3497 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ، حَدَّثَنَا يَحْيَى ، عَنْ شُعْبَةَ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ ، عَنْ طَاوُسٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى قَالَ : فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قُرْبَى مُحَمَّدٍ ، فَقَالَ : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ فيه ، إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ ) هُوَ ابْنُ مَيْسَرَةَ ، وَقَعَ مَنْسُوبًا فِي تَفْسِيرِ : حم عسق ، وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُسْتَوْفًى هُنَاكَ ، وَدُخُولُهُ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ وَاضِحٌ مِنْ جِهَةِ تَفْسِيرِ الْمَوَدَّةِ الْمَطْلُوبَةِ فِي الْآيَةِ بِصِلَةِ الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ ، وَهُمُ الَّذِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ ، وَذَلِكَ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَةَ النَّسَبِ الَّتِي تُحَقَّقُ بِهَا صِلَةُ الرَّحِمِ ، قَالَ عِكْرِمَةُ : كَانَتْ قُرَيْشٌ تَصِلُ الْأَرْحَامَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَلَمَّا دَعَاهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اللَّهِ خَالَفُوهُ وَقَاطَعُوهُ ، فَأَمَرَهُمْ بِصِلَةِ الرَّحِمِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فِي التَّفْسِيرِ وَقَوْلُهُ هُنَا : إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا وَلَهُ فِيهِ قَرَابَةٌ فَنَزَلَتْ فِيهِ إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَةَ بَيْنِي وَبَيْنِكُمْ كَذَا وَقَعَ هُنَا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى وَهُوَ القَطَّانُ ، عَنْ شُعْبَةَ ، وَوَقَعَ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَهُوَ غُنْدَرٌ ، عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ إِلَّا كَانَ لَهُ فِيهِمْ قَرَابَةٌ ، فَقَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ وَاضِحَةٌ وَالْأُولَى مُشْكِلَةٌ لِأَنَّهَا تُوهِمُ أَنَّ الْمَذْكُورَ بَعْدَ قَوْلِهِ فَنَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ مَشَى بَعْضُ الشُّرَّاحِ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ : كَانَ هَذَا قُرْآنًا فَنُسِخَ ، وَقَالَ غَيْرُهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَعْنَى الْآيَةِ فَنُسِبَ إِلَى النُّزُولِ مَجَازًا ، وَهُوَ كَقَوْلِ حَسَّانَ فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ : وَقَالَ اللَّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا يَقُولُ الْحَقَّ لَيْسَ بِهِ خَفَاءُ يُرِيدُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ بِالْمَعْنَى . قُلْتُ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فَنَزَلَتْ لِلْآيَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَهِيَ قَوْلُهُ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَقَوْلُهُ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا كَلَامُ ابْنِ عَبَّاسٍ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُعَاذِ بْنِ مُعَاذٍ ، عَنْ شُعْبَةَ فَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَطْنٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إِلَّا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَرَابَةٌ فَنَزَلَتْ : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا أَنْ تَصِلُوا قَرَابَتِي مِنْكُمْ وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ، عَنْ شُعْبَةَ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ : إِلَّا أَنْ تَصِلُوا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ مِنَ الْقَرَابَةِ فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ الْمُرَادَ ذِكْرُ بَعْضِ الْآيَةِ بِالْمَعْنَى عَلَى جِهَةِ التَّفْسِيرِ ، وَسَبَبُ ذَلِكَ خَفَاءُ مَعْنَاهَا عَلَى سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى · ص 613 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 70 باب أي : هذا باب ، وهو كالفصل لما قبله . 7 - حدثنا مسدد ، حدثنا يحيى ، عن شعبة ، حدثني عبد الملك ، عن طاوس ، عن ابن عباس رضي الله عنهما : إلا المودة في القربى . قال : فقال سعيد بن جبير : قربى محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن بطن من قريش إلا وله فيه قرابة ، فنزلت عليه : إلا أن تصلوا قرابة بيني وبينكم . وجه ذكر هذه عقيب الحديث السابق أن المذكور فيه أن الناس تبع لقريش ، وفيه تفضيلهم على غيرهم ، والمذكور في هذا أنه لم يكن بطن من قريش إلا وللنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيه قرابة ، فيقتضي هذا تفضيله على الكل ، ويحيى هو القطان ، وعبد الملك هو ابن ميسرة أبو زيد الزراد . وهذا الحديث ذكره في التفسير في حم عسق . حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن عبد الملك بن ميسرة قال : سمعت طاوسا ، عن ابن عباس ، أنه سئل عن قوله : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى فقال سعيد بن جبير : قربى آل محمد ، فقال ابن عباس : عجلت ؛ إن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يكن بطن من قريش إلا فإن له فيهم قرابة ، فقال : إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة . وأخرجه الترمذي أيضا في التفسير عن ابن بشار به . وقال حسن صحيح . وأخرجه النسائي فيه ، عن إسحاق بن إبراهيم ، عن غندر به . قوله : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ، وقبله : قُلْ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى لما أوحى الله تعالى إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الكتاب الشريف قال : قل لهم يا محمد : لا أسألكم عليه ، أي : لا أطلب من هذا التبليغ المال والجاه ، ولا نفعا عاجلا ، ولا مطلوبا حاضرا ؛ لئلا يتوهم أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يطلب من هذا التبليغ حظا من الحظوظ ، وعن قتادة : اجتمع المشركون في مجمع لهم ، فقال بعضهم لبعض : أترون أن محمدا يسأل على ما يتعاطاه أجرا . فأنزل الله تعالى هذه الآية يحثهم على مودته ، ومودة أقربائه . قوله : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى . يجوز أن يكون استثناء متصلا ، أي : لا أسألكم أجرا إلا هذا ، وهو أن لا تؤذوا أهل قرابتي ، ولم يكن هذا أجرا في الحقيقة ؛ لأن قرابته قرابتهم ، وكانت صلتهم لازمة لهم في المودة ، ويجوز أن يكون استثناء منقطعا ، أي : لا أسألكم أجرا قط ، ولكن أسألكم أن تودوا قرابتي الذين هم قرابتك ولا تؤذوهم . واختلف المفسرون في ذلك على أقوال : أحدها : محبة قرابة رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهم أهل بيته من آل هاشم ، فمن بعدهم من أهل البيت . والثاني : مودة قريش . والثالث : المراد علي وفاطمة وولداها ذكر في ذلك عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبه قال ابن عباس . والرابع : قاله عكرمة ، كانت قريش تصل الرحم ، فلما بعث محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وبه قطعته ، فقال : صلوني كما كنتم تفعلون ، فالمعنى لكن أذكركم قرابتي . والخامس : مودة من يتقرب إلى الله عز وجل ، وهو رأي الصوفية . قوله : إلا أن تصلوا ، أي : إلا صلة الأرحام . قوله : فنزلت عليه ، أي : على النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فإن قلت : هذا لم ينزل . قلت : نزل معناه ، وهو قوله تعالى : إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وتقديره إلا المودة ثابتة في أهل القربى ، وقيل : الضمير في نزلت راجع إلى الآية التي فيها إِلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وقوله : إلا أن تصلوا تفسير لها .