16 - بَاب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ 317 - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الْحِجَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهْلِلْ ، فَإِنِّي لَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ ، فَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِعُمْرَةٍ ، وَأَهَلَّ بَعْضُهُمْ بِحَجٍّ ، وَكُنْتُ أَنَا مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِحَجٍّ . فَفَعَلْتُ ، حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي أَخِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَخَرَجْتُ إِلَى التَّنْعِيمِ ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي . قَالَ هِشَامٌ : وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ وَلَا صَوْمٌ وَلَا صَدَقَةٌ . قَوْلُهُ : ( بَابُ نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعْرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ ) أَيْ هَلْ يَجِبُ أَمْ لَا ؟ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْوُجُوبُ ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ ، وَطَاوُسٌ فِي الْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ ، وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ فِيهِمَا . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فِيهِمَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . قُلْتُ : وَهُوَ فِي مُسْلِمٍ عَنْهُ ، وَفِيهِ إِنْكَارُ عَائِشَةَ عَلَيْهِ الْأَمْرَ بِذَلِكَ ، لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ كَانَ يُوجِبُهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : حَكَاهُ أَصْحَابُنَا عَنِ النَّخَعِيِّ ، وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ ؟ قَالَ : لَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ لِلْحَيْضَةِ وَالْجَنَابَةِ وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، أَوْ يُجْمَعُ بِالتَّفْصِيلِ بَيْنَ مَنْ لَا يَصِلُ الْمَاءُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالنَّقْضِ فَيَلْزَمُ وَإِلَّا فَلَا . قَوْلُهُ : ( فَلْيُهْلِلْ ) فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فَلْيُهِلَّ بِلَامٍ وَاحِدَةٍ مُشَدَّدَةٍ . قَوْلُهُ : ( لَأَحْلَلْتُ ) فِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ ، وَالْحَمَوِيِّ لَأَهْلَلْتُ بِالْهَاءِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى بَقِيَّةِ فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالَّذِي قَبْلَهُ فِي كِتَابِ الْحَجِّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب نَقْضِ الْمَرْأَةِ شَعَرَهَا عِنْدَ غُسْلِ الْمَحِيضِ · ص 497 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض · ص 475 16 - باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض خرج فيهِ : 317 - حديث هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة ، قالت : خرجنا موافين لهلال ذي الحجة - فذكرت الحديث . وفيه : وكنت أنا ممن أهل بعمرة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( دعي عمرتك ، وانقضي رأسك ، وامتشطي ، وأهلي بحج ) ، ففعلت - وذكرت بقية الحديث . [هَذا الحديث] قَد استنبط البخاري - رحمه الله - منهُ حكمين ، عقد لهما بابين : أحدهما : امتشاط المرأة عند غسلها من المحيض . والثاني : نقضها شعرها عند غسلها من المحيض . وهذا الحديث لا دلالة فيهِ على واحد من الأمرين ؛ فإن غسل عائشة الذِي أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بهِ لَم يكن من الحيض ، بل كانت حائضًا ، وحيضها حينئذ موجود ، فإنه لو كانَ قَد انقطع حيضها لطافت للعمرة ، ولم تحتج إلى هَذا السؤال . ولكن أمرها أن تغتسل في حال حيضها وتهل بالحج ، فهوَ غسل للإحرام في حال الحيض ، كَما أمر أسماء بنت عميس لما نفست بذي الحليفة أن تغتسل وتهل . وقد ذكر ابن ماجه في ( كتابه ) : ( باب : الحائض كيف تغتسل ) ، ثم قالَ : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعلي بن محمد ، قالا : ثنا وكيع ، عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قالَ لها وكانت حائضًا : ( انقضي شعرك ، واغتسلي ) . قالَ علي في حديثه : ( انقضي رأسك ) . وهذا أيضا يوهم أنهُ قالَ لها ذَلِكَ في غسلها من الحيض ، وهذا مختصر من حديث عائشة الذِي خرجه البخاري . وقد ذكر هَذا الحديث المختصر للإمام أحمد ، عن وكيع ، فأنكره . قيل لَهُ : كأنه اختصره من حديث الحج ؟ قالَ : ويحل لَهُ أن يختصر ؟ ، نقله عَنهُ المروذي . ونقل عَنهُ إسحاق بن هانئ أنهُ قالَ : هَذا باطل . قَالَ أبو بكر الخلال : إنما أنكر أحمد مثل هذا الاختصار الذي يخل بالمعنى ، لا أصل اختصار الحديث . قَالَ : وابن أبي شيبة في مصنفاته يختصر مثل هذا الاختصار المخل بالمعنى . هذا معنى ما قاله الخلال . وقد تبين برواية ابن ماجه أن الطنافسي رواه عن وكيع ، كما رواه ابن أبي شيبة عنه ، ورواه أيضا إبراهيم بن مسلم الخوارزمي في ( كتاب الطهور ) له عن وكيع أيضا ، فلعل وكيعا اختصره . والله أعلم . وقد يحمل مراد البخاري - رحمه الله - على وجه صحيح ، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر عائشة بنقض شعرها وامتشاطها عند الغسل للإحرام ؛ لأن غسلَ الإحرام لا يتكرر ، فلا يشق نقض الشعر فيه ، وغسل الحيض والنفاس يوجد فيه هذا المعنى ، بخلاف غسل الجنابة ؛ فإنه يتكرر فيشق النقض فيه ؛ فلذلك لم يؤمر فيه بنقض الشعر . وقد تكلم بعض العلماء في لفظة : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة بنقض رأسها وامتشاطها ) ، وقالوا : هي وهم من هشام . وكذلك قالوا في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لها : ( دعي العمرة ) . ولكن قد رواهما أيضا الزهري ، عن عروة . ولهشام في هذا الحديث وهم آخر ، وهو أنه قَالَ : ( ولم يكن هدي ولا صيام ولا صدقة ) ، وقد ثبت عن عائشة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر ؛ فإنها إن كانت قد صارت قارنة فالقارن عليهِ هدي ، وإن كانت قد رفضت عمرتها لزمها دم لذلك ، عندَ من يقول به . وفي ( صحيح مسلم ) عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تغتسل وتهل بالحج . ولم يذكر نقض الشعر ولا تسريحه ؛ فإن عائشة كانت محرمة بعمرة كما رواه عروة عنها . وإن كانَ القاسم قد روى عنها أنها كانت محرمة بحجة ، إلا أن رواية عروة أصح ، كذا قاله الإمام أحمد وغيره . وقد قيل : إنها أحرمت من الميقات بحجة ، ثُم فسخت ذَلكَ إلى عمرة لما أمروا بالفسخ ، ثم حاضت بعد ذَلكَ قبل دخول مكة . وفي هذا نظر ؛ فإنه روي ما يدل على أنها كانت أحرمت بعمرة من الميقات ، والحائض إذا كانت محرمة بعمرة ، ولم تقدر على طواف العمرة قبل يوم عرفة ، وخشيت فوات إدراك الحج - فإنها تحرم بالحج مع العمرة ، وتبقى قارنة عندَ أكثر العلماء ، كمالك والشافعي وأحمد ، ويكفيها عندهم طواف واحد وسعي واحد لما بعد التعريف للحج والعمرة . وقد روى ذَلكَ جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة عائشة صريحا . خرجه مسلم . وتأولوا قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة : ( دعي عمرتك ) - على أنه أراد : اتركيها بحالها ، وأدخلي عليها إحرام الحج . وقال أحمد : من رواه ( انقضي عمرتك ) - فقد أخطأ ، ورواه بالمعنى الذي فهمه . وقال أبو حنيفة والكوفيون : ترفض العمرة ، ثم تحرم بالحج ، ثم تقضي العمرة بعد الحج ، وتأولوا حديث عائشة على ذَلكَ . وقالت طائفة : إنما أمرها أن تنقض رأسها وتمتشط ؛ لأن المعتمر إذا دخل الحرم حل لهُ كل شيء إلا النساء ، كالحاج إذا رمى الجمرة . وقد روي هذا عن عائشة ، ولعلها أخذته من روايتها هذه ، وهو قول عائشة بنت طلحة ، وعطاء . وقد أخذ الإمام أحمد بذلك في رواية الميموني عنه ، وهي رواية غريبة عنه . ووهم الخطابي في هذا الحديث حيث قَالَ : أشبه الأمور ما ذهب إليه أحمد بن حنبل ، وهو أنه فسخ عليها عمرتها ؛ لأن مذهبه أن فسخ الحج عام غير خاص . وهذا وهم على أحمد ؛ فإن أحمد يرى جواز فسخ الحج إلى العمرة قبل أن يقف بعرفة ، وأما فسخ العمرة إلى الحج فلا يقول به أحمد ، وإنما يقوله الكوفيون في الحائض إذا كانت معتمرة وخافت فوات الحج ، وتأولوا حديث عائشة عليهِ . والعجب ممن جوز فسخ العمرة إلى الحج بتأويل محتمل ، ومنع من فسخ الحج إلى العمرة ، مع تواتر النصوص الصريحة الصحيحة بذلك التي لا تقبل التأويل بمجرد دعوى النسخ أو الاختصاص . ولم يثبت حديث واحد يدل على شيء من ذَلكَ ، وسيأتي القول في هذا مستوفى في موضعه من ( الحج ) إن شاء الله تعالى . فإن المقصود هنا هو نقض الشعر وتسريحه عند الغسل من الحيض ، وممن أمر به في الحيض دون الجنابة طاوس والحسن ، وهو قول وكيع وأحمد . واختلف أصحابنا : هل ذَلكَ واجب ؟ أو مستحب ؟ على وجهين ، وظاهر كلام الخرقي وجوبه . وقد ورد حديث صريح بالنقض في غسل الحيض دون الجنابة من رواية سلمة بن صبيح ، عن حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها ، وغسلته بخطمي وأشنان ، وإذا اغتسلت من جنابة صبت على رأسها الماء وعصرته ) . خرجه الطبراني وأبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في ( صحيحه ) المسمى ( بالمختارة ) . وخرجه الدارقطني في ( الأفراد ) وعنده : ( مسلم بن صبيح ) ، وقال : تفرد به عن حماد . وكذا ذكره أبو بكر الخطيب ، وقال : هو مسلم بن صبيح ، بصري يكنى أبا عثمان ، وكذا ذكره ابن ماكولا وغيره ، ومع هذا فليس بالمشهور . وأما ما نقله مهنا عن أحمد أن المرأة لا تنقض شعرها من الجنابة ، بل تفيض عليه الماء ؛ لحديث أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والحائض تنقضه . قَالَ مهنا : قلت لهُ : كيف تنقضه من الحيضة ، ولا تنقضه من الجنابة ؟ فقال : حديث أسماء عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( تنقضه ) . قلت : من أسماء ؟ قَالَ : أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما . فهذا لعله وهم من مهنا ، أو ممن روى عنه ، ولا يعرف لأسماء بنت أبي بكر في هذا الباب حديث بالكلية ، إنما حديثها في غسل دم الحيض من الثوب ، وقد تقدم . ولكن في حديث عائشة أن أسماء سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض ، وليس فيه أنه أمرها بالنقض ، بل أمرها بدلكه دلكا شديدا حتى يبلغ شئون رأسها ، ولم يأمرها بنقضه . وفي الحديث أنها سألته عن غسل الجنابة ، فأمرها بمثل ذَلكَ ، غير أنه لم يقل : ( دلكا شديدا ) . وقد خرجه مسلم كما تقدم . وأسماء هذه وقع في ( صحيح مسلم ) أنها ( بنت شكل ) ، وذكر أبو بكر الخطيب أنها أسماء بنت يزيد بن السكن ، وخرج الحديث من رواية يوسف القاضي ، من طريق شعبة ، عن إبراهيم بن المهاجر - بالإسناد الذي خرجه مسلم ، وفيه أن أسماء بنت يزيد سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن غسل الحيض ، فذكره . وأكثر العلماء على التسوية بين غسل الجنابة والحيض ، وأنه لا ينقض الشعر في واحد منهما . وفي ( صحيح مسلم ) من حديث أم سلمة ، قالت : قلت : يا رسول الله ، إني امرأة أشد ضفر رأسي ، أفأنقضه للحيضة والجنابة ؟ قَالَ : ( لا ) . وهذه اللفظة - أعني : لفظة ( الحيضة ) - تفرد بها عبد الرزاق عن الثوري ، وكأنها غير محفوظة ؛ فقد رواه غير واحد عن الثوري ، فلم يذكروها . وقد رويت أيضا هذه اللفظة من حديث سالم الخياط ، عن الحسن ، عن أم سلمة . وسالم ضعيف ، والحسن لم يسمع من أم سلمة . وروى أبو بكر الحنفي ، عن سفيان ، عن أبي الزبير ، عن جابر - مرفوعا : ( لا يضر المرأة الحائض والجنب أن لا تنقض شعرها إذا أصاب الماء شئون رأسها ) . تفرد به الحنفي ، ورفعه منكر . وقد روي عن أبي الزبير ، عن جابر موقوفا ، وهو أصح . وروى عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، قَالَ : كن نساء ابن عمر يغتسلن من الحيض والجنابة ، فما ينقضن شعورهن ، ولكن يبلغن بالماء أصول الشعر . هذا كله إذا وصل الماء إلى غضون الشعر المضفور ، فإن لم يصل بدونه وجب نقضه عند الأكثرين . وهو قول مالك والشافعي ، والمشهور عندَ أصحابنا ، ورواية عن أبي حنيفة . وهو قول أبي خيثمة ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، ويحيى بن يحيى ، والجوزجاني ، وغيرهم من فقهاء الحديث . واستدلوا بالأحاديث الواردة في الأمر بحل الشعر ، وقد تكلم في أسانيدها . وقالت طائفة : لا يجب ذَلكَ ، وحكي عن مالك . وهو قول طائفة من أصحابنا ، منهم صاحب ( المغني ) ، وذكر أنه ظاهر كلام الخرقي ، وأن الشعر حكمه حكم المنفصل عن الجسد ، لا حكم المتصل به . ولأصحابنا وجه أنه يفرق بين غسل الحيض والجنابة ، فيجب غسل الشعر في غسل الحيض خاصة . والصحيح من مذهب الحنفية أن الشعر إذا كان مضفورا لا يلزم المرأة نقضه في جنابة ولا حيض ؛ لمشقة نقضه ، بخلاف الرجل فإنه يلزمه نقضه ، وإن كان محلولا وجب غسله وإيصال الماء إلى بواطنه كشعر اللحية . وخرج الطبراني من رواية عمر بن هارون ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سالم خادم النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إن أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يجعلن رءوسهن أربع قرون ، فإذا اغتسلن جمعنهن على أوساط رءوسهن ) . عمر بن هارون ضعيف . وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة بالغسل للإحرام وهي حائض دليل على أن الأغسال المستحبة تفعل مع الحيض كأغسال الحج المستحبة ، ويدخل ذَلكَ في قوله لها : ( اصنعي ما يصنع الحاج ) . ولو كان على الحائض غسل جنابة ، إما قبل الحيض أو في حال الحيض - فهل يستحب لها الاغتسال في حال حيضها للجنابة ؟ فيهِ روايتان عن أحمد . واختلف السلف في ذَلكَ ؛ فقال النخعي وغيره : تغتسل . وقال عطاء : لا تغتسل ؛ الحيض أكبر . قَالَ أحمد : ثم رجع عن ذَلكَ ، وقال : تغتسل . وأما الوضوء فلا يشرع للحائض في حال حيضها ما لم ينقطع دمها ، فتصير كالجنب . ونص أحمد على أنها لو توضأت وهي حائض لم يجز لها الجلوس في المسجد بخلاف الجنب ، وفيه وجه : يجوز إذا أمنت تلويثه . ونص الشافعي على أنه لا يشرع لها الوضوء عند النوم والأكل ، وهو قول أصحابنا ، واختلف أصحاب مالك في ذَلكَ . وأما وضوؤها عند كل صلاة ، وجلوسها قدر الصلاة للذكر - ففيه خلاف نذكره في موضع آخر إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض · ص 290 ( باب نقض المرأة شعرها عند غسل المحيض ) . أي هذا باب في بيان نقض المرأة شعر رأسها عند غسل المحيض ، أي : الحيض وجوابه مقدر ، أي : هل يجب أم لا وظاهر الحديث الوجوب ، وقد ذكرنا الاختلاف في الباب السابق . والمناسبة بين البابين ظاهرة ؛ لأن النقض والامتشاط من جنس واحد وحكم واحد . 22 - حدثنا عبيد بن إسماعيل قال : حدثنا أبو أسامة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : خرجنا موافين لهلال ذي الحجة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحب أن يهل بعمرة فليهلل ؛ فإني لولا أني أهديت لأهللت بعمرة ، فأهل بعضهم بعمرة ، وأهل بعضهم بحج ، وكنت أنا ممن أهل بعمرة ، فأدركني يوم عرفة وأنا حائض ، فشكوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : دعي عمرتك ، وانقضي رأسك وامتشطي ، وأهلي بحج ، ففعلت حتى إذا كان ليلة الحصبة أرسل معي أخي عبد الرحمن بن أبي بكر ، فخرجت إلى التنعيم فأهللت بعمرة مكان عمرتي ، قال هشام : ولم يكن في شيء من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ، عبيد بن إسماعيل بن محمد الهباري بفتح الهاء وتشديد الباء الموحدة وبالراء المهملة الكوفي ، ويقال : اسمه : عبيد الله ، مات سنة خمسين ومائتين . الثاني : أبو أسامة حماد بن أسامة الهاشمي الكوفي . مر في باب فضل من علم . الثالث : هشام بن عروة . الرابع : أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس : عائشة رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين كوفي ومدني . ذكر بقية الكلام قولها : موافين لهلال ذي الحجة ، أي : مكملين ذي القعدة مستقبلين لهلاله . وقال النووي : أي : مقارنين لاستهلاله ، وكان خروجهم قبله لخمس بقين من ذي القعدة ، ويقال : موافين ، أي : مشرفين ، يقال أوفى على كذا ، أي : أشرف ولا يلزم الدخول فيه ، وقدم النبي صلى الله عليه وسلم مكة لأربع أو خمس من ذي الحجة ، فأقام في طريقه إلى مكة تسعة أيام أو عشرة أيام . قوله : ( فليهل ) بتشديد اللام في رواية الأكثرين ، وفي رواية الأصيلي : فليهلل بفك الإدغام ، أي : فليحرم بها . قوله : ( أهديت ) ، أي : سقت الهدي ، وإنما كان وجود الهدي علة لانتفاء الإحرام بالعمرة ؛ لأن صاحب الهدي لا يجوز له التحلل حتى ينحره ، ولا ينحره إلا يوم النحر ، والمتمتع يتحلل قبل يوم النحر ، فهما متنافيان . قوله : ( فأهل بعضهم بعمرة ) ، أي : صاروا متمتعين ، وبعضهم بحج ، أي : صاروا مفردين . قوله : ( دعي عمرتك ) ، قال الكرماني ، أي : أفعالها لأنفسها ، قلت : قد ذكرنا في الباب السابق أنه أمرها بالترك حقيقة وذكرنا وجهه . قوله : ( ليلة الحصبة ) ، كلام إضافي مرفوع ، وكان تامة بمعنى وجدت ، ويجوز نصب الليلة على أن تكون كان ناقصة ، ويكون اسم كان الوقت ، وقال الكرماني : هذا الحديث دليل على أن التمتع أفضل من الإفراد ، فماذا قال الشافعي في دفعه ؟ قلت : إنه صلى الله عليه وسلم إنما قاله من أجل من فسخ الحج إلى العمرة ، والذي هو خاص بهم في تلك السنة خاصة لمخالفة الجاهلية من حيث حرموا العمرة في أشهر الحج ، ولم يرد بذلك المتمتع الذي فيه الخلاف . وقال هذا تطييبا لقلوب أصحابه ، وكانت نفوسهم لا تسمح بفسخ الحج إليها ؛ لإرادتهم موافقته صلى الله عليه وسلم ، ومعناه : ما يمنعني من موافقتكم مما أمرتكم به إلا سوقي الهدي ، ولولاه لوافقتكم ، قلت : الرواية عن أبي حنيفة أن الإفراد أفضل من التمتع كمذهب الشافعي ، ولكن المذهب التمتع أفضل من الإفراد ؛ لأن فيه جمعا بين عبادتي العمرة والحج في سفر واحد ، فأشبه القران . قوله : ( قال هشام ) ، أي : ابن عروة ، هذا يحتمل التعليق ويحتمل أن يكون عطفا من جهة المعنى على لفظ هشام ، ثم قول هشام يحتمل أن يكون معلقا ، ويحتمل أن يكون متصلا بالإسناد المذكور والظاهر الأول . ثم اعلم أن ظاهر قول هشام مشكل ؛ فإنها إن كانت قارنة فعليها هدي القران عند كافة العلماء إلا داود ، وإن كانت متمتعة فكذلك ، لكنها كانت فاسخة كما سلف ، ولم تكن قارنة ولا متمتعة ، وإنما أحرمت بالحج ، ثم نوت فسخه في عمرة ، فلما حاضت ولم يتم لها ذلك رجعت إلى حجها ، فلما أكملته اعتمرت عمرة مبتدأة نبه عليه القاضي ، لكن يعكر عليه قولها : ( وكنت ممن أهل بعمرة ) ، وقولها : ( ولم أهل إلا بعمرة ) ، ويجاب بأن هشاما لما لم يبلغه ذلك أخبر بنفيه ، ولا يلزم من ذلك نفيه من نفس الأمر ، ويحتمل أن يكون لم يأمر به بل نوى أنه يقوم به عنها ، بل روى جابر رضي الله تعالى عنه أنه عليه الصلاة والسلام أهدى عن عائشة بقرة . وقال القاضي عياض : فيه دليل على أنها كانت في حجر مفرد لا تمتع ولا قران ؛ لأن العلماء مجمعون على وجوب الدم فيهما .