3194 - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ : إِنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي . رَابِعُهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَوْلُهُ : ( لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ ) أَيْ : خَلَقَ الْخَلْقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ أَوِ الْمُرَادُ أَوْجَدَ جِنْسَهُ ، وَقَضَى يُطْلَقُ بِمَعْنَى حَكَمَ وَأَتْقَنَ وَفَرَغَ وَأَمْضَى . قَوْلُهُ : ( كَتَبَ فِي كِتَابِهِ ) أَيْ : أَمَرَ الْقَلَمَ أَنْ يَكْتُبَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَرِيبًا فَقَالَ لِلْقَلَمِ : اكْتُبْ فَجَرَى بِمَا هُوَ كَائِنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْكِتَابِ اللَّفْظُ الَّذِي قَضَاهُ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي قَوْلُهُ : ( فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ ) قِيلَ : مَعْنَاهُ دُونَ الْعَرْشِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا وَالْحَامِلُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ اسْتِبْعَادُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فَوْقَ الْعَرْشِ ، وَلَا مَحْذُورَ فِي إِجْرَاءِ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ لِأَنَّ الْعَرْشَ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ أَيْ ذِكْرُهُ أَوْ عِلْمُهُ فَلَا تَكُونُ الْعِنْدِيَّةُ مَكَانِيَّةٌ بَلْ هِيَ إِشَارَةٌ إِلَى كَمَالِ كَوْنِهِ مَخْفِيًّا عَنِ الْخَلْقِ مَرْفُوعًا عَنْ حَيِّزِ إِدْرَاكِهِمْ ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ لَفْظَ فَوْقَ زَائِدٌ كَقَوْلِهِ : فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ وَالْمُرَادُ اثْنَتَانِ فَصَاعِدًا ، وَلَمْ يَتَعَقَّبْهُ وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ ؛ لِأَنَّ مَحَلَّ دَعْوَى الزِّيَادَةِ مَا إِذَا بَقِيَ الْكَلَامُ مُسْتَقِيمًا مَعَ حَذْفِهَا كَمَا فِي الْآيَةِ ، وَأَمَّا فِي الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ يَبْقَى مَعَ الْحَذْفِ ، فَهُوَ عِنْدَهُ الْعَرْشُ وَذَلِكَ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ رَحْمَتِي ) بِفَتْحِ أَنَّ عَلَى أَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ كَتَبَ ، وَبِكَسْرِهَا عَلَى حِكَايَةِ مَضْمُونِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ : ( غَلَبَتْ ) فِي رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ فِي التَّوْحِيدِ سَبَقَتْ بَدَلَ غَلَبَتْ ، وَالْمُرَادُ مِنَ الْغَضَبِ لَازِمُهُ وَهُوَ إِرَادَةُ إِيصَالِ الْعَذَابِ إِلَى مَنْ يَقَعُ عَلَيْهِ الْغَضَبُ ؛ لِأَنَّ السَّبْقَ وَالْغَلَبَةَ بِاعْتِبَارِ التَّعَلُّقِ ، أَيْ تَعَلُّقِ الرَّحْمَةِ غَالِبٌ سَابِقٌ عَلَى تَعَلُّقِ الْغَضَبِ ؛ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ مُقْتَضَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَمَّا الْغَضَبُ فَإِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى سَابِقَةِ عَمَلٍ مِنَ الْعَبْدِ الْحَادِثِ ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ اسْتِشْكَالُ مَنْ أَوْرَدَ وُقُوعَ الْعَذَابِ قَبْلَ الرَّحْمَةِ فِي بَعْضِ الْمَوَاطِنِ ، كَمَنْ يَدْخُلُ النَّارَ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ ثُمَّ يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ وَغَيْرِهَا . وَقِيلَ : مَعْنَى الْغَلَبَةِ الْكَثْرَةُ وَالشُّمُولُ ، تَقُولُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ الْكَرَمُ أَيْ أَكْثَرُ أَفْعَالِهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاء عَلَى أَنَّ الرَّحْمَةَ وَالْغَضَبَ مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الرَّحْمَةُ وَالْغَضَبُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ لَا مِنْ صِفَاتِ الذَّاتِ ، وَلَا مَانِعَ مِنْ تَقَدُّمِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ عَلَى بَعْضٍ فَتَكُونُ الْإِشَارَةُ بِالرَّحْمَةِ إِلَى إِسْكَانِ آدَمَ الْجَنَّةَ أَوَّلَ مَا خُلِقَ مَثَلًا وَمُقَابِلُهَا مَا وَقَعَ مِنْ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا ، وَعَلَى ذَلِكَ اسْتَمَرَّتْ أَحْوَالُ الْأُمَمِ بِتَقْدِيمِ الرَّحْمَةِ فِي خَلْقِهِمْ بِالتَّوَسُّعِ عَلَيْهِمْ مِنَ الرِّزْقِ وَغَيْرِهِ ، ثُمَّ يَقَعُ بِهِمُ الْعَذَابُ عَلَى كُفْرِهِمْ . وَأَمَّا مَا أَشْكَلَ مِنْ أَمْرِ مَنْ يُعَذَّبُ مِنَ الْمُوَحِّدِينَ فَالرَّحْمَةُ سَابِقَةٌ فِي حَقِّهِمْ أَيْضًا ، وَلَوْلَا وُجُودُهَا لَخُلِّدُوا أَبَدًا . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : فِي سَبْقِ الرَّحْمَةِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ قِسْطَ الْخَلْقِ مِنْهَا أَكْثَرُ مِنْ قِسْطِهِمْ مِنَ الْغَضَبِ وَأَنَّهَا تَنَالُهُمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ وَأَنَّ الْغَضَبَ لَا يَنَالُهُمْ إِلَّا بِاسْتِحْقَاقٍ ، فَالرَّحْمَةُ تَشْمَلُ الشَّخْصَ جَنِينًا وَرَضِيعًا وَفَطِيمًا وَنَاشِئًا قَبْلَ أَنْ يَصْدُرَ مِنْهُ شَيْءٌ مِنَ الطَّاعَةِ ، وَلَا يَلْحَقُهُ الْغَضَبُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَصْدُرَ عَنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ مَا يَسْتَحِقُّ مَعَهُ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ · ص 336 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في قول الله تعالى وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه · ص 110 4 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، قال : حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش : إن رحمتي غلبت غضبي . مطابقته للترجمة في قوله لما قضى الله الخلق ، ومغيرة بضم الميم وكسرها . والحديث أخرجه مسلم في التوبة والنسائي في النعوت كلهم عن قتيبة . قوله لما قضى الله الخلق ، قال الخطابي : يريد لما خلق الله الخلق كما في قوله تعالى فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ أي خلقهن ، وقال ابن عرفة : قضاء الشيء إحكامه وإمضاؤه والفراغ منه ، وبه سمي القاضي لأنه إذا حكم فقد فرغ مما بين الخصمين ، قوله كتب في كتابه أي أمر القلم أن يكتب في كتابه وهو اللوح المحفوظ ، والمكتوب هو أن رحمتي غلبت غضبي ، قوله فهو عنده أي الكتاب عنده والعندية ليست مكانية بل هو إشارة إلى كمال كونه مكنونا عن الخلق مرفوعا عن حيز إدراكهم ، قوله فوق العرش ، قال الخطابي : قال بعضهم : معناه دون العرش استعظاما أن يكون شيء من الخلق فوق العرش كما في قوله تعالى بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا أي فما دونها أي أصغر منها ، وقال بعضهم : إن لفظ الفوق زائد كما في قوله تعالى فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ إذ الثنتان يرثان الثلثين ، قلت : في كل منهما نظر ، أما الأول ففيه استعمال اللفظ في غير موضعه ، وأما الثاني ففيه فساد المعنى لأن معناه يكون حينئذ فهو عنده العرش ، وهذا لا يصح . والأحسن أن يقال : معنى قوله فهو عنده فوق العرش أي علم ذلك عند الله فوق العرش لا ينسخ ولا يبدل أو ذكر ذلك عند الله فوق العرش ، ولا محذور من إضمار لفظ العلم أو الذكر على أن العرش مخلوق ، ولا يستحيل أن يمسه كتاب مخلوق ، فإن الملائكة حملة العرش حاملونه على كواهلهم ، وفيه المماسة فلا محذور أن يكون كتابه فوق العرش ، فإن قلت : ما وجه تخصيص هذا بالذكر على ما قلت مع أن القلم كتب كل شيء ، قلت : لما فيه من الرجاء الكامل وإظهار أن رحمته وسعت كل شيء بخلاف غيره . قوله أن رحمتي بفتح أن على أنها بدل من كتب وبكسرها ابتداء كلام يحكي مضمون الكتاب ، قوله غلبت في رواية شعيب عن أبي الزناد في التوحيد سبقت بدل غلبت ، والمراد من الغضب معناه الغائي وهو لازمه ، وهو إرادة الانتقام ممن يقع عليه الغضب والسبق والغلبة باعتبار التعلق ، أي تعلق الرحمة سابق غالب على تعليق الغضب لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة ، وأما الغضب فإنه متوقف على سابقة عمل من العبد حادث ، وبهذا يندفع إشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواضع كمن يدخل النار من الموحدين ثم يخرج بالشفاعة أو غيرها ، وقيل : الرحمة والغضب من صفات الفعل لا من صفات الذات ، فلا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض . وقال الطيبي : في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب وأنها تنالهم من غير استحقاق وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق ، فالرحمة تشمل الشخص جنينا ورضيعا وفطيما وناشئا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعة ، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك ، والله تعالى أعلم .