باب
حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، عن الحسين ، عن عبد الله بن بريدة ، قال : حدثني يحيى بن يعمر ، أن أبا الأسود الديلي حدثه ، عن أبي ذر رضي الله عنه ، أنه سمع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول : ليس من رجل ادعى لغير أبيه ، وهو يعلمه إلا كفر ، ومن ادعى قوما ليس له فيهم فليتبوأ مقعده من النار . مطابقته للباب المترجم من حيث التضاد والمقابلة ؛ لأن بالضد تتبين الأشياء ؛ لأن في الحديث ذكر النسب الحقيقي الصحيح ، وفي هذا ذكر النسب الباطل ، وفيه زجر وتوبيخ لمدعيه ، وأبو معمر ، بفتح الميمين عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد ، وعبد الوارث بن سعيد والحسين هو ابن الواقد المعلم ، وعبد الله بن بريدة ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الراء ، وسكون الياء آخر الحروف ، ويحيى بن يعمر ، بفتح الياء ، آخر الحروف ، وسكون العين المهملة ، وضم الميم وفتحها ، وفي آخره راء ، وأبو الأسود ظالم بن عمرو ، ويقال : عمرو بن ظالم . وقال الواقدي : اسمه عويمر بن ظويلم ، وقيل : غير ذلك قاضي البصرة ، وهو أول من تكلم في النحو ، والديلي بكسر الدال المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبفتح الهمزة ، وبضم الدال ، وإسكان الواو ، وبفتح الهمزة أربع لغات ، وأبو ذر جندب بن جنادة الغفاري .
وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على نسق واحد . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب ، عن أبي معمر أيضا . وأخرجه مسلم في الإيمان عن زهير بن حرب .
قوله : عن الحسين ، وفي رواية مسلم : حدثنا حسين المعلم . قوله : عن أبي ذر ، وفي رواية الإسماعيلي : حدثني أبو ذر . قوله : ليس من رجل ، كلمة من زائدة ، وذكر الرجل باعتبار الغالب ، وإلا فالمرأة كذلك .
قوله : ادعى ، أي : انتسب لغير أبيه ، ويروى : إلى غير أبيه . قوله : وهو يعلمه ، جملة حالية ، أي : والحال أنه يعلم أنه غير أبيه ، وإنما قيد بذلك لأن الإثم يتبع العلم ، وفي بعض النسخ : إلا كفر بالله ، ولم تقع هذه اللفظة في رواية مسلم ، ولا في غير رواية أبي ذر ، فالوجه على عدم هذه اللفظة أن المراد بالكفر كفران النعمة أو لا يراد ظاهر اللفظ ، وإنما المراد المبالغة في الزجر والتوبيخ أو المراد أنه فعل فعلا يشبه فعل أهل الكفر ، والوجه على تقدير وجود هذه اللفظة ، فهو أن يحمل على أنه إن كان مستحلا مع علمه بالتحريم . قوله : ومن ادعى قوما ، أي : ومن انتسب إلى قوم .
قوله : ليس له فيهم نسب ، أي : ليس لهذا المدعي في هذا القوم نسب ، أي : قرابة ، وليس في رواية الكشميهني لفظة نسب ، وفي رواية مسلم : ومن ادعى ما ليس له فليس منا ، وهذه أعم من رواية البخاري ، ولكن يحتاج فيها إلى تقدير ، وأولى ما يقدر فيه لفظ نسب لوجوده في بعض الروايات . قوله : فليتبوأ مقعده ، أي : لينزل منزله من النار أو فليتخذ منزلا بها ، وهو إما دعاء وإما خبر بلفظ الأمر ، ومعناه : هذا جزاؤه ، وقد يجازى وقد يعفى عنه ، وقد يتوب فيسقط عنه هذا في الآخرة ، أما في الدنيا فإن جماعة قالوا : إذا كذب على النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ : لا تقبل توبته . منهم أحمد بن حنبل ، وعبد الله بن الزبير الحميدي ، وأبو بكر الصيرفي ، وأبو المظفر السمعاني .
وفي الحديث تحريم الانتفاء من النسب المعروف والادعاء إلى غيره ، وفيه لا بد من العلم للبحث فيما يرتكبه الرجل من النفي أو الإثبات ، وفيه جواز إطلاق لفظ الكفر على المعاصي لأجل الزجر والتغليظ .