46- بَاب قَوْلِهِ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ يُبَشِّرُكِ وَ يَبْشُرُكِ وَاحِدٌ . وَجِيهًا شَرِيفًا . وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : المَسِيحُ : الصِّدِّيقُ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ . وَالْأَكْمَهُ : مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَنْ يُولَدُ أَعْمَى . 3433- حَدَّثَنَا آدَمُ ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ : سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ . كَمَلَ مِنْ الرِّجَالِ كَثِيرٌ ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنْ النِّسَاءِ إِلَّا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَإِنَّمَا وَقَعَتِ الْوَاوُ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَأَمَّا هَذِهِ فَبِغَيْرِ وَاوٍ . قَوْلُهُ : ( يَبْشُرُكِ وَيُبَشِّرُكِ وَاحِدٌ ) يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَضَمِّ الْمُعْجَمَةِ ، وَبِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْأُولَى وَهِيَ بِالتَّخْفِيفِ قِرَاءَةُ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ ، وَحَمْزَةَ ، وَالْكِسَائِيِّ ، وَالْبَشِيرُ هُوَ الَّذِي يُخْبِرُ الْمَرْءَ بِمَا يَسُرُّهُ مِنْ خَيْرٍ ، وَقَدْ يُطْلَقُ فِي الشَّرِّ مَجَازًا . قَوْلُهُ : وَجِيهًا أَيْ ( شَرِيفًا ) قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : الْوَجِيهُ الَّذِي يَشْرُفُ وَتُوَجِّهُهُ الْمُلُوكُ أَيْ تُشَرِّفُهُ ، وَانْتَصَبَ قَوْلُهُ : وَجِيهًا عَلَى الْحَالِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ ) وَصَلَهُ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ رِوَايَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ مُوسَى بْنِ مَسْعُودٍ عَنْهُ عَنْ مَنْصُورٍ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ النَّخَعِيُّ قَالَ : الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ . قَالَ الطَّبَرِيُّ : مُرَادُ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ مَسَحَهُ فَطَهَّرَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ . قُلْتُ : وَهَذَا بِخِلَافِ تَسْمِيَةِ الدَّجَّالِ الْمَسِيحَ فَإِنَّهُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ يُقَالُ إِنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَوْنِهِ يَمْسَحُ الْأَرْضَ وَقِيلَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ فَهُوَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، قِيلَ فِي الْمَسِيحِ عِيسَى أَيْضًا إنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ مَسْحِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَانٍ ، وَيُقَالُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذَا عَاهَةٍ إِلَّا بَرِئَ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ مُسِحَ بِدُهْنِ الْبَرَكَةِ مَسَحَهُ زَكَرِيَّا وَقِيلَ : يَحْيَى ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ مَمْسُوحَ الْأَخْمَصَيْنِ ، وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ جَمِيلًا . يُقَالُ : مَسَحَهُ اللَّهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا . وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ بِهِ مَسْحَةٌ مِنْ جَمَالٍ . وَأَغْرَبَ الدَّاوُدِيُّ فَقَالَ : لِأَنَّهُ كَانَ يَلْبَسُ الْمُسُوحَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مُجَاهِدٌ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ ) وَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ ، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ : وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ : الْكَهْلُ الْحَلِيمُ انْتَهَى ، وَقَدْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ : إِنَّ هَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ ، وَإِنَّمَا الْكَهْلُ عِنْدَهُمْ مَنْ نَاهَزَ الْأَرْبَعِينَ أَوْ قَارَبَهَا ، وَقِيلَ : مَنْ جَاوَزَ الثَّلَاثِينَ وَقِيلَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ انْتَهَى . وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ مُجَاهِدًا فَسَّرَهُ بِلَازِمِهِ الْغَالِبِ ، لِأَنَّ الْكَهْلَ غَالِبًا يَكُونُ فِيهِ وَقَارٌ وَسَكِينَةٌ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي قَوْلِهِ : وَكَهْلًا هَلْ هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : وَجِيهًا أَوْ هُوَ حَالٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي يُكَلِّمُ أَيْ يُكَلِّمُهُمْ صَغِيرًا وَكَهْلًا ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ يَتَّجِهُ تَفْسِيرُ مُجَاهِدٍ . قَوْلُهُ : ( الْأَكْمَهُ مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ مَنْ يُولَدُ أَعْمَى ) أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَوَصَلَهُ الْفِرْيَابِيُّ أَيْضًا ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ تَفَرَّدَ بِهِ مُجَاهِدٌ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْأَعْشَى . وَأَمَّا قَوْلُ غَيْرِهِ فَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَبِهِ جَزَمَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَرَوَى عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ عَنْ قَتَادَةَ : كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّ الْأَكْمَهَ الَّذِي يُولَدُ وَهُوَ مَضْمُومُ الْعَيْنِ . وَمِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ : الْأَكْمَهُ الْأَعْمَى . وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ ، عَنِ السُّدِّيِّ ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَعَنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهِمْ ، قَالَ الطَّبَرِيُّ : الْأَشْبَهُ بِتَفْسِيرِ الْآيَةِ قَوْلُ قَتَادَةَ ، لِأَنَّ عِلَاجَ مِثْلِ ذَلِكَ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ مُعْجِزَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فَالْأَشْبَهُ أَنْ يُحْمَلَ الْمُرَادُ عَلَيْهَا وَيَكُونَ أَبْلَغَ فِي إِثْبَاتِ الْمُعْجِزَةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ حَدَيْثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدَيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فِي فَضْلِ مَرْيَمَ وَآسِيَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي آخَرِ قِصَّةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ · ص 543 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِهِ تَعَالَى إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ · ص 545 3434- وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي يُونُسُ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الْإِبِلَ ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ . يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ : وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ . تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ . ثَانِيهمَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي فَضْلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إِلَخْ ) وَصَلَهُ مُسْلِمٌ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، عَنِ ابْنِ وَهْبٍ ، وَكَذَلِكَ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ ، عَنْ حَرْمَلَةَ ، وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ مَوْصُولًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ فِي النِّكَاحِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هَذَا تَفْضِيلٌ لِنِسَاءِ قُرَيْشٍ عَلَى نِسَاءِ الْعَرَبِ خَاصَّةً ، لِأَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْإِبِلِ غَالِبًا ، وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ شَرْحِهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَوْلُهُ : ( أَحْنَاهُ ) أَشْفَقُهُ ، حَنَى يَحْنُو وَيَحْنِي مِنَ الثُّلَاثِيِّ ، وَأَحْنَى يُحْنِي مِنَ الرُّبَاعِيِّ : أَشْفَقَ عَلَيْهِ وَعَطَفَ ، وَالْحَانِيَةُ الَّتِي تَقُومُ بِوَلَدِهَا بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ ، قَالَ : وَحَنَتِ الْمَرْأَةُ عَلَى وَلَدِهَا إِذَا لَمْ تَتَزَوَّجْ بَعْدَ مَوْتِ الْأَبِ . قَالَ ابْنُ التِّينِ : فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَلَيْسَتْ بِحَانِيَةٍ . قَالَ الْحَسَنُ فِي الْحَانِيَةِ الَّتِي لَهَا وَلَدٌ وَلَا تَتَزَوَّجُ . وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ : أَحَنًّى بِتَشْدِيدِ النُّونِ وَالتَّنْوِينِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ وَقَالَ : لَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحَنَانِ بِفَتْحٍ وَتَخْفِيفٍ وَهُوَ الرَّحْمَةُ ، وَحَنَتِ الْمَرْأَةُ إِلَى وَلَدِهَا وَإِلَى زَوْجِهَا سَوَاءٌ كَانَ بِصَوْتٍ أَمْ لَا ، وَمِنَ الَّذِي بِالصَّوْتِ حَنِينُ الْجِذْعِ وَأَصْلُهُ تَرْجِيعُ صَوْتِ النَّاقَةِ عَلَى أَثَرِ وَلَدِهَا ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَحْنَاهُنَّ لَكِنْ جَرَى لِسَانُ الْعَرَبِ بِالْإِفْرَادِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بَعِيرًا قَطُّ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذَا التَّفْضِيلِ ، بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ ، وَالْفَضْلُ الْوَارِدُ فِي خَدِيجَةَ وَفَاطِمَةَ وَعَائِشَةَ هُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ إِلَّا مَنْ قِيلِ إِنَّهَا نَبِيَّةٌ ، فَإِنْ ثَبَتَ فِي حَقِّ امْرَأَةٍ أَنَّهَا نَبِيَّةٌ فَهِيَ خَارِجَةٌ بِالشَّرْعِ لِأَنَّ دَرَجَةَ النُّبُوَّةِ لَا شَيْءَ بَعْدَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَيَحْتَاجُ مَنْ يُخْرِجُهُنَّ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ لِكُلٍّ مِنْهُنَّ ، فَأَشَارَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي هَذَا الْعُمُومِ ، لِأَنَّهُ قَيَّدَ أَصْلَ الْفَضْلِ بِمَنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ وَمَرْيَمُ لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ . وَقَدِ اعْتَرَضَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : كَأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ظَنَّ أَنَّ الْبَعِيرَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَلْ يُطْلَقُ الْبَعِيرُ عَلَى الْحِمَارِ . وَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : لَمْ تَكُنْ إِخْوَةُ يُوسُفَ رُكْبَانًا إِلَّا عَلَى أَحْمِرَةٍ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ إِبِلٌ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَحْمِلُهُمْ فِي أَسْفَارِهِمْ وَغَيْرِهَا الْأَحْمِرَةُ ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ هُنَا : : الْبَعِيرُ الْحِمَارُ ، وَهِيَ لُغَةٌ حَكَاهَا الْكُوَاشِيُّ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ : اصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ نَبِيَّةً ، وَيُؤَيِّدُ ذِكْرَهَا فِي سُورَةِ مَرْيَمَ بِمِثْلِ مَا ذُكِرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَلَا يَمْنَعُ وَصْفَهَا بِأَنَّهَا صِدِّيقَةٌ فَإِنَّ يُوسُفَ وُصِفَ بِذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ نَبِيًّا ، وَقَدْ نُقِلَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّاتٍ . وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِسِتٍّ : حَوَّاءَ وَسَارَةَ وَهَاجَرَ وَأُمِّ مُوسَى وَآسِيَةَ وَمَرْيَمَ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْقُرْطُبِيُّ سَارَةَ وَلَا هَاجَرَ ، وَنَقَلَهُ السُّهَيْلِيُّ فِي آخِرِ الرَّوْضِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : الصَّحِيحُ أَنَّ مَرْيَمَ نَبِيَّةٌ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : الْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ إِمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَرْيَمَ لَيْسَتْ نَبِيَّةً ، وَنَسَبَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لِجَمَاعَةٍ ، وَجَاءَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ لَيْسَ فِي النِّسَاءِ نَبِيَّةٌ وَلَا فِي الْجِنِّ ، وَقَالَ السُّبْكِيُّ : اخْتُلِفَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدِي فِي ذَلِكَ شَيْءٌ . قَوْلُهُ : ( يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى أَثَرِ ذَلِكَ : وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ ) فِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ ، وَأَبِي يَعْلَى وَقَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَرْكَبْ بَعِيرًا قَطُّ أَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ لَمْ تَدْخُلْ فِي النِّسَاءِ الْمَذْكُورَاتِ بِالْخَيْرِيَّةِ لِأَنَّهُ قَيَّدَهُنَّ بِرُكُوبِ الْإِبِلِ وَمَرْيَمُ لَمْ تَكُنْ مِمَّنْ يَرْكَبُ الْإِبِلَ ، وَكَأَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّهَا أَفْضَلُ النِّسَاءِ مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ) أَمَّا مُتَابَعَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ فَوَصَلَهَا أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْهُ ، وَأَمَّا مُتَابَعَةُ إِسْحَاقَ الْكَلْبِيِّ فَوَصَلَهَا الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ عَنْهُ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه · ص 24 باب قوله تعالى : إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، إلى قوله : فإنما يقول له كن فيكون . أي : هذا باب في بيان قوله تعالى إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ إلى آخره ، وفي بعض النسخ باب قول الله تعالى ، وليس في بعضها إلى قوله ... إلى آخره ، وقد مر الكلام في هذه الترجمة في الباب الذي قبل الباب المجرد الذي قبل هذا الباب . قوله : ( إلى قوله ) ؛ أي اقرأ إلى قوله : فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، وهو قوله : وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ قوله : وَجِيهًا ؛ أي شريفا ذا جاه وقدر . قوله : وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ؛ أي عند الله بالثواب والكرامة . قوله : وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ ؛ يعني صغيرا في حجر أمه ، وقيل في الموضع الذي مهد للنوم ، روي عنها أنها قالت : كنت إذا خلوت به أحادثه ويحادثني ، فإذا شغلني عنه إنسان يسبح في بطني وأنا أسمع . واختلفوا هل كان نبيا في وقت كلامه ؟ فقيل : نعم لظهور المعجزة . وقيل : لا ، وإنما جعل ذلك تأسيسا لنبوته . قوله : وَكَهْلا ، قال الزمخشري : في المهد نصب على الحال ، و كهلا عطف عليه ، بمعنى : ويكلم الناس طفلا وكهلا ، يعني يكلم في هاتين الحالتين بكلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام . قوله : وَمِنَ الصَّالِحِينَ ؛ أي في قوله وعمله . قوله : وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ؛ أي لم يصبني رجل . قوله : إِذَا قَضَى أَمْرًا ؛ أي إذا أراد تكوينه فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ، لا يتأخر من وقته ، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة . يُبَشِّرُكِ وَيَبْشُرُكِ واحد . الأول من باب نصر ينصر ، وهو قراءة حمزة والكسائي . والثاني من باب التفعيل من التبشير ، والبشير هو الذي يخبر المرء بما يسره من خير ، ولا يستعمل في الشر إلا تهكما . وجيها شريفا . فسر وَجِيهًا الذي في قوله تعالى وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ بقوله : شريفا ، وقد مر تفسيره عن قريب ، وانتصابه على الحال . وقال إبراهيم : المسيح الصديق . أي قال إبراهيم النخعي : المسيح الصديق . وكذا فسره سفيان الثوري بإسناده إلى إبراهيم ، وفيه معان أخر نذكرها الآن ، فإن قلت : الدجال أيضا سمي بالمسيح ! قلت : أما معناه في عيسى عليه الصلاة والسلام ففيه أقوال تبلغ ثلاثة وعشرين قولا ذكرناها في كتابنا زين المجالس ؛ منها ما قيل إن أصله المسيح على وزن مفعل فأسكنت الياء ونقلت حركتها إلى السين طلبا للخفة ، وعن ابن عباس : كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ ولا ميتا إلا حيي . وعنه : لأنه كان أمسح الرجل ليس لها أخمص ، والأخمص من لا يمس الأرض من باطن الرجل . وعن أبي عبيدة : أظن أن هذه الكلمة مشيخا بالشين المعجمة فعربت ، وكذا تنطق به اليهود . وقيل : لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوح بالدهن . وقيل : لأن زكريا عليه الصلاة والسلام مسحه . وقيل : لحسن وجهه إذ المسيح في اللغة جميل الوجه لأنه كان يمسح الأرض ، لأنه قد يكون تارة في البلدان وتارة في المفاوز والفلوات . وقال الداودي : لأنه كان يلبس المسوح . وأما معناه في الدجال فقيل : لأنه كان يمسح الأرض ؛ أي يقطعها . فإن قلت : قد ذكرت هذا المعنى في عيسى عليه الصلاة والسلام ! قلت : إنه كان في هذا الوجه اشتراك بحسب الظاهر ؛ لأن المسيح في عيسى بمعنى الممسوح عن الآثام وعن كل شيء فيه قبح ، فعيل بمعنى مفعول ، وفي الدجال فعيل بمعنى فاعل ؛ لأنه يمسح الأرض . وقيل : لأنه لا عين له ولا حاجب . وقال ابن فارس : مسيح أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب ، فلذلك سمي به . وقيل : المسيح الكذاب ، وهو مختص به لأنه أكذب البشر ، فلذلك خصه الله بالشوه والعور . وقيل : المسيح المارد الخبيث ، وهو أيضا مختص به بهذا المعنى ، ويقال فيه : مسيخ - بالخاء المعجمة ؛ لأنه مشوه مثل الممسوخ . ويقال فيه : مسيح - بكسر الميم وتشديد السين - للفرق بينه وبين المسيح بن مريم عليه الصلاة والسلام . وقال مجاهد : الكهل الحليم . كذا قاله مجاهد في قوله : وَكَهْلا وَمِنَ الصَّالِحِينَ ، وقال أبو جعفر النحاس : هذا لا يعرف في اللغة ، وإنما الكهل عندهم من ناهز الأربعين أو قاربها . وقيل : من جاوز الثلاثين . وقيل : الكهل ابن ثلاث وثلاثين . والأكمه من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل . أشار به إلى ما في قوله تعالى حكاية عن عيسى عليه الصلاة والسلام وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ ، وقيل بعكسه ، وقيل هو الأعشى ، وقيل الأعمش . وقال غيره : من يولد أعمى . أي قال غير مجاهد الأكمه هو الذي يولد أعمى ، وهو الأشبه ؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي . 92 - حدثنا آدم ، حدثنا شعبة ، عن عمرو بن مرة قال : سمعت مرة الهمداني يحدث عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ، كمل من الرجال كثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون . مضى هذا الحديث عن قريب في باب قول الله تعالى وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ آمَنُوا ؛ فإنه أخرجه هناك عن يحيى بن جعفر عن وكيع عن شعبة إلى آخره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه · ص 26 وقال ابن وهب : أخبرني يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : نساء قريش خير نساء ركبن الإبل ؛ أحناه على طفل ، وأرعاه على زوج في ذات يده . يقول أبو هريرة على إثر ذلك : ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط . مطابقته للترجمة في قوله : ولم تركب مريم بنت عمران . وابن وهب هو عبد الله بن وهب المصري ، ويونس هو ابن يزيد الأيلي ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وهذا التعليق وصله مسلم عن حرملة عن ابن وهب إلى آخره . قوله : ( نساء قريش ) كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : خير نساء ركبن الإبل خبره ، وهو كناية عن نساء العرب . قوله : ( أحناه على طفل ) ؛ يعني أشفقه وأعطفه ، وكان القياس أن يقال أحناهن ، لكن قالوا : العرب لا تتكلم في مثله إلا مفردا . وقال ابن الأثير : إنما وحد الضمير ذهابا إلى المعنى ، تقديره : أحنى من وجد أو خلق أو من هناك . ومثله قوله : أحسن الناس وجها وأحسنه خلقا ، يريد أحسنهم خلقا ، وهو كثير في العربية ومن أفصح الكلام . وأحنى على وزن أفعل التفضيل ، من حنا يحنو أو حنى يحني ، ومنه الحانية وهي التي تقيم على ولدها ولا تتزوج شفقة وعطفا ، ويقال حنت المرأة على ولدها تحنو إذا لم تتزوج بعد أبيهم . وفي التوضيح : وفي بعض الكتب أحناه بتشديد النون . وقال ابن التين : ولعله مأخوذ من الحنان وهو الرحمة ، ومنه حنين المرأة وهو نزاعها إلى ولدها وإن لم يكن لها صوت عند ذلك ، وقد يكون حنينها صوتها على ما جاء في الحديث من حنين الجذع ، والأصل فيه ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها . قوله : ( وأرعاه ) كذلك أفعل التفضيل من رعى يرعى رعاية ، والكلام فيه مثل الكلام في أحناه . قوله : ( في ذات يده ) ؛ أي في ماله المضاف إليه . وفيه فضيلة نساء قريش وفضل هذه الخصال ؛ وهي الحنو على الأولاد والشفقة عليهم وحسن تربيتهم ، ومراعاة حق الزوج في ماله وحفظه والأمانة فيه وحسن تدبيره في النفقة . قوله : ( على إثر ذلك ) ؛ أي على عقبه ، ولم تركب مريم بنت عمران بعيرا قط يريد به أن مريم لم تدخل في النساء المذكورات بما ذكرن ؛ لأنه قيده بركوب الإبل ومريم لم تكن ممن يركب الإبل ، وقال صاحب التوضيح : يؤخذ من قول أبي هريرة هذا ومن ذكر البخاري له في قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قوله تعالى إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه · ص 26 تابعه ابن أخي الزهري وإسحاق الكلبي عن الزهري . أي تابع يونس ابن أخي الزهري ، هو أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله الزهري القرشي المدني ابن أخي محمد بن مسلم الزهري ، قال الواقدي : قتله غلمانه بأمر ابنه ، وكان سفيها شاطرا للميراث في آخر خلافة أبي جعفر ، فوثب غلمانه بعد سنين فقتلوه أيضا . قوله : ( وإسحاق ) ؛ أي وتابعه أيضا إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي ، روى له البخاري مستشهدا في مواضع . أما متابعة ابن أخي الزهري فوصلها أبو أحمد بن عدي في الكامل من طريق الدراوردي عنه ، وأما متابعة إسحاق الكلبي فوصلها الذهلي في الزهريات عن يحيى بن صالح الوحاظي عنه .