37- بَاب قَوْلِه تَعَالَى وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا الزُّبُرُ : الْكُتُبُ ، وَاحِدُهَا زَبُورٌ ، زَبَرْتُ كَتَبْتُ ، وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ قَالَ مُجَاهِدٌ : سَبِّحِي مَعَهُ . وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ الدُّرُوعَ . وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ الْمَسَامِيرِ وَالْحَلَقِ ، وَلَا يُرقَّ الْمِسْمَارَ فَيَسَلْسَ ، وَلَا يُعَظِّمْ فَيَنفْصِمَ . أفرغ : أنزل . بسطة : زيادة وفضلا . وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ 3417- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام الْقُرْآنُ ، فَكَانَ يَأْمُرُ بِدَوَابِّهِ فَتُسْرَجُ ، فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ دَوَابُّهُ ، وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ . رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا هُوَ دَاوُدَ بْنُ إِيشَا بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ ابْنِ عَوْبَدٍ بِوَزْنِ جَعْفَرٍ بِمُهْمَلَةٍ وَمُوَحَّدَةٍ ابْنِ بَاعِرَ بِمُوَحَّدَةِ وَمُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ ابْنِ سَلَمُونَ بْنِ يَارِبَ بِتَحْتَانِيَّةٍ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ ابْنِ رَامَ بْنِ حَضْرُونَ بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ ابْنِ فَارِصَ بِفَاءٍ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ يَهُوذَا ، بْنِ يَعْقُوبَ . قَوْلُهُ : ( الزُّبُرُ الْكُتُبُ وَاحِدُهَا زَبُورٌ ، زَبَرْتُ : كَتَبْتُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لَفِي زُبُرِ الأَوَّلِينَ أَيْ كُتُبِ الْأَوَّلِينَ وَاحِدُهَا زَبُورٌ ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ : زَبُورٌ بِمَعْنَى مَزْبُورٍ ، تَقُولُ زَبَرْتُهُ فَهُوَ مَزْبُورٌ مِثْلُ كَتَبْتُهُ فَهُوَ مَكْتُوبٌ ، وَقُرِئَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَهُوَ جَمْعُ زُبُرٍ . قُلْتُ : الضَّمُّ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ . قَوْلُهُ : أَوِّبِي مَعَهُ قَالَ مُجَاهِدٌ : سَبِّحِي مَعَهُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ مِثْلَهُ ، وَعَنِ الضَّحَاكِ هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ ، وَقَالَ قَتَادَةَ : مَعْنَى أَوِّبِي سِيرِي . قَوْلُهُ : أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ الدُّرُوعُ ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ أَيْ دُرُوعًا وَاسِعَةً طَوِيلَةً . قَوْلُهُ : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ الْمَسَامِيرَ وَالْحِلَقَ ، وَلَا تُرِقَّ الْمِسْمَارَ فَيَسْلَسَ ، وَلَا تُعَظِّمْ فَيَنْفَصِمَ ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ ، وَلِغَيْرِهِ لَا تَدُقَّ بِالدَّالِ بَدَلَ الرَّاءِ ، وَعِنْدَهُمْ فَيَتَسَلْسَلَ وَفِي آخِرِهِ فَيَفْصِمَ بِغَيْرِ نُونٍ ، وَوَافَقَهُ الْأَصِيلِيُّ فِي قَوْلِهِ : فَيَسْلَسَ وَهُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَمَعْنَاهُا فَيَخْرُجَ مِنَ الثَّقْبِ بِرِفْقٍ أَوْ يَصِيرُ مُتَحَرِّكًا فَيَلِينُ عِنْدَ الْخُرُوجِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى فَيَتَسَلْسَلُ أَيْ يَصِيرُ كَالسِّلْسِلَةِ فِي اللِّينِ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ ، وَالْفَصْمُ بِالْفَاءِ الْقَطْعُ مِنْ غَيْرِ إِبَانَةٍ . وَهَذَا التَّفْسِيرُ وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ أَيْ قَدِّرِ الْمَسَامِيرَ وَالْحِلَقَ ، وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ لَا تُرِقَّ الْمَسَامِيرَ فَيَسْلَسَ ، وَلَا تُغَلِّظْهُ فَيَفْصِمَهَا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : يُقَالُ دِرْعٌ مُسَرَّدَةٌ أَيْ مُسْتَدِيرَةُ الْحِلَقِ ، قَالَ أَبُو ذُؤَيْبٍ : وَعَلَيْهِمَا مَسْرُودَتَانِ قَضَاهُمَا دَاوُدُ أَوْ صَنَعَ السَّوَابِغَ تُبَّعُ وَهُوَ مِثْلُ مِسْمَارِ السَّفِينَةِ . قَوْلُهُ : ( أُفْرِغَ أُنْزِلَ ) لَمْ أَعْرِفِ الْمُرَادَ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ هُنَا ، وَاسْتَقْرَيْتُ قِصَّةَ دَاوُدَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيهَا فَلَمْ أَجِدْهَا ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ وَالَّتِي بَعْدَهَا فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَحْدَهُ . قَوْلُهُ : ( بَسْطَةً : زِيَادَةً وَفَضْلًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي قَوْلِهِ : وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ أَيْ زِيَادَةً وَفَضْلًا وَكَثْرَةً ، وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي قِصَّةِ طَالُوتَ وَكَأَنَّهُ ذَكَرَهَا لَمَّا كَانَ آخِرُهَا مُتَعَلِّقًا بِدَاوُدَ فَلَمَّحَ بِشَيْءٍ مِنْ قِصَّةِ طَالُوتَ ، وَقَدْ قَصَّهَا اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ . ثُمَّ ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ : الْأَوَّلُ حَدَيثُ هَمَّامٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : خُفِّفَ عَلَى دَاوُدَ الْقُرْآنُ . وفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الْقِرَاءَةُ قِيلَ : الْمُرَادُ بِالْقُرْآنِ الْقِرَاءَةُ ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْجَمْعُ وَكُلُّ شَيْءٍ جَمَعْتَهُ فَقَدْ قَرَأْتَهُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ الزَّبُورُ ، وَقِيلَ التَّوْرَاةُ ، وَقِرَاءَةُ كُلِّ نَبِيٍّ تُطْلَقُ عَلَى كِتَابِهِ الَّذِي أُوحِيَ إِلَيْهِ ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُ قُرْآنًا لِلْإِشَارَةِ إِلَى وُقُوعِ الْمُعْجِزَةِ بِهِ كَوُقُوعِ الْمُعْجِزَةِ بِالْقُرْآنِ أَشَارَ إِلَيْهِ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ ، وَإِنَّمَا تَرَدَّدُوا بَيْنَ الزَّبُورِ وَالتَّوْرَاةِ لِأَنَّ الزَّبُورَ كُلَّهُ مَوَاعِظُ ، وَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الْأَحْكَامَ مِنَ التَّوْرَاةِ . قَالَ قَتَادَةُ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الزَّبُورَ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ سُورَةً كُلُّهَا مَوَاعِظُ وَثَنَاءٌ ، لَيْسَ فِيهِ حَلَالٌ وَلَا حَرَامٌ وَلَا فَرَائِضُ وَلَا حُدُودٌ ، بَلْ كَانَ اعْتِمَادُهُ عَلَى التَّوْرَاةِ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْبَرَكَةَ قَدْ تَقَعُ فِي الزَّمَنِ الْيَسِيرِ حَتَّى يَقَعَ فِيهِ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : أَكْثَرُ مَا بَلَغَنَا مِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَقْرَأُ أَرْبَعَ خَتَمَاتٍ بِاللَّيْلِ وَأَرْبَعًا بِالنَّهَارِ ، وَقَدْ بَالَغَ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي ذَلِكَ فَادَّعَى شَيْئًا مُفْرِطًا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . قَوْلُهُ : ( بِدَوَابِّهِ ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الْآتِيَةِ بِدَابَّتِهِ بِالْإِفْرَادِ ، وَكَذَا هُوَ فِي التَّفْسِيرِ ، وَيُحْمَلُ الْإِفْرَادُ عَلَى الْجِنْسِ ، أَوِ الْمُرَادُ بِهَا مَا يَخْتَصُّ بِرُكُوبِهِ ، وَبِالْجَمْعِ مَا يُضَافُ إِلَيْهَا مِمَّا يَرْكَبُهُ أَتْبَاعُهُ . قَوْلُهُ : ( فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ قَبْلَ أَنْ تُسْرَجَ ) فِي رِوَايَةِ مُوسَى فَلَا تُسْرَجُ حَتَّى يَقْرَأَ الْقُرْآنَ . قَوْلُهُ : ( وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْبُيُوعِ وَأَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ ، وَقَدِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْإِجَارَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عَمَلَ الْيَدِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْغَيْرِ أَوْ لِلنَّفْسِ ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الَّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ دَاوُدُ بِيَدِهِ هُوَ نَسْجُ الدُّرُوعِ ، وَأَلَانَ اللَّهُ لَهُ الْحَدِيدَ ، فَكَانَ يَنْسِجُ الدُّرُوعَ وَيَبِيعُهَا وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ مِنْ كِبَارِ الْمُلُوكِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَأَنَّهُ مَعَ سَعَتِهِ بِحَيْثُ إنَّهُ كَانَ لَهُ دَوَابٌّ تُسْرَجُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَبَ وَيَتَوَلَّى خِدْمَتَهَا غَيْرُهُ ، وَمَعَ ذَلِكَ كَانَ يَتَوَرَّعُ وَلَا يَأْكُلُ إِلَّا مِمَّا يَعْمَلُ بِيَدِهِ . قَوْلُهُ : ( رَوَاهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ - وَهُوَ حَفْصُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ - عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ طَهْمَانَ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا · ص 522 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وآتينا داود زبورا · ص 5 باب قول الله تعالى : وآتينا داود زبورا . أي : هذا باب في بيان قوله تعالى : وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وقبله : إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وداود اسم أعجمي ، وعن ابن عباس : هو بالعبرانية القصير العمر . ويقال : سمي به لأنه داوى جراحات القلوب . وقال مقاتل : ذكره الله في القرآن في اثني عشر موضعا ، وهو داود بن إيشا - بكسر الهمزة وسكون الياء آخر الحروف وبالشين المعجمة - ابن عوبد - بفتح العين المهملة وسكون الواو وفتح الباء الموحدة على وزن جعفر - ابن باعر - بباء موحدة وعين مهملة مفتوحة - ابن سلمون بن يارب - بياء آخر الحروف وفي آخره باء موحدة - ابن رام بن حضرون - بحاء مهملة وضاد معجمة - ابن فارص - بفاء وفي آخره صاد مهملة - ابن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام ، ومنهم من زاد بعد سلمون يحشون بن عمينا بن داب بن رام ، وقيل أرم . قوله : ( زبورا ) هو اسم الكتاب الذي أنزل الله عليه ، وروى أبو صالح عن ابن عباس قال : أنزل الله الزبور على داود عليه الصلاة والسلام مائة وخمسين سورة بالعبرانية ، في خمسين منها ما يلقونه من بختنصر ، وفي خمسين ما يلقونه من الروم ، وفي خمسين مواعظ وحكم ، ولم يكن فيه حلال ولا حرام ولا حدود ولا أحكام ، ورُوي أنه نزل عليه في شهر رمضان . الزبر الكتب ، واحدها زبور ؛ زبرت كتبت . الزبر بضم الزاي والباء جمع زبور ، قال الكسائي : يعني المزبور ، يعني المكتوب ، يقال زبرت الورق فهو مزبور أي كتبته فهو مكتوب ، وقرأ حمزة زبور بضم الزاي وغيره من القراء بفتحها . ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه . فضلا ؛ أي نبوة وكتابا هو الزبور وصوتا بديعا وقوة وقدرة وتسخير الجبال والطير . قوله : يَا جِبَالُ بدل من قوله : فَضْلا بتقدير قولنا يا جبال ، أو هو بدل من قوله تعالى آتَيْنَا بتقدير قلنا يا جبال . قال مجاهد : سبحي معه . هو تفسير قوله تعالى أَوِّبِي مَعَهُ ؛ يعني يا جبال سبحي مع داود ، وأوبي أمر من التأويب أي رجعي معه التسبيح أو رجعي معه في التسبيح كلما رجع فيه ؛ لأنه إذا رجعه فقد رجع ، وقيل : سبحي معه إذا سبح . وقيل : هي بلسان الحبشة . وقيل : نوحي معه والطير تساعدك على ذلك . وكان إذا نادى بالنياحة أجابته الجبال بصداها وعكفت عليه الطير من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس من ذلك اليوم . والطير . هو منصوب بالعطف على محل الجبال ، وقيل : منصوب على أنه مفعول معه . وقيل : منصوب بالعطف على فضلا ؛ يعني وسخرنا له الطير . وألنا له الحديد . أي ألنا لداود الحديد فصار في يده مثل الشمع ، وكان سأل الله أن يسبب له سببا يستغني به عن بيت المال فيتقوت منه ويطعم عياله فألان الله له الحديد . أن اعمل سابغات الدروع . كلمة أن هذه مفسرة بمنزلة أي ، كما في قوله تعالى : فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ وسابغات منصوب بقوله اعمل ، وفسره بقوله الدروع ، وكذا فسر أبو عبيدة السابغات بالدروع ، وقال أهل التفسير : أي كوامل واسعات ، وقرئ صابغات بالصاد . وقدر في السرد المسامير والحلق ولا تدق المسمار فيتسلسل ولا تعظم فيفصم . فسر السرد بقوله : المسامير والحلق ، قال المفسرون : معنى قوله : وقدر في السرد أي لا تجعل المسامير دقاقا ولا غلاظا ، وأشار البخاري إلى ذلك بقوله : ولا تدق بالدال المهملة من التدقيق ، ويدل عليه ما روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث من طريق مجاهد في قوله : وقدر في السرد لا تدق المسامير فيتسلل ولا تغلظها فيفصمها ، وقيل ولا ترق بالراء من الرقة ، وهو أيضا يؤدي ذلك المعنى . قوله : ( فيتسلسل ) ، ويروى فيتسلل ، ويروى فيسلس ، والكل يرجع إلى معنى واحد ، يقال : شيء سلس أي سهل ، ورجل سلس أي لين منقاد بين السلس والسلاسة . قوله : ( ولا تعظم ) ؛ أي المسمار فيفصم من الفصم وهو القطع . أفرغ أنزل . أشار به إلى ما في قوله تعالى : رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وفسر أَفْرِغْ بقوله : أنزل من الإنزال ، قال المفسرون : معنى قوله : أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا أي أنزل علينا صبرا من عندك ، وهذا في قصة طالوت وفيها قضية داود عليه الصلاة والسلام ، فكأنه ذكر هاهنا لأن قضيتهما واحدة ، وقال بعضهم : أفرغ أنزل ، لم أعرف المراد من هذه الكلمة هنا . قلت : ليس هذا الموضع من المواضع التي يدعى فيها العجز ، والوجه فيه من المعنى والمناسبة ما ذكرناه . بسطة زيادة وفضلا . أشار به إلى ما في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وهذا أيضا في قصة طالوت ، والوجه فيه ما ذكرناه ، وقد فسر البخاري بسطة بقوله : زيادة وفضلا ؛ أي زيادة في القوة وفضلا في المال وفي علم الحروب ، وهذا والذي قبله لم يقعا إلا في رواية الكشميهني وحده . واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير . فأجازيكم عليه أحسن جزاء وأتمه . 79 - حدثنا عبد الله بن محمد ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن همام ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : خفف على داود عليه السلام القرآن ، فكان يأمر بدوابه فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ، ولا يأكل إلا من عمل يده . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن إسحاق بن نصر . قوله : ( خفف ) على صيغة المجهول من التخفيف . قوله : ( القرآن ) ، وفي رواية الكشميهني القراءة ، وقال الكرماني : القرآن أي التوراة أو الزبور . وقال التوربشتي : وإنما أطلق القرآن لأنه قصد به إعجازه من طريق القراءة . وقال صاحب النهاية : الأصل في هذه اللفظة الجمع ، وكل شيء جمعته فقد قرأته ، وسُمي القرآنُ قرآنا لأنه جمع الأمر والنهي وغيرهما ، وقد يطلق القرآن على القراءة ، وقرآن كل نبي يطلق على كتابه الذي أوحى إليه . قوله : ( فكان ) ؛ أي داود يأمر بدوابه ، وفي روايته في التفسير بدابته بالإفراد ، ويحمل الإفراد على مركوبه خاصة ، وبالجمع مركوبه ومراكيب أتباعه . قوله : ( قبل أن تسرج ) ، وفي رواية موسى فلا تسرج حتى يقرأ القرآن ، والأول أبلغ . وفيه الدلالة على أن الله تعالى يطوي الزمان لمن يشاء من عباده كما يطوي المكان ، وهذا لا سبيل إلى إدراكه إلا بالفيض الرباني ، وجاء في الحديث : إن البركة قد تقع في الزمن اليسير حتى يقع فيه العمل الكثير . وقال النووي : أكثر ما بلغنا من ذلك من كان يقرأ أربع ختمات بالليل وأربعا بالنهار ، انتهى . ولقد رأيت رجلا حافظا قرأ ثلاث ختمات في الوتر في كل ركعة ختمة في ليلة القدر . قوله : ( ولا يأكل إلا من عمل يده ) وهو من ثمن ما كان يعمل من الدروع من الحديد بلا نار ولا مطرقة ولا سندان ، وهو أول من عمل الدروع من زرد وكانت قبل ذلك صفائح .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله تعالى وآتينا داود زبورا · ص 7 رواه موسى بن عقبة عن صفوان ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي هريرة رضي الله عنه . أي روى الحديث المذكور موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، ووصله الإسماعيلي من حديث إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة ، ووصله البخاري أيضا في كتاب خلق أفعال العباد عن أحمد بن أبي عمرو عن أبيه - وهو حفص بن عبد الله - عن إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة .