3134 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سِهَمانهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا الثَّالِثُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَ سَرِيَّةً ) ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْمَغَازِي بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَكَانِهِ . قَوْلُهُ : ( قِبَلَ نَجْدٍ ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ جِهَتَهَا . قَوْلُهُ : ( فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً ) فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا . قَوْلُهُ : ( فَكَانَتْ سِهَمانهُمْ ) أَيْ أَنْصِبَاؤُهُمْ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَلَغَ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ هَذَا الْقَدْرَ ، وَتَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَنْصِبَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ غَلَطٌ . قَوْلُهُ : ( اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ) وَهَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ بِالشَّكِّ وَالِاخْتِصَارِ وَإِيهَامِ الَّذِي نَفَلَهُمْ ، وَقَدْ وَقَعَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ عنْ نَافِعٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَلَفْظُهُ فَخَرَجْتُ فِيهَا فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرًا وَأَعْطَانَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ ، ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَسَمَ بَيْنَنَا غَنِيمَتَنَا فَأَصَابَ كُلَّ رَجُلٍ مِنَّا اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُهُ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ وَأَتْبَعْتُ سَرِيَّةً مِنَ الْجَيْشِ ، وَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنَفَلَ أَهْلَ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا ، فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ : إِنَّ ذَلِكَ الْجَيْشَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اتَّفَقَ جَمَاعَةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ عَلَى رِوَايَتِهِ بِالشَّكِّ ، إِلَّا الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ شُعَيْبٍ ، وَمَالِكٍ جَمِيعًا فَلَمْ يَشُكَّ ، وَكَأَنَّهُ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ شُعَيْبٍ . قُلْتُ : وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ ، عَنِ الْقَعْنَبِيِّ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَاللَّيْثِ بِغَيْرِ شَكٍّ ، فَكَأَنَّهُ أَيْضًا حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ اللَّيْثِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَقَالَ سَائِرُ أَصْحَابِ نَافِعٍ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا بِغَيْرِ شَكٍّ لَمْ يَقَعِ الشَّكُّ فِيهِ إِلَّا مِنْ مَالِكٍ . قَوْلُهُ : ( وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا ) بِلَفْظِ الْفِعْلِ الْمَاضِي مِنْ غَيْرِ مُسَمًّى ، وَالنَّفَلُ زِيَادَةٌ يُزَادُهَا الْغَازِي عَلَى نَصِيبِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ ، وَمِنْهُ نَفْلُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا عَدَا الْفَرْضَ . وَاخْتَلَفَ الرُّوَاةُ فِي الْقَسْمِ وَالتَّنْفِيلِ هَلْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ أَمِيرِ ذَلِكَ الْجَيْشِ أَوْ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدُهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا ؟ فَرِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ صَرِيحَةٌ أَنَّ التَّنْفِيلَ كَانَ مِنَ الْأَمِيرِ وَالْقَسْمَ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ اللَّيْثِ ، عَنْ نَافِعٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ صَدَرَ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مُقَرِّرًا لِذَلِكَ . مُجِيزًا لَهُ لِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ : وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَهُ أَيْضًا وَنَفَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعِيرًا بَعِيرًا ; وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّقْرِيرِ فَتَجْتَمِعُ الرِّوَايَتَانِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَلَهُمْ فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَجَازَتْ نِسْبَتُهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَيْشَ إِذَا انْفَرَدَ مِنْهُ قِطْعَةٌ فَغَنِمُوا شَيْئًا كَانَتِ الْغَنِيمَةُ لِلْجَمِيعِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ ، أَيْ إِذَا خَرَجَ الْجَيْشُ جَمِيعُهُ ثُمَّ انْفَرَدَتْ مِنْهُ قِطْعَةٌ انْتَهَى . وَلَيْسَ الْمُرَادُ الْجَيْشَ الْقَاعِدَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُ الْجَيْشَ الْخَارِجَ إِلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ ، بَلْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إِنَّ الْحَدِيثَ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُنْقَطِعَ مِنَ الْجَيْشِ عَنِ الْجَيْشِ الَّذِي فِيهِ الْإِمَامُ يَنْفَرِدُ بِمَا يَغْنَمُهُ ، قَالَ : وَإِنَّمَا قَالُوا بِمُشَارَكَةِ الْجَيْشِ لَهُمْ إِذَا كَانُوا قَرِيبًا مِنْهُمْ يَلْحَقُهُمْ عَوْنُهُ وَغَوْثُهُ لَوِ احْتَاجُوا انْتَهَى . وَهَذَا الْقَيْدُ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ : لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ السَّرِيَّةَ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْهُ دُونَ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ إِنَّهُ انْفَرَدَ بِذَلِكَ . وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّنْفِيلِ ، وَمَعْنَاهُ تَخْصِيصُ مَنْ لَهُ أَثَرٌ فِي الْحَرْبِ بِشَيْءٍ مِنَ الْمَالِ ، لَكِنَّهُ خَصَّهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُونَ مَنْ بَعْدَهُ ، نَعَمْ وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ مِنْ أَمِيرِ الْجَيْشِ كَأَنْ يُحَرِّضَ عَلَى الْقِتَالِ وَيَعِدَ بِأَنْ يُنَفِّلَ الرُّبُعَ إِلَى الثُّلُثِ قَبْلَ الْقَسْمِ ، وَاعْتُلَّ بِأَنَّ الْقِتَالَ حِينَئِذٍ يَكُونُ لِلدُّنْيَا ، قَالَ : فَلَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا انْتَهَى . وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنَ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ أَوْ مِمَّا عَدَا الْخُمُسِ عَلَى أَقْوَالٍ ، وَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهَا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَنَقَلَهُ مُنْذِرُ بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ شَاذٌّ عِنْدَهُمْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَحَدِيثُ الْبَابِ يَرُدُّ عَلَى هَذَا لِأَنَّهُمْ نُفِّلُوا نِصْفَ السُّدُسِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَقَدْ زَادَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ إِيضَاحًا فَقَالَ : لَوْ فَرَضْنَا أَنَّهُمْ كَانُوا مِائَةً لَكَانَ قَدْ حَصَلَ لَهُمْ أَلْفٌ وَمِائَتَا بَعِيرٍ وَيَكُونُ الْخُمُسُ مِنَ الْأَصْلِ ثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ وَخُمُسُهَا سِتُّونَ ، وَقَدْ نَطَقَ الْحَدِيثُ بِأَنَّهُمْ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا فَتَكُونُ جُمْلَةُ مَا نُفِّلُوا مِائَةَ بَعِيرٍ ، وَإِذَا كَانَ خُمُسُ الْخُمُسِ سِتِّينَ لَمْ يَفِ كُلُّهُ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ لِكُلٍّ مِنَ الْمِائَةِ ، وَهَكَذَا كَيْفَمَا فَرَضْتَ الْعَدَدَ . قَالَ : وَقَدْ أَلْجَأَ هَذَا الْإِلْزَامُ بَعْضَهُمْ فَادَّعَى أَنَّ جَمِيعَ مَا حَصَلَ لِلْغَانِمِينَ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا فَقِيلَ لَهُ فَيَكُونُ خُمُسُهَا ثَلَاثَةَ أَبْعِرَةٍ فَيَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ السَّرِيَّةُ كُلُّهَا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ كَذَا قِيلَ ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ : وَهُوَ سَهْوٌ عَلَى التَّفْرِيغِ الْمَذْكُورِ ، بَلْ يَلْزَمُ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ رَجُلٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : قَدِ انْفَصَلَ مَنْ قَالَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ بِأَنَّ النَّفَلَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ بِأَوْجُهٍ : مِنْهَا أَنَّ الْغَنِيمَةَ لَمْ تَكُنْ كُلُّهَا أَبْعِرَةً بَلْ كَانَ فِيهَا أَصْنَافٌ أُخْرَى ، فَيَكُونُ التَّنْفِيلُ وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ . ثَانِيهَا : أَنْ يَكُونَ نَفَلَهُمْ مِنْ سَهْمِهِ مِنْ هَذِهِ الْغَزَاةِ وَغَيْرِهَا فَضَمَّ هَذَا إِلَى هَذَا فَلِذَلِكَ زَادَتِ الْعِدَّةُ ، ثَالِثُهَا : أَنْ يَكُونَ نَفَلَ بَعْضَ الْجَيْشِ دُونَ بَعْضٍ . قَالَ : وَظَاهِرُ السِّيَاقِ يَرُدُّ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ . قَالَ : وَقَدْ جَاءَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَشَرَةً ، وَأَنَّهُمْ غَنِمُوا مِائَةً وَخَمْسِينَ بَعِيرًا فَخَرَجَ مِنْهَا الْخُمُسُ وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَقَسَّمَ عَلَيْهِمُ الْبَقِيَّةَ فَحَصَلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ثُمَّ نُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا فَعَلَى هَذَا فَقَدْ نُفِّلُوا ثُلُثَ الْخُمُسِ . قُلْتُ : إِنْ ثَبَتَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَدٌّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ نُفِّلُوا سِتَّةً مِنَ الْعَشَرَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ ، وَأَحْمَدُ ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ : النَّفَلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ : لَا نَفَلَ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَكْثَرُ مَا رُوِيَ مِنَ الْأَخْبَارِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْلَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ . وَالَّذِي يَقْرَبُ مِنْ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخُمُسِ لِأَنَّهُ أَضَافَ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِلَى سُهْمَانِهِمْ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ تَقَرَّرَ لَهُمُ اسْتِحْقَاقُهُ مِنَ الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ الْمُوَزَّعَةِ عَلَيْهِمْ فَيَبْقَى لِلنَّفَلِ مِنَ الْخُمُسِ . قُلْتُ : وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قَالَ بَلَغَنِي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : نَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَرِيَّةً بَعَثَهَا قِبَلَ نَجْدٍ مِنْ إِبِلٍ جَاءُوا بِهَا نَفَلًا سِوَى نَصِيبِهِمْ مِنَ الْمَغْنَمِ لَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ الطَّحَاوِيُّ وَيُؤَيِّدُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : مَا لِيَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا الْخُمُسُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ عَلَيْكُمْ وَصَلَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا سِوَى الْخُمُسِ لِلْمُقَاتِلَةِ . وَرَوَى مَالِكٌ أَيْضًا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ كَانَ النَّاسُ يعطفون النَّفَلَ مِنَ الْخُمُسِ . قُلْتُ : وَظَاهِرُهُ اتِّفَاقُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إِنْ أَرَادَ الْإِمَامُ تَفْضِيلَ بَعْضِ الْجَيْشِ لِمَعْنًى فِيهِ فَذَلِكَ مِنَ الْخُمُسِ لَا مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَإِنِ انْفَرَدَتْ قِطْعَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ فَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى الثُّلُثِ انْتَهَى . وَهَذَا الشَّرْطُ قَالَ بِهِ الْجُمْهُورُ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَتَحَدَّدُ ، بَلْ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَفَوَّضَ إِلَيْهِ أَمْرَهَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : لَا يُنَفِّلُ مِنْ أَوَّلِ الْغَنِيمَةِ ، وَلَا يُنَفِّلُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً . وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ . وَحَدِيثُ الْبَابِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بدل لِمَا قَالُوا وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَعَيُّنِ قِسْمَةِ أَعْيَانِ الْغَنِيمَةِ لَا أَثْمَانِهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ اتِّفَاقًا أَوْ بَيَانًا لِلْجَوَازِ . وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِيهِ أَقْوَالٌ ثَالِثُهَا التَّخْيِيرُ ، وَفِيهِ أَنَّ أَمِيرَ الْجَيْشِ إِذَا فَعَلَ مَصْلَحَةً لَمْ يَنْقُضْهَا الْإِمَامُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ لِنَوَائِبِ الْمُسْلِمِينَ · ص 275 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين · ص 59 41 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد ، فغنموا إبلا كثيرا ، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا ، أو أحد عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا . مطابقته للترجمة في قوله : ونفلوا على صيغة المجهول من التنفيل ، وهو الإعطاء لغة ، وقال الخطابي : التنفيل عطية يخص بها الإمام من أبلى بلاء حسنا وسعى سعيا جميلا ، كالسلب إنما يعطى للقاتل كالقتالة وكفايته . قوله : بعث سرية ، وهي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو . قوله : فيها عبد الله ، وهو عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ، وصرح بذلك مسلم في روايته ، فإنه أخرجه في المغازي عن يحيى بن يحيى قال : قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية وأنا فيهم قبل نجد ، فغنموا إبلا كثيرة ، فكانت سهامهم اثني عشر بعيرا ، أو أحد عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا ، وأخرجه أبو داود في الجهاد ، عن القعنبي عن مالك ، وعن القعنبي وابن موهب ، كلاهما عن الليث ، عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها عبد الله بن عمر قبل نجد . الحديث . ورواه الطحاوي عن محمد بن خزيمة ، عن يوسف بن عدي ، عن ابن المبارك عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية فيها ابن عمر ، فغنموا غنائم كثيرة ، فكانت غنائمهم لكل إنسان اثني عشر بعيرا ، ونفل كل إنسان منهم بعيرا بعيرا سوى ذلك . قوله : قبل نجد بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي ناحية نجد وجهتها ، والنجد بفتح النون وسكون الجيم ، وهو اسم خاص لما دون الحجاز مما يلي العراق ، وروي أن هذه السرية كانوا عشرة ، فغنموا مائة وخمسين بعيرا ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثلاثين ، وأخذوا هم عشرين ومائة ، وأخذ كل واحد منها اثني عشر بعيرا ، ونفل بعيرا . قوله : فغنموا إبلا كثيرة ، وفي رواية لمسلم : فأصبنا إبلا وغنما . قوله : فكانت سهامهم أي أنصباؤهم اثني عشر بعيرا ، وقال النووي : معناه أسهم لكل واحد منهم ، وقد قيل : معناه سهمان جميع الغانمين اثني عشر بعيرا ، وهذا غلط ، وقد جاء في بعض روايات أبي داود وغيره أن الاثني عشر بعيرا كانت سهمان كل واحد من الجيش ، والسرية ، ونفل السرية سوى هذا بعيرا بعيرا . قوله : أو أحد عشر قال ابن عبد البر : اتفق جماعة رواة الموطأ على أن روايته بالشك إلا الوليد بن مسلم ، فإنه رواه عن شعيب ومالك ، فلم يشك ، وكأنه حمل رواية مالك على رواية شعيب ، وكذا أخرج أبو داود عن القعنبي عن مالك والليث بغير شك ، وقال أبو عمر : قال سائر أصحاب نافع : اثني عشر بعيرا بغير شك ، ولم يقع الشك فيه . قوله : ونفلوا على صيغة المجهول كما ذكرنا ، وفي رواية : فنفلوا بعيرا فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية : ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والجمع بين هذه الروايات أن أمير السرية نفلهم فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيجوز نسبته إلى كل منهما . واحتج بهذا الحديث سعيد بن المسيب ، والحسن البصري ، والأوزاعي ، وأحمد ، وإسحاق في جواز التنفيل بعد سهامهم قالوا : هذا ابن عمر يخبر أنهم قد نفلوا بعد سهامهم بعيرا بعيرا ، فلم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال النووي : واختلفوا في محل النفل ، هل هو من أصل الغنيمة ، أو من أربعة أخماسها ، أم من خمس الخمس ، وهي ثلاثة أقوال للشافعي ، وبكل منها قال جماعة من العلماء ، والأصح عندنا أنه من خمس الخمس ، وبه قال ابن المسيب ، ومالك ، وأبو حنيفة ، وآخرون وممن قال : إنه من أصل الغنيمة الحسن البصري والأوزاعي وأحمد وأبو ثور وآخرون ، وأجاز النخعي أن تنفل السرية جميع ما غنمت دون باقي الجيش ، وهو خلاف ما قاله العلماء كافة .