باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة
( باب كيف تهل الحائض بالحج والعمرة ) أي هذا باب في بيان كيفية إهلال الحائض بالحج أو العمرة ، والمراد من الكيفية الحال من الصحة والبطلان والجواز وغير الجواز ، فكأنه قال : باب صحة إهلال الحائض بالحج أو بالعمرة أو باب جوازها ، والمقصود من الصحة أعم من أن تكون في الابتداء ، أو في الدوام . والمناسبة بين البابين من حيث إن البخاري أراد من وضع الباب السابق الإشارة إلى أن الحامل لا تحيض ، وهو حكم من أحكام الحيض ، وفي هذا الباب أيضا حكم من أحكام الحيض . وفيه نوع تعسف ، وفي بعض النسخ هذا الباب قد ذكر قبل الباب السابق .
ج٣ / ص٢٩٦24 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة قالت : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع ، فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ، فقدمنا مكة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم بعمرة ولم يهد ، فليحلل ، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يحل حتى يحل بنحر هديه ، ومن أهل بحج فليتم حجه . قالت : فحضت ، فلم أزل حائضا حتى كان يوم عرفة ، ولم أهلل إلا بعمرة ، فأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أنقض رأسي وأمتشط وأهل بحج وأترك العمرة ، ففعلت ذلك حتى قضيت حجي ، فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر ، وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي من التنعيم . مطابقته للترجمة في قولها : ( وأهل بحج ) ؛ فإن فيه إهلال الحائض بالحج ؛ لأن عائشة كانت حائضة حين أهلت بالحج ، وعلى قول من قال : إنها كانت قارنة كانت المطابقة أظهر ؛ لأنها أحرمت بالحج وهي حائض ، وكانت معتمرة ، فلهذا قالت : ( أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أترك العمرة ) ، وترك الشيء لا يكون إلا بعد وجوده .
( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : يحيى بن بكير ، بضم الباء الموحدة ، وفتح الكاف ، وسكون الياء آخر الحروف . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : عقيل ، بضم العين المهملة ، وفتح القاف بن خالد بن عقيل ، بفتح العين الأيلي .
الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير بن العوام . السادس عائشة رضي الله تعالى عنها .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه العنعنة في أربعة مواضع . وفيه أن رواته ما بين بصري وأيلي ومدني .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في المناسك ، ويأتي بزيادة في الحج إن شاء الله تعالى . قولها : ( في حجة الوداع ) ، بفتح الواو وكسرها ، وكانت حجة الوداع في سنة عشر من الهجرة . قولها : ( ومنا من أهل بحجة ) ، بفتح الحاء وكسرها ، وهو بالتاء رواية المستملي ، ورواية غيره : بحج .
قولها : ( فقدمنا ) ، بكسر الدال . قولها : ( ولم يهد ) ، بضم الياء من الإهداء ، وهو جملة وقعت حالا . قوله : ( فليحلل ) بكسر اللام من الثلاثي ، وفي مثل هذه المادة يجوز الإدغام وفكه .
قوله : ( حتى يحل نحر هديه ) ، يعني يوم العيد ، ويروى : ( حتى يحل بنحر هديه ) ، بزيادة الباء ، لا يقال : إنه متمتع فلا بد له من تحلله عن العمرة ، ثم إحرامه بالحج قبل الوقوف ؛ لأنا نقول : لا يلزم أن يكون متمتعا ؛ لجواز أن يدخل الحج في العمرة ، فيصير قارنا فلا يتحلل . قوله : ( ومن أهل بحجة ) ، كذا هو في رواية المستملي والحموي ، وفي رواية غيرهما : ( بحج ) ، بدون التاء ، ومعناه : أهل بحجة ، ونوى الإفراد سواء كان معه هدي أو لا ، ولهذا لم يقيد بلم يهد ، ولا بأهدى . قولها : ( حتى كان يوم عرفة ) ، برفع يوم وكان تامة .
قوله : ( وأترك العمرة ) ، صريح بفسخ العمرة ، وهو حجة على الشافعية . قولها : ( حتى قضيت حجتي ) ، ويروى : ( حجي ) . قولها : ( فأمرني ) ، بفاء العطف ، ويروى أمرني بدون الفاء .
قولها : ( من التنعيم ) : يتعلق بقوله : ( أن أعتمر ) . وقال ابن بطال : فيه أن الحائض تهل بالحج والعمرة ، وتبقى على إحرامها ، وتفعل ما يفعل الحاج كله غير الطواف ، فإذا طهرت اغتسلت وطافت ، وأكملت حجها ، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تنقض شعرها ، وتمتشط وهي حائض ليس للوجوب ، وإنما ذلك لإهلالها بالحج ؛ لأن من سنة الحائض والنفساء أن يغتسلا له . والله تعالى أعلم .