِضَمِّ الْجِيمِ بِغَيْرِ أَلِفٍ ، أَيْ : قُطِعَتْ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ ، عَنْ يُونُسَ : قَدِ اجْتُبَّتْ وَهُوَ صَوَابٌ أَيْضًا ، وَالْجَبُّ الِاسْتِئْصَالُ فِي الْقَطْعِ . قَوْلُهُ : ( وَأُخِذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قُلْتُ لِابْنِ شِهَابٍ : وَمِنَ السَّنَامِ ، قَالَ : قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا وَالسَّنَامُ مَا عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ وَقَوْلُهُ : بَقَرَ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْقَافِ أَيْ : شَقَّ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ أَمْلِكْ عَيْنَيَّ حِينَ رَأَيْتُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ : حَيْثُ رَأَيْتُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَكَى مِنْ شِدَّةِ الْقَهْرِ الَّذِي حَصَلَ لَهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : رَأَيْتُ مَنْظَرًا أَفْظَعَنِي بِفَاءٍ وَظَاءٍ مُشَالَةٍ مُعْجَمَةٍ ، أَيْ : نَزَلَ بِي أَمْرٌ مُفْظِعٌ أَيْ : مُخِيفٌ مَهُولٌ ، وَذَلِكَ لِتَصَوُّرِهِ تَأَخُّرَ الِابْتِنَاءِ بِزَوْجَتِهِ بِسَبَبِ فَوَاتِ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَيْهِ ، أَوْ لِخَشْيَةِ أَنْ يُنْسَبَ فِي حَقِّهَا إِلَى تَقْصِيرٍ ، لَا لِمُجَرَّدِ فَوَاتِ النَّاقَتَيْنِ . قَوْلُهُ : ( حَتَّى أَدْخُلَ ) كَذَا فِيهِ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ مُبَالَغَةً فِي اسْتِحْضَارِ صُورَةِ الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( فَطَفِقَ يَلُومُ حَمْزَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ : لِآبَائِي قِيلَ : أَرَادَ أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ جَدٌّ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِعَلِيٍّ أَيْضًا ، وَالْجَدُّ يُدْعَى سَيِّدًا ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ حَمْزَةَ أَرَادَ الِافْتِخَارَ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( الْقَهْقَرَى ) هُوَ الْمَشْيُ إِلَى خَلْفٍ ، وَكَأَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَزْدَادَ عَبَثُ حَمْزَةَ فِي حَالِ سُكْرِهِ ، فَيَنْتَقِلُ مِنَ الْقَوْلِ إِلَى الْفِعْلِ ، فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا يَقَعُ مِنْ حَمْزَةَ بِمَرْأًى مِنْهُ ؛ لِيَدْفَعَهُ إِنْ وَقَعَ مِنْهُ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( وَخَرَجْنَا مَعَهُ ) زَادَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ أَيْ وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤَاخِذِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمْزَةَ بِقَوْلِهِ . وَفِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ رَدٌّ عَلَى مَنِ احْتَجَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّ طَلَاقَ السَّكْرَانِ لَا يَقَعُ ؛ فَإِنَّهُ إِذَا عَرَفَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَانَ تَرْكُ الْمُؤَاخَذَةِ ؛ لِكَوْنِهِ لَمْ يُدْخِلْ عَلَى نَفْسِهِ الضَّرَرَ ، وَالَّذِي يَقُولُ : يَقَعُ طَلَاقُ السَّكْرَانِ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ أَدْخَلَ عَلَى نَفْسِهِ السُّكْرَ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ ، فَعُوقِبَ بِإِمْضَاءِ الطَّلَاقِ عَلَيْهِ ، فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِإِثْبَاتِ ذَلِكَ وَلَا نَفْيِهِ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ صَالِحٍ يَقُولُ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ سُنَّةً . قُلْتُ : وَفِيهِ أَنَّ الْغَانِمَ يُعْطَى مِنَ الْغَنِيمَةِ مِنْ جِهَتَيْنِ : مِنَ الْأَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ بِحَقِّ الْغَنِيمَةِ ، وَمِنَ الْخُمُسِ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ لِمَالِكِ النَّاقَةِ الِانْتِفَاعَ بِهَا فِي الْحَمْلِ عَلَيْهَا . وَفِيهِ الْإِنَاخَةُ عَلَى بَابِ الْغَيْرِ إِذَا عَرَفَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَعَدَمَ تَضَرُّرِهِ بِهِ ، وَأَنَّ الْبُكَاءَ الَّذِي يَجْلُبُهُ الْحُزْنُ غَيْرُ مَذْمُومٍ ، وَأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ إِذَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغَيْظُ . وَفِيهِ مَا رُكِّبَ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الْأَسَفِ عَلَى فَوْتِ مَا فِيهِ نَفْعُهُ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَأَنَّ اسْتِعْدَاءَ الْمَظْلُومِ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ وَإِخْبَارَهُ بِمَا ظَلَمَ بِهِ خَارِجٌ عَنِ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ ، وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَجَوَازُ الِاجْتِمَاعِ فِي الشُّرْبِ الْمُبَاحِ ، وَجَوَازُ تَنَاوُلِ مَا يُوضَعُ بَيْنَ أَيْدِي الْقَوْمِ ، وَجَوَازُ الْغِنَاءِ بِالْمُبَاحِ مِنَ الْقَوْلِ ، وَإِنْشَادِ الشِّعْرِ وَالِاسْتِمَاعِ مِنَ الْأَمَةِ ، وَالتَّخَيُّرُ فِيمَا يَأْكُلُهُ ، وَأَكْلُ الْكَبِدِ وَإِنْ كَانَتْ دَمًا . وَفِيهِ أَنَّ السُّكْرَ كَانَ مُبَاحًا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ السُّكْرَ لَمْ يُبَحْ قَطُّ ، وَيُمْكِنْ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى السُّكْرِ الَّذِي مَعَهُ التَّمْيِيزُ مِنْ أَصْلِهِ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ وَلِيمَةِ الْعُرْسِ ، وَسَيَأْتِي شَرْحُهَا فِي النِّكَاحِ ، وَمَشْرُوعِيَّةُ الصِّيَاغَةِ وَالتَّكَسُّبِ بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ ، وَجَوَازُ جَمْعِ الْإِذْخِرِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُبَاحَاتِ وَالتَّكَسُّبِ بِذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الشُّرْبِ . وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ فِي كُلِّ صِنَاعَةٍ بِالْعَارِفِ بِهَا ، قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَفِيهِ أَنَّ الْعَادَةَ جَرَتْ بِأَنَّ جِنَايَةَ ذَوِي الرَّحِمِ مُغْتَفَرَةٌ . قُلْتُ : وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَيَّاشٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَغْرَمَ حَمْزَةَ ثَمَنَ النَّاقَتَيْنِ ، وَفِيهِ عِلَّةُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ ، وَفِيهِ أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَمْضِيَ إِلَى بَيْتِ مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُمْ عَلَى مُنْكَرٍ لِيُغَيِّرَهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهِ حِلُّ تَذْكِيَةِ الْغَاصِبِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مَا بَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا وَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا إِلَّا بَعْدَ التَّذْكِيَةِ الْمُعْتَبَرَةِ ، وَفِيهِ سُنَّةُ الِاسْتِئْذَانِ فِي الدُّخُولِ ، وَأَنَّ الْإِذْنَ لِلرَّئِيسِ يَشْمَلُ أَتْبَاعَهُ ؛ لِأَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَعَلِيًّا دَخَلَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الَّذِي كَانَ اسْتَأْذَنَ فَأَذِنُوا لَهُ ، وَأَنَّ السَّكْرَانَ يُلَامُ إِذَا كَانَ يَعْقِلُ اللَّوْمَ ، وَأَنَّ لِلْكَبِيرِ فِي بَيْتِهِ أَنْ يُلْقِيَ رِدَاءَهُ تَخْفِيفًا ، وَأَنَّهُ إِذَا أَرَادَ لِقَاءَ أَتْبَاعِهِ يَكُونُ عَلَى أَكْمَلِ هَيْئَةٍ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى حَمْزَةَ أَخَذَ رِدَاءَهُ . وَأَنَّ الصَّاحِيَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُخَاطِبَ السَّكْرَانَ ، وَأَنَّ الذَّاهِبَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ زَائِلِ الْعَقْلِ لَا يُوَلِّيهِ ظَهْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى عِظَمِ قَدْرِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَجَوَازُ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمَدْحِ لِقَوْلِ حَمْزَةَ : هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لِأَبِي ؟ وَمُرَادُهُ كَالْعَبِيدِ ، وَنُكْتَةُ التَّشْبِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا عِنْدَهُ فِي الْخُضُوعِ لَهُ ، وَجَوَازُ تَصَرُّفِهِ فِي مَالِهِمْ فِي حُكْمِ الْعَبِيدِ . وَفِيهِ أَنَّ الْكَلَامَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَائِلِينَ . قُلْتُ : وَفِي كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الِانْتِزَاعَاتِ نَظَرٌ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب فرض الخمس · ص 225 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب فرض الخمس · ص 16 بسم الله الرحمن الرحيم . كتاب الخمس . أي هذا كتاب في بيان حكم الخمس ، وفي بعض النسخ هذا متوج بالبسملة وبعده . باب فرض الخمس . أي هذا باب في بيان فرض الخمس ، وفي بعض النسخ أيضا هكذا فرض الخمس بدون ذكر لفظ باب . 1 - حدثنا عبدان قال : أخبرنا عبد الله ، أخبرنا يونس ، عن الزهري قال : أخبرني علي بن الحسين : أن حسين بن علي عليهما السلام أخبره أن عليا قال : كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس ، فلما أردت أن أبتني بفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم واعدت رجلا صواغا من بني قينقاع أن يرتحل معي فنأتي بإذخر أردت أن أبيعه الصواغين ، وأستعين به في وليمة عرسي ، فبينا أنا أجمع لشارفي متاعا من الأقتاب والغرائر والحبال وشارفاي مناخان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار ، رجعت حين جمعت ما جمعت ، فإذا شارفاي قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما ، وأخذ من أكبادهما ، فلم أملك عيني حين رأيت ذلك المنظر منهما ، فقلت : من فعل هذا ؟ فقالوا : فعل حمزة بن عبد المطلب ، وهو في هذا البيت في شرب من الأنصار ، فانطلقت حتى أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده زيد بن حارثة ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم في وجهي الذي لقيت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ما لك ؟ فقلت : يا رسول الله ، ما رأيت كاليوم قط ؛ عدا حمزة على ناقتي ، فأجب أسنمتهما ، وبقر خواصرهما ، وها هو ذا في بيت معه شرب ، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم بردائه فارتدى ، ثم انطلق يمشي ، واتبعته أنا وزيد بن حارثة ، حتى جاء البيت الذي فيه حمزة ، فاستأذن فأذنوا لهم ، فإذا هم شرب ، فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يلوم حمزة فيما فعل ، فإذا حمزة قد ثمل محمرة عيناه ، فنظر حمزة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم صعد النظر ، فنظر إلى ركبته ، ثم صعد النظر ، فنظر إلى سرته ، ثم صعد النظر ، فنظر إلى وجهه ، ثم قال حمزة : هل أنتم إلا عبيد لأبي ، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد ثمل ، فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم على عقبيه القهقرى ، وخرجنا معه . مطابقته للترجمة في قوله : أعطاني شارفا من الخمس ، وعبدان قد مر غير مرة ، وهو لقب عبد الله بن عثمان ، وعبد الله هو ابن المبارك ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم ، يروي عن أبيه الحسين بن علي أخو الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم . والحديث مر في كتاب الشرب في باب بيع الحطب والكلأ ، فإنه أخرجه هناك ، عن إبراهيم بن موسى ، عن هشام ، عن ابن جريج ، عن ابن شهاب ، عن علي بن حسين بن علي ، عن أبيه حسين بن علي ، عن علي بن أبي طالب . . إلى آخره ، وبين المتنين بعض تفاوت بزيادة ونقصان . قوله : شارف بالشين المعجمة ، وهو المسنة من النوق . قوله : أعطاني شارفا من الخمس ، يعني يوم بدر ، ظاهره أن الخمس كان يوم بدر ، قال ابن بطال : لم يختلف أهل السير أن الخمس لم يكن يوم بدر . قلت : فحينئذ يحتاج قول علي رضي الله عنه إلى تأويل لا يعارض قول أهل السير ، وهو أن معنى قول علي رضي الله عنه وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يعني من سرية عبد الله بن جحش ، وكانت قبل بدر الأولى في رجب من السنة الثانية ، وكان صلى الله عليه وسلم بعث عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رهط من المهاجرين إلى نخلة بين مكة والطائف ، فوجدوا بها عير قريش ، فقتلوهم وأخذوا العير ، فقال عبد الله لأصحابه : إن لرسول الله صلى الله عليه وسلم مما غنمنا الخمس ، وذلك قبل أن يفرض الله الخمس من المغانم ، فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الغنيمة ، وقسم الباقي بين أصحابه ، وقد روى أبو داود ما يدل على هذا المعنى ؛ قال : كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وأعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم شارفا من الخمس يومئذ ، يعني يوم بدر ، وأراد به من الخمس الذي عزله عبد الله بن جحش لرسول الله صلى الله عليه وسلم من العير التي أخذها كما ذكرنا . وقيل : أول يوم جعل فيه الخمس في غزوة بني قريظة حين حكم سعد بأن تقتل المقاتلة ، وتسبى الذرية . وقيل : نزل بعد ذلك ، ولم يأت في ذلك من الحديث ما فيه بيان شاف ، وإنما جاء أمر الخمس يقينا في غنائم حنين ، وهي آخر غنيمة حضرها الشارع . قوله : أن أبتني من الابتناء ، وهو الدخول بالزوجة ، وكذلك البناء ، وقد ذكرنا أن أصل ذلك أن الرجل كان إذا أراد تزوج امرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال : بنى الرجل على أهله . قوله : من بني قينقاع ، بفتح القافين وضم النون وفتحها وكسرها منصرفا وغير منصرف ، قال الكرماني : هم قبيلة من اليهود ، وقال الصاغاني : هم حي من اليهود ، قلت : هو مركب من قين الذي هو الحداد ، وقاع اسم أطم من آطام المدينة . قوله : بإذخر بكسر الهمزة حشيشة طيبة الرائحة يسقف بها البيوت فوق الخشب ، وهمزته زائدة ، وقد مر في كتاب الحج . قوله : وليمة عرسي ، الوليمة طعام الزفاف ، وقيل : اسم لكل طعام ، والعرس بالكسر امرأة الرجل ، وبالضم طعام الوليمة ، وينبغي أن يكون بالكسر ، وألا يكون المعنى : وليمة وليمتي ، وهكذا لا يقال . وفي المغرب : العرس بالضم اسم ، ومنه : إذا دعي أحدكم إلى وليمة عرس فليجب ، أي : إلى طعام عرس ، وطعام الوليمة يسمى عرسا باسم سببه . قوله : من الأقتاب جمع قتب ، وهو معروف والغرائر بالغين المعجمة ، وبالراء المكررة : ظرف التبن ونحوه ، وهو جمع غرارة ، قال الجوهري : أظنه معربا . قوله : وشارفاي مبتدأ ، وخبره قوله : مناخان أي مبروكان ، ويروى : مناختان ، فالتذكير باعتبار لفظ شارف ، والتأنيث باعتبار معناه . قوله : فإذا كلمة مفاجأة . قوله : قد اجتبت افتعل من الجب بفتح الجيم وتشديد الباء الموحدة ، وهو القطع . قوله : وبقرت على صيغة المجهول من البقر بالباء الموحدة والقاف ، وهو الشق . قوله : ولم أملك عيني ، أي من البكاء ، وإنما كان بكاؤه رضي الله عنه خوفا من توهم تقصيره في حق فاطمة رضي الله تعالى عنها ، أو في تأخير الابتناء بسبب ما كان منه ما يستعان به لا لأجل فواتهما ؛ لأن متاع الدنيا قليل ، لا سيما عند أمثاله . قوله : في شرب بفتح الشين المعجمة ، جمع شارب . قوله : حتى أدخل يجوز بالرفع والنصب . قوله : ما رأيت كاليوم قط أي ما رأيت يوما أفظع كاليوم . قوله : فطفق أي جعل قوله : قد ثمل بفتح الثاء المثلثة وكسر الميم أي سكر . قوله : ثم صعد بفتح الصاد المهملة ، وتشديد العين المهملة المفتوحة ؛ أي : جر النظر . قوله : إلا عبيد أي كعبيد ، وغرضه أن عبد الله وأبا طالب كانا كأنهما عبدان لعبد المطلب في الخضوع لحرمته ، وأنه أقرب إليه منهما . قوله : فنكص رسول الله صلى الله عليه وسلم القهقرى قال الأخفش : يعني رجع وراءه ووجهه إليه ، والنكوص الرجوع إلى وراء ، يقال : نكص ينكص فهو ناكص ، قال ابن الأثير : القهقرى مصدر ، ومنه قولهم : رجع القهقرى ، أي رجع الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم ، قلت : يكون القهقرى منصوبا على المصدرية من غير لفظه كما في قعدت جلوسا ، وقال الأزهري : القهقرى الارتداد عما كان عليه ، وقد قهقر وتقهقر ، وقيل : إنه مشتق من القهر . وقال الطبري : وفي حديث علي رضي الله عنه أن المسلمين كانوا يشربون الخمر ويسمعون الغناء في أول الإسلام ، حتى نهى الله عن ذلك بقوله : إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ الآية ، وإنما حرمت الخمر بعد غزوة أحد ، احتج بعض أهل العلم بهذا الحديث في إبطال أحكام السكران ، وقالوا : لو لزم السكران ما يكون منه في حال سكره كما يلزمه في حال صحوه لكان المخاطب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما استقبله حمزة كافرا مباح الدم ، قاله الخطابي . ثم قال : وقد ذهب على هذا القائل أن ذلك منه إنما كان قبل تحريم الخمر . فإن قلت : إلى ما آل إليه أمر الناقتين قلت : كان ضمانهما لازما لحمزة رضي الله عنه لو كان طالبه علي رضي الله عنه ، ويمكن أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عوضهما ؛ إذ العلماء لا يختلفون أن جنايات الأموال لا تسقط عن المجانين وغير المكلفين ، ويلزمهم ضمانها في كل حال كالعقلاء . ومن شرب لبنا ، أو أكل طعاما ، أو تداوى بمباح فسكر فهو كالمجنون والمغمى عليه والصبي يسقط عنهم حد القذف وسائر الحدود غير إتلاف الأموال ، لرفع القلم عنهم ، ومن سكر من حلال فحكمه حكم هؤلاء ، وعن أبي عبد الله النحال أن من سكر من ذلك لا طلاق عليه ، وحكى الطحاوي أنه إجماع من العلماء رحمهم الله تعالى .