باب لا تقضي الحائض الصلاة
( باب لا تقضي الحائض الصلاة ) ( وقال جابر وأبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم : تدع الصلاة ) .
مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث إن ترك الصلاة يستلزم عدم القضاء ، ولأن الشارع أمر بالترك ، ومتروك الشرع لا يجب فعله ، فلا يجب قضاؤه إذا ترك ، أما التعليق عن جابر فقد أخرجه البخاري في كتاب الأحكام من طريق حبيب ، عن جابر في قصة حيض عائشة في الحج . وفيه : ( غير أنها لا تطوف ولا تصلي ) ، ومعنى قوله : ( ولا تصلي ) ، تدع الصلاة . ورواه مسلم نحوه ج٣ / ص٣٠٠من طريق أبي الزبير ، عن جابر رضي الله تعالى عنه ، وأما التعليق ، عن أبي سعيد الخدري فأخرجه في باب ترك الحائض الصوم .
وفيه : ( إذا حاضت لم تصم ) . وقال الكرماني : فإن قلت : عقد الباب في القضاء لا في الترك . قلت : الترك مطلق أداء وقضاء ، قلت : عقد الباب في عدم القضاء ، وعدم القضاء ترك والترك أعم .
وقال بعضهم : والذي يظهر لي أن هذا كلام صادر من غير تأمل ؛ لأن الترك وعدم القضاء بمعنى واحد في الحقيقة ، وكلامه يشعر بالتغاير بينهما ، فإذا سلمنا ذلك كان يتعين عليه أن يشير إليهما في الترجمة ، وحيث لم يشر إلى ذلك فيها علمنا أن ما بينهما مغايرة ، فلذلك اقتصر في الترجمة على أحدهما . 26 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، قال : حدثنا همام قال : حدثنا قتادة قال : حدثتني معاذة أن امرأة قالت لعائشة : أتجزي إحدانا صلاتها إذا طهرت ، فقالت : أحرورية أنت ، كنا نحيض مع النبي صلى الله عليه وسلم فلا يأمرنا به ، أو قالت : فلا نفعله . مطابقة للترجمة في قولها : ( فلا يأمرنا به ) ، أي : بقضاء الصلاة .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي . الثاني : همام بالتشديد ابن يحيى بن دينار العدوي ، قال أحمد : همام ثبت في كل المشايخ ، مات سنة ثلاث وستين ومائة . الثالث : قتادة الأكمه المفسر .
الرابع : معاذة بضم الميم وبالعين المهملة وبالذال المعجمة بنت عبد الله العدوية الثقة الحجة الزاهدة ، روى لها الجماعة ، وكانت تحيي الليل ، ماتت سنة ثلاث وثمانين . الخامس : عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضع واحد .
وفيه تصريح لسماع قتادة عنه معاذة ، وهو رد على ما ذكره شعبة وأحمد أنه لم يسمع منها . وفيه أن رواته كلهم بصريون . ( ذكر من أخرجه غيره ) : هذا الحديث أخرجه الستة مسلم ، عن أبي الربيع الزهراني ، عن حماد بن زيد ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، وعن عبد بن حميد ، عن عبد الرزاق ، وأبو داود ، عن موسى بن إسماعيل ، وعن الحسن بن عمرو والترمذي ، عن قتيبة ، عن حماد بن زيد والنسائي ، عن عمر بن زرارة وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، كلهم أخرجوه في الطهارة والنسائي أخرجه في الصوم ، عن علي بن مسهر .
( ذكر لغاته ومعناه ) : قولها : ( أن امرأة ) ، ها هنا مبهمة أبهمها همام ، وبين في روايته عن قتادة أنها هي معاذة الراوية . وأخرجه الإسماعيلي من طريقه ، وكذا مسلم من طريق عاصم وغيره ، عن معاذة قالت : ( سألت عائشة : ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة ؟ فقالت : أحرورية أنت قلت : لست بحرورية ، ولكن أسأل كان يصيبنا ذلك فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة ) ، وفي لفظ آخر : ( قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نؤمر بقضاء ) . وفي لفظ آخر : ( قد كنا نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم يحضن ولا يأمرهن أن يجزين ) .
قال محمد بن جعفر : يعني يقضين . قولها : ( أتجزي إحدانا ) ، بفتح التاء المثناة من فوق وكسر الزاي غير مهموز . وحكى بعضهم الهمزة ، ومعناه : أتقضي ، وبه فسروا قوله تعالى : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا ولا يقال هذا الشيء يجزي عن كذا ، أي : يقوم مقامه .
قولها : ( صلاتها ) بالنصب على المفعولية ، ويروى : ( أتجزى ) على صيغة المجهول ، وعلى هذا صلاتها بالرفع لأنه مفعول قام مقام الفاعل ومعناه : ( أتكفي المرأة الصلاة الحاضرة ) ، وهي طاهرة ولا تحتاج إلى قضاء عن الفائتة . قولها : ( أحرورية أنت ) ، جملة من المبتدأ ، وهو أنت والخبر وهو أحرورية ، دخلت عليها همزة الاستفهام الإنكارية ، وفائدة تقدم الخبر الدلالة على الحصر ، أي : أحرورية أنت لا غير ، وهي نسبة إلى حروراء قرية بقرب الكوفة ، وكان أول اجتماع الخوارج فيها . وقال الهروي : تعاقدوا في هذه القرية فنسبوا إليها ، فمعنى كلام عائشة هذا أخارجية أنت ؛ لأن طائفة من الخوارج يوجبون على الحائض قضاء الصلاة الفائتة في زمن الحيض ، وهو خلاف الإجماع وكبار فرق الحروية ستة : الأزارقة والصفرية والنجدات والعجاردة والإباضية والثعالبة ، والباقون فروع ، وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه ، ويجمعهم القول بالتبري من عثمان وعلي رضي الله عنهما ، ويقدمون ذلك على كل طاعة ، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك ، وكان خروجهم على عهد علي رضي الله عنه لما حكم أبو موسى الأشعري وعمرو بن ج٣ / ص٣٠١العاص وأنكروا على علي في ذلك ، وقالوا : شككت في أمر الله ، وحكمت عدوك وطالت خصومتهم ، ثم أصبحوا يوما وقد خرجوا وهم ثمانية آلاف ، وأميرهم ابن الكوا عبد الله فبعث إليهم علي عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع منهم ألفان ، وبقي ستة آلاف ، فخرج إليهم علي فقاتلهم ، وكان يشددون في الدين ، ومنه قضاء الصلاة على الحائض ، قالوا : إذا لم يسقط في كتاب الله تعالى عنها على أصلها .
وقد قلنا : إن حروراء اسم قرية وهي ممدودة . وقال بعضهم : بالقصر أيضا ، حكاه أبو عبيد ، وزعم أبو القاسم الغوراني أن حروراء هذه موضع بالشام . وفيه نظر ؛ لأن عليا رضي الله تعالى عنه إنما كان بالكوفة ، وقتاله لهم إنما كان هناك ، ولم يأت أنه قاتلهم بالشام ؛ لأن الشام لم يكن في طاعة علي رضي الله تعالى عنه ، وعلى ذلك أطبق المؤرخون .
وقال المبرد : النسبة إلى حروراء حروراو ، وكذلك كل ما كان في آخره ألف التأنيث الممدودة ، ولكنه نسب إلى البلد بحذف الزوائد ؛ فقيل : الحروري . قولها : ( مع النبي صلى الله عليه وسلم ) ، أي : مع وجوده ، والمعنى في عهده ، والغرض منه بيان أنه صلى الله عليه وسلم كان مطلعا على حالهن من الحيض وتركهن الصلاة في أيامه ، وما كان يأمرهن بالقضاء ، ولو كان واجبا لأمرهن به . وقولها : ( فلا يأمرنا به ) ، أي : بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا بقضاء الصوم .
قولها : ( أو قالت : لا نفعله ) ، أي : القضاء ولفظة " أو " للشك . قال الكرماني : والظاهر أنه من معاذة . وعند الإسماعيلي من وجه آخر ، فلم نكن نقضي ولم نؤمر به .
( ذكر ما يستنبط منه ) ، وهو أن الحائض لا تقضي الصلاة ، ولا خلاف في ذلك بين الأمة إلا لطائفة من الخوارج . قال معمر : قال الزهري : تقضي الحائض الصوم ولا تقضي الصلاة . قلت : عمن قال : أجمع المسلمون عليه ، وليس في كل شيء تجد الإسناد القوي أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال ، وعلى أنه لا يجب عليهما قضاء الصلاة ، وعلى أنه عليهما قضاء الصوم ، والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة ، فشق قضاؤها بخلاف الصوم ، فإنه يجب في السنة مرة واحدة ، ومن السلف من كان يأمر الحائض بأن تتوضأ عند وقت الصلاة ، وتذكر الله تعالى تستقبل القبلة ذاكرة لله جالسة .
روي ذلك عن عقبة بن عامر ومكحول . وقال : كان ذلك من هدي نساء المسلمين في حيضهن . وقال عبد الرزاق : بلغني أن الحائض كانت تؤمر بذلك عند وقت كل صلاة .
وقال عطاء : لم يبلغني ذلك وإنه لحسن . وقال أبو عمر : هو أمر متروك عند جماعة الفقهاء ، بل يكرهونه . قال أبو قلابة : سألنا عن ذلك فلم نجد له أصلا .
وقال سعيد بن عبد العزيز : ما نعرفه وإنا لنكرهه ، وفي منية المفتي للحنفية : يستحب لها عند وقت كل صلاة أن تتوضأ وتجلس في مسجد بيتها تسبح وتهلل مقدار أداء الصلاة لو كانت طاهرة حتى لا تبطل عادتها ، وفي الدراية : يكتب لها ثواب أحسن صلاة كانت تصلي . فإن قلت : هل الحائض مخاطبة بالصوم أو لا ؟ قلت : لا ، وإنما يجب عليها القضاء بأمر جديد . وقيل : مخاطبة به مأمورة بتركه ، كما يخاطب المحدث بالصلاة ، وإنه لا يصح منه في زمن الحدث ، وهذا غير صحيح ، وكيف يكون الصوم واجبا عليها ومحرما عليها بسبب لا قدرة لها على إزالته ، بخلاف المحدث ؛ فإنه قادر على الإزالة .
والله أعلم بالصواب .