19 - بَاب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ وَكُنَّ نِسَاءٌ يَبْعَثْنَ إِلَى عَائِشَةَ بِالدُّرَجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ فَتَقُولُ لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ ، تُرِيدُ بِذَلِكَ الطُّهْرَ مِنْ الْحَيْضَةِ ، وَبَلَغَ ابنة زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ نِسَاءً يَدْعُونَ بِالْمَصَابِيحِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرْنَ إِلَى الطُّهْرِ ، فَقَالَتْ : مَا كَانَ النِّسَاءُ يَصْنَعْنَ هَذَا ، وَعَابَتْ عَلَيْهِنَّ . 320 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ ، فَسَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ذَلِكِ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي . قَوْلُهُ : ( بَابُ إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ إِقْبَالَ الْمَحِيضِ يُعْرَفُ بِالدُّفْعَةِ مِنَ الدَّمِ فِي وَقْتِ إِمْكَانِ الْحَيْضِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي إِدْبَارِهِ فَقِيلَ : يُعْرَفُ بِالْجُفُوفِ ، وَهُوَ أَنْ يَخْرُجَ مَا يُحْتَشَى بِهِ جَافًّا ، وَقِيلَ بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَنُوَضِّحُهُ . قَوْلُهُ : ( وَكُنَّ ) هُوَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْمُؤَنَّثِ ، وَ نِسَاءٌ بِالرَّفْعِ وَهُوَ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ نَحْوَ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ ، وَالتَّنْكِيرُ فِي نِسَاءٍ لِلتَّنْوِيعِ ، أَيْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ نَوْعٍ مِنَ النِّسَاءِ لَا مِنْ كُلِّهِنَّ . وَهَذَا الْأَثَرُ قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ الْمَدَنِيِّ عَنْ أُمِّهِ - وَاسْمُهَا مَرْجَانَةُ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ - قَالَتْ كَانَ النِّسَاءُ . قَوْلُهُ : ( بِالدِّرَجَةِ ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ جَمْعُ دُرْجٍ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كَذَا يَرْوِيهِ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ ، وَضَبَطَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْمُوَطَّأِ بِالضَّمِّ ثُمَّ السُّكُونِ وَقَالَ : إِنَّهُ تَأْنِيثُ دُرْجٍ ، وَالْمُرَادُ بِهِ مَا تَحْتَشِي بِهِ الْمَرْأَةُ مِنْ قُطْنَةٍ وَغَيْرِهَا لِتَعْرِفَ هَلْ بَقِيَ مِنْ أَثَرِ الْحَيْضِ شَيْءٌ أَمْ لَا . قَوْلُهُ : ( الْكُرْسُفُ ) بِضَمِّ الْكَافِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ بَيْنَهُمَا رَاءٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الْقُطْنُ . قَوْلُهُ : ( فِيهِ الصُّفْرَةُ ) زَادَ مَالِكٌ مِنْ دَمِ الْحَيْضَةِ . قَوْلُهُ : ( فَتَقُولُ ) أَيْ عَائِشَةُ . وَالْقَصَّةُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ هِيَ النُّورَةُ ، أَيْ حَتَّى تَخْرُجَ الْقُطْنَةُ بَيْضَاءَ نَقِيَّةً لَا يُخَالِطُهَا صُفْرَةٌ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ حَيْضٌ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِهَا فَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي بَابٍ مُفْرَدٍ إِنْ شَاءَ تَعَالَى . وَفِيهِ أَنَّ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ عَلَامَةٌ لِانْتِهَاءِ الْحَيْضِ وَيَتَبَيَّنُ بِهَا ابْتِدَاءُ الطُّهْرِ ، وَاعْتُرِضَ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُعْرَفُ بِالْجُفُوفِ بِأَنَّ الْقُطْنَةَ قَدْ تَخْرُجُ جَافَّةً فِي أَثْنَاءِ الْأَمْرِ فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى انْقِطَاعِ الْحَيْضِ ، بِخِلَافِ الْقَصَّةِ وَهِيَ مَاءٌ أَبْيَضُ يَدْفَعُهُ الرَّحِمُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ . قَالَ مَالِكٌ : سَأَلْتُ النِّسَاءَ عَنْهُ فَإِذَا هُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَهُنَّ يَعْرِفْنَهُ عِنْدَ الطُّهْرِ . قَوْلُهُ : ( وَبَلَغَ ابْنةَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ) كَذَا وَقَعَتْ مُبْهَمَةً هُنَا ، وَكَذَا فِي الْمُوَطَّأِ حَيْثُ رُوِيَ هَذَا الْأَثَرُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمَّتِهِ عَنْهَا ، وَقَدْ ذَكَرُوا لِزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ مِنَ الْبَنَاتِ حَسَنَةَ وَعَمْرَةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَغَيْرَهُنَّ ، وَلَمْ أَرَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ رِوَايَةً إِلَّا لِأُمِّ كُلْثُومٍ - وَكَانَتْ زَوْجَ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ - فَكَأَنَّهَا هِيَ الْمُبْهَمَةُ هُنَا . وَزَعَمَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ أَنَّهَا أُمُّ سَعْدٍ قَالَ : لِأَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ذَكَرَهَا فِي الصَّحَابَةِ . انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي ذِكْرِهِ لَهَا دَلِيلُ على الْمُدَّعِي ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إِنَّهَا صَاحِبَةُ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، بَلْ لَمْ يَأْتِ لَهَا ذِكْرٌ عِنْدَهُ وَلَا عِنْدَ غَيْرِهِ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ عَنْبَسَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَدْ كَذَّبُوهُ ، وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ يَضْطَرِبُ فِيهَا ، فَتَارَةً يَقُولُ بِنْتُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَتَارَةً يَقُولُ امْرَأَةُ زَيْدٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالنَّسَبِ فِي أَوْلَادِ زَيْدٍ مَنْ يُقَالُ لَهَا أُمُّ سَعْدٍ ، وَأَمَّا عَمَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ ابْنُ الْحَذَّاءِ : هِيَ عَمْرَةُ بِنْتُ حَزْمٍ عَمَّةُ جَدِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقِيلَ لَهَا عَمَّتُهُ مَجَازًا . قُلْتُ : لَكِنَّهَا صَحَابِيَّةٌ قَدِيمَةٌ رَوَى عَنْهَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الصَّحَابِيُّ ، فَفِي رِوَايَتِهَا عَنْ بِنْتِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ بُعْدٌ ، فَإِنْ كَانَتْ ثَابِتَةً فَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهَا مُنْقَطِعَةٌ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْمُرَادَةُ عَمَّتَهُ الْحَقِيقِيَّةَ وَهِيَ أُمُّ عَمْرٍو أَوْ أُمُّ كُلْثُومٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( يَدْعُونَ ) أَيْ يَطْلُبْنَ . وَفِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهَا فِي بَابِ تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا . وَقَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ : دَعَيْتُ لُغَةً فِي دَعَوْتُ ، وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَلَا الْمَطَالِعِ . قَوْلُهُ : ( إِلَى الطُّهْرِ ) أَيْ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الطُّهْرِ وَاللَّامِ فِي قَوْلِهَا مَا كَانَ النِّسَاءُ لِلْعَهْدِ أَيْ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ ، وَإِنَّمَا عَابَتْ عَلَيْهِنَّ ; لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْحَرَجَ وَالتَّنَطُّعَ وَهُوَ مَذْمُومٌ ، قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ . وَقِيلَ لِكَوْنِ ذَلِكَ كَانَ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ جَوْفُ اللَّيْلِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ وَقْتُ الْعِشَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ لِكَوْنِ اللَّيْلِ لَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْبَيَاضُ الْخَالِصُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَحْسِبْنَ أَنَّهُنَّ طَهُرْنَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَيُصَلِّينَ قَبْلَ الطُّهْرِ . وحَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ ، وَسُفْيَانُ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ; لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْمُسْنَدِيُّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الثَّوْرِيِّ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِقْبَالِ الْمَحِيضِ وَإِدْبَارِهِ · ص 500 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إقبال المحيض وإدباره · ص 491 19 - باب إقبال المحيض وإدباره وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا ! وعابت عليهن . هذان الأثران خرجهما مالك في ( الموطإ ) ، فروى عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة - أنها قالت : كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف ، فيه الصفرة من دم الحيضة ، يسألنها عن الصلاة ، فتقول : لا تعجلن حتّى ترين القصة البيضاء ، تريد بذلك الطهر من الحيضة . وروى أيضا عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت - أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ، ينظرن إلى الطهر ، فكانت تعيب ذَلكَ عليهن ، وتقول : ما كان النساء يصنعن هذا ! وإنما كان نساء الصدر الأول يصنعن هذا لشدة اهتمامهن بالصلاة ، وأمور الدين رضي الله عنهن . قَالَ ابن عبد البر : إنما أنكرت بنت زيد بن ثابت على النساء افتقاد أحوالهن في غير وقت الصلاة وما قاربها ؛ لأن جوف الليل ليس بوقت صلاة ، وإنما على النساء افتقاد أحوالهن للصلاة ، فإن كن قد طهرن تأهبن للغسل ؛ لما عليهن من الصلاة . انتهى . وفيما قاله نظر ؛ فإن جوف الليل وقت لصلاة العشاء ، فإذا طهرت فيه الحائض لزمها صلاة العشاء وصلاة المغرب أيضا عند كثير من العلماء . وإنما أنكرت بنت زيد - والله أعلم - النظر في لون الدم ، وأن مدة العادة تحكم بأن جميع ما يرى فيها دم حيض وإن اختلفت ألوانه . وهذا المعنى أقرب إلى إدخال البخاري له في هذا الباب ، وإلى إدخال مالك له في ( الموطإ ) في ( باب طهر الحيض ) ، وسياقهما له بعد قول عائشة الذي صدر به البخاري هذا الباب . و( الدرجة ) قد رويت بضم الدال المشددة وسكون الراء ، فتكون تأنيث ( درج ) . ورويت بكسر الدال وفتح الراء ، فتكون جمع ( درج ) كما تجمع ( خرج وترس ) على ( خرجة وترسة ) . و( الدرج ) المراد به هنا خرق تلف وفيها قطن ، وهو الكرسف ، فتدخله المرأة الحائض في فرجها ؛ لتنظر ما يخرج على القطن ؛ فإذا خرج عليه دم أحمر أو أسود علمت المرأة أن دم حيضها باق ، وإن خرج عليه صفرة فقد أفتت عائشة - رضى الله عنها - بأنه حيض أيضا ، وأن الحائض لا ينقطع حيضها حتّى ترى القصة البيضاء . و( القصة ) بفتح القاف أصلها القطعة من الجص الأبيض ، وأرادت عائشة بذلك أن القطنة تخرج بيضاء ، ليس فيها شيء من الصفرة ولا الكدرة ، فيكون ذَلكَ علامة نقائها وطهرها . وقالت طائفة : بل القصة البيضاء عبارة عن ماء أبيض يخرج عقب الدم من النساء في آخر الحيض ، فلا تطهرن بدونه . وقيل : إنه يشبه الخيط الأبيض ، وهذا قول مالك وغيره . وروى الوليد بن مسلم ، عن عبد الرحمن بن ميسرة ، عن عبد الرحمن بن ذؤيب ، عن عائشة ، قالت : الطهر أن ترى المرأة بعد الدم ماء أبيض قطعا . خرجه حرب الكرماني . وحكى الخطابي عن ابن وهب أنه قَالَ في تفسير القصة البيضاء : رأيت القطن الأبيض ، كأنه هو . وعن ابن أبي سلمة قَالَ : إذا كان ذَلكَ نظرت المرأة إلى مثل ريقها في اللون ، فتطهر بذلك فيما بلغنا . وعن مالك قَالَ : سألت النساء عن القصة البيضاء ، فإذا ذاك أمر معروف عند النساء ، يرينه عند الطهر . وهذا المحكي عن مالك يوافق القول الثاني الذي ذكرناه ، وأن القصة البيضاء عبارة عن شيء أبيض يخرج في آخر دم الحيض . وقال ابن عبد البر : اختلف أصحاب مالك عنه في علامة الطهر ؛ ففي ( المدونة ) : قَالَ مالك : إذا كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتّى تراها ، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف ، وذلك أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة . وبه قَالَ عيسى بن دينار ، قَالَ : القصة البيضاء أبلغ في براءة الرحم من الجفوف . وفي ( المجموعة ) : قَالَ مالك : إذا رأت الجفوف وهي ممن ترى القصة البيضاء فلا تصلي حتّى تراها ، إلا أن يطول ذَلكَ بها . وقال ابن حبيب : تطهر بالجفوف ، وإن كانت ممن ترى القصة البيضاء . قَالَ ابن حبيب : والجفوف أبرأ للرحم من القصة البيضاء . قَالَ : فمن كان طهرها القصة البيضاء ، ورأت الجفوف - فقد طهرت . قَالَ : ولا تطهر التي طهرها الجفوف برؤيتها القصة البيضاء حتّى ترى الجفوف . قَالَ : وذلك أن أول الحيض دم ، ثم صفرة ، ثم ترية ، ثم كدرة . ثم يكون ريقًا كالفضة ، ثم ينقطع . فإذا انقطع قبل هذه المنازل فقد برئت الرحم من الحيض . قَالَ : والجفوف أبرأ وأوعب ، وليس بعد الجفوف انتظار . انتهى ما ذكره ابن عبد البر رحمه الله . وفي ( تهذيب المدونة ) : تغتسل إن رأت القصة البيضاء ، فإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف . قَالَ ابن القاسم : والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة . قَالَ أبو عبيد : الترية الشيء الخفي اليسير ، وهو أقل من الصفرة والكدرة ، ولا تكون الترية إلا بعد اغتسال . فأما ما كان في أيام الحيض فهو حيض وليس بترية . انتهى . واختلف قول الإمام أحمد في تفسير القصة البيضاء ؛ فنقل الأكثرون عنه أنه شيء أبيض يتبع الحيضة ، ليس بصفرة ولا كدرة ، فهو علامة الطهر ، وحكاه أحمد عن الشافعي . ونقل حنبل عن أحمد أن القصة البيضاء هو الطهر وانقطاع الدم ، وكذلك فسر سفيان الثوري القصة البيضاء بالطهر من الحيض . وأرسلت امرأة إلي عمرة بنت عبد الرحمن بدرجٍ فيهِ كرسفة قطن ، فيها كالصفرة ، تسألها : هل ترى إذا لَم تر المرأة من الحيضة إلا هَذا أن قَد طهرت ؟ فقالت : لا ، حتى ترى البياض خالصًا . وروى الأثرم بإسناده عَن ابن الزبير أنهُ قالَ على المنبر : يا معشر النساء ، إذا رأت إحداكن القصة البيضاء فهوَ الطهر . وقال مكحول : لا تغتسل المرأة من الحيض إذا طهرت حتى ترى طهرًا أبيض . وقد حكى أبو عبيد القولين في تفسير القصة البيضاء . ودل قول عائشة رضي الله عنها هَذا على أن الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض ، وأن من لها أيام معتادة تحيض فيها ، فرأت فيها صفرة أو كدرة - فإن ذَلِكَ يكون حيضًا معتبرًا . وهذا قول جمهور العلماء ، حتى إن منهُم من نقله إجماعًا ، منهُم عبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه ، ومرةً خص إسحاق حكاية الإجماع بالصفرة دونَ الكدرة . ولكن ذهب طائفة قليلة ، منهُم الأوزاعي وأبو ثور وداود وابن المنذر وبعض الشافعية - إلى أنه لا يكون ذَلِكَ حيضًا حتى يتقدمه في مدة العادة دم . واشترط بعض الشافعية أن يكون الدم المتقدم يبلغ أقل الحيض . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم أيضا . ومنهم من اشترط أن يلحقه دم يبلغ أقل الحيض . وقال أبو يوسف : الصفرة حيض ، والكدرة ليسَت حيضًا ، إلا أن يتقدمها دم . وحكي عَن داود أن الصفرة والكدرة لا تكون حيضًا بكل حال . فأما ما زاد على أيام العادة ، واتصل بها ، وكان صفرة أو كدرة - فهل يكون حيضًا ؟ أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما : أنهُ حيض ، وَهوَ أشهر الروايتين عَن مالك ، والمشهور عَن الشَافِعي أيضا ، وعليه أكثر أصحابه ، وقول الحكم وأبي حنيفة وإسحاق . والثاني : أنه ليسَ بحيض ، وَهوَ رواية عَن مالك ، وقول الثوري والإصطخري وغيره من الشافعية . وأما الإمام أحمد فإنه يرى أن الزائد على العادة لا يلتفت إليه أول مرة حتى يتكرر مرتين أو ثلاثًا على اختلاف عَنهُ ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ . فإن زاد على العادة بصفرة أو كدرة ، وتكرر ثلاثًا - فهل يكون حيضًا ؟ أم لا ؟ فيهِ عَنهُ روايتان . وقد روي عَن عائشة أنها لا تلتفت إلى الزائد على العادة من الصفرة والكدرة . خرجه حرب والبيهقي من رواية سليمان بن موسى ، عَن عطاء ، عَن عائشة ، قالت : إذا رأت المرأة الدم فلتمسك عَن الصلاة حتى تراه أبيض كالفضة ، فإذا رأت ذَلِكَ فلتغتسل ولتصل ، فإذا رأت بعد ذَلِكَ صفرة أو كدرة فلتتوضأ ولتصل ، فإذا رأت دمًا أحمر فلتغتسل ولتصل . وروي عَن أسماء بنت أبي بكر ما يشعر بخلاف ذَلِكَ ، فروى البيهقي وغيره من رواية ابن إسحاق ، عَن فاطمة بنت المنذر ، عَن أسماء ، قالت : كنا في حجرها معَ بنات أخيها ، فكانت إحدانا تطهر ، ثم تصلي ، ثم تنتكس بالصفرة اليسيرة ، فنسألها ، فتقول : اعتزلن الصلاة ما رأيتن ذَلِكَ ، حتى ترين البياض خالصًا . وقد حمله بعض أصحابنا على أن الصفرة أو الكدرة إذا رؤيت بعد الطهر وانقطاع الدم فإنها لا تكون حيضًا ولو تكررت ، على الصحيح عندهم ، بخلاف ما إذا رأت ذَلِكَ متصلًا بالدم وتكرر . فهذا كله في حق المعتادة . فأما المبتدأة فإذا رأت في زمن يصلح للحيض صفرة أو كدرة فقالت طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى ومن تابعه ، وأكثر أصحاب الشَافِعي : إنه يكون حيضًا ؛ لأن زمن الدم للمبتدأة كزمن العادة للمعتادة . وقالت طائفة من أصحابنا : لا يكون حيضًا ، وقالوا : إنه ظاهر كلام أحمد ، وَهوَ قول طائفة من الشافعية أيضا . وحكاه الخطابي عَن عائشة وعطاء وأكثر الفقهاء ؛ لأنه اجتمع فيهِ فقد العادة ولون الدم المعتاد ، فقويت جهة فساده . وعلى هَذا فينبغي أنهُ إن تكرر ذَلِكَ ثلاثًا أن يكون حيضًا إن قلنا : إن المتكرر بعد العادة حيض . وقد يفرق بينهما بأن المتكرر بعد العادة قَد سبقه دم بخلاف هَذا . وقد ذهب طائفة من أصحابنا ، منهُم ابن حامد وابن عقيل إلى أن المبتدأة إذا رأت أول مرةٍ دمًا أحمر فليس بدم حيض حتى يكون أسود ، وَهوَ قول بعض الشافعية أيضا ؛ للحديث المروي عَن النبي صلى الله عليه وسلم أنهُ قالَ في دم الحيض : ( إنه أسود يعرف ) . وهذا ينتقض عليهم بالمعتادة ؛ فإنها إذا كانت عادتها أسود ، ثم رأت في مدة العادة دمًا أحمر - فإنه حيض بغير خلاف .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب إقبال المحيض وإدباره · ص 497 ثم خرج البخاري في هَذا الباب : 320 - من حديث سفيان - هوَ ابن عيينة - عَن هشام ، عَن أبيه ، عَن عائشة - أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( ذَلِكَ عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) . وقد سبق هَذا الحديث ، وذكرنا اختلاف العلماء في معناه ، وأنه هل المراد بإقبال الحيضة وإدبارها إقبال الدم الأسود وإدباره ؟ أم المراد إقبال وقت عادتها وإدبارها ؟ وأن أكثر الأئمة حملوا الحديث على الأول ، وَهوَ اعتبار التمييز في الدم . والمميزة ترجع إلى ما تراه من أغلظ الدماء وأفحشها لونًا ، فتجلس مدة الدم الأسود دونَ الأحمر ، والأحمر دونَ الأصفر . ولا يعتبر للتمييز تكرر على أصح الوجهين لأصحابنا ، لكن يشترط عندهم أن لا ينقص عَن أقل الحيض ولا يتجاوز أكثره ، وأن يكون بين الدمين أقل مدة الطهر ، وَهوَ قول الشافعية أيضا . وحكي عَن أحمد رواية أخرى أنه لا يعتبر أن لا يجاوز أكثر الحيض ، فعلى هَذهِ الرواية تجلس منهُ قدر الأكثر خاصةً . وأما على تفسير إقبال الحيضة وإدبارها بإقبال العادة وإدبارها فتجلس ما تراه من الدم في أيام عادتها خاصة ، على أي صفة كانَ ، ولا تزيد على ذَلِكَ . فإذا انقضت مدة عادتها فهي طاهر تغتسل وتصلي .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب إقبال المحيض وإدباره · ص 296 ( باب إقبال المحيض وإدباره ) أي هذا باب في بيان إقبال الحيض وإدباره . وقال ابن بطال : إقبال الحيض هو الدفعة من الدم ، وإدباره إقبال الطهر ، وعند أصحابنا الحنفية : علامة إدبار الحيض وانقطاعه الزمان والعادة ، فإذا أخلت عادتها تحرت ، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل . والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما . ( وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة ) . مطابقته للترجمة في قولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) ، فإنها علامة إدبار الحيض ، وهذا الأثر ذكره مالك في الموطأ فقال : عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت : ( كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة ، فتقول لهن : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء - تريد الطهرة من الحيضة ) . وقال ابن حزم : خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها ، واسم أم علقمة مرجانة ، سماها ابن حبان في كتاب الثقات . وقال العجلي : مدنية تابعية ثقة ، وفي التلويح كذا ذكره البخاري هنا معلقا مجزوما ، وبه تعلق النووي فقال : هذا تعليق صحيح ؛ لأن البخاري ذكره بصيغة الجزم ، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق بيانه في كثير من التعليق المجزوم به عند البخاري ، ولو نظر كتاب ( الموطأ ) لمالك بن أنس لوجده قد قال : عن علقمة إلى آخره ، ولو وجده ابن حزم لما قال : خولفت أم علقمة بما هو أقوى من رواياتها . قلت : حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به ، ولهذا قال ابن الحصار : هذا حديث أخرجه البخاري من غير تقييد . قوله : ( وكن نساء ) ، بصيغة الجمع للمؤنث . وفيه ضمير يرجع إلى النساء ، ويسمى مثل هذا الضمير بالضمير المبهم ، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرا بما بعده ، فإذا كان كذلك لا يقال : إنه إضمار قبل الذكر . قوله : ( نساء ) بالرفع ؛ لأنه بدل من الضمير الذي في ( كن ) ، وهذا على لغة : أكلوني البراغيث . وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ ( كن ) إشارة إلى التنويع والتنوين فيه يدل عليه ، والمراد أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن . وقال بعضهم : والتنكير في النساء للتنويع . قلت : إن لم يكن هذا مصحفا من الناسخ فهو غلط ؛ لأنه ماثم كسر في النساء ، وإنما فيه الرفع كما ذكرنا أو النصب على الاختصاص لا يقال : إنه نكرة ، وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة ؛ لأنا نقول : جاء نكرة كما جاء معرفة . وقال الهذلي : ويأوي إلى نسوة عطل وشعثا مراضيع مثل السعالي . قوله : ( بالدرجة ) بضم الدال وسكون الراء - قاله ابن قرقول . وقيل : بكسر الدال وفتح الراء ، وعند الباجي بفتح الدال والراء . قال ابن قرقول : وهي بعيدة عن الصواب . وقال أبو المعاني في كتاب المنتهى والدرج بالتسكين خفش النساء والدرجة شيء يدرج فيدخل في حيا الناقة ، ثم تشمه فتظنه ولدها فتراه ، وكذا ذكره القزاز وصاحب الصحاح وابن سيده ، زاد : والدرجة أيضا خرقة يوضع فيها دواء ، ثم يدخل في حيا الناقة ، وذلك إذا اشتكت منه ، وفي الباهر الدرجة بالكسر والإدراج جمع الدرج ، وهو سفط صغير والدرجة مثال رطبة ، وفي الجمهرة لابن دريد الدرج سفط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه . وقال ابن قرقول : ومن قال بكسر الدال وفتح الراء فهو عنده جمع درج ، وهو سفط صغير نحو خرج وخرجة ونحو ترس وترسة . قوله : ( الكرسف ) بضم الكاف وإسكان الراء ، وضم السين المهملة ، وفي آخره فاء ، وهو القطن - كذا قاله أبو عبيد . وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب ( النبات ) : وزعم بعض الرواة أنه يقال له : الكرفس على القلب ، ويجمع الكرسف على كراسف ، وفي المحكم : إنما اختير القطن لبياضه ، ولأنه ينشف الرطوبة ، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره . قوله : ( فتقول ) ، أي : عائشة رضي الله تعالى عنها . قولها : ( لا تعجلن ) بسكون اللام نهي لجمع مؤنث مخاطبة ، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة ، ويجوز ها هنا الوجهان وكذا في ( ترين ) فافهم . قولها : ( حتى ترين ) ، صيغة جمع المؤنث المخاطبة ، وأصلها ترأين على وزن تفعلن ؛ لأنها من رأى يرأى رؤية بالعين ، وتقول للمرأة : أنت ترين وللجماعة : أنتن ترين ؛ لأن الفعل للواحدة والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء إلا أن النون التي في الواحدة علامة الرفع والتي في الجمع نون الجمع ، فإن قلت : إذا كان أصل ترين ترأين كيف فعل به حتى صار ترين ؟ قلت : نقلت حركة الهمزة إلى الراء ، ثم قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار : ترين على وزن تفلن ؛ لأن المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط ، ووزن الواحدة تفين ؛ لأن المحذوف منه عين الفعل ولامه . قولها : ( القصة البيضاء ) ، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة ، وفي تفسيرها أقوال قال ابن سيده : القصة والقص والجص ، وقيل : الحجارة من الجص . وقال الجوهري هي لغة حجازية يقال : قصص داره ، أي : جصصها ، ويقال : القصة القطنة والخرقة البيضاء التي تحتشى بها المرأة عند الحيض . وقال القزاز : القصة الجص ، هكذا قرأته بفتح القاف ، وحكيت بالكسر ، وفي الغريبين والمغرب والجامع : القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله ، وفي المحيط من كتب أصحابنا : القصة الطين الذي يغسل به الرأس ، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة ، وجاء في الحديث : ( الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء ) : أي حتى تخرج القطن التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة . قلت : أريد بها التشبيه بالجصة في البياض والصفاء ، وأنث لأنه ذهب الى المطابقة كما حكى سيبويه من قولهم لبنة وعسلة . وقال ابن قرقول : قد فسر مالك القصة بقوله : ( تريد بذلك الطهر ) ، أي : تريد عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) . الطهر من الحيضة ، وفسر الخطابي بقوله : ( تريد البياض التام ) . وقال ابن وهب في تفسيره : رأت القطن الأبيض كأنه هو . وقال مالك : سألت النساء عن القصة البيضاء فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر . وروى البيهقي من حديث ابن اسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن فاطمة بنت محمد وكانت في حجر عمرة قالت : أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن فيها أظنه أراد الصفرة تسألها إذا لم تر من الحيضة إلا هذا طهرت . قال : فقالت : لا حتى ترى البياض خالصا ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك ، فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء فهو حيض عندهم . وقال أبو يوسف : لا حتى يتقدمها دم . ( وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ؛ لأن نظر النساء إلى الطهر لأجل أن يعلمن إدبار الحيض . وأخرجه مالك في الموطأ ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغنا فذكره ، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم ، ووقع ذكر بنت زيد بن ثابت ها هنا هكذا مبهما ، ووقع في الموطأ . وقال الحافظ الدمياطي لزيد بن ثابت من البنات أم إسحاق وحسنة وعمرة وأم كلثوم وأم حسن وأم محمد وقريبة وأم سعد ، وفي التوضيح ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد ، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات . وقال بعضهم : ولم أر لواحدة منهن يعني من بنات زيد رواية إلا لأم كلثوم ، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر ، فكأنها هي المبهمة هنا ، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد قال : لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة ، ثم قال هذا القائل : وليس في ذكره لها دليل على المدعي ؛ لأنه لم يقل إنها صاحبة هذه القصة ، بل لم يأت لها ذكر عنده ، ولا عند غيره ، إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن ، وقد كذبوه " ، وكان مع ذلك يضطرب فيها ، فتارة يقول : بنت زيد وتارة يقول : امرأة زيد ، ولم يذكر أحد من أهل المعرفة بالنسب في أولاد زيد من يقال لها أم سعد . انتهى . قلت : ذكره الذهبي ، فقال أم سعد بنت زيد بن ثابت وقيل : امرأته ، وأيضا عدم رؤية هذا القائل رواية الواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته ؛ لأنه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات . وقوله : ( زعم بعض الشراح ) أراد به صاحب التوضيح ، فليت شعري ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو حيث قال : فكأنها هي المبهمة ، أي : أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر . على أن صاحب التوضيح ما جزم بما قاله ، بل قال : ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد . قوله : ( إن نساء ) هكذا وقع في غالب النسخ بدون الألف واللام ، وفي بعضها: ( إن النساء ) بالألف واللام حتى قال الكرماني : إن اللام للعهد ، عن نساء الصحابة وبدون اللام أعم وأشمل . قوله : ( يدعون ) بلفظ الجمع المؤنث ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث ، وفي التقدير مختلف فوزن الجمع المذكر يفعون ، ووزن الجمع المؤنث يفعلن ، ومعنى يدعون بالمصابيح يطلبنها لينظرن بها إلى ما في الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على الطهر ، وفي رواية الكشميهني : يدعين . قاله بعضهم . قلت : في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى ، ثم قال هذا القائل : قال صاحب القاموس : دعيت لغة في دعوت . قلت : أراد بهذا تقوية صحة ما رواه عن الكشميهني ، ولا يفيده هذا ؛ لأن صاحب القاموس تكلم فيه . قوله : ( إلى الطهر ) ، أي : إلى ما يدل على الطهر من القطنة . قوله : ( وعابت عليهن ) ، أي : عابت بنت زيد بن ثابت على النساء المذكورة ، وإنما عابت عليهن ؛ لأن ذلك يقتضي الحرج ، وهو مذموم وكيف لا وجوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة ، وقيل : لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة ، وهو جوف الليل ، قال بعضهم : فيه نظر ؛ لأنه وقت العشاء . قلت : فيه نظر لأنه لم يدل شيء أنه كان وقت العشاء ؛ لأن طلب المصابيح لأمر غالب لا يكون إلا في شدة الظلمة ، وشدة الظلمة لا تكون إلا في جوف الليل ، وروى البيهقي من حديث عباد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ، ( عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلا في الحيض ، وتقول : إنها قد تكون الصفرة والكدرة ) ، وعن مالك : لا يعجبني ذلك ، ولم يكن للناس مصابيح ، وروى ابن القاسم عنه أنهن كن لا يقمن بالليل . وقال صاحب ( التلويح ) : يشبه أن يكون ما بلغ ابنة زيد عن النساء كان في أيام الصوم لينظرن الطهر لنية الصوم ؛ لأن الصلاة لا تحتاج لذلك ؛ لأن وجوبها عليهن إنما يكون بعد طلوع الفجر . واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغسل حتى يطلع الفجر ، فقال أبو حنيفة : إن كانت أيامها أقل من عشرة صامت وقضت ، وإن كانت عشرة صامت ولم تقض . وقال مالك والشافعي وأحمد هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ، ويجزيها صوم ذلك اليوم ، وعن عبد الملك بن ماجشون : يومها ذلك يوم فطر . وقال الأوزاعي : تصومه وتقضيه . وفي القواعد لابن رشد اختلف الفقهاء في علامة الطهر ؛ فرأى قوم أن علامته القصة أو الجفوف ، قال ابن حبيب : وسواء كانت المرأة من عادتها أنها تطهر بهذه ، وفرق قوم فقالوا : إن كانت ممن لا يراها فطهرها الجفوف . وقال ابن حبيب : الحيض أوله دم ، ثم يصير صفرة ، ثم تربة ، ثم كدرة ، ثم يكون ريقا كالقصة ، ثم ينقطع ، فإذا انقطع قبل هذه المنازل وجف أصلا فذلك إبراء للرحم ، وفي المصنف ، عن عطاء : الطهر الأبيض الجفوف الذي ليس معه صفرة ، ولا ماء وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه سئلت عن الصفرة اليسيرة قالت : اعتزلن الصلاة ما رأين ذلك حتى لا ترين إلا لبنا خالصا . 25 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ذلك عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي . مطابقته للترجمة ظاهرة وهي في قوله : ( فإذا أقبلت ، وإذا أدبرت ) ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب غسل الدم ، وفي باب الاستحاضة ، وسفيان في هذا الإسناد هو ابن عيينة ؛ لأن عبد الله بن محمد وهو المسندي لم يسمع من سفيان الثوري ، ولفظ الحديث في باب غسل الدم : ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، وصلي ) من غير إيجاب الغسل . وقال عروة : ثم توضئي لكل صلاة ، لإيجاب الوضوء وهنا قال : فاغتسلي وصلي ، لإيجاب الغسل ؛ لأن أحوال المستحاضات مختلفة ، فيوزع عليها ، أو نقول : إيجاب الغسل والتوضؤ لا ينافي عدم التعرض لهما ، وإنما ينافي التعرض لعدمهما وقوله : ( فاغتسلي وصلي ) ، لا يقتضي تكرار الاغتسال لكل صلاة ، بل يكفي غسل واحد ، ولا يرد عليه حديث أم حبيبة : كانت تغتسل لكل صلاة على ما يأتي في باب عرق الاستحاضة ؛ لأنها لعلها كانت من المستحاضات التي يجب عليها الغسل لكل صلاة . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إنما أمرها أن تغتسل وتصلي ، وليس في أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة ، قال : ولا أشك إن شاء الله تعالى أن غسلها كان تطوعا ، غير ما أمرت به ، وذلك واسع .