5 - بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ قَاصِفًا تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ . لَوَاقِحَ مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً . إِعْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنْ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ . صِرٌّ بَرْدٌ . نَشْرًا مُتَفَرِّقَةً . 3205 - حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ الْحَكَمِ ، عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ نشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) نُشُرًا بِضَمِّ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ ، وَسَيَأْتِي تَفْسِيرُهُ فِي الْبَابِ . قَوْلُهُ : قَاصِفًا تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : هِيَ الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْ تُحَطِّمُ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْقَاصِفُ الَّتِي تُفَرِّقُ ، هَكَذَا ذَكَرَهُ مُنْقَطِعًا . قَوْلُهُ : لَوَاقِحَ مَلَاقِحٌ مُلَقِّحَةٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ وَأَنَّ أَصْلَ لَوَاقِحَ مَلَاقِحُ وَوَاحِدُهَا مُلَقِّحَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وِفَاقًا لِابْنِ إِسْحَاقَ ، وَأَنْكَرَهُ غَيْرُهُمَا قَالُوا : لَوَاقِحُ جَمْعُ لَاقِحَةٍ وَلَاقِحٍ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ : فَإِنْ قِيلَ الرِّيحُ مُلَقِّحَةٌ لِأَنَّهَا تُلَقِّحُ الشَّجَرَ فَكَيْفَ قِيلَ لَهَا لَوَاقِحُ ؟ فَالْجَوَابُ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ تُجْعَلَ الرِّيحَ هِيَ الَّتِي تُلَقِّحُ بِمُرُورِهَا عَلَى التُّرَابِ وَالْمَاءِ فَيَكُونُ فِيهَا اللِّقَاحُ ، فَيُقَالُ رِيحٌ لَاقِحٌ كَمَا يُقَالُ مَاءٌ مَلَاقِحٌ ، وَيُؤَيِّدُهُ وَصْفُ رِيحِ الْعَذَابِ بِأَنَّهَا عَقِيمٌ . ثَانِيهِمَا : أَنَّ وَصْفَهَا بِاللَّقْحِ لِكَوْنِ اللَّقْحِ يَقَعُ فِيهَا كَمَا تَقُولُ : لَيْلٌ نَائِمٌ ، وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : الصَّوَابُ أَنَّهَا لَاقِحَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُلَقِّحَةٌ مِنْ وَجْهٍ لِأَنَّ لَقْحَهَا حَمْلُهَا الْمَاءَ ، وَإِلْقَاحُهَا عَمَلُهَا فِي السَّحَابِ ، ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : يُرْسِلُ اللَّهُ الرِّيَاحَ فَتَحْمِلُ الْمَاءَ فَتُلَقِّحُ السَّحَابَ ، وَتَمُرُّ بِهِ فَتُدِرُّ كَمَا تُدِرُّ اللِّقْحَةُ ، ثُمَّ تُمْطِرُ ، وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ : جَعَلَ الرِّيحَ لَاقِحًا لِأَنَّهَا تُقِلُّ السَّحَابَ وَتَصْرِفُهُ ، ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ فَتَسْتَدِرُّهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ لِلرِّيحِ الْجَنُوبِ : لَاقِحٌ وَحَامِلٌ ، وَلِلشَّمَالِ : حَائِلٌ وَعَقِيمٌ . قَوْلُهُ : إِعْصَارٌ رِيحٌ عَاصِفٌ تَهُبُّ مِنَ الْأَرْضِ إِلَى السَّمَاءِ كَعَمُودٍ فِيهِ نَارٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ وَهُوَ تَفْسِيرُ أَبِي عُبَيْدَةَ بِلَفْظِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ قَالَ : الْإِعْصَارُ الرِّيحُ ، وَالنَّارُ السَّمُومُ . وَعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ : الْإِعْصَارُ رِيحٌ فِيهَا بَرْدٌ شَدِيدٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فِيهِ نَارٌ قَوْلُهُ : صِرٌّ بَرْدٌ ) يُرِيدُ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ تَعَالَى : رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الصِّرُّ شِدَّةُ الْبَرْدِ . وَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ قَالَ : كَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ : فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ يَقُولُ : صِرٌّ بَرْدٌ . كَذَا قَالَ . قَوْلُهُ : ( نُشُرًا مُتَفَرِّقَةً ) هُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَبِي عُبَيْدَةَ فَإِنَّهُ قَالَ : قَوْلُهُ : ( نُشُرًا ) أَيْ مِنْ كُلِّ مَهَبٍّ وَجَانِبٍ وَنَاحِيَةٍ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْبَابِ حَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ . قَوْلُهُ : ( عَنِ الْحَكَمِ ) هُوَ ابْنُ عُتَيْبَةَ بِالْمُثَنَّاةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مُصَغَّرٌ . قَوْلُهُ : ( نُصِرْتُ بِالصَّبَا ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ مَقْصُورٌ هِيَ الرِّيحُ الشَّرْقِيَّةُ ، وَالدَّبُورُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَضْمُومَةِ مُقَابِلُهَا ، يُشِيرُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ الْأَحْزَابِ : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَرَوَى الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ انْقِطَاعٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : نُصِرْتُ بِالصَّبَا ، وَكَانَتْ عَذَابًا عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَنَا ، وَقِيلَ إِنَّ الصَّبَا هِيَ الَّتِي حَمَلَتْ رِيحَ قَمِيصِ يُوسُفَ إِلَى يَعْقُوبَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَفْضِيلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقَاتِ عَلَى بَعْضٍ ، وَفِيهِ إِخْبَارُ الْمَرْءِ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فَضَّلَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ التَّحَدُّثِ بِالنِّعْمَةِ لَا عَلَى الْفَخْرِ ، وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ وَإِهْلَاكِهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ نُشُرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ · ص 346 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ما جاء في قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته · ص 122 باب ما جاء في قوله تعالى : وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته أي هذا باب في بيان ما جاء إلى آخره . قاصفا تقصف كل شيء . أشار به إلى تفسير لفظ قاصفا في قوله تعالى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ وفسره بقوله تقصف كل شيء يعني تأتي عليه ، وقال أبو عبيدة : هي التي تقصف كل شيء أي تحطم ، وروى الطبري من طريق ابن جريج قال : قال ابن عباس : القاصف التي تفرق ، هكذا رواه منقطعا لأن ابن جريج لم يدرك ابن عباس . لواقح ملاقح ملقحة . أشار به إلى لفظ لواقح في قوله تعالى وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ وفسر اللواقح بالملاقح جمع ملقحة وهو من النوادر ، يقال : ألقح الفحل الناقة والريح السحاب ورياح لواقح . وقال ابن السكيت : اللواقح الحوامل ، وعن أبي عبيدة : الملاقح جمع ملقحة وملقح مثل ما قال البخاري وأنكره غيره ، فقال : جمع لاقحة ولاقح على النسب أي ذات اللقاح ، والعرب تقول للجنوب : لاقح وحامل ، وللشمال : حائل وعقيم . وقال ابن مسعود : لواقح تحمل الريح الماء فتلقح السحاب وتمر به فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر ، وقال ابن عباس : تلقح الرياح والشجر والسحاب وتمر به ، وقال عبد الله بن عمر : الرياح ثمانية أربع عذاب وأربع رحمة ، فالرحمة الناشرات والذاريات والمرسلات والمبشرات ، وأما العذاب فالعاصف والقاصف وهما في البحر ، والصرصر والعقيم وهما في البر . إعصار ريح عاصف تهب من الأرض إلى السماء كعمود فيه نار . أشار بهذا إلى تفسير لفظ إعصار في قوله تعالى فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ وعن ابن عباس : هي الريح الشديدة ، وقيل : ريح عاصف فيها سموم ، وقيل : هي التي يسميها الناس الزوبعة ، وعن الضحاك : الإعصار ريح فيها برد شديد ، والذي قاله البخاري أظهر لقوله تعالى فِيهِ نَارٌ وهو تفسير أبي عبيدة . صر برد . أشار به إلى تفسير لفظ صر في قوله تعالى رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ قال أبو عبيدة : الصر شدة البرد . نشرا متفرقة . فسر نشرا الذي في قوله تعالى وهو الذي يرسل الرياح نشرا بين يدي رحمته الذي وصفه برحمة بقوله متفرقة ، وهو جمع نشور ، وعن عاصم : كأنه جمع نشر ، وعن محمد اليماني : هو المطر . 15 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن مجاهد ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه يتضمن ريح الرحمة ، و الحكم بفتحتين هو ابن عتيبة ، والحديث مضى في الاستسقاء في باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا ، فإنه أخرجه هناك عن مسلم عن شعبة إلى آخره .