باب صفة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت : ما خير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما ، فإن كان إثما كان أبعد الناس منه ، وما انتقم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها . مطابقته للترجمة ظاهرة جدا ، والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن القعنبي . وأخرجه مسلم في الفضائل ، عن يحيى بن يحيى ، وقتيبة .
وأخرجه أبو داود في الأدب عن القعنبي به مختصرا . قوله : ما خير على صيغة المجهول . قوله : بين أمرين ، أي : من أمور الدنيا يدل عليه قوله : ما لم يكن إثما ؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها .
قوله : أيسرهما ، أي : أسهلهما . قوله : ما لم يكن إثما ، أي : ما لم يكن الأسهل إثما فإنه حينئذ يختار الأشق . قال الكرماني : ( فإن قلت ) : كيف يخير رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أمرين أحدهما إثم .
( قلت ) : التخيير إن كان من الكفار فظاهر ، وإن كان من الله والمسلمين فمعناه ما لم يؤد إلى إثم كالتخيير في المجاهدة في العبادة ، والاقتصاد فيها ، فإن المجاهدة بحيث ينجر إلى الهلاك لا تجوز . قوله : وما انتقم لنفسه ، أي : خاصة . ( فإن قلت ) : أمر بقتل عقبة بن أبي معيط ، وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه .
( قلت ) : هم كانوا مع أذاهم لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كانوا ينتهكون حرمات الله تعالى ، وقيل : أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر كما عفا عن ذلك الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه ، وعن ذاك الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه ، وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يختص بالمال . قال : وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه . قوله : إلا أن تنتهك هذا استثناء منقطع ، أي : لكن إذا انتهكت حرمة الله انتصر لله تعالى ، وانتقم ممن ارتكب ذلك ، وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس رضي الله تعالى عنه فيه : وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله ، فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبا لله تعالى .
وفي الحديث الأخذ بالأسهل ، والحث على العفو والانتصار للدين ، وأنه يستحب للحكام التخلق بهذا الخلق الكريم فلا ينتقم لنفسه ، ولا يهمل حق الله تعالى .