5 - باب 3508 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، عَنْ الْحُسَيْنِ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَعْمَرَ ، أَنَّ أَبَا الْأَسْوَدِ الدِّيلِيَّ ، حَدَّثَهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ - وَهُوَ يَعْلَمُهُ - إِلَّا كَفَرَ بالله ، وَمَنْ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نسب فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ ) كَذَا هُوَ بِلَا تَرْجَمَةٍ ، وَهُوَ كَالْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِهِ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ ظَاهِرٌ وَهُوَ الزَّجْرُ عَنْ الِادِّعَاءِ إِلَى غَيْرِ الْأَبِ الْحَقِيقِيِّ ، لِأَنَّ الْيَمَنَ إِذَا ثَبَتَ نَسَبُهُمْ إِلَى إِسْمَاعِيلَ فَلَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يُنْسَبُوا إِلَى غَيْرِهِ . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّالِثُ : فَلَهُ تَعَلُّقٌ بِأَصْلِ الْبَابِ وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ الْقَيْسِ لَيْسُوا مِنْ مُضَرَ ، وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنَ الزِّيَادَةِ بِذِكْرِ رَبِيعَةَ وَمُضَرَ . فَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَقَوْلُهُ فِي الْإِسْنَادِ عَنِ الْحُسَيْنِ هُوَ ابْنُ وَاقِدٍ الْمُعَلِّمُ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا حُسَيْنُ الْمُعَلِّمُ وَقَوْلُهُ : عَنْ أَبِي ذَرٍّ فِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو ذَرٍّ وَفِي الْإِسْنَادِ ثَلَاثَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ فِي نَسَقٍ ، وَقَوْلُهُ : لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ زَائِدَةَ ، وَالتَّعْبِيرُ بِالرَّجُلِ لِلْغَالِبِ وَإِلَّا فَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ حُكْمُهَا . قَوْلُهُ : ( ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ وَهُوَ يَعْلَمُهُ إِلَّا كَفَرَ بِاللَّهِ ) كَذَا وَقَعَ هُنَا كَفَرَ بِاللَّهِ وَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ : بِاللَّهِ فِي غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ وَلَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَلَا الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهُوَ أَوْلَى ، وَإِنْ ثَبَتَ ذَاكَ فَالْمُرَادُ مَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِالتَّحْرِيمِ ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَالْمُرَادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ ، وَظَاهِرُ اللَّفْظِ غَيْرُ مُرَادٍ وَإِنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ وَالزَّجْرِ لِفَاعِلِ ذَلِكَ ، أَوِ الْمُرَادُ بِإِطْلَاقِ الْكُفْرِ أَنَّ فَاعِلَهُ فَعَلَ فِعْلًا شَبِيهًا بِفِعْلِ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ ، وَقَوْلُهُ : وَمَنِ ادَّعَى قَوْمًا لَيْسَ لَهُ فِيهِمْ نَسَبٌ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَمَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا ، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ وَهُوَ أَعَمُّ مِمَّا تَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ ، عَلَى أَنَّ لَفْظَةَ نَسَبٌ وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ دُونَ غَيْرِهِ وَمَعَ حَذْفِهَا يَبْقَى مُتَعَلِّقُ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ مَحْذُوفًا فَيَحْتَاجُ إِلَى تَقْدِيرٍ ، وَلَفْظُ نَسَبٌ أَوْلَى مَا قُدِّرَ لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ، وَقَوْلُهُ : فَلْيَتَبَوَّأْ أَيْ لِيَتَّخِذْ مَنْزِلًا مِنَ النَّارِ ، وَهُوَ إِمَّا دُعَاءٌ أَوْ خَبَرٌ بِلَفْظِ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ هَذَا جَزَاؤُهُ إِنْ جُوزِيَ ، وَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ ، وَقَدْ يَتُوبُ فَيَسْقُطُ عَنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ فِي حَدِيثِ : مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ وَفِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الِانْتِفَاءِ مِنَ النَّسَبِ الْمَعْرُوفِ وَالِادِّعَاءِ إِلَى غَيْرِهِ ، وَقَيَّدَ فِي الْحَدِيثَ بِالْعِلْمِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْحَالَتَيْنِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا لِأَنَّ الْإِثْمَ إِنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَالِمِ بِالشَّيْءِ الْمُتَعَمِّدِ لَهُ ، وَفِيهِ جَوَازُ إِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى الْمَعَاصِي لِقَصْدِ الزَّجْرِ كَمَا قَرَّرْنَاهُ ، وَيُؤْخَذُ مِنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَحْرِيمُ الدَّعْوَى بِشَيْءٍ لَيْسَ هُوَ لِلْمُدَّعِي ، فَيَدْخُلُ فِيهِ الدَّعَاوَى الْبَاطِلَةُ كُلُّهَا مَالًا وَعِلْمًا وَتَعَلُّمًا وَنَسَبًا وَحَالًا وَصَلَاحًا وَنِعْمَةً وَوَلَاءً وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَيَزْدَادُ التَّحْرِيمُ بِزِيَادَةِ الْمَفْسَدَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ لِلْمَالِكِيَّةِ فِي تَصْحِيحِهِمْ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ بِغَيْرِ مُسَخِّرٍ لِدُخُولِ الْمُسَخِّرِ فِي دَعْوَى مَا لَيْسَ لَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ، وَالْقَاضِي الَّذِي يُقِيمُهُ أَيْضًا يَعْلَمُ أَنَّ دَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ ، قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا الْقَانُونُ مَنْصُوصًا فِي الشَّرْعِ حَتَّى يُخَصَّ بِهِ عُمُومُ هَذَا الْوَعِيدِ ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ إِيصَالُ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ فَتَرْكُ مُرَاعَاةِ هَذَا الْقَدْرِ ، وَتَحْصِيلُ الْمَقْصُودِ مِنْ إِيصَالِ الْحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ أَوْلَى مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ هَذَا الْوَعِيدِ الْعَظِيمِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريباب لَيْسَ مِنْ رَجُلٍ ادَّعَى لِغَيْرِ أَبِيهِ · ص 623 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 79 باب هذا كالفصل لما قبله ، وليس بموجود في كثير من النسخ . 17 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، عن عبد الله بن بريدة ، قال : حدثني يحيى بن يعمر ، أن أبا الأسود الديلي حدثه ، عن أبي ذر رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ليس من رجل ادعى لغير أبيه ، وهو يعلمه إلا كفر ، ومن ادعى قوما ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار . مطابقته للباب المترجم من حيث التضاد والمقابلة ؛ لأن بالضد تتبين الأشياء ؛ لأن في الحديث ذكر النسب الحقيقي الصحيح ، وفي هذا ذكر النسب الباطل ، وفيه زجر وتوبيخ لمدعيه ، وأبو معمر ، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، وعبد الوارث بن سعيد والحسين هو ابن الواقد المعلم ، وعبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، ويحيى بن يعمر ، بفتح الياء ، آخر الحروف ، وسكون العين المهملة ، وضم الميم وفتحها ، وفي آخره راء ، وأبو الأسود ظالم بن عمرو ، ويقال : عمرو بن ظالم . وقال الواقدي : اسمه عويمر بن ظويلم ، وقيل : غير ذلك قاضي البصرة ، وهو أول من تكلم في النحو ، والديلي بكسر الدال المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبفتح الهمزة ، وبضم الدال ، وإسكان الواو ، وبفتح الهمزة أربع لغات ، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري . وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على نسق واحد . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب ، عن أبي معمر أيضا . وأخرجه مسلم في الإيمان عن زهير بن حرب . قوله : عن الحسين ، وفي رواية مسلم : حدثنا حسين المعلم . قوله : عن أبي ذر ، وفي رواية الإسماعيلي : حدثني أبو ذر . قوله : ليس من رجل ، كلمة من زائدة ، وذكر الرجل باعتبار الغالب ، وإلا فالمرأة كذلك . قوله : ادعى ، أي : انتسب لغير أبيه ، ويروى : إلى غير أبيه . قوله : وهو يعلمه ، جملة حالية ، أي : والحال أنه يعلم أنه غير أبيه ، وإنما قيد بذلك لأن الإثم يتبع العلم ، وفي بعض النسخ : إلا كفر بالله ، ولم تقع هذه اللفظة في رواية مسلم ، ولا في غير رواية أبي ذر ، فالوجه على عدم هذه اللفظة أن المراد بالكفر كفران النعمة أو لا يراد ظاهر اللفظ ، وإنما المراد المبالغة في الزجر والتوبيخ أو المراد أنه فعل فعلا يشبه فعل أهل الكفر ، والوجه على تقدير وجود هذه اللفظة ، فهو أن يحمل على أنه إن كان مستحلا مع علمه بالتحريم . قوله : ومن ادعى قوما ، أي : ومن انتسب إلى قوم . قوله : ليس له فيهم نسب ، أي : ليس لهذا المدعي في هذا القوم نسب ، أي : قرابة ، وليس في رواية الكشميهني لفظة نسب ، وفي رواية مسلم : ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وهذه أعم من رواية البخاري ، ولكن يحتاج فيها إلى تقدير ، وأولى ما يقدر فيه لفظ نسب لوجوده في بعض الروايات . قوله : فليتبوأ مقعده ، أي : لينزل منزله من النار أو فليتخذ منزلا بها ، وهو إما دعاء وإما خبر بلفظ الأمر ، ومعناه : هذا جزاؤه ، وقد يجازى وقد يعفى عنه ، وقد يتوب فيسقط عنه هذا في الآخرة ، أما في الدنيا فإن جماعة قالوا : إذا كذب على النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : لا تقبل توبته . منهم أحمد بن حنبل ، وعبد الله بن الزبير الحميدي ، وأبو بكر الصيرفي ، وأبو المظفر السمعاني . وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره ، وفيه لا بد من العلم للبحث فيما يرتكبه الرجل من النفي أو الإثبات ، وفيه جواز إطلاق لفظ الكفر على المعاصي لأجل الزجر والتغليظ .