31 - بَاب وَفَاةِ مُوسَى ، وَذِكْرِهِ بَعْدُ 3407 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى - عَلَيْهِمَا السَّلَام - فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ ، فَرَجَعَ إِلَى رَبِّهِ فَقَالَ : أَرْسَلْتَنِي إِلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ ، قَالَ : ارْجِعْ إِلَيْهِ فَقُلْ لَهُ : يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ ، فَلَهُ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ بِكُلِّ شَعَرَةٍ سَنَةٌ ، قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : ثُمَّ الْمَوْتُ ، قَالَ : فَالْآنَ ، قَالَ : فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْ كُنْتُ ثَمَّ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ، قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ ، حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَهُ . قَوْلُهُ : ( وَفَاةُ مُوسَى وَذَكَرَهُ بَعْدُ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ بِإِسْقَاطِ بَابٍ وَلِغَيْرِهِ بِإِثْبَاتِهِ . وَقَوْلُهُ : ( وَذَكَرَهُ بَعْدُ ) بِضَمِّ دَالِ بَعْدُ عَلَى الْبِنَاءِ . ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ حَدَيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ مُوسَى مَعَ مَلَكِ الْمَوْتِ . أَوْرَدَهُ مَوْقُوفًا مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عَنْهُ ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِرِوَايَةِ هَمَّامٍ عَنْهُ مَرْفُوعًا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَقَدْ رَفَعَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْهُ رِوَايَةَ طَاوُسٍ أَيْضًا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ . قَوْلُهُ : ( أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ فَلَمَّا جَاءَهُ صَكَّهُ ) أَيْ ضَرَبَهُ عَلَى عَيْنِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَمُسْلِمٍ : جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إِلَى مُوسَى فَقَالَ : أَجِبْ رَبَّكَ ، فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا ، وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ ، وَالطَّبَرِيِّ : كَانَ مَلَكُ الْمَوْتِ يَأْتِي النَّاسَ عِيَانًا ، فَأَتَى مُوسَى فَلَطَمَهُ فَفَقَأَ عَيْنَهُ . قَوْلُهُ : ( لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ ) زَادَ هَمَّامٌ : وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ عَيْنَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ : فَقَالَ يَا رَبِّ عَبْدُكَ مُوسَى فَقَأَ عَيْنِي ، وَلَوْلَا كَرَامَتُهُ عَلَيْكَ لَشَقَقْتُ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ : فَقُلْ لَهُ الْحَيَاةَ تُرِيدُ ؟ فَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَكَ . قَوْلُهُ : ( عَلَى مَتْنِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَنَّاةِ هُوَ الظَّهْرُ ، وَقِيلَ : مُكْتَنَفُ الصُّلْبِ بَيْنَ الْعَصَبِ وَاللَّحْمِ ، وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ عَلَى جِلْدِ ثَوْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَهُ بِمَا غَطَّى يَدَهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ بِمَا غَطَّتْ يَدُهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ الْمَوْتُ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ قَالَ : فَالْآنَ يَا رَبِّ مِنْ قَرِيبٍ وَفِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ لَهُ مَا بَعْدَ هَذَا ؟ قَالَ : الْمَوْتُ ، قَالَ : فَالْآنَ ، وَالْآنَ ظَرْفُ زَمَانٍ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ ، وَهُوَ اسْمٌ لِزَمَانِ الْحَالِ الْفَاصِلِ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ . قَوْلُهُ : ( فَسَأَلَ اللَّهَ أَنْ يُدْنِيَهُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ ) قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ وَبَيَانُهُ فِي الْجَنَائِزِ . قَوْلُهُ : ( فَلَوْ كُنْتُ ثَمَّ ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، أَيْ هُنَاكَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ جَانِبِ الطَّرِيقِ ) فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ إِلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ . قَوْلُهُ : ( تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ ) فِي رِوَايَتِهِا عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ وَهِيَ رِوَايَةُ هَمَّامٍ أَيْضًا ، وَالْكَثِيبُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ وَزْنُ عَظِيمٍ : الرَّمْلُ الْمُجْتَمِعُ ، وَزَعَمَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ قَبْرَ مُوسَى بِمَدْيَنَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَتَعَقَّبَهُ الضِّيَاءُ بِأَنَّ أَرْضَ مَدْيَنَ لَيْسَتْ قَرِيبَةً مِنَ الْمَدِينَةِ وَلَا مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، قَالَ : وَقَدِ اشْتُهِرَ عَنْ قَبْرٍ بِأَرِيحَاءَ عِنْدَهُ كَثِيبٌ أَحْمَرُ أَنَّهُ قَبْرُ مُوسَى ، وَأَرِيحَاءُ مِنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَزَادَ عَمَّارٌ فِي رِوَايَتِهِ فَشَمَّهُ شَمَّةً فَقَبَضَ رُوحَهُ ، وَكَانَ يَأْتِي النَّاسَ خُفْيَةً يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ ، وَيُقَالُ إِنَّهُ أَتَاهُ بِتُفَّاحَةٍ مِنَ الْجَنَّةِ فَشَمَّهَا فَمَاتَ . وَذَكَرَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّ مُوسَى لَمَّا دَنَتْ وَفَاتُهُ مَشَى هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ فَجَاءَتْ رِيحٌ سَوْدَاءُ ، فَظَنَّ يُوشَعُ أَنَّهَا السَّاعَةُ فَالْتَزَمَ مُوسَى ، فَانْسَلَّ مُوسَى مِنْ تَحْتِ الْقَمِيصِ ، فَأَقْبَلَ يُوشَعُ بِالْقَمِيصِ . وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَوَلَّوْا دَفْنَهُ وَالصَّلَاةَ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ عَاشَ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً . قَوْلُهُ : ( قَالَ : وَأَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ ، إِلَخْ ) هُوَ مَوْصُولٌ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُعَلَّقٌ ، فَقَدْ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ فِي آخِرِهِ : نَحْوَهُ أَيْ إِنَّ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِمَعْنَى رِوَايَتِهِ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ لَا بِلَفْظِهِ ، وَقَدْ بَيَّنْتُ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ، قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : أَنْكَرَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالُوا إِنْ كَانَ مُوسَى عَرَفَهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْرِفْهُ فَكَيْفَ لَمْ يُقْتَصَّ لَهُ مِنْ فَقْءِ عَيْنِهِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ مَلَكَ الْمَوْتِ لِمُوسَى وَهُوَ يُرِيدُ قَبْضَ رُوحِهِ حِينَئِذٍ ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ إِلَيْهِ اخْتِبَارًا ، وَإِنَّمَا لَطَمَ مُوسَى مَلَكَ الْمَوْتِ لِأَنَّهُ رَأَى آدَمِيًّا دَخَلَ دَارَهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، وَقَدْ أَبَاحَ الشَّارِعُ فَقْء عَيْنِ النَّاظِرِ فِي دَارِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ إِذْنٍ ، وَقَدْ جَاءَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِلَى لُوطٍ فِي صُورَةِ آدَمِيِّينَ فَلَمْ يَعْرِفَاهُمِ ابْتِدَاءً ، وَلَوْ عَرَفَهُمْ إِبْرَاهِيمُ لَمَا قَدَّمَ لَهُمُ الْمَأْكُولَ ، وَلَوْ عَرَفَهُمْ لُوطٌ لَمَا خَافَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَوْمِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ عَرَفَهُ فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا الْمُبْتَدِعِ مَشْرُوعِيَّةُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ ؟ ثُمَّ مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ طَلَبَ الْقِصَاصَ مِنْ مُوسَى فَلَمْ يُقْتَصَّ لَهُ ؟ وَلَخَّصَ الْخَطَّابِيُّ كَلَامَ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَزَادَ فِيهِ أَنَّ مُوسَى دَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا رُكِّبَ فِيهِ مِنَ الْحِدَّةِ ، وَأَنَّ اللَّهَ رَدَّ عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ لِيَعْلَمَ مُوسَى أَنَّهُ جَاءَهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَلِهَذَا اسْتَسْلَمَ حِينَئِذٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي هَذِهِ اللَّطْمَةِ امْتِحَانًا لِلْمَلْطُومِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا لَطَمَهُ لِأَنَّهُ جَاءَ لِقَبْضِ رُوحِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُخَيِّرَهُ ، لِمَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ نَبِيٌّ حَتَّى يُخَيَّرَ ، فَلِهَذَا لَمَّا خَيَّرَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ أَذْعَنَ ، قِيلَ : وَهَذَا أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يَعُودُ أَصْلُ السُّؤَالِ فَيُقَالُ : لِمَ أَقْدَمَ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى قَبْضِ نَبِيِّ اللَّهِ وَأَخَلَّ بِالشَّرْطِ ؟ فَيَعُودُ الْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ امْتِحَانًا . وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَقَأَ عَيْنَهُ أَيْ أَبْطَلَ حُجَّتَهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ فَرَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ وَبِقَوْلِهِ : لَطَمَهُ وَصَكَّهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ قَرَائِنِ السِّيَاقِ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : إِنَّمَا فَقَأَ مُوسَى الْعَيْنَ الَّتِي هِيَ تَخْيِيلٌ وَتَمْثِيلٌ وَلَيْسَتْ عَيْنًا حَقِيقَةً ، وَمَعْنَى رَدَّ اللَّهُ عَيْنَهُ أَيْ أَعَادَهُ إِلَى خِلْقَتِهِ الْحَقِيقِيَّةِ ، وَقِيلَ : عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَرَدَّ اللَّهُ إِلَى مَلَكِ الْمَوْتِ عَيْنَهُ الْبَشَرِيَّةَ لِيَرْجِعَ إِلَى مُوسَى عَلَى كَمَالِ الصُّورَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ أَقْوَى فِي اعْتِبَارِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ . وَجَوَّزَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنْ يَكُونَ مُوسَى أُذِنَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بِمَلَكِ الْمَوْتِ وَأُمِرَ مَلَكُ الْمَوْتِ بِالصَّبْرِ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أُمِرَ مُوسَى بِالصَّبْرِ عَلَى مَا يَصْنَعُ الْخَضِرُ . وَفِيهِ أَنَّ الْمَلَكَ يَتَمَثَّلُ بِصُورَةِ الْإِنْسَانِ ، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ . وَفِيهِ فَضْلُ الدَّفْنِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ . وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ : فَلَكَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا كَثِيرٌ جِدًّا لِأَنَّ عَدَدَ الشَّعْرِ الَّذِي تُوَارِيهِ الْيَدُ قَدْرَ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ مُوسَى وَبَعْثَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ . وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي الْعُمُرِ وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلا فِي كِتَابٍ أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ فِي الْحَقِيقَةِ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : مِنْ عُمُرِهِ لِلْجِنْسِ لَا لِلْعَيْنِ ، أَيْ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِ آخَرَ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِمْ عِنْدِي ثَوْبٌ وَنِصْفُهُ أَيْ وَنِصْفُ ثَوْبٍ آخَرَ . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ أَيْ وَمَا يَذْهَبُ مِنْ عُمُرِهِ ، فَالْجَمِيعُ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . وَالْجَوَابُ عَنْ قِصَّةِ مُوسَى أَنَّ أَجَلَهُ قَدْ كَانَ قَرُبَ حُضُورُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا مِقْدَارُ مَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ مِنَ الْمُرَاجَعَتَيْنِ ، فَأُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ أَوَّلًا مَعَ سَبْقِ عِلْمِ اللَّهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَقَعُ إِلَّا بَعْدَ الْمُرَاجَعَةِ وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ مَلَكُ الْمَوْتِ عَلَى ذَلِكَ أَوَّلًا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَفَاةِ مُوسَى وَذِكْرِهِ بَعْدُ · ص 507 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وفاة موسى · ص 305 باب وفاة موسى وذكره بعد أي هذا باب في بيان وفاة موسى عليه الصلاة والسلام ، وليس في رواية أبي ذر ذكر لفظ باب ، وإنما المذكور عنده وفاة موسى عليه الصلاة والسلام ، قوله : وذكر بعد بضم الدال لأنه مبني عليه لكونه قطع عن الإضافة والتقدير ، وفي بيان ذكره بعد ذلك وفاته عليه الصلاة والسلام . 70 - حدثنا يحيى بن موسى ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام ، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه فقال : أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت قال : ارجع إليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة قال أي رب ثم ماذا ؟ قال : ثم الموت . قال : فالآن . قال : فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر ، قال أبو هريرة : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن موسى بن عبد ربه أبو زكرياء السختياني البلخي يقال له خت بفتح الخاء المعجمة وتشديد التاء المثناة من فوق ، وابن طاووس هو عبد الله . وهذا الحديث رواه البخاري أولا موقوفا من طريق طاووس عنه ، ثم أورده عتيبة برواية همام عنه مرفوعا ، وهو المشهور عن عبد الرزاق ، والحديث مر في كتاب الجنائز في باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة . قوله : صكه أي ضربه ، وفي رواية مسلم : جاء ملك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام فقال : أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها ، وفي رواية أحمد : كان ملك الموت يأتي الناس عيانا ، فأتى موسى فلطمه ، ففقأ عينه . قوله : لا يريد الموت ، وفي رواية همام ، وقد فقأ عيني فرد الله عليه عينه ، وفي رواية عمار فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لشققت عليه قوله : فقل له أي لموسى يضع يده ، وفي رواية أبي يونس : فقل له الحياة تريد ، فإن كنت تريد الحياة فضع يدك . قوله : على متن ثور بفتح الميم وسكون التاء المثناة من فوق هو الظهر، وفي رواية عمار : على جلد ثور . قوله : بما غطت يده هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره بما غطى ، قوله : أي رب يعني يا رب . قوله : ثم ماذا أي ثم ما يكون بعد هذا ، أي أحياة أو موت ، قوله : فالآن هو ظرف زمان الحال بين الماضي والمستقبل . قوله : أن يدنيه بضم الياء من الإدناء أي يقربه ، ووجه سؤاله الإدناء من الأرض المقدسة هو شرفها وفضيلة ما فيها من المدفونين من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم ، فإن قلت : سأل الإدناء فلم لم يسأل نفس بيت المقدس ؟ قلت : لأنه خاف أن يكون قبره مشهورا عندهم ، فيفتتن به الناس ، وفيه استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة ، والقرب من مدافن الصالحين . قوله : رمية أي قدر رمية كائنة بحجر ، قوله : إلى جانب الطريق هكذا رواية المستملي والكشميهني ، وفي رواية غيرهما من جانب الطريق ، قوله : الكثيب بالثاء المثلثة وفي آخره باء موحدة ، وهو الرمل الكثير المجتمع . واختلف أهل السير في موضع قبره فقيل بأرض التيه وهارون كذلك ، ولم يدخل موسى الأرض المقدسة إلا رمية حجر ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وقال : لا يعرف قبره ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبهم ذلك بقوله إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر ، ولو أراد بيانه لبين صريحا ، وقال ابن عباس : لو علمت اليهود قبر موسى وهارون لاتخذوهما إلهين من دون الله ، وقيل : بباب لد بالبيت المقدس ، وقيل : قبره بين عالية وعويلة عند كنيسة توماء ، وقيل : بالوادي في أرض ماء بين بصرى والبلقاء ، وقيل قبره بدمشق ذكره ابن عساكر عن كعب الأحبار ، والأصح أنه بالتيه قدر رمية حجر من الأرض المقدسة ، وعن وهب أن الملائكة تولوا دفنه والصلاة عليه ، وأنه عاش مائة وعشرين سنة ، وقال وهب وصلى عليه جبريل عليه الصلاة والسلام ، وكان موته بعد موت هارون بأحد عشر شهرا ، وكان بين وفاة إبراهيم ومولد موسى مائتان وخمسون سنة ، وقد مضت بقية الكلام في كتاب الجنائز . قال : وأخبرنا معمر عن همام قال ، حدثنا أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه أي قال عبد الرزاق ، أخبرنا معمر بن راشد عن همام بن منبه نحو الحديث المذكور ، وقال بعضهم : وهذا موصول بالإسناد ، وقد وهم من قال إنه معلق ، قلت : صورته صورة تعليق وكونه موصولا بالإسناد الأول محتمل ، ولا يلزم من إخراج غيره هذا موصولا أن يكون هذا أيضا موصولا ، وهو في صورة التعليق فافهم .