فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في الطَّاعون ، وعلاجه ، والاحتراز منه في ( الصحيحين ) عن عامر بن سعد بن أبي وَقَّاصٍ ، عن أبيه ، أنه سمعه يَسأَلُ أُسَامَةَ بن زيدٍ : ماذا سمِعْتَ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطاعون ؟ فقال أُسامةُ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الطاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طائفةٍ من بني إسرائيلَ ، وعَلَى مَن كان قَبْلَكم ، فإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ ، فَلا تَدْخُلوا عليها ، وإذا وَقَعَ بأرضٍ وأنْتُم بها ، فلا تَخُرُجوا منها فِرَارا مِنْهُ . وفي ( الصحيحين ) أيضا : عن حَفْصَةَ بنت سِيرِينَ ، قالت : قال أنسُ بن مالكٍ : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الطَّاعُونُ شهادةٌ لكلِّ مُسْلِم . الطاعون من حيث اللُّغة : نوعٌ من الوباء ، قاله صاحب الصحاح ، وهو عند أهل الطب : ورمٌ رديء قتَّال يخرج معه تلهُّب شديد مؤلم جدا يتجاوز المقدار في ذلك ، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر ، أو أكمد ، ويؤول أمره إلى التقرح سريعا . وفي الأكثر ، يحدث في ثلاثة مواضع : في الإِبْط ، وخلف الأُذن ، والأرنبة ، وفي اللحوم الرخوة . وفي أثر عن عائشة : أنها قالت للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - : الطعن قد عرفناه ، فما الطاعون ؟ قال : غُدَّةٌ كَغُدَّةِ البَعيرِ يَخْرُجُ في المَرَاقِّ والإِبْط . إذا وقع الخُرَّاجُ في اللحوم الرخوة ، والمغابن ، وخلف الأُذن والأرنبة ، وكان من جنس فاسد ، سُمِّي طاعونا ، وسببُه دم رديء مائل إلى العُفونة والفساد ، مستحيل إلى جوهر سُمِّيٍّ ، يفسِدُ العضوَ ويُغيِّر ما يليه ، وربما رَشَح دَما وصديدا ، ويؤدِّي إلى القلب كيفية رديئة ، فيحدث القيء والخفقان والغَشي ، وهذا الاسم وإن كان يَعُمُّ كُلَّ ورم يؤدي إلى القلب كيفية رديئة حتى يصيرَ لذلك قتَّالا ، فإنه يختصُّ به الحادث في اللَّحم الغُددي ، لأنه لرداءته لا يقبلُه من الأعضاء إلا ما كان أضعف بالطبع ، وأردؤُه ما حدث في الإبط وخلفَ الأُذن لقربهما من الأعضاء التي هي الرأس ، وأسلمه الأحمر ، ثم الأصفر . والذي إلى السواد ، فلا يفلت منه أحدٌ . ولما كان الطاعون يكثر في الوباء ، وفي البلاد الوبيئة ، عُبِّر عنه بالوباء ، كما قال الخليل : الوباء : الطاعون . وقيل : هو كل مرض يعم . والتحقيقُ أنَّ بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا ، فكلُّ طاعونٍ وباءٌ ، وليس كلُّ وباءٍ طاعونا ، وكذلك الأمراضُ العامة أعمُّ من الطاعون ، فإنه واحد منها ، والطواعينُ خرَّاجات وقروح وأورام رديئة حادثة في المواضع المتقدم ذكرها . قلت : هذه القروح ، والأورام ، والجراحات ، هي آثار الطاعون ، وليست نفسَه ، ولكن الأطباء لما لم تُدرك منه إلا الأثر الظاهر ، جعلوه نفسَ الطاعون . والطاعون يُعَبَّر به عن ثلاثة أُمور : أحدها : هذا الأثر الظاهر ، وهو الذي ذكره الأطباء . والثاني : الموت الحادث عنه ، وهو المراد بالحديث الصحيح في قوله : الطاعونُ شَهادةٌ لكلِّ مُسلمٌ . والثالث : السبب الفاعل لهذا الداء ، وقد ورد في الحديث الصحيح : أَنهُ بقيةُ رِجز أُرسِلَ عَلى بَنِي إسرائيلَ ، وورد فيه : أنهُ وَخْزُ الجنِّ ، وجاء : أنهُ دَعوةُ نبيّ . وهذه العلل والأسباب ليس عند الأطباء ما يدفعها ، كما ليس عندهم ما يدل عليها ، والرُّسُلُ تُخبر بالأمور الغائبة ، وهذه الآثار التي أدركوها من أمر الطاعون ليس معهم ما ينفي أن تكون بتوسط الأرواح ، فإن تأثيرَ الأرواح في الطبيعة وأمراضها وهلاكها أمر لا ينكره إلا مَنْ هو أجهلُ الناس بالأرواح وتأثيراتِها ، وانفعالِ الأجسام وطبائعها عنها ، واللهُ سبحانه قد يجعل لهذه الأرواح تصرفا في أجسام بني آدمَ عند حدوث الوباء ، وفسادِ الهواء ، كما يجعل لها تصرفا عند بعضِ المواد الرديئة التي تُحدث للنفوس هيئة رديئة ، ولا سيما عند هيجان الدم ، والمِرَّةِ السوداء ، وعند هَيجان المنَيّ ، فإنَّ الأرواح الشيطانية تتمكن مِن فعلها بصاحب هذه العوارض ما لا تتمكَّن من غيره ، ما لم يدفعها دافع أقوى من هذه الأسباب من الذِّكر ، والدعاء ، والابتهال والتضرع ، والصَّدَقة ، وقراءة القرآن ، فإنه يستنزل بذلك من الأرواح المَلَكية ما يقهُر هذه الأرواح الخبيثَة ، ويُبطل شرَّها . وقد جرَّبنا نحنُ وغيرُنا هذا مرارا لا يُحصيها إلا الله ، ورأينا لاستنزالِ هذه الأرواح الطيبة واستجلابِ قُربها تأثيرا عظيما في تقوية الطبيعة ، ودفع المواد الرديئة ، وهذا يكون قبل استحكامها وتمكنها ، ولا يكاد ينخرم ، فمَن وفَّقه الله ، بادر عند إحساسه بأسباب الشر إلى هذه الأسباب التي تدفعها عنه ، وهي له أنفع الدواء ، وإذا أراد الله - عز وجل - إنفاذَ قضائه وقَدَره ، أغفل قلبَ العبد عن معرفتها وتصوُّرِها وإرادتها ، فلا يشعر بها ، ولا يُريدها ، ليقضي الله فيه أمرا كان مفعولا . وسنزيد هذا المعنى إن شاء الله تعالى إيضاحا وبيانا عند الكلام على التداوي بالرُّقَى ، والعُوَذ النبوية ، والأذكار ، والدعوات ، وفعل الخيرات ، ونُبيّن أن نِسبة طب الأطباء إلى هذا الطب النبوي ، كنسبة طب الطرقية والعجائن إلى طبهم ، كما اعترف به حُذَّاقهم وأئمتهم ، ونبين أن الطبيعة الإنسانية أشد شيء انفعالا عن الأرواح ، وأن قُوَى العُوَذ ، والرُّقَى ، والدعوات ، فوق قُوَى الأدوية ، حتى إنها تُبطل قُوَى السموم القاتلة . والمقصود : أنَّ فساد الهواء جزء من أجزاء السبب التام ، والعِلَّة الفاعلة للطاعون ، فإن فساد جوهر الهواء الموجِبُ لحدوث الوباء وفساده ، يكون لاستحالة جوهره إلى الرداءة ، لغلبة إحدى الكيفيات الرديئة عليه ، كالعفونة ، والنَّتَن ، والسُّمِّيّة في أي وقت كان من أوقات السنة ، وإن كان أكثر حدوثه في أواخر الصيف ، وفي الخريف غالبا لكثرة اجتماع الفضلات المرارية الحادة وغيرها في فصل الصيف ، وعدم تحللها في آخره ، وفي الخريف لبرد الجو ، ورَدْغَة الأبخرة والفضلات التي كانت تتحلل في زمن الصيف ، فتنحصر ، فتسخن ، وتعفن ، فتحدث الأمراض العفنة ، ولا سيما إذا صادفت البدن مستعدا ، قابلا ، رهِلا ، قليل الحركة ، كثيرَ المواد ، فهذا لا يكاد يُفْلِت مِن العطب . وأصحُّ الفصول فيه فصل الربيع ؛ قال بقراط : إن في الخريف أشد ما تكون من الأمراض ، وأقتل ، وأما الربيعُ ، فأصحُّ الأوقات كلها وأقلُّها موتا ، وقد جرت عادةُ الصيادلة ، ومجهزي الموتى أنهم يستدينونَ ، ويتسلفون في الربيع والصيف على فصل الخريف ، فهو ربيعُهم ، وهم أشوقُ شيء إليه ، وأفرحُ بقدومه . وقد روي في حديث : إذا طَلعَ النَّجْمُ ارْتَفَعَت الْعَاهَةُ عن كلِّ بَلَدٍ . وفُسِّر بطلوع الثُّريا ، وفُسِّر بطلوع النبات زمن الربيع : وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ فإنَّ كمال طلوعه وتمامَه يكون في فصل الربيع ، وهو الفصل الذي ترتفع فيه الآفات . وأما الثُّريا ، فالأمراض تكثر وقت طلوعها مع الفجر وسقوطها . قال التَّمِيميُّ في كتاب ( مادة البقاء ) : أشدُّ أوقات السنة فسادا ، وأعظُمها بلية على الأجساد وقتان ، أحدهما : وقتُ سقوط الثُّريا للمغيب عند طلوع الفجر . الثاني : وقت طلوعها من المشرِق قبل طلوع الشمس على العالَم ، بمنزلة من منازل القمر ، وهو وقت تصرُّمِ فصل الربيع وانقضائه ، غير أن الفسادَ الكائن عند طلوعها أقلُّ ضررا من الفساد الكائن عند سقوطها . وقال أبو محمد بن قتيبة : يقال : ما طلعت الثُّريا ولا نأتْ إلا بعَاهة في النَّاس والإِبْل ، وغروبُها أعْوَهُ من طلوعها . وفي الحديث قولٌ ثالث ولعله أولى الأقوال به ، أنَّ المراد بالنَّجْم : الثُّريا ، وبالعاهة : الآفة التي تلحق الزروع والثمار في فصل الشتاء وصدر فصل الربيع ، فحصل الأمن عليها عند طلوع الثُّريا في الوقت المذكور ، ولذلك نهى - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدُوَ صلاحُها . والمقصود : الكلام على هَدْيِه - صلى الله عليه وسلم - عند وقوع الطاعون .
الطب النبوي
الطب النبويفصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الطَّاعون وعلاجه والاحتراز منه · ص 31 الطب النبويفصل في بحث عن النهي عن الخروج من موضع الطاعون أو الدخول فيه · ص 35 فصل في بحث عن النهي عن الخروج من موضع الطاعون أو الدخول فيه وقد جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - للأُمة في نهيه عن الدخول إلى الأرض التي هو بها ، ونهيهِ عن الخروج منها بعد وقوعه كمالَ التحرز منه ، فإنَّ في الدخول في الأرض التي هو بها تعرضا للبلاء ، وموافاةً له في محل سلطانه ، وإعانةً للإنسان على نفسه ، وهذا مخالف للشرع والعقل ، بل تجنُّبُ الدخول إلى أرضه من باب الحِمية التي أرشد الله سبحانه إليها ، وهي حِمية عن الأمكنة ، والأهوية المؤذية . وأما نهيه عن الخروج من بلده ، ففيه معنيان : أحدهما : حمل النفوس على الثقة بالله ، والتوكل عليه ، والصبرِ على أقضيته ، والرِّضَى بها . والثاني : ما قاله أئمة الطب : أنه يجب على كل محترز من الوباء أن يُخْرِجَ عن بدنه الرطوبات الفضلية ، ويُقلِّل الغذاء ، ويميل إلى التدبير المجفف مِن كل وجه إلا الرياضةَ والحمَّام ، فإنهما مما يجب أن يُحذرا ، لأن البدن لا يخلو غالبا مِن فضل رديء كامن فيه ، فتثيرُه الرياضة والحمَّام ، ويخلطانه بالكيموس الجيد . وذلك يجلب عِلَّة عظيمة ، بل يجب عند وقوع الطاعون السكون والدَّعة ، وتسكين هيجان الأخلاط ، ولا يمكن الخروجُ من أرض الوباء والسفر منها إلا بحركة شديدة ، وهي مضرة جدا ، هذا كلام أفضل الأطباء المتأخرين ، فظهر المعنى الطبي من الحديث النبوي ، وما فيه من علاج القلب والبدن وصلاحِهما . فإن قيل : ففي قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا تخرجوا فِرارا مِنهُ ، ما يُبطل أن يكون أراد هذا المعنى الذي ذكرتموه ، وأنه لا يمنع الخروجَ لعارض ، ولا يحبس مسافرا عن سفره ؟ قيل : لم يقل أحدٌ - طبيبٌ ولا غيره - إنَّ الناس يتركون حركاتِهم عند الطواعين ، ويصيرون بمنزلة الجماداتِ ، وإنما ينبغي فيه التقلُّل من الحركة بحسب الإمكان ، والفارُّ منه لا موجب لحركته إلا مجرد الفِرار منه ، ودعتُه وسكونُه أنفع لقلبه وبدنه ، وأقربُ إلى توكله على الله تعالى ، واستسلامه لقضائه . وأما مَن لا يستغني عن الحركة كالصُـنَّاع ، والأُجراء ، والمسافرين ، والبُرُد ، وغيرهم فلا يقال لهم : اتركوا حركاتِهم جملةً ، وإن أُمروا أن يتركوا منها ما لا حاجة لهم إليه ، كحركة المسافر فارّا منه . والله تعالى أعلم . وفي المنع من الدخول إلى الأرض التي قد وقع بها عدةُ حِكَم : أحدها : تجنب الأسباب المؤذية ، والبُعْد منها . الثاني : الأخذُ بالعافية التي هي مادةُ المعاشِ والمعاد . الثالث : أن لا يستنشِقُوا الهواءَ الذي قد عَفِنَ وفَسَدَ فيمرضون . الرابع : أن لا يُجاوروا المرضى الذين قد مَرِضُوا بذلك ، فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم . وفي ( سنن أبي داود ) مرفوعا : إنَّ مِن القرفِ التلفَ . قال ابن قتيبة : القرفُ مداناة الوباء ، ومداناة المرضى . الخامس : حِميةُ النفوس عن الطِّيَرَة والعَدوى ، فإنها تتأثر بهما ، فإن الطِّيرة على مَن تطيَّرَ بها . وبالجملة ففي النهي عن الدخول في أرضه الأمرُ بالحذر والحِمية ، والنهيُ عن التعرض لأسباب التلف . وفي النهي عن الفِرار منه الأمر بالتوكل ، والتسليم ، والتفويض ، فالأولُ : تأديب وتعليم ، والثاني : تفويض وتسليم . وفي الصحيح : أنَّ عمر بن الخطاب خرج إلى الشام ، حتى إذا كان بِسَرْغَ لَقيه أبو عُبيدة بن الجرَّاح وأصحابه ، فأخبرُوه أنَّ الوَباءَ قد وقع بالشام ، فاختلفوا ، فقال لابن عباس : ادعُ لي المهاجرينَ الأوَّلينَ ، قال : فدعوتُهم ، فاستشارهم ، وأخبرهم أنَّ الوباء قد وقع بالشام . فاختلفوا ، فقال له بعضُهم : خرجتَ لأَمر ، فلا نرى أن تَرْجِعَ عنه . وقال آخرون : معك بقيةُ الناس ، وأصحابُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا نرى أن تُقْدِمَهُم على هذا الوَبَاء ، فقال عمر : ارتفعوا عَنِّي ، ثم قال : ادعُ لي الأنصار ، فدعوتُهم له ، فاستشارهم ، فسلكُوا سبيلَ المهاجرين ، واختلفوا كاختلافهم ، فقال : ارتفعوا عَنِّي ، ثم قال : ادْع لي مَنْ ها هنا من مشيخةِ قريشٍ من مُهاجرةِ الفتح ، فدعوتهم له ، فلم يختلف عليه منهم رجلان ، قالوا : نرى أن ترجِعَ بالناس ولا تُقْدِمَهُم على هذا الوباء ، فَأَذَّنَ عمر في الناس : إني مُصبحٌ على ظَهْرٍ ، فأَصْبِحُوا عليهِ . فقال أبو عُبيدة بن الجرَّاح : يا أميرَ المؤمنين ؛ أفِرَارا من قَدَرِ الله تعالى ؟ قال : لو غيرُك قالها يا أبا عُبيدة ، نعم نَفِرُّ من قَدَرِ الله تعالى إلى قَدَرِ الله تعالى ، أرأيتَ لو كانَ لك إبلٌ فهبطتَ وَادِيا له عُدْوَتَان ، إحداهما خِصبة ، والأُخرى جَدْبة ، ألستَ إنْ رعيتَها الخِصبة رعيتَها بَقدَرِ الله تعالى ، وإن رعيتها الجدبةَ رعيتَها بقدر الله تعالى ؟ . قال : فجاء عبد الرحمن بن عَوْف وكانَ متغيبا في بعض حاجاتِهِ ، فقال : إنَّ عندي في هذا علما ، سمعتُ من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : إذا كان بِأَرْضٍ وأنْتُمْ بها فلا تَخْرُجوا فِرَارا منه ، وإذا سَمِعْتُم به بأرضٍ فلا تَقْدَموا عَلَيْهِ .
الطب النبويكمأة · ص 258 كمأة : ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين ، أخرجاه في ( الصحيحين ) . قال ابن الأعرابي : الكمأة : جمع ، واحده كمء ، وهذا خلاف قياس العربية ، فإن ما بينه وبين واحده التاء ، فالواحد منه بالتاء ، وإذا حذفت كان للجمع . وهل هو جمع ، أو اسم جمع ؟ على قولين مشهورين ، قالوا : ولم يخرج عن هذا إلا حرفان : كمأة وكمء ، وجبأة وجبء ، وقال غير ابن الأعرابي : بل هي على القياس : الكمأة للواحد ، والكمء للكثير ، وقال غيرهما : الكمأة تكون واحدا وجمعا . واحتج أصحاب القول الأول بأنهم قد جمعوا كمئا على أكمؤ ، قال الشاعر : ولقد جنيتك أكمؤا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر وهذا يدل على أن ( كمء ) مفرد ، ( وكمأة ) جمع . والكمأة تكون في الأرض من غير أن تزرع ، وسميت كمأة لاستتارها ، ومنه كمأ الشهادة : إذا سترها وأخفاها ، والكمأة مخفية تحت الأرض لا ورق لها ، ولا ساق ، ومادتها من جوهر أرضي بخاري محتقن في الأرض نحو سطحها يحتقن ببرد الشتاء ، وتنميه أمطار الربيع ، فيتولد ويندفع نحو سطح الأرض متجسدا ، ولذلك يقال لها : جدري الأرض ، تشبيها بالجدري في صورته ومادته ، لأن مادته رطوبة دموية ، فتندفع عند سن الترعرع في الغالب ، وفي ابتداء استيلاء الحرارة ، ونماء القوة . وهي مما يوجد في الربيع ، ويؤكل نيئا ومطبوخا ، وتسميها العرب : نبات الرعد لأنها تكثر بكثرته ، وتنفطر عنها الأرض ، وهي من أطعمة أهل البوادي ، وتكثر بأرض العرب ، وأجودها ما كانت أرضها رملية قليلة الماء . وهي أصناف : منها صنف قتال يضرب لونه إلى الحمرة يحدث الاختناق . وهي باردة رطبة في الدرجة الثالثة ، رديئة للمعدة ، بطيئة الهضم ، وإذا أدمنت ، أورثت القولنج والسكتة والفالج ، ووجع المعدة ، وعسر البول ، والرطبة أقل ضررا من اليابسة ، ومن أكلها فليدفنها في الطين الرَّطب ، ويَسلِقها بالماء والملح والصَّعْتر ، ويأكلها بالزيت والتوابِل الحارَّة ، لأن جوهرها أرضي غليظ ، وغِذاءَها رديء ، لكن فيها جوهر مائي لطيف يدل على خفتها ، والاكتحال بها نافع من ظلمة البصر والرَّمد الحار ، وقد اعترف فضلاء الأطباء بأنَّ ماءها يجلو العَيْن . وممن ذكره المسيحي ، وصاحب القانون ، وغيرهما . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( الكَمْأَة من المَنِّ ) ، فيه قولان : أحدهما : أنَّ المنَّ الذي أُنزل على بني إسرائيل لم يكن هذا الحلو فقط ، بل أشياءُ كثيرة مَنَّ الله عليهم بها من النبات الذي يُوجد عفوا من غير صنعة ولا عِلاج ولا حرث ، فإن المن مصدر بمعنى المفعول أي ( ممنون ) به ، فكل ما رزقه الله العبد عفوا بغير كسب منه ولا علاج ، فهو مَنٌّ محضٌ ، وإن كانت سائر نعمه مَنّا منه على عبده ، فخصَّ منها ما لا كسب له فيه ، ولا صُنعَ باسم ( المنِّ ) ، فإنه مَنٌّ بلا واسطة العبد ، وجعل سبحانه قُوتَهم بالتِّيه ( الكمأة ) ، وهي تقومُ مقام الخبز ، وجعل أُدمهم ( السَّلْوى ) ، وهو يقوم مقام اللَّحم ، وجعل حَلواهم ( الطلَّ ) الذي ينزلُ على الأشجار يقوم لهم مقام الحلوى . فكَمُل عيشهُم . وتأمل قوله - صلى الله عليه وسلم - : الكمأة من المنِّ الذي أنزله الله على بني إسرائيل فجعلها من جملته ، وفردا من أفراده ، والترنْجبين الذي يسقط على الأشجار نوع من المَنِّ ، ثم غلب استعمال المَنِّ عليه عُرْفا حادثا . والقول الثاني : أنه شَبَّهَ الكمأةَ بالمَنِّ المُنَزَّل من السماء ، لأنه يُجمع من غير تعب ولا كلفة ولا زرع بِزر ولا سقي . فإن قلت : فإن كان هذا شأنَ الكمأة ، فما بالُ هذا الضرر فيها ، ومن أين أتاها ذلك ؟ فاعلم أنَّ اللهَ سبحانه أتقن كُلَّ شيء صنعه ، وأحسن كُلَّ شيء خلقه ، فهو عند مبدأ خلقه بريء من الآفات والعلل ، تامُّ المنفعة لما هُيئ وخُلِقَ له ، وإنما تعرِضُ له الآفاتُ بعد ذلك بأُمور أخرى من مجاورة ، أو امتزاج واختلاط ، أو أسباب أُخَر تقتضي فسادَه ، فلو تُرِكَ على خِلقته الأصلية من غير تعلق أسباب الفساد به ، لم يفسد . ومَنْ له معرفة بأحوال العالَم ومبدئه يعرِف أنَّ جميع الفساد في جَوِّه ونباته وحيوانه وأحوالِ أهله ، حادثٌ بعد خلقه بأسباب اقتضت حدوثَه ، ولم تزل أعمالُ بني آدَم ومخالفتُهم للرُّسُل تُحدث لهم من الفساد العام والخاص ما يجلب عليهم من الآلام ، والأمراض ، والأسقام ، والطواعين ، والقحوط ، والجدوب ، وسلب بركات الأرض ، وثمارها ، ونباتها ، وسلب منافعها ، أو نقصانها أُمورا متتابعة يتلو بعضُهَا بعضا ، فإن لم يَتَّسِعْ علمك لهذا فاكتفِ بقوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ، ونَزِّل هذه الآية على أحوالِ العالَم ، وطابِقْ بين الواقع وبينها ، وأنت ترى كيف تحدث الآفاتُ والعلل كل وقت في الثمار والزرع والحيوان ، وكيف يحدُث من تلك الآفات آفاتٌ أُخَرُ متلازمة ، بعضُها آخذ برقاب بعض ، وكُلَّما أحدث الناسُ ظلما وفجورا ، أحدث لهم ربهم تبارك وتعالى من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم ، وأهويتهم ومياههم ، وأبدانهم وخلقهم ، وصُورهم وأشكالهم وأخلاقهم من النقص والآفات ، ما هو موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم . ولقد كانت الحبوب من الحِنطة وغيرها أكبرَ مما هي اليوم ، كما كانت البركةُ فيها أعظمَ . وقد روى الإمام أحمد بإسناده : أنه وجد في خزائن بعض بني أميةَ صرة فيها حِنطةٌ أمثال نوى التمر مكتوبٌ عليها : هذا كان ينبُت أيامَ العدل . وهذه القصة ، ذكرها في ( مسنده ) على أثر حديث رواه . وأكثرُ هذه الأمراض والآفات العامة بقيةُ عذاب عُذِّبتْ به الأُممُ السالفة ، ثم بقيت منها بقية مُرصَدَةٌ لمن بقيت عليه بقيةٌ من أعمالهم ، حكما قسطا ، وقضاءً عدلا ، وقد أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هذا بقوله في الطاعون : إنَّه بقيةُ رجز أو عذاب أُرسِلَ على بني إسرائيلَ . وكذلك سلَّط اللهُ سبحانه وتعالى الريحَ على قومٍ سبعَ ليالٍ وثمانيةَ أيام ، ثم أبقَى في العالَم منها بقيةً في تلك الأيام ، وفي نظيرها عِظةً وعِبرة . وقد جعل اللهُ سبحانه أعمال البَرِّ والفاجر مقتضياتٍ لآثارها في هذا العالَم اقتضاءً لا بد منه ، فجعل منعَ الإحسان والزكاة والصدقة سببا لمنع الغَيْث من السماء ، والقحطِ والجَدْبِ ، وجعَلَ ظلمَ المساكين ، والبخسَ في المكاييل والموازين ، وتعدّي القَوِّي على الضعيف سببا لجَوْر الملوك والولاة الذين لا يَرحمون إن اسْتُرْحِموا ، ولا يَعْطِفُون إن استُعطِفُوا ، وهم في الحقيقة أعمالُ الرعايا ظهرت في صور وُلاتهم ، فإنَّ اللهَ سبحانه بحكمته وعدله يُظهِرُ للناس أعمالَهم في قوالِب وصورٍ تناسبها ، فتارةً بقحط وجدب ، وتارة بعدوٍّ ، وتارةً بولاة جائرين ، وتارةً بأمراضٍ عامة ، وتارةً بهُموم وآلام وغموم تحضُرها نفوسُهم لا ينفكُّونَ عنها ، وتارةً بمنع بركات السماء والأرض عنهم ، وتارةً بتسليط الشياطين عليهم تَؤُزُّهم إلى أسباب العذاب أزَّا ، لِتَحِقَّ عليهم الكلمة ، وليصيرَ كل منهم إلى ما خُلِقَ له . والعاقل يُسَيِّر بصيرته بين أقطار العالَم ، فيُشاهدُه ، وينظر مواقعَ عدل الله وحكمته ، وحينئذ يَتَبيَّنُ له أنَّ الرُّسُلَ وأتباعَهُم خاصةً على سبيل النجاة ، وسائر الخلق على سبيل الهلاك سائرون ، وإلى دار البَوار صائرون ، واللهُ بالغُ أمرِه ، لا مُعَقِّبَ لحكمه ، ولا رادَ لأمره ، وبالله التوفيق . وقوله - صلى الله عليه وسلم - في الكمأة : وماؤها شفاء للعَيْنِ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنَّ ماءَها يُخلَط في الأدوية التي يُعالَج بها العَيْنُ ، لا أنه يُستعمل وحده ، ذكره أبو عُبيد . الثاني : أنه يُستعمل بحْتا بعد شَـيِّها ، واستقطار مائها ، لأنَّ النار تُلطِّفه وتُنضجه ، وتُذِيبُ فضلاتِه ورطوبتَه المؤذية ، وتُبقي المنافع . الثالث : أنَّ المراد بمائها الماءُ الذي يحدث به من المطر ، وهو أولُ قَطْر ينزل إلى الأرض ، فتكون الإضافة إضافةَ اقتران ، لا إضافة جزء ، ذكره ابن الجوزي ، وهو أبعدُ الوجوه وأضعفها . وقيل : إن استُعمل ماؤها لتبريد ما في العَيْن ، فماؤها مجرَّدا شفاء ، وإن كان لغير ذلك ، فمركَّب مع غيره . وقال الغافقي : ماء الكمأة أصلح الأدوية للعَيْن إذا عُجِنَ به الإثمِد واكتُحِلَ به ، ويُقوّي أجفانها ، ويزيدُ الروحَ الباصرة قوةً وحِدَّة ، ويدفع عنها نزول النوازل .