3560 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ : مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا ، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا . الْحَدِيثُ السَّابِعَ عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ . قَوْلُهُ : ( بَيْنَ أَمْرَيْنِ ) أَيْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا لِأَنَّ أُمُورَ الدِّينِ لَا إِثْمَ فِيهَا ، وَأُبْهِمَ فَاعِلُ خَيْرٌ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَقَوْلُهُ : إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا أَيْ أَسْهَلَهُمَا . وَقَوْلُهُ : مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا أَيْ مَا لَمْ يَكُنِ الْأَسْهَلُ مُقْتَضِيًا لِلْإِثْمِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَخْتَارُ الْأَشَدَّ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ فِي الْأَوْسَطِ إِلَّا اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ سَخَطٌ وَوُقُوعُ التَّخْيِيرِ بَيْنَ مَا فِيهِ إِثْمٌ وَمَا لَا إِثْمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِينَ وَاضِحٌ ، وَأَمَّا مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَفِيهِ إِشْكَالٌ لِأَنَّ التَّخْيِيرَ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ جَائِزَيْنِ ، لَكِنْ إِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى مَا يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ أَمْكَنَ ذَلِكَ بِأَنْ يُخَيِّرَهُ بَيْنَ أَنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ مَا يُخْشَى مِنْ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ مَثَلًا ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُؤْتِيَهُ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْكَفَافَ فَيَخْتَارَ الْكَفَافَ وَإِنْ كَانَتِ السَّعَةُ أَسْهَلَ مِنْهُ ، وَالْإِثْمُ عَلَى هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ لَا يُرَادُ مِنْهُ مَعْنَى الْخَطِيئَةِ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ لَهُ . قَوْلُهُ : ( وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ ) أَيْ خَاصَّةً ، فَلَا يَرِدُ أَمْرُهُ بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ ، وَقِيلَ : لَا يَنْتَقِمُ إِذَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَا يَنْتَقِمُ إِذَا أُوذِيَ فِي غَيْرِ السَّبَبِ الَّذِي يُخْرِجُ إِلَى الْكُفْرِ ، كَمَا عَفَا عَنِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي جَفَا فِي رَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِ ، وَعَنِ الْآخَرِ الَّذِي جَبَذَ بِرِدَائِهِ حَتَّى أَثَّرَ فِي كَتِفِهِ ، وَحَمَلَ الدَّاوُدِيُّ عَدَمَ الِانْتِقَامِ عَلَى مَا يَخْتَصُّ بِالْمَالِ ، قَالَ : وَأَمَّا الْعِرْضُ فَقَدِ اقْتَصَّ مِمَّنْ نَالَ مِنْهُ ، قَالَ : وَاقْتَصَّ مِمَّنْ لَدَّهُ فِي مَرَضِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ أَمَرَ بِلَدِّهِمْ مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي ذَلِكَ تَأَوَّلُوا أَنَّهُ إِنَّمَا نَهَاهُمْ عَنْ عَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ مِنْ كَرَاهَةِ النَّفْسِ الدَّوَاءَ ، كَذَا قَالَ ، وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مُطَوَّلًا ، وَأَوَّلُهُ : مَا لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا بِذِكْرٍ - أَيْ بِصَرِيحِ اسْمِهِ - وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَا سُئِلَ فِي شَيْءٍ قَطُّ فَمَنَعَهُ إِلَّا أَنْ يُسْأَلَ مَأْثَمًا ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونَ لِلَّهِ يَنْتَقِمُ الْحَدِيثَ . وَهَذَا السِّيَاقُ سِوَى صَدْرِ الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِهِ ، وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِ : وَمَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ ، فَإِنِ انْتُهِكَتْ حُرْمَةُ اللَّهِ كَانَ أَشَدَّ النَّاسِ غَضَبًا لِلَّهِ . وَفِي الْحَدِيثِ الْحَثُّ عَلَى تَرْكِ الْأَخْذِ بِالشَّيْءِ الْعَسِرِ ، وَالِاقْتِنَاعِ بِالْيُسْرِ ، وَتَرْكِ الْإِلْحَاحِ فِيمَا لَا يُضْطَرُّ إِلَيْهِ . وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ النَّدْبُ إِلَى الْأَخْذِ بِالرُّخَصِ مَا لَمْ يَظْهَرِ الْخَطَأُ ، وَالْحَثُّ عَلَى الْعَفْوِ إِلَّا فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالنَّدْبُ إِلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا لَمْ يُفْضِ إِلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ . وَفِيهِ تَرْكُ الْحُكْمِ لِلنَّفْسِ وَإِنْ كَانَ الْحَاكِمُ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ مِنْهُ الْحَيْفُ عَلَى الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ ، لَكِنْ لِحَسْمِ الْمَادَّةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 665 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب صفة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ · ص 112 67 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : ما خير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن القعنبي . وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة . وأخرجه أبو داود في الأدب عن القعنبي به مختصرا . قوله : ما خير على صيغة المجهول . قوله : بين أمرين ، أي : من أمور الدنيا يدل عليه قوله : ما لم يكن إثما ؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها . قوله : أيسرهما ، أي : أسهلهما . قوله : ما لم يكن إثما ، أي : ما لم يكن الأسهل إثما فإنه حينئذ يختار الأشق . قال الكرماني : ( فإن قلت ) : كيف يخير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمرين أحدهما إثم . ( قلت ) : التخيير إن كان من الكفار فظاهر ، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة ، والاقتصاد فيها ، فإن المجاهدة بحيث ينجر إلى الهلاك لا تجوز . قوله : وما انتقم لنفسه ، أي : خاصة . ( فإن قلت ) : أمر بقتل عقبة بن أبي معيط ، وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه . ( قلت ) : هم كانوا مع أذاهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا ينتهكون حرمات الله تعالى ، وقيل : أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر كما عفا عن ذلك الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه ، وعن ذاك الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه ، وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال . قال : وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه . قوله : إلا أن تنتهك هذا استثناء منقطع ، أي : لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى ، وانتقم ممن ارتكب ذلك ، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس رضي الله تعالى عنه فيه : وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ، فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبا لله تعالى . وفي الحديث الأخذ بالأسهل ، والحث على العفو والانتصار للدين ، وأنه يستحب للحكام التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ، ولا يهمل حق الله تعالى .