باب إقبال المحيض وإدباره
( باب إقبال المحيض وإدباره ) أي هذا باب في بيان إقبال الحيض وإدباره . وقال ابن بطال : إقبال الحيض هو الدفعة من الدم ، وإدباره إقبال الطهر ، وعند أصحابنا الحنفية : علامة إدبار الحيض وانقطاعه الزمان والعادة ، فإذا أخلت عادتها تحرت ، وإن لم يكن لها ظن أخذت بالأقل . والمناسبة بين البابين من حيث وجود حكم الحيض في كل منهما .
ج٣ / ص٢٩٧( وكن نساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيه الصفرة ، فتقول : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء تريد بذلك الطهر من الحيضة ) . مطابقته للترجمة في قولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) ، فإنها علامة إدبار الحيض ، وهذا الأثر ذكره مالك في الموطأ فقال : عن علقمة بن أبي علقمة ، عن أمه مولاة عائشة أنها قالت : ( كان النساء يبعثن إلى عائشة بالدرجة فيها الكرسف فيها الصفرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة ، فتقول لهن : لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء - تريد الطهرة من الحيضة ) . وقال ابن حزم : خولفت أم علقمة بما هو أقوى من روايتها ، واسم أم علقمة مرجانة ، سماها ابن حبان في كتاب الثقات .
وقال العجلي : مدنية تابعية ثقة ، وفي التلويح كذا ذكره البخاري هنا معلقا مجزوما ، وبه تعلق النووي فقال : هذا تعليق صحيح ؛ لأن البخاري ذكره بصيغة الجزم ، وما علم أن هذه العبارة قد لا تصح كما سبق بيانه في كثير من التعليق المجزوم به عند البخاري ، ولو نظر كتاب ( الموطأ ) لمالك بن أنس لوجده قد قال : عن علقمة إلى آخره ، ولو وجده ابن حزم لما قال : خولفت أم علقمة بما هو أقوى من رواياتها . قلت : حاصل كلامه أنه يرد على النووي في دعواه الجزم به ، ولهذا قال ابن الحصار : هذا حديث أخرجه البخاري من غير تقييد . قوله : ( وكن نساء ) ، بصيغة الجمع للمؤنث .
وفيه ضمير يرجع إلى النساء ، ويسمى مثل هذا الضمير بالضمير المبهم ، وجوز ذلك بشرط أن يكون مشعرا بما بعده ، فإذا كان كذلك لا يقال : إنه إضمار قبل الذكر . قوله : ( نساء ) بالرفع ؛ لأنه بدل من الضمير الذي في ( كن ) ، وهذا على لغة : أكلوني البراغيث . وفائدة ذكره بعد أن علم من لفظ ( كن ) إشارة إلى التنويع والتنوين فيه يدل عليه ، والمراد أن ذلك كان من بعضهن لا من كلهن .
وقال بعضهم : والتنكير في النساء للتنويع . قلت : إن لم يكن هذا مصحفا من الناسخ فهو غلط ؛ لأنه ماثم كسر في النساء ، وإنما فيه الرفع كما ذكرنا أو النصب على الاختصاص لا يقال : إنه نكرة ، وشرط النصب على الاختصاص أن يكون معرفة ؛ لأنا نقول : جاء نكرة كما جاء معرفة . وقال الهذلي :
قوله : ( بالدرجة ) بضم الدال وسكون الراء - قاله ابن قرقول . وقيل : بكسر الدال وفتح الراء ، وعند الباجي بفتح الدال والراء . قال ابن قرقول : وهي بعيدة عن الصواب .
وقال أبو المعاني في كتاب المنتهى والدرج بالتسكين خفش النساء والدرجة شيء يدرج فيدخل في حيا الناقة ، ثم تشمه فتظنه ولدها فتراه ، وكذا ذكره القزاز وصاحب الصحاح وابن سيده ، زاد : والدرجة أيضا خرقة يوضع فيها دواء ، ثم يدخل في حيا الناقة ، وذلك إذا اشتكت منه ، وفي الباهر الدرجة بالكسر والإدراج جمع الدرج ، وهو سفط صغير والدرجة مثال رطبة ، وفي الجمهرة لابن دريد الدرج سفط صغير تجعل فيه المرأة طيبها وما أشبهه . وقال ابن قرقول : ومن قال بكسر الدال وفتح الراء فهو عنده جمع درج ، وهو سفط صغير نحو خرج وخرجة ونحو ترس وترسة . قوله : ( الكرسف ) بضم الكاف وإسكان الراء ، وضم السين المهملة ، وفي آخره فاء ، وهو القطن - كذا قاله أبو عبيد .
وقال أبو حنيفة الدينوري في كتاب ( النبات ) : وزعم بعض الرواة أنه يقال له : الكرفس على القلب ، ويجمع الكرسف على كراسف ، وفي المحكم : إنما اختير القطن لبياضه ، ولأنه ينشف الرطوبة ، فيظهر فيه من آثار الدم ما لا يظهر من غيره . قوله : ( فتقول ) ، أي : عائشة رضي الله تعالى عنها . قولها : ( لا تعجلن ) بسكون اللام نهي لجمع مؤنث مخاطبة ، ويأتي كذلك للجمع المؤنث الغائبة ، ويجوز ها هنا الوجهان وكذا في ( ترين ) فافهم .
قولها : ( حتى ترين ) ، صيغة جمع المؤنث المخاطبة ، وأصلها ترأين على وزن تفعلن ؛ لأنها من رأى يرأى رؤية بالعين ، وتقول للمرأة : أنت ترين وللجماعة : أنتن ترين ؛ لأن الفعل للواحدة والجماعة سواء في المواجهة في خبر المرأة من بنات الياء إلا أن النون التي في الواحدة علامة الرفع والتي في الجمع نون الجمع ، فإن قلت : إذا كان أصل ترين ترأين كيف فعل به حتى صار ترين ؟ قلت : نقلت حركة الهمزة إلى الراء ، ثم قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها ، ثم حذفت لالتقاء الساكنين فصار : ترين على وزن تفلن ؛ لأن المحذوف منه عين الفعل وهو الهمزة فقط ، ووزن الواحدة تفين ؛ لأن المحذوف منه عين الفعل ولامه . قولها : ( القصة البيضاء ) ، بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة ، وفي تفسيرها أقوال قال ابن سيده : القصة والقص والجص ، وقيل : الحجارة من الجص . وقال ج٣ / ص٢٩٨الجوهري هي لغة حجازية يقال : قصص داره ، أي : جصصها ، ويقال : القصة القطنة والخرقة البيضاء التي تحتشى بها المرأة عند الحيض .
وقال القزاز : القصة الجص ، هكذا قرأته بفتح القاف ، وحكيت بالكسر ، وفي الغريبين والمغرب والجامع : القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم كله ، وفي المحيط من كتب أصحابنا : القصة الطين الذي يغسل به الرأس ، وهو أبيض يضرب إلى الصفرة ، وجاء في الحديث : ( الحائض لا تغتسل حتى ترى القصة البيضاء ) : أي حتى تخرج القطن التي تحتشي بها كأنها جصة لا تخالطها صفرة . قلت : أريد بها التشبيه بالجصة في البياض والصفاء ، وأنث لأنه ذهب الى المطابقة كما حكى سيبويه من قولهم لبنة وعسلة . وقال ابن قرقول : قد فسر مالك القصة بقوله : ( تريد بذلك الطهر ) ، أي : تريد عائشة رضي الله تعالى عنها بقولها : ( حتى ترين القصة البيضاء ) .
الطهر من الحيضة ، وفسر الخطابي بقوله : ( تريد البياض التام ) . وقال ابن وهب في تفسيره : رأت القطن الأبيض كأنه هو . وقال مالك : سألت النساء عن القصة البيضاء فإذا ذلك أمر معلوم عند النساء يرينه عند الطهر .
وروى البيهقي من حديث ابن اسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن فاطمة بنت محمد وكانت في حجر عمرة قالت : أرسلت امرأة من قريش إلى عمرة كرسفة قطن فيها أظنه أراد الصفرة تسألها إذا لم تر من الحيضة إلا هذا طهرت . قال : فقالت : لا حتى ترى البياض خالصا ، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ومالك ، فإن رأت صفرة في زمن الحيض ابتداء فهو حيض عندهم . وقال أبو يوسف : لا حتى يتقدمها دم .
( وبلغ ابنة زيد بن ثابت أن نساء يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر ، فقالت : ما كان النساء يصنعن هذا وعابت عليهن ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ؛ لأن نظر النساء إلى الطهر لأجل أن يعلمن إدبار الحيض . وأخرجه مالك في الموطأ ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمته ، عن ابنة زيد بن ثابت أنه بلغنا فذكره ، وعمة ابن أبي بكر اسمها عمرة بنت حزم ، ووقع ذكر بنت زيد بن ثابت ها هنا هكذا مبهما ، ووقع في الموطأ .
وقال الحافظ الدمياطي لزيد بن ثابت من البنات أم إسحاق وحسنة وعمرة وأم كلثوم وأم حسن وأم محمد وقريبة وأم سعد ، وفي التوضيح ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد ، ذكرها ابن عبد البر في الصحابيات . وقال بعضهم : ولم أر لواحدة منهن يعني من بنات زيد رواية إلا لأم كلثوم ، وكانت زوج سالم بن عبد الله بن عمر ، فكأنها هي المبهمة هنا ، وزعم بعض الشراح أنها أم سعد قال : لأن ابن عبد البر ذكرها في الصحابة ، ثم قال هذا القائل : وليس في ذكره لها دليل على المدعي ؛ لأنه لم يقل إنها صاحبة هذه القصة ، بل لم يأت لها ذكر عنده ، ولا عند غيره ، إلا من طريق عنبسة بن عبد الرحمن ، وقد كذبوه " ، وكان مع ذلك يضطرب فيها ، فتارة يقول : بنت زيد وتارة يقول : امرأة زيد ، ولم يذكر أحد من أهل المعرفة بالنسب في أولاد زيد من يقال لها أم سعد . انتهى .
قلت : ذكره الذهبي ، فقال أم سعد بنت زيد بن ثابت وقيل : امرأته ، وأيضا عدم رؤية هذا القائل رواية الواحدة من بنات زيد إلا لأم كلثوم لا ينافي رواية غيرها من بناته ؛ لأنه ليس من شأنه أن يحيط بجميع الروايات . وقوله : ( زعم بعض الشراح ) أراد به صاحب التوضيح ، فليت شعري ما الفرق بين زعم هذا وزعمه هو حيث قال : فكأنها هي المبهمة ، أي : أم كلثوم هي المبهمة في هذا الأثر . على أن صاحب التوضيح ما جزم بما قاله ، بل قال : ويشبه أن تكون هذه المبهمة أم سعد .
قوله : ( إن نساء ) هكذا وقع في غالب النسخ بدون الألف واللام ، وفي بعضها: ( إن النساء ) بالألف واللام حتى قال الكرماني : إن اللام للعهد ، عن نساء الصحابة وبدون اللام أعم وأشمل . قوله : ( يدعون ) بلفظ الجمع المؤنث ويشترك في هذه المادة الجمع المذكر والمؤنث ، وفي التقدير مختلف فوزن الجمع المذكر يفعون ، ووزن الجمع المؤنث يفعلن ، ومعنى يدعون بالمصابيح يطلبنها لينظرن بها إلى ما في الكراسيف حتى يقفن على ما يدل على الطهر ، وفي رواية الكشميهني : يدعين . قاله بعضهم .
قلت : في نسبة هذا إليه نظر لا يخفى ، ثم قال هذا القائل : قال صاحب القاموس : دعيت لغة في دعوت . قلت : أراد بهذا تقوية صحة ما رواه عن الكشميهني ، ولا يفيده هذا ؛ لأن صاحب القاموس تكلم فيه . قوله : ( إلى الطهر ) ، أي : إلى ما يدل على الطهر من القطنة .
قوله : ( وعابت عليهن ) ، أي : عابت بنت زيد بن ثابت على النساء المذكورة ، وإنما عابت عليهن ؛ لأن ذلك يقتضي الحرج ، وهو مذموم وكيف لا وجوف الليل ليس إلا وقت الاستراحة ، وقيل : لكون ذلك كان في غير وقت الصلاة ، وهو جوف الليل ، قال بعضهم : فيه نظر ؛ لأنه وقت العشاء . قلت : فيه نظر لأنه لم يدل شيء أنه ج٣ / ص٢٩٩كان وقت العشاء ؛ لأن طلب المصابيح لأمر غالب لا يكون إلا في شدة الظلمة ، وشدة الظلمة لا تكون إلا في جوف الليل ، وروى البيهقي من حديث عباد بن إسحاق ، عن عبد الله بن أبي بكر ، عن عمرة ، ( عن عائشة أنها كانت تنهى النساء أن ينظرن إلى أنفسهن ليلا في الحيض ، وتقول : إنها قد تكون الصفرة والكدرة ) ، وعن مالك : لا يعجبني ذلك ، ولم يكن للناس مصابيح ، وروى ابن القاسم عنه أنهن كن لا يقمن بالليل . وقال صاحب ( التلويح ) : يشبه أن يكون ما بلغ ابنة زيد عن النساء كان في أيام الصوم لينظرن الطهر لنية الصوم ؛ لأن الصلاة لا تحتاج لذلك ؛ لأن وجوبها عليهن إنما يكون بعد طلوع الفجر .
واختلف الفقهاء في الحائض تطهر قبل الفجر ولا تغسل حتى يطلع الفجر ، فقال أبو حنيفة : إن كانت أيامها أقل من عشرة صامت وقضت ، وإن كانت عشرة صامت ولم تقض . وقال مالك والشافعي وأحمد هي بمنزلة الجنب تغتسل وتصوم ، ويجزيها صوم ذلك اليوم ، وعن عبد الملك بن ماجشون : يومها ذلك يوم فطر . وقال الأوزاعي : تصومه وتقضيه .
وفي القواعد لابن رشد اختلف الفقهاء في علامة الطهر ؛ فرأى قوم أن علامته القصة أو الجفوف ، قال ابن حبيب : وسواء كانت المرأة من عادتها أنها تطهر بهذه ، وفرق قوم فقالوا : إن كانت ممن لا يراها فطهرها الجفوف . وقال ابن حبيب : الحيض أوله دم ، ثم يصير صفرة ، ثم تربة ، ثم كدرة ، ثم يكون ريقا كالقصة ، ثم ينقطع ، فإذا انقطع قبل هذه المنازل وجف أصلا فذلك إبراء للرحم ، وفي المصنف ، عن عطاء : الطهر الأبيض الجفوف الذي ليس معه صفرة ، ولا ماء وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه سئلت عن الصفرة اليسيرة قالت : اعتزلن الصلاة ما رأين ذلك حتى لا ترين إلا لبنا خالصا . 25 - حدثنا عبد الله بن محمد ، قال : حدثنا سفيان ، ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة : أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض ، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ذلك عرق ، وليست بالحيضة ، فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي .
مطابقته للترجمة ظاهرة وهي في قوله : ( فإذا أقبلت ، وإذا أدبرت ) ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب غسل الدم ، وفي باب الاستحاضة ، وسفيان في هذا الإسناد هو ابن عيينة ؛ لأن عبد الله بن محمد وهو المسندي لم يسمع من سفيان الثوري ، ولفظ الحديث في باب غسل الدم : ( فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ، وصلي ) من غير إيجاب الغسل . وقال عروة : ثم توضئي لكل صلاة ، لإيجاب الوضوء وهنا قال : فاغتسلي وصلي ، لإيجاب الغسل ؛ لأن أحوال المستحاضات مختلفة ، فيوزع عليها ، أو نقول : إيجاب الغسل والتوضؤ لا ينافي عدم التعرض لهما ، وإنما ينافي التعرض لعدمهما وقوله : ( فاغتسلي وصلي ) ، لا يقتضي تكرار الاغتسال لكل صلاة ، بل يكفي غسل واحد ، ولا يرد عليه حديث أم حبيبة : كانت تغتسل لكل صلاة على ما يأتي في باب عرق الاستحاضة ؛ لأنها لعلها كانت من المستحاضات التي يجب عليها الغسل لكل صلاة . وقال الشافعي رحمه الله تعالى : إنما أمرها أن تغتسل وتصلي ، وليس في أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة ، قال : ولا أشك إن شاء الله تعالى أن غسلها كان تطوعا ، غير ما أمرت به ، وذلك واسع .