3581 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ ، عَنْ أَبِيهِ ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ أَنَّهُ حَدَّثَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَرَّةً : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ أَوْ كَمَا قَالَ . وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً قَالَ : فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ، وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ : امْرَأَتِي وَخَادِمِي بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنْ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ أَوْ ضَيْفِكَ ؟ قَالَ : أَوَعَشَّيْتِهِمْ ؟ قَالَتْ : أَبَوْا حَتَّى تَجِيءَ قَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ فَغَلَبُوهُمْ . قَالَ : فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ فَقَالَ : يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ وَقَالَ : كُلُوا . وَقَالَ : لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا . قَالَ : وَايْمُ اللَّهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ اللُّقْمَةِ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا ، حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلُ . فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا شَيْءٌ أَوْ أَكْثَرُ . فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ قَالَتْ : لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي لَهِيَ الْآنَ أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ بِثَلَاثِ مِرَارٍ فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ يَعْنِي يَمِينَهُ ، ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ . وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ ، فَمَضَى الْأَجَلُ فَفُرِّقْنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ ، غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ قَالَ : أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ أَوْ كَمَا قَالَ ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ : فَعَرَفْنَا مِنْ الْعِرَافَةِ . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قِصَّةِ أَضْيَافِ أَبِي بَكْرٍ ، وَالْمُرَادُ مِنْهُ تَكْثِيرُ الطَّعَامِ الْقَلِيلِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ ) هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ أَحَدُ صِغَارِ التَّابِعِينَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ ، عَنْ مُعْتَمِرٍ حَدَّثَنَا أَبِي كَمَا تَقَدَّمَ فِي الصَّلَاةِ . وَأَبُو عُثْمَانَ هُوَ النَّهْدِيُّ . قَوْلُهُ : ( إنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ ) سَيَأْتِي ذِكْرُهُمْ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ ، وَأَنَّ الصُّفَّةَ مَكَانٌ فِي مُؤَخَّرِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مُظَلَّلٌ أُعِدَّ لِنُزُولِ الْغُرَبَاءِ فِيهِ مِمَّنْ لَا مَأْوَى لَهُ وَلَا أَهْلَ ، وَكَانُوا يَكْثُرُونَ فِيهِ وَيَقِلُّونَ بِحَسَبِ مَنْ يَتَزَوَّجُ مِنْهُمْ أَوْ يَمُوتُ أَوْ يُسَافِرُ ، وَقَدْ سَرَدَ أَسْمَاءَهُمْ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ فَزَادُوا عَلَى الْمِائَةِ . قَوْلُهُ : ( مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةُ الْمَذْكُورِينَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَذْهَبْ بِثَلَاثَةٍ قَالَ عِيَاضٌ : وَهُوَ غَلَطٌ ، وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ لِمُوَافَقَتِهَا لِسِيَاقِ بَاقِي الْحَدِيثِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إِنْ حُمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَسَدَ الْمَعْنَى ، لِأَنَّ الَّذِي عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ إِذَا ذَهَبَ مَعَهُ بِثَلَاثَةٍ لَزِمَ أَنْ يَأْكُلَهُ فِي خَمْسَةٍ وَحِينَئِذٍ لَا يَكْفِيهِمْ وَلَا يَسُدُّ رَمَقَهُمْ ، بِخِلَافِ مَا إِذَا ذَهَبَ بِوَاحِدٍ فَإِنَّهُ يَأْكُلُهُ فِي ثَلَاثَةٍ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ : طَعَامُ الِاثْنَيْنِ يَكْفِي أَرْبَعَةً أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُشْبِعُ الِاثْنَيْنِ يَسُدُّ رَمَقَ أَرْبَعَةٍ ، وَوَجَّهَهَا النَّوَوِيُّ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ : فَلْيَذْهَبْ بِمَنْ يُتِمُّ مَنْ عِنْدَهُ ثَلَاثَةٌ ، أَوْ فَلْيَذْهَبْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ ، بِسَادِسٍ ، أَوْ كَمَا قَالَ ) أَيْ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ مَعَ الْخَامِسِ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ . وَالْحِكْمَةُ فِي كَوْنِهِ يَزِيدُ كُلَّ أَحَدٍ وَاحِدًا فَقَطْ أَنَّ عَيْشَهُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمْ يَكُنْ مُتَّسِعًا ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مَثَلًا ثَلَاثَةُ أَنْفُسٍ لَا يَضِيقُ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَ الرَّابِعَ مِنْ قُوتِهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْأَرْبَعَةُ وَمَا فَوْقَهَا ، بِخِلَافِ مَا لَوْ زِيدَتِ الْأَضْيَافُ بِعَدَدِ الْعِيَالِ ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ عِنْدَ اتِّسَاعِ الْحَالِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي النُّعْمَانِ وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ وَ أَوْ فِيهِ لِلتَّنْوِيعِ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَوْ سَادِسٍ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ خَمْسٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ ، فَيَكُونُ مِنْ عَطْفِ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ . وَقَوْلُهُ : ( وَإِنْ أَرْبَعٍ فَخَامِسٍ ) بِالْجَرِّ فِيهِمَا ، وَالتَّقْدِيرُ فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ بِسَادِسٍ ، فَحَذَفَ عَامِلَ الْجَرِّ وَأَبْقَى عَمَلَهُ ، كَمَا يُقَالُ : مَرَرْتُ بِرَجُلٍ صَالِحٍ وَإِنْ لَا صَالِحٍ فَطَالِحٍ ، أَيْ إِنْ لَا أَمُرَّ بِصَالِحٍ فَقَدْ مَرَرْتُ بِطَالِحٍ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ ، وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ مَقَامَهُ وَهُوَ أَوْجَهُ . قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ حَذْفَ فِعْلَيْنِ وَعَامِلَيْ جَرٍّ مَعَ بَقَاءِ عَمَلِهِمَا بَعْدَ إِنْ وَبَعْدَ الْفَاءِ ، وَالتَّقْدِيرُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ ، وَإِنْ قَامَ بِأَرْبَعَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِخَامِسٍ أَوْ سَادِسٍ اهـ . وَهَذَا قَالَهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ ، وَأَمَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ : بِخَامِسٍ بِسَادِسٍ فَيَكُونُ حُذِفَ مِنْهَا شَيْءٌ آخَرُ ، وَالتَّقْدِيرُ أَوْ إِنْ قَامَ بِخَمْسَةٍ فَلْيَذْهَبْ بِسَادِسٍ قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشَرَةٍ ) عَبَّرَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ بِلَفْظِ الْمَجِيءِ لِبُعْدِ مَنْزِلِهِ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَعَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالِانْطِلَاقِ لِقُرْبِهِ . وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : وَأَبُو بَكْرٍ ثَلَاثَةً بِالنَّصْبِ لِلْأَكْبَرِ أَيْ أَخَذَ ثَلَاثَةً فَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ قَبْلَ ذَلِكَ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ تَكْرَارًا لِأَنَّ هَذَا بَيَانٌ لِابْتِدَاءِ مَا جَاءَ فِي نَصِيبِهِ ، وَالْأَوَّلُ لِبَيَانِ مَنْ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ ثَلَاثَةٌ بِالرَّفْعِ وَقَدَّرَهُ وَأَبُو بَكْرٍ أَهْلُهُ ثَلَاثَةٌ أَيْ عَدَدُ أَضْيَافِهِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ أَرْبَعَةٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَأَخَذَ خَامِسًا وَسَادِسًا وَسَابِعًا فَكَأَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَخْذِهِ وَاحِدًا زَائِدًا عَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُؤْثِرَ السَّابِعَ بِنَصِيبِهِ إِذْ ظَهَرَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ أَوَّلًا مَعَهُمْ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ ، فَيَكُونُ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ وَانْطَلَقَ النَّبِيُّ أَيْ وَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ بِثَلَاثَةٍ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ فَهُوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي ) الْقَائِلُ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ ، وقَوْلُهُ : فَهُوَ أَيِ الشَّأْنُ ، وَقَوْلُهُ : أَنَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ وَتَقْدِيرُهُ فِي الدَّارِ . قَوْلُهُ : ( وَلَا أَدْرِي هَلْ قَالَ امْرَأَتِي وَخَادِمِي ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ وَخَادِمٌ بِغَيْرِ إِضَافَةٍ ، وَالْقَائِلُ هَلْ قَالَ هُوَ أَبُو عُثْمَانَ الرَّاوِي عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كَأَنَّهُ شَكَّ فِي ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : ( بَيْنَ بَيْتِنَا ) أَيْ خِدْمَتِهَا مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ بَيْتِنَا وَبَيْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَهُوَ ظَرْفٌ لِلْخَادِمِ ، وَأُمُّ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هِيَ أُمُّ رُومَانَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا ، وَاسْمُهَا زَيْنَبُ وَقِيلَ : وَعْلَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنِ عُوَيْمِرٍ ، قِيلَ : عُمَيْرَةُ ، مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَارِثِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ ، كَانَتْ قَبْلَ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَ الْحَارِثِ بْنِ سَخْبَرَةَ الْأَزْدِيِّ فَقَدِمَ مَكَّةَ فَمَاتَ وَخَلَّفَ مِنْهَا ابْنَهُ الطُّفَيْلَ ، فَتَزَوَّجَهَا أَبُو بَكْرٍ فَوَلَدَتْ لَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَعَائِشَةَ ، وَأَسْلَمَتْ أُمُّ رُومَانَ قَدِيمًا وَهَاجَرَتْ وَمَعَهَا عَائِشَةُ ، أَمَّا عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَتَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ وَهِجْرَتُهُ إِلَى هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَدِمَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ أَوْ أَوَّلَ سَنَةِ ثَمَانٍ ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ - وَالِدَةُ أَكْبَرِ أَوْلَادِهِ أَبِي عَتِيقٍ مُحَمَّدٍ - أُمَيْمَةُ بِنْتُ عَدِيِّ بْنِ قَيْسٍ السَّهْمِيَّةُ ، وَالْخَادِمُ لَمْ أَعْرِفِ اسْمَهَا . قَوْلُهُ : ( وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ رَجَعَ ) وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ لَبِثَ حَتَّى صَلَّيْتُ الْعِشَاءَ وَفِي رِوَايَةٍ حَيْثُ صَلَّيْتُ ، ثُمَّ رَجَعَ فَشَرَحَهُ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ : هَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ تَعَشِّيَ أَبِي بَكْرٍ كَانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالَّذِي تَقَدَّمَ بِعَكْسِهِ ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ بَيَانُ حَالِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَدَمِ احْتِيَاجِهِ إِلَى الطَّعَامِ عِنْدَ أَهْلِهِ ، وَالثَّانِي فِيهِ سِيَاقُ الْقِصَّةِ عَلَى التَّرْتِيبِ الْوَاقِعِ : الْأَوَّلُ تَعَشِّي الصِّدِّيقِ وَالثَّانِي تَعَشِّي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَالْأَوَّلُ مِنَ الْعَشَاءِ بِفَتْحِهَا أَيِ الْأَكْلِ ، وَالثَّانِي بِكَسْرِهَا أَيِ الصَّلَاةِ ، فَأَحَدُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا جَاءَ بِالثَّلَاثَةِ إِلَى مَنْزِلِهِ لَبِثَ إِلَى وَقْتِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَرَجَعَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَعَشَّى عِنْدَهُ ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يُخَالِفُ صَرِيحَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ : وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ إِنَّ الَّذِي وَقَعَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ ثُمَّ رَجَعَ بِالْجِيمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ مِنَ الرُّوَاةِ لِمَا سَأَذْكُرُهُ ، وَظَاهِرُهُ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : ثُمَّ رَجَعَ أَيْ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَعَلَى هَذَا فَفِي قَوْلِهِ : فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ بَعْدَمَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ تَكْرَارٌ وَفَائِدَتُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ تَأَخُّرَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ بِمِقْدَارِ أَنْ تَعَشَّى مَعَهُ وَصَلَّى الْعِشَاءَ ، وَمَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ قِطْعَةٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ رَكَعَ بِالْكَافِ أَيْ صَلَّى النَّافِلَةَ بَعْدَ الْعِشَاءِ ، فَعَلَى هَذَا فَالتَّكْرَارُ فِي قَوْلِهِ : فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى فَقَطْ ، وَفَائِدَتُهُ مَا تَقَدَّمَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ أَيْضًا فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ بِعَيْنٍ وَسِينٍ مُهْمَلَتَيْنِ مَفْتُوحَتَيْنِ مِنَ النُّعَاسِ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَقَالَ عِيَاضٌ : إِنَّهُ الصَّوَابُ ، وَبِهِ يَنْتَفِي التَّكْرَارُ مِنَ الْمَوَاضِعِ كُلِّهَا إِلَّا فِي قَوْلِهِ : لَبِثَ وَسَبَبُهُ اخْتِلَافُ تَعَلُّقِ اللُّبْثِ فَالْأَوَّلُ قَالَ : لَبِثَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ قَالَ : فَلَبِثَ حَتَّى نَعَسَ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأَخَّرَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ ، ثُمَّ تَأَخَّرَ حَتَّى نَعَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ لِيَنَامَ فَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ حِينَئِذٍ إِلَى بَيْتِهِ . وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي أَبْوَابِ الصَّلَاةِ قُبَيْلَ الْأَذَانِ بَابُ السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالْأَهْلِ وَأَخَذَهُ مِنْ كَوْنِ أَبِي بَكْرٍ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ وَضِيفَانِهِ بَعْدَ أَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَارَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ أَوْ أَبِي السَّلِيلِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ قَالَ : نَزَلَ بِنَا أَضْيَافٌ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَتَحَدَّثُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَا أَرْجِعُ إِلَيْكَ حَتَّى تَفْرُغَ مِنْ ضِيَافَةِ هَؤُلَاءِ وَنَحْوُهُ يَأْتِي فِي الْأَدَبِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، عَنِ الْجَرِيرِيِّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ بِلَفْظِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ تَضَيَّفَ رَهْطًا ، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ : دُونَكَ أَضْيَافُكَ ، فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَافْرُغْ مِنْ قِرَاهُمْ قَبْلَ أَنْ أَجِيءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحْضَرَهُمْ إِلَى مَنْزِلِهِ ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ ، وَرَجَعَ هُوَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ صَرِيحُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : مَا حَبَسَكَ مِنْ أَضْيَافِكَ ؟ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ عَنْ أَضْيَافِكَ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( أَوْ ضَيْفِكَ ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ لِأَنَّهُمْ ثَلَاثَةٌ ، وَاسْمُ الضَّيْفِ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ وَمَا فَوْقَهُ . وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ : أَوْ هُوَ مَصْدَرٌ يَتَنَاوَلُ الْمُثَنَّى وَالْجَمْعَ ، كَذَا قَالَ وَلَيْسَ بِوَاضِحٍ . قَوْلُهُ : ( أَوَعَشَّيْتَهُمْ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَوَمَا عَشَّيْتَهُمْ بِزِيَادَةِ مَا النَّافِيَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ ، وَالْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَالْوَاوُ لِلْعَطْفِ عَلَى مُقَدَّرٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ ، وَفِي بَعْضِهَا عَشَّيْتِيهِمْ بِإِشْبَاعِ الْكَسْرَةِ . قَوْلُهُ : ( وَقَدْ عَرَضُوا عَلَيْهِمْ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ وَالْفَاعِلُ مَحْذُوفٌ أَيِ الْخَدَمُ أَوِ الْأَهْلُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، ( فَغَلَبُوهُمْ ) أَيْ إنَّ آلَ أَبِي بَكْرٍ عَرَضُوا عَلَى الْأَضْيَافِ الْعَشَاءَ فَأَبَوْا فَعَالَجُوهُمْ فَامْتَنَعُوا حَتَّى غَلَبُوهُمْ . وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّلَاةِ قَدْ عُرِّضُوا بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَيْ أُطْعِمُوا مِنَ الْعِرَاضَةِ وَهِيَ الْهَدِيَّةُ ، قَالَهُ عِيَاضٌ ، قَالَ : وَهُوَ فِي الرِّوَايَةِ بِتَخْفِيفِ الرَّاءِ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ الْقِيَاسَ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَبِهِ جَزَمَ الْجَوْهَرِيُّ ، وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ مُوَجِّهًا لِلتَّخْفِيفِ : أَيْ عُرِضَ الطَّعَامُ عَلَيْهِمْ ، فَحَذَفَ الْجَارَّ وَوَصَلَ الْفِعْلَ فَهُوَ مِنَ الْقَلْبِ كَعَرَضْتُ النَّاقَةَ عَلَى الْحَوْضِ . وَوَقَعَ فِي الصَّلَاةِ قَدْ عَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فَامْتَنَعُوا وَحَكَى ابْنُ التِّينِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَرَصُوا بِصَادٍ مُهْمَلَةٍ ، قَالَ : وَلَا أَعْرِفُ لَهَا وَجْهًا ، وَوَجَّهَهَا غَيْرُهُ أَنَّهَا مِنْ قَوْلِهِمْ عَرَصَ إِذَا نَشِطَ ، فَكَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنَّهُمْ نَشِطُوا فِي الْعَزِيمَةِ عَلَيْهِمْ ، وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَانْطَلَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَأَتَاهُمْ بِمَا عِنْدَهُ فَقَالَ : اطْعَمُوا ، قَالُوا : أَيْنَ رَبُّ مَنْزِلِنَا ؟ قَالَ : اطْعَمُوا . قَالُوا : مَا نَحْنُ بِآكِلِينَ حَتَّى يَجِيءَ . قَالَ : اقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ ، فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ وَلَمْ تَطْعَمُوا لَنَلْقَيَنَّ مِنْهُ - أَيْ شَرًّا - فَأَبَوْا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَا تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ ؟ ضَبَطَهُ عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِ بِتَخْفِيفِ اللَّامِ عَلَى اسْتِفْتَاحِ الْكَلَامِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَيَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَثْبُتَ النُّونُ فِي تَقْبَلُونَ إِذْ لَا مُوجِبَ لِحَذْفِهَا ، وَضَبَطَهَا ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَهُوَ الْوَجْهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَذَهَبْتُ فَاخْتَبَأْتُ ) أَيْ خَوْفًا مِنْ خِصَامِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ وَتَغَيُّظِهِ عَلَيْهِ . وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَجِدُ عَلَيَّ أَيْ يَغْضَبُ فَلَمَّا جَاءَ تَغَيَّبْتُ عَنْهُ ، فَقَالَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَسَكَتَ . ثُمَّ قَالَ : يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، فَسَكَتَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : يَا غُنْثَرُ فَجَدَّعَ وَسَبَّ ) فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَقَالَ : يَا غُنْثَرُ أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ تَسْمَعُ صَوْتِي لَمَا جِئْتَ ، قَالَ : فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ : وَاللَّهِ مَالِي ذَنْبٌ ، هَؤُلَاءِ أَضْيَافُكَ فَسَلْهُمْ . قَالُوا : صَدَقَكَ قَدْ أَتَانَا . وَقَوْلُهُ : فَجَدَّعَ وَسَبَّ أَيْ دَعَا عَلَيْهِ بِالْجَدَعِ وَهُوَ قَطْعُ الْأُذُنِ أَوِ الْأَنْفِ أَوِ الشَّفَةِ ، وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ السَّبُّ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَجَزَّعَ بِالزَّايِ بَدَلَ الدَّالِ أَيْ نَسَبَهُ إِلَى الْجَزَعِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الْخَوْفُ ، وَقِيلَ : الْمُجَازَعَةُ الْمُخَاصَمَةُ فَالْمَعْنَى خَاصَمَ ، وقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : ظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَرَّطَ فِي حَقِّ الْأَضْيَافِ ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ أَدَّبَهُمْ بِقَوْلِهِ : كُلُوا لَا هَنِيئًا ، وَسَبَّ أَيْ شَتَمَ . وَحَذَفَ الْمَفْعُولَ لِلْعِلْمِ بِهِ . قَوْلُهُ : غُنْثَرُ بِضَمِّ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ ، وَحُكِيَ ضَمُّ الْمُثَلَّثَةِ ، وَحَكَى عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ فَتْحَ أَوَّلِهِ مَعَ فَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ بِلَفْظِ عَنْتَرُ بِلَفْظِ اسْمِ الشَّاعِرِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ بالْمُهْمَلَةِ وَالْمُثَنَّاةِ الْمَفْتُوحَتَيْنِ بَيْنَهُمَا النُّونُ السَّاكِنَةِ ، وَرَوَى عَنْ أَبِي عُمَرَ ، عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ مَعْنَاهُ الذُّبَابُ ، وَإنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِصَوْتِهِ فَشَبَّهَهُ بِهِ حَيْثُ أَرَادَ تَحْقِيرَهُ وَتَصْغِيرَهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الثَّقِيلُ الْوَخِمُ وَقِيلَ : الْجَاهِلُ وَقِيلَ : السَّفِيهُ وَقِيلَ : اللَّئِيمُ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغُثْرِ وَنُونُهُ زَائِدَةٌ ، وَقِيلَ : هُوَ ذُبَابٌ أَزْرَقُ شَبَّهَهُ بِهِ لِتَحْقِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ كُلُوا ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ لَا هَنِيئًا وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَيْ : لَا أَكَلْتُمْ هَنِيئًا ، هُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِمْ ، وَقِيلَ : خَبَرٌ أَيْ لَمْ تَتَهَيَّئُوا فِي أَوَّلِ نُضْجِهِ ، وَيُسْتَفَادُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ الْإِنْصَافُ وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَرَجِ وَالتَّغَيُّظِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ تَحَكَّمُوا عَلَى رَبِّ الْمَنْزِلِ بِالْحُضُورِ مَعَهُمْ وَلَمْ يَكْتَفُوا بِوَلَدِهِ مَعَ إِذْنِهِ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَكَأَنَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ رَغْبَتُهُمْ فِي التَّبَرُّكِ بِمُؤَاكَلَتِهِ ، وَيُقَالُ : إِنَّهُ إِنَّمَا خَاطَبَ بِذَلِكَ أَهْلَهُ لَا الْأَضْيَافَ ، وَقِيلَ : لَمْ يُرِدِ الدُّعَاءَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُمْ فَاتَهُمُ الْهَنَاءُ بِهِ إِذَا لَمْ يَأْكُلُوهُ فِي وَقْتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا وَفِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ فَقَالَ : فَإِنَّمَا انْتَظَرْتُمُونِي ، وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا ، فَقَالَ الْآخَرُ : وَاللَّهِ لَا نَطْعَمُهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَمَا مَنَعَكُمْ ؟ قَالُوا : مَكَانُكَ . قَالَ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا . ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَالَ : لَمْ أَرَ فِي الشَّرِّ كَاللَّيْلَةِ ، وَيْلَكُمْ مَا أَنْتُمْ ؟ لَمْ تَقْبَلُوا عَنَّا قِرَاكُمْ . هَاتِ طَعَامَكَ ، فَوَضَعَ فَقَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ الْأَوَّلِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا قَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يُخَاطِبْ أَبُو بَكْرٍ أَضْيَافَهُ بِذَلِكَ إِنَّمَا خَاطَبَ أَهْلَهُ ، وَالرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا تَرُدُّ عَلَيْهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَلَّا تَقْبَلُونَ وَهُوَ بِتَشْدِيدِ اللَّامِ لِلْأَكْثَرِ ، وَلِبَعْضِهِمْ بِتَخْفِيفِهَا . قَوْلُهُ : ( وَايْمُ اللَّهِ ) هَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ : يَجُوزُ الْقَطْعُ ، وَهُوَ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ ايْمُ اللَّهِ قَسَمِي ، وَأَصْلُهُ أَيْمَنُ اللَّهِ فَالْهَمْزَةُ حِينَئِذٍ هَمْزَةُ قَطْعٍ لَكِنَّهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ خُفِّفَتْ فَوُصِلَتْ ، وَحُكِيَ فِيهَا لُغَاتٌ : أَيْمُنُ اللَّهِ مُثَلَّثَةُ النُّونِ ، وَمُنُ اللَّهِ مُخْتَصَرَةٌ مِنَ الْأُولَى مُثَلَّثَةُ النُّونِ أَيْضًا ، وَايْمُ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وَمُ اللَّهِ كَذَلِكَ ، وبِكَسْرِ الْهَمْزَةِ أَيْضًا ، وَأَمُ اللَّهِ . قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَلَيْسَ الْمِيمُ بَدَلًا مِنَ الْوَاوِ وَلَا أَصْلُهَا مِنْ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَ ذَلِكَ . وَلَا أَيْمُنُ ، جَمْعُ يَمِينٍ خِلَافًا لِلْكُوفِيِّينَ ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ هَذَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ . قَوْلُهُ : ( إِلَّا رَبَا ) أَيْ زَادَ ، وَقَوْلُهُ : ( مِنْ أَسْفَلِهَا ) أَيِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُخِذَتْ مِنْهُ . قَوْلُهُ : ( فَنَظَرَ أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا شَيْءٌ أَوْ أَكْثَرُ ) وَالتَّقْدِيرُ فَإِذَا هِيَ شَيْءٌ أَيْ قَدْرَ الَّذِي كَانَ ، كَذَا عِنْدَ الْمُصَنِّفِ هُنَا ، وَوَقَعَ فِي الصَّلَاةِ فَإِذَا هِيَ - أَيِ الْجَفْنَةُ - كَمَا هِيَ أَيْ كَمَا كَانَتْ أَوَّلًا أَوْ أَكْثَرُ ، وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَهُوَ الصَّوَابُ . قَوْلُهُ : ( يَا أُخْتَ بَنِي فِرَاسٍ ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ مَا هَذَا وَخَاطَبَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ امْرَأَتَهُ أُمَّ رُومَانَ ، وَبَنُو فِرَاسٍ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ ابْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : التَّقْدِيرُ يَا مَنْ هِيَ مِنْ بَنِي فِرَاسٍ وَفِيهِ نَظَرٌ ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ عَلَى مَنْ كَانَ مُنْتَسِبًا إِلَى قَبِيلَةٍ أَنَّهُ أَخُوهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْعِلْمِ ضِمَامٌ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أُمَّ رُومَانَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْحَارِثِ بْنِ غَنْمٍ وَهُوَ أَخُو فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ فَلَعَلَّ أَبَا بَكْرٍ نَسَبَهَا إِلَى بَنِي فِرَاسٍ لِكَوْنِهِمْ أَشْهَرَ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ، وَيَقَعُ فِي النَّسَبِ كَثِيرٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَيُنْسَبُونَ أَحْيَانًا إِلَى أَخِي جَدِّهِمْ ، أَوِ الْمَعْنَى يَا أُخْتَ الْقَوْمِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى بَنِي فِرَاسٍ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَارِثَ أَخُو فِرَاسٍ فَأَوْلَادُ كُلٍّ مِنْهُمَا إِخْوَةٌ لِلْآخَرِينَ لِكَوْنِهِمْ فِي دَرَجَتِهِمْ ، وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّهُ قِيلَ فِي أُمِّ رُومَانَ : إِنَّهَا مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ لَا مِنْ بَنِي الْحَارِثِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ ، وَلَمْ أَرَ فِي كِتَابِ ابْنِ سَعْدٍ لَهَا نَسَبًا إِلَّا إِلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ غَنْمٍ سَاقَ لَهَا نَسَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ : لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي ) قُرَّةُ الْعَيْنِ يُعَبَّرُ بِهَا عَنِ الْمَسَرَّةِ وَرُؤْيَةِ مَا يُحِبُّهُ الْإِنْسَانُ وَيُوَافِقُهُ ، يُقَالُ ذَلِكَ لِأَنَّ عَيْنَهُ قَرَّتْ أَيْ سَكَنَتْ حَرَكَتُهَا مِنَ التَّلَفُّتِ لِحُصُولِ غَرَضِهَا فَلَا تَسْتَشْرِفُ لِشَيْءٍ آخَرَ ، فَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرَارِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَامَ اللَّهُ عَيْنَكَ وَهُوَ يَرْجِعُ إِلَى هَذَا ، وَقِيلَ : بَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْقَرِّ وَهُوَ الْبَرْدُ أَيْ أَنَّ عَيْنَهُ بَارِدَةٌ لِسُرُورِهِ ، وَلِهَذَا قِيلَ : دَمْعَةُ الْحُزْنِ حَارَّةٌ ، وَمِنْ ثَمَّ قِيلَ فِي ضِدِّهِ أَسْخَنَ اللَّهُ عَيْنَهُ ، وَإِنَّمَا حَلَفَتْ أُمُّ رُومَانَ بِذَلِكَ لِمَا وَقَعَ عِنْدَهَا مِنَ السُّرُورِ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُمْ بِبَرَكَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَزَعَمَ الدَّاوُدِيُّ أَنَّهَا أَرَادَتْ بِقُرَّةِ عَيْنِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقْسَمَتْ بِهِ ، وَفِيهِ بُعْدٌ . وَ لَا فِي قَوْلِهَا : لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي زَائِدَةٌ أَوْ نَافِيَةٌ عَلَى حَذْفٍ ، تَقْدِيرُهُ لَا شَيْءَ غَيْرُ مَا أَقُولُ . قَوْلُهُ : ( لَهِيَ ) أَيِ الْجَفْنَةُ أَوِ الْبَقِيَّةُ ( أَكْثَرُ مِمَّا قَبْلُ ) كَذَا هُنَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلُ وَهُوَ أَوْجَهُ ، وَ( أَكْثَرُ ) لِلْأَكْثَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُوَحَّدَةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ : إِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ ، يَعْنِي يَمِينَهُ ) كَذَا هُنَا وَفِيهِ حَذْفٌ تَقَدَّمَهَا تَقْدِيرُهُ : وَإِنَّمَا كَانَ الشَّيْطَانُ الْحَامِلُ عَلَى ذَلِكَ ، يَعْنِي الْحَامِلَ عَلَى يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَهَا فِي قَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَالْإِسْمَاعِيلِيِّ وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ يَعْنِي يَمِينَهُ وَهُوَ أَوْجَهُ . وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ : الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ : هَذِهِ اللُّقْمَةُ الَّتِي أَكَلَ أَيْ هَذِهِ اللُّقْمَةُ لِقَمْعِ الشَّيْطَانِ وَإِرْغَامِهِ . لِأَنَّهُ قَصَدَ بِتَزْيِينِهِ لَهُ الْيَمِينَ إِيقَاعَ الْوَحْشَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَضْيَافِهِ ، فَأَخْزَاهُ أَبُو بَكْرٍ بِالْحِنْثِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ، وَظَاهِرُ هَذَا السِّيَاقِ مُخَالِفٌ لِرِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ ، فَقَالَ عِيَاضٌ : فِي هَذَا السِّيَاقِ خَطَأٌ وَتَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ ، وَهُوَ أَنَّ رِوَايَةَ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ هَذِهِ أَنَّ سَبَبَ أَكْلِ أَبِي بَكْرٍ مِنَ الطَّعَامِ مَا رَآهُ مِنَ الْبَرَكَةِ فِيهِ فَرَغِبَ فِي الْأَكْلِ مِنْهُ ، وَأَعْرَضَ عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ لَمَّا رَجَحَ عِنْدَهُ مِنَ التَّنَاوُلِ مِنَ الْبَرَكَةِ ، وَرِوَايَةُ الْجَرِيرِيِّ تَقْتَضِي أَنَّ سَبَبَ أَكْلِهِ مِنَ الطَّعَامِ لِجَاجُ الْأَضْيَافِ وَحَلِفِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَا يَطْعَمُونَ مِنَ الطَّعَامِ حَتَّى يَأْكُلَ أَبُو بَكْرٍ ، وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا أَوْجَهَ ، لَكِنْ يُمْكِنُ رَدُّ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ إِلَيْهَا بِأَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ : فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ : وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ لَا عَلَى الْقِصَّةِ الَّتِي دَلَّتْ عَلَى بَرَكَةِ الطَّعَامِ ، وَغَايَتُهُ أَنَّ حَلِفَ الْأَضْيَافِ أَنْ لَا يَطْعَمُوهُ لَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ ظَهَرَ لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ لَا مِنْ أَبِيهِ ، فَقَدْ وَقَعَ فِي الْأَدَبِ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عَدِيٍّ ، عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ فَحَلَفَتِ الْمَرْأَةُ لَا تَطْعَمُهُ حَتَّى تَطْعَمُوهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَأَنَّ هَذِهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ، فَدَعَا بِالطَّعَامِ فَأَكَلَ وَأَكَلُوا ، فَجَعَلُوا لَا يَرْفَعُونَ اللُّقْمَةَ إِلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُجْمَعَ بِأَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ أَكَلَ لِأَجْلِ تَحْلِيلِ يَمِينِهِمْ شَيْئًا ، ثُمَّ لَمَّا رَأَى الْبَرَكَةَ الظَّاهِرَةَ عَادَ فَأَكَلَ مِنْهَا لِتَحْصُلَ لَهُ وَقَالَ كَالْمُعْتَذِرِ عَنْ يَمِينِهِ الَّتِي حَلَفَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ أَبَا بَكْرٍ ، فَأَزَالَ مَا حَصَلَ لَهُ مِنَ الْحَرَجِ ، فَعَادَ مَسْرُورًا ، وَانْفَكَّ الشَّيْطَانُ مَدْحُورًا . وَاسْتَعْمَلَ الصِّدِّيقُ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ فَحَنَّثَ نَفْسَهُ زِيَادَةً فِي إِكْرَامِ ضِيفَانِهِ لِيَحْصُلَ مَقْصُودُهُ مِنْ أَكْلِهِمْ ، وَلِكَوْنِهِ أَكْثَرَ قُدْرَةً مِنْهُمْ عَلَى الْكَفَّارَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ بَرُّوا وَحَنِثْتَ ، فَقَالَ : بَلْ أَنْتَ أَبَرُّهُمْ وَخَيْرُهُمْ . قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ وَسَقَطَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الْجَرِيرِيِّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ، وَكَأَنَّ سَبَبَ حَذْفِهِ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ فِيهَا إِدْرَاجًا بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ جَاءَ فِيهَا فَأُخْبِرْتُ - بِضَمِّ الْهَمْزَةِ - أَنَّهُ أَصْبَحَ فَغَدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَخْ وَقَوْلُهُ : ( أَبَرُّهُمْ ) أَيْ أَكْثَرُهُمْ بِرًّا أَيْ طَاعَةً ، وَقَوْلُهُ : ( وَخَيْرُهُمْ ) أَيْ لِأَنَّكَ حَنِثْتَ فِي يَمِينِكَ حِنْثًا مَنْدُوبًا إِلَيْهِ مَطْلُوبًا فَأَنْتَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ ، وَقَوْلُهُ : ( وَلَمْ يَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي يَمِينِ اللِّجَاجِ وَالْغَضَبِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الذِّكْرِ عَدَمُ الْوُجُودِ ، فَلِمَنْ أَثْبَتَ الْكَفَّارَةَ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ : وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْأَيْمَانِ ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ مَا سَيَأْتِي مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى نَزَلَتِ الْكَفَّارَةُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : قَوْلُهُ : وَلَمْ تَبْلُغْنِي كَفَّارَةٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُكَفِّرْ قَبْلَ الْحِنْثِ ، فَأَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ ، كَذَا قَالَ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو بَكْرٍ لَمَّا حَلَفَ أَنْ لَا يَطْعَمَهُ أَضْمَرَ وَقْتًا مُعَيَّنًا أَوْ صِفَةً مَخْصُوصَةً ، أَيْ لَا أَطْعَمُهُ الْآنَ أو لَا أَطْعَمُهُ مَعَكُمْ أَوْ عِنْدَ الْغَضَبِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ هَلْ تَقْبَلُ التَّقْيِيدَ فِي النَّفْسِ أَمْ لَا ؟ وَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ . وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ وَاللَّهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا يَمِينٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَا تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لَغْوِ الْكَلَامِ وَلَا مِنْ سَبْقِ اللِّسَانِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ ) أَيِ الْجَفْنَةُ عَلَى حَالِهَا ، وَإِنَّمَا لَمْ يَأْكُلُوا مِنْهَا فِي اللَّيْلِ لِكَوْنِ ذَلِكَ وَقَعَ بَعْدَ أَنْ مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ . قَوْلُهُ : ( فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ ) كَذَا هُوَ هُنَا مِنَ التَّفْرِيقِ أَيْ جَعَلَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً ، وَحَكَى الْكِرْمَانِيُّ أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَقَرَيْنَا بِقَافٍ وَتَحْتَانِيَّةٍ مِنَ الْقِرَى وَهُوَ الضِّيَافَةُ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ) كَذَا لِلْمُصَنِّفِ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ اثْنَيْ عَشَرَ بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَالْأَوَّلُ عَلَى طَرِيقِ مَنْ يَجْعَلُ الْمُثَنَّى بِالرَّفْعِ فِي الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فَفُرِّقْنَا بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ ، فَارْتَفَعَ اثْنَا عَشَرَ عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ . قَوْلُهُ : ( اللَّهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ غَيْرَ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ ) يَعْنِي أَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ جَعَلَ عَلَيْهِمِ اثْنَا عَشَرَ عَرِّيفًا لَكِنَّهُ لَا يَدْرِي كَمْ كَانَ تَحْتَ يَدِ كُلِّ عَرِّيفٍ مِنْهُمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ الْكَثْرَةَ وَالْقِلَّةَ ، غَيْرَ أَنَّهُ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ بَعَثَ مَعَهُمْ - أَيْ مَعَ كُلِّ نَاسٍ - عَرِّيفًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ ، أَوْ كَمَا قَالَ ) هُوَ شَكٌّ مِنْ أَبِي عُثْمَانَ فِي لَفْظِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَأَمَّا الْمَعْنَى فَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ الْجَيْشِ أَكَلُوا مِنْ تِلْكَ الْجَفْنَةِ الَّتِي أَرْسَلَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ تَمَامَ الْبَرَكَةِ فِي الطَّعَامِ الْمَذْكُورِ كَانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِيهَا في بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ ظُهُورُ أَوَائِلِ الْبَرَكَةِ فِيهَا ، وَأَمَّا انْتِهَاؤُهَا إِلَى أَنْ تَكْفِيَ الْجَيْشَ كُلَّهُمْ فَمَا كَانَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ صَارَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ظَاهِرِ الْخَبَرِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ قَالَ : أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَصْعَةٍ فِيهَا ثَرِيدٌ فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ ، فَمَا زَالُوا يَتَدَاوَلُونَهَا إِلَى قَرِيبٍ مِنَ الظُّهْرِ يَأْكُلُ قَوْمٌ ، ثُمَّ يَقُومُونَ وَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَتَعَاقَبُونَهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : هَلْ كَانَتْ تُمَدُّ بِطَعَامٍ ؟ قَالَ : أَمَّا مِنَ الْأَرْضِ فَلَا إِلَّا أَنْ تَكُونَ كَانَتْ تُمَدُّ مِنَ السَّمَاءِ . قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْقَصْعَةُ هِيَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ مَا وَقَعَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ الْتِجَاءُ الْفُقَرَاءِ إِلَى الْمَسَاجِدِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُوَاسَاةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ إِلْحَاحٌ وَلَا إِلْحَافٌ وَلَا تَشْوِيشٌ عَلَى الْمُصَلِّينَ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ مُوَاسَاتِهِمْ عِنْدَ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الشُّرُوطِ ، وَفِيهِ التَّوْظِيفُ فِي الْمَخْمَصَةِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْغَيْبَةِ عَنِ الْأَهْلِ وَالْوَلَدِ وَالضَّيْفِ إِذَا أُعِدَّتْ لَهُمُ الْكِفَايَةُ ، وَفِيهِ تَصَرُّفُ الْمَرْأَةِ فِيمَا تُقَدِّمُ لِلضَّيْفِ وَالْإِطْعَامُ بِغَيْرِ إِذْنٍ خَاصٍّ مِنَ الرَّجُلِ ، وَفِيهِ جَوَازُ سَبِّ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ وَالتَّمْرِينِ عَلَى أَعْمَالِ الْخَيْرِ وَتَعَاطِيهِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْمُبَاحِ ، وَفِيهِ تَوْكِيدُ الرَّجُلِ الصَّادِقِ لِخَبَرِهِ بِالْقَسَمِ ، وَجَوَازُ الْحِنْثِ بَعْدَ عَقْدِ الْيَمِينِ ، وَفِيهِ التَّبَرُّكُ بِطَعَامِ الْأَوْلِيَاءِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَفِيهِ عَرْضُ الطَّعَامِ الَّذِي تَظْهَرُ فِيهِ الْبَرَكَةُ عَلَى الْكِبَارِ وَقَبُولُهُمْ ذَلِكَ ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ظَنَّ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ فَرَّطَ فِي أَمْرِ الْأَضْيَافِ فَبَادَرَ إِلَى سَبِّهِ وَقَوَّى الْقَرِينَةَ عِنْدَهُ اخْتِبَاؤُهُ مِنْهُ ، وَفِيهِ مَا يَقَعُ مِنْ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَوْلِيَائِهِ ، وَذَلِكَ أَنَّ خَاطِرَ أَبِي بَكْرٍ تَشَوَّشَ ، وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ وَأَهْلُهُ وَأَضْيَافُهُ بِسَبَبِ امْتِنَاعِهِمْ مِنَ الْأَكْلِ ، وَتَكَدَّرَ خَاطِرُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى احْتَاجَ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنَ الْحَرَجِ بِالْحَلِفِ وَبِالْحِنْثِ وَبِغَيْرِ ذَلِكَ ، فَتَدَارَكَ اللَّهُ ذَلِكَ وَرَفَعَهُ عَنْهُ بِالْكَرَامَةِ الَّتِي أَبْدَاهَا لَهُ ، فَانْقَلَبَ ذَلِكَ الْكَدَرُ صَفَاءً وَالنَّكَدُ سُرُورًا وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فِي الْإِسْلَامِ · ص 688 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب السمر مع الأهل والضيف · ص 382 41 - باب السمر مع الأهل والضيف 602 - ثنا أبو النعمان : ثنا المعتمر بن سليمان : ثنا أبي : ثنا أبو عثمان ، عن عبد الرحمن بن أبي بكر ، قال : إن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، وإن أربعة فخامس أو سادس ) وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - بعشرة . قال : فهو أنا وأبي وأمي - ولا أدري هل قال : وامرأتي - وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر ، وإن أبا بكر تعشى عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم لبث حتى صليت العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله . قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو قال : ضيفك - ؟ قال : أوما عشيتيهم ؟ قالت : أبوا حتى تجيء ، قد عرضوا فأبوا . قال : فذهبت أنا فاختبأت ، قال : يا غنثر ، فجدع وسب ، وقال : كلوا لا هنيئا . فقال : والله ، لا أطعمه أبدا ، وايم الله ، ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها ، حتى شبعوا ، وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك ، فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر . قال لامرأته : يا أخت بني فراس ، ما هذا ؟ قالت : لا وقرة عيني ، لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر ، وقال : إنما كان ذلك من الشيطان - يعني : يمينه - ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأصبحت عنده ، وكان بيننا وبين قوم عقد ، فمضى الأجل ، فعرفنا اثني عشر رجلا ، مع كل رجل منهم أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل ، فأكلوا منها أجمعون - أو كما قال . في هذا الحديث فوائد كثيرة : منها : استحباب إيثار الفقراء بالشبع من الطعام ومواساتهم فيه ، فلهذا أمر من كان عنده طعام اثنين أن يذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة أن يذهب بخامس - أو سادس - وهذا شك من الراوي . ولفظ مسلم في هذا الحديث : ( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس ، بسادس ) أو كما قال . وهذا يدل على أن الراوي شك . وفي ( الصحيحين ) ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( طعام الاثنين كافي الثلاثة ، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ) . وفي ( صحيح مسلم ) ، عن أبي الزبير ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( طعام الواحد يكفي الاثنين ، وطعام الاثنين يكفي الأربعة ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ) . وفي هذا إشارة إلى أن البركة تتضاعف مع الكثرة والاجتماع على الطعام . وفي ( سنن ابن ماجه ) بإسناد ضعيف ، عن عمر - مرفوعا - : ( كلوا جميعا ولا تفرقوا؛ فإن البركة مع الجماعة ) . وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث وحشي ، أن أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : يا رسول الله ، إنا نأكل ولا نشبع ؟ قال : ( فلعلكم تتفرقون ؟ ) قالوا : نعم . قال : ( فاجتمعوا على طعامكم ، واذكروا اسم الله يبارك لكم فيه ) . ومعنى : ( يكفي ) : أنه يكتفي به ، وإن لم يشبعه . وكان عمر في عام الرمادة يدخل على أهل البيت من المسلمين مثلهم ، ويقول : لن يهلك امرؤ وعنده نصف قوته . فهذا مأخوذ من هذا الحديث . والله أعلم . ومجيء أبي بكر بثلاثة ، إن كان هو وامرأته وابنه فقط ، فقد أتى بنظير عدتهم ، وإن كانوا خمسة - على رواية الشك - فقد صاروا ثمانية ، وطعام الأربعة يكفي الثمانية . وأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرة على قدر قوته على الإيثار ، وما خصه الله به من الجود والكرم في اليسر والإعسار . ومنها : أنه إذا أتى الإنسان بضيوف إلى منزله ، فإنه يجوز له أن يكلهم إلى أهله وولده ، ولا يحضر معهم في الأكل ؛ فإن في ذلك كفاية إذا وثق من أهله وولده بالقيام بحقهم . ومنها : اختصاص أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في عشائه عنده ، واحتباسه إلى أن يمضي ما شاء الله من الليل . وقد سبق حديث عمر في سمر أبي بكر وعمر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - في الباب الماضي . وأما سب أبي بكر ولده ؛ فظنه أنه قصر في حق ضيفه ، ولم يقم به كما ينبغي . ومعنى ( جدع ) - أي : قطعه بالقول الغليظ . وأما قوله : ( يا غنثر ) ، فروي بوجهين - ذكرهما الخطابي : أحدهما : ( عنتر ) بالعين المهملة ، والتاء المثناة من فوق ، وهما مفتوحتان . قال الخطابي : إن كانت هذه محفوظة ، فالعنتر : الذباب - : قاله ثعلب . سمي به لصوته ؛ وكأنه حين حقره وصغره شبهه بالذباب . والثاني : ( غنثر ) بالغين المعجمة المضمومة وبالثاء المثلثة - فهو مأخوذ من الغثارة ، وهي : الجهل ، يقال : رجل أغثر وغنثر . والنون زائدة . ومنها : إثبات كرامات الأولياء وخرق العوائد لهم . وهو قول عامة أهل السنة ، ووافق على ذلك المعتزلة في زمن الأنبياء خاصة ، كما جرى لأبي بكر في هذه القضية ، وجعلوها من جملة معجزاتهم حينئذ . والتحقيق : أنها من جملة معجزات الأنبياء على كل حال ، وفي كل زمان ؛ لأن ما يكرم الله بذلك أولياءه ، فإنما هو من بركة اتِّباعهم للأنبياء ، وحسن اقتدائهم بهم ، فدوام ذلك لأتباعهم وخواصهم من جملة معجزاتهم وآياتهم . ومنها : جواز الإهداء إلى الإخوان الطعام بالليل ، مع العلم بأنهم قد تعشوا واكتفوا ، وإن أدى ذلك إلى أن يبيت الطعام عندهم . واستمرت هذه الآية في ذلك الطعام حتى أكل منه الجمع الكثير من الغد . ومعنى : ( عرفنا اثني عشر رجلا ) - أي : جعلناهم عرفا . وروي : ( ففرقنا ) . ومنها : من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فإنه يأتي الذي هو خير ، ولا تحرم عليه يمينه فعل ما حلف على الامتناع منه ، وهذا قول جمهور العلماء . وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يأتي الذي هو خير ويكفر ، وكان في نفسه يفعل ذلك . وقد قيل : إن اليمين تحرم المحلوف عليه تحريما ترفعه الكفارة . والصحيح : خلافه ؛ لأنه يجوز الإقدام على فعل المحلوف قبل التكفير بالاتفاق ، ولو كان محرما لوجب تحليله بالكفارة قبله ، كالظهار . وفي ( سنن أبي داود ) هذا الحديث ، قال : ( ولم يبلغني كفارة ) وهذا من قول بعض الرواة . وهذا بمجرده لا ينفي أن يكون أبو بكر كفر عن يمينه ، بل الظاهر - أو المجزوم به - أنه كفرها . وقد ثبت من حديث هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : كان أبو بكر إذا حلف على يمين لا يحنث ، حتى نزلت آية الكفارة ، فقال : لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير ، وكفرت يميني . كذا رواه يحيى القطان والليث والثوري وابن المبارك وغيرهم ، عن هشام . وخرجه البخاري في ( صحيحه هذا ) من رواية النضر بن شميل ، عن هشام . وخالفهم الطفاوي ، فرواه عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة . ورفعه وهم منه ، والصحيح : كان أبو بكر - : كذا قاله البخاري والدارقطني . وفي ( صحيح مسلم ) عن أبي هريرة ، قال : أعتم رجل عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم رجع إلى أهله ، فوجد الصبية قد ناموا ، فأتاه أهله بطعام ، فحلف لا يأكل ؛ من أجل صبيته ، ثم بدا له فأكل ، فأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك [له] ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها ، وليكفر [عن] يمينه ) . ولعل هذا الرجل هو أبو بكر الصديق ، وتكون الإشارة إلى هذه القصة ، إلا أن حديث عبد الرحمن يدل على أنه لم يكن لأبي بكر صبية . وقد ذهب قوم إلى أن من حلف على شيء فرأى غيره خيرا منه أنه يأتي الذي هو خير ، ويكون ذلك كفارة يمينه ، ولا يحتاج إلى كفارة بمال أو صوم . وهذا معروف عن ابن المسيب والشعبي وسعيد بن جبير وسالم وعكرمة ، وزاد عليه ، فجعل من حلف بطلاق على معصية ، أنه لا يفعل ما حلف عليه ، ولا طلاق عليه . وهذا شذوذ . وروي أصل هذا عن ابن عباس . وروي عنه مرفوعا . خرجه ابن حبان في ( صحيحه ) . ولا يصح رفعه . وروى مالك بن يحيى بن عمرو بن مالك النكري ، عن أبيه ، عن جده ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( من حلف على يمين ، فرأى غيرها خيرا منها ، فليأتها ؛ فإنها كفارتها ، إلا طلاقا أو عتاقا ) . خرجه ابن عدي . وقال : هو غير محفوظ ؛ تفرد به يحيى ، عن أبيه . ويحيى هذا ، ضعفه ابن معين وغيره . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، أنها كفارتها أن يأتي الذي هو خير ، وفي أسانيدها كلها مقال . والأحاديث الصحاح كلها تدل على أنه يكفر يمينه ، قال ذلك أبو داود ومسلم في ( كتاب التمييز ) وغيرهما . وكانت يمين أبي بكر ألا يأكل هذا الطعام في غضب ، ولهذا قال : إنما ذلك من الشيطان - يعني : يمينه . وفيه : دليل على انعقاد يمين الغضبان ، كما حلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في غضبه ألا يحمل النفر من الأشعريين ، ثم حملهم ، وقال : ( لا أحلف على يمين ، فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني ، وأتيت الذي هو خير ) . وفي الحديث : جواز الحلف بقرة العين ؛ فإن امرأة أبي بكر حلفت بذلك ، ولم ينكره عليها . وقرة عين المؤمن : هو ربه وكلامه وذكره وطاعته . ومقصود البخاري من هذا الحديث : جواز السمر عند الأهل والضيف ؛ فإن أبا بكر سمر عند أهله وضيفه لما رجع من عند النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن ذهب من الليل ما ذهب منه . والظاهر - أيضا - : أنه سمر عند النبي صلى الله عليه وسلم . وفي السمر عند الأهل : حديث ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العشاء ، ثم دخل بيته ، فتحدث مع أهله ساعة . وقد خرجه [ البخاري ] في موضع آخر . وقد روي عن عائشة ، أنها رأت قوما يسمرون ، فقالت : انصرفوا إلى أهليكم ، فإن لهم فيكم نصيبا . وهذا يدل على أنها استحبت السمر عند الأهل لما فيه من المؤانسة لهم ، وهو من حسن العشرة . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يسمر مع بعض الوفود الذين يفدون عليه المدينة ، وهو من نوع السمر مع الضيف . فخرج أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي ، عن عثمان بن عبد الله بن أوس ، عن جده أوس بن حذيفة ، قال : كنت في وفد ثقيف ، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأتينا كل ليلة بعد العشاء ، فيحدثنا قائما على رجليه ، حتى يتراوح بين رجليه ، وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش - وذكر الحديث . وسئل أبو حاتم عن هذا الحديث ، فقال : حديث أبي برزة أصح منه . يعني : حديثه : كان يكره الحديث بعدها . وروي الرخصة في السمر للمصلي والمسافر [...] خاصة . خرجه الإمام أحمد من رواية خيثمة ، عن رجل من قومه من قريش ، عن عبد الله ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا سمر بعد الصلاة ) - يعني : العشاء الآخرة - ( إلا لمصل أو مسافر ) . قال ابن المديني : في إسناده انقطاع ؛ لأن الرجل الذي لم يسمه خيثمة لا أدري هو من أصحاب عبد الله ، أو لا ؟ وقد روى خيثمة عن غير واحد من أصحاب عبد الله ، منهم : سويد بن غفلة ، وأرجو أن يكون هذا الرجل منهم . وقال الأثرم : هو حديث غير قوي ؛ لأن في إسناده رجلا لم يسم . وقد أخذ به الإمام أحمد ، فكره السمر في حديث الدنيا ، ورخص فيه للمسافر . وروي من وجه آخر بزيادة ، من رواية ابن وهب ، عن معاوية ، عن أبي عبد الله الأنصاري ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لا سمر إلا لثلاثة : مصل ، أو مسافر ، أو عروس ) . خرجه سمويه الأصبهاني الحافظ : نا عبد الله بن الزبير : نا ابن وهب - فذكره . وخرجه بقي بن مخلد في ( مسنده ) : ثنا ابن مقلاص : ثنا ابن وهب : أخبرني معاوية ، عن أبي حمزة ، عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نائما قبل العشاء ، ولا لاغيا بعدها ، إما ذاكرا فيغنم ، أو نائما فيسلم . قال معاوية : وحدثني أبو عبد الله الأنصاري ، عن زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : السمر لثلاثة : لعروس ، أو لمسافر ، أو لمتهجد بالليل . وهذا موقوف على عائشة . وأبو عبد الله وأبو حمزة ، مجهولان . وروى الحسين بن إسحاق التستري ، عن أحمد ، أنه سئل عن السمر بعد العشاء الآخرة ؟ قال : لا ، إلا لمسافر أو مصل ، فأما الفقه فأرجو أن لا يكون به بأس . ونقل عبد الله بن أحمد ، عن أبيه ، أنه سئل عن الحديث [الذي] نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النوم قبل العشاء ، والحديث بعدها ، والرجل يقعد مع عياله بعدما يصلي يتحدث ثم ينام : هل يحرج ؟ قال : ينبغي أن يجتنب الحديث والسمر بعدها . وهذا يدل على كراهة السمر مع الأهل - أيضا . وقال سفيان الثوري : كان يقال : لا سمر بعد العشاء ، إلا لمصل ، أو مسافر . قال : ولا بأس أن يكتب الشيء ، أو يعمل بعد العشاء . وهذا يدل على أن سهر الإنسان في عمل يعمله وحده ، من غير مسامرة لغيره ، أنه لا كراهة فيه ، بخلاف المسامرة والمحادثة . والله سبحانه وتعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب علامات النبوة في الإسلام · ص 124 88 - حدثنا موسى بن إسماعيل ، حدثنا معتمر ، عن أبيه ، حدثنا أبو عثمان ، أنه حدثه عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما ، أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء ، وأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال مرة : من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال ، وإن أبا بكر جاء بثلاثة ، وانطلق النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعشرة ، وأبو بكر ، وثلاثة ، قال : فهو أنا ، وأبي ، وأمي ، ولا أدري هل قال : امرأتي وخادمي بين بيتنا ، وبين بيت أبي بكر ، وأن أبا بكر تعشى عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثم لبث حتى صلى العشاء ، ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فجاء بعدما مضى من الليل ما شاء الله ، قالت له امرأته : ما حبسك عن أضيافك - أو : ضيفك - ؟ قال : أوعشيتهم ؟ قالت : أبوا حتى تجيء ، قد عرضوا عليهم فغلبوهم ، فذهبت فاختبأت ، فقال : يا غنثم ، فجدع وسب . وقال : كلوا . وقال : لا أطعمه أبدا . قال : وايم الله ما كنا نأخذ من اللقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا ، وصارت أكثر مما كانت قبل فنظر أبو بكر ، فإذا شيء أو أكثر قال لامرأته : يا أخت بني فراس ، قالت : لا ، وقرة عيني لهي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرات ، فأكل منها أبو بكر . وقال : إنما كان الشيطان ، يعني : يمينه ، ثم أكل منها لقمة ، ثم حملها إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأصبحت عنده ، وكان بيننا وبين قوم عهد ، فمضي الأجل ، ففرقنا اثنا عشر رجلا ، مع كل رجل منهم أناس ، الله أعلم كم مع كل رجل ، غير أنه بعث معهم ، قال : أكلوا منها أجمعون ، أو كما قال . قيل : لا مطابقة بينه وبين الترجمة هنا ؛ لأن الترجمة في علامات النبوة ، والحديث في كرامة الصديق ، وأجيب بأنه يجوز أن تظهر المعجزة على يد الغير ، أو استفيد الإعجاز من آخره حيث قال : أكلوا منها أجمعون . ومعتمر يروي عن أبيه سليمان بن طرخان ، وهو من صغار التابعين . وفي رواية أبي النعمان التي مضت في كتاب الصلاة : حدثنا معتمر بن سليمان ، حدثنا أبي ، وأبو عثمان هو عبد الرحمن بن مل النهدي ، بفتح النون . والحديث مضى في أواخر كتاب مواقيت الصلاة في باب السمر مع الأهل والضيف . قوله : إن أصحاب الصفة هي مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ، ولا أهل ، وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر . قوله : فليذهب بثالث ، أي : من أهل الصفة . وفي رواية مسلم : فليذهب بثلاثة . قال عياض : وهو غلط ، والصواب رواية البخاري لموافقتها لسياق باقي الحديث . وقال القرطبي إن حمل على ظاهره فسد المعنى ؛ لأن الذي عنده طعام اثنين إذا ذهب معه بثلاثة لزم أن يأكله في خمسة ، وحينئذ لا يكفيهم ، ولا يسد رمقهم ، بخلاف ما إذا ذهب معه بواحد فإنه حينئذ يأكله من ثلاثة ، وأجاب النووي عنه بأن التقدير : فليذهب بمن يتم من عنده ثلاثة ، أو فليذهب بتمام ثلاثة . قوله : وأبو بكر وثلاثة ، أي : وانطلق أبو بكر وثلاثة معه ، وإنما كرر بثلاثة ؛ لأن الغرض من الأول الإخبار بأن أبا بكر كان من المكثرين ممن عنده طعام أربعة فأكثر ، وأما الثاني فهو مما يقتضي سوق الكلام على ترتيب القصة ، ذكره قوله : قال ، أي : قال عبد الرحمن بن أبي بكر . قوله : فهو أنا ، أي : الشأن أنا وأبي وأمي في الدار ، والمقصود منه بيان أن في منزله هؤلاء ، فلا بد أن يكون عنده طعامهم ، وأم عبد الرحمن هي أم رومان مشهورة بكنيتها ، واسمها زينب ، وقيل : وعلة بنت عامر بن عويمر ، كانت تحت الحارث بن سخبرة الأزدي ، فمات بعد أن قدم مكة ، وخلف منها ابنه الطفيل ، فتزوجها أبو بكر فولدت له عبد الرحمن وعائشة ، وأسلمت أم رومان قديما وهاجرت وعائشة معها ، وأما عبد الرحمن فتأخر إسلامه ، وهجرته إلى هدنة الحديبية ، فقدم في سنة سبع أو أول سنة ثمان ، واسم امرأته أميمة بنت عدي بن قيس السهمية ، وهي والدة أكبر أولاد عبد الرحمن أبي عتيق محمد رضي الله تعالى عنهم . قوله : ولا أدري هل قال القائل هو أبو عثمان الراوي ، عن عبد الرحمن كأنه شك في ذلك . قوله : وخادمي بالإضافة . وفي رواية الكشميهني بغير إضافة . قوله : بين بيتنا وبيت أبي بكر ، يعني : خدمتها مشتركة بين بيتنا وبيت أبي بكر ، وقوله : بين ظرف للخادم . قوله : إن أبا بكر تعشى عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي مسلم قال : وإن أبا بكر - أي : قال عبد الرحمن : وإن أبا بكر - تعشى عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قوله : ثم لبث ، أي : مكث عند النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى صلى العشاء ، وفيما تقدم في باب السمر مع الأهل ، ثم لبث حتى صليت العشاء الآخرة ، وكذا في رواية مسلم . قوله : ثم رجع ، أي : ثم رجع أبو بكر إلى منزله هذا الذي يفهم من ظاهر الرواية ، والرواة ما اتفقوا على هذا ؛ لأن في رواية الإسماعيلي ، ثم ركع بالكاف ، أي : ثم صلى النافلة ، والحاصل على هذا أن أبا بكر مكث عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حتى صلى العشاء ، ثم صلى النافلة فلبث أبو بكر عنده حتى تعشى أو حتى نعس ، يعني : أخذ في النوم على ما نذكره الآن . قوله : فلبث ، معناه : فلبث عند النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد أن رجع إليه حتى تعشى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وفي رواية مسلم ، ثم رجع فلبث حتى نعس رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من النعاس الذي هو مقدمة النوم . وقال بعضهم : شرح الكرماني ، يعني : هذا الموضع بأن المراد أنه لما جاء بالثلاثة إلى منزله لبث في منزله إلى ، وقت صلاة العشاء ، ثم رجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فلبث عنده حتى تعشى النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وهذا لا يصح ؛ لأنه يخالف صريح قوله : في حديث الباب ، وإن أبا بكر تعشى عند النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، انتهى . ( قلت ) : لم يقل الكرماني : هذا مثل الذي ذكره ، وإنما قال : ( فإن قلت ) : هذا يشعر بأن التعشي عند النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان بعد الرجوع إليه ، وما تقدم بأنه كان بعده . ( قلت ) : الأول بيان حال أبي بكر رضي الله تعالى عنه في عدم احتياجه إلى الطعام عند أهله ، والثاني هو سوق القصة على الترتيب الواقع ، أو الأول تعشي الصديق ، والثاني تعشي الرسول صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أو الأول من العشاء بكسر العين ، والثاني منه بفتحها ، انتهى . هذا لفظ الكرماني فلينظر المتأمل هل نسبة هذا القائل عدم الصحة إلى الكرماني صحيحة أم لا ، وحل تركيب هذا الحديث يحتاج إلى دقة نظر وتأمل كثير . قوله : أو ضيفك ، شك من الراوي ، وعلى هذا فالضيف كانوا ثلاثة ، فكيف قال بالإفراد فكأنه أشار إلى أن الضيف اسم جنس يطلق على القليل والكثير . وقال الكرماني : أو الضيف مصدر يتناول المثنى والجمع . ( قلت ) : لا يصح هذا الفساد المعنى . قوله : أوعشيتهم . وفي رواية الكشميهني : أوما عشيتهم بزيادة ما النافية ، وكذا في رواية مسلم والإسماعيلي ، والهمزة للاستفهام ، والواو للعطف على مقدر بعد الهمزة ، ويروى : أوعشيتيهم ، بالياء الساكنة بعد تاء الخطاب . قوله : قالت أبوا ، أي : امتنعوا إلى أن تجيء رفقا به لظنهم أنه لا يجد عشاء فصبروا حتى يأكل معهم . قوله : قد عرضوا ، بفتح العين ، أي : قد عرض الأهل والخدم . قوله : فغلبوهم ، أي : إن آل أبي بكر رضي الله عنه عرضوا على الأضياف العشاء فامتنعوا فعالجوهم فامتنعوا حتى غلبوهم ، وبقية الكلام مرت في باب السمر مع الأهل . قوله : فذهبت ، أي : قال عبد الرحمن : فذهبت . وفي رواية مسلم : قال : فذهبت أنا . قوله : فاختبأت ، أي : اختفيت خوفا منه . قوله : فقال يا غنثر ، بضم الغين المعجمة ، وسكون النون ، وفتح الثاء المثلثة ، وفي آخره راء معناه الجاهل ، وقيل : غنثر : الذباب ، وأراد به التغليظ عليه حيث خاطبه بشيء فيه التحقير ، وقد مر في الصلاة كلام كثير فيه فليرجع إليه هناك . قوله : فجدع ، أي : جدع أبو بكر ، بفتح الجيم ، وتشديد الدال المهملة ، وفي آخره عين مهملة ، أي : دعا بالجدع ، وهو قطع الأنف والأذن ونحو ذلك . قوله : وسب ، أي : شتم ظنا منه أن عبد الرحمن فرط في حق الأضياف . قوله : وقال كلوا ، أي : قال أبو بكر : كلوا . وفي رواية الصلاة : كلوا لا هنيئا ، وكذا في رواية مسلم : إنما قاله لما حصل له من الحرج والغيظ بتركهم العشاء بسببه ، وقيل : إنه ليس بدعاء إنما هو خبر ، أي : لم تهنؤوا به في وقته . قوله : فقال لا أطعمه أبدا . وقال القرطبي : كل ذلك من أبي بكر على ابنه ظنا منه أنه فرط في حق الأضياف ، فلما تبين له أن ذلك كان من الأضياف أدبهم بقوله : كلوا لا هنيئا ، وحلف أن لا يطعمه . وفي رواية الجريري : فقال : إنما انتظرتموني ، والله لا أطعمه أبدا ، فقال الآخرون : والله لا نطعمه أبدا حتى تطعمه . وفي رواية أبي داود من هذا الوجه : فقال أبو بكر : فما منعكم ؟ قالوا : مكانك . قال : والله لا أطعمه أبدا ، ثم اتفقا ، فقال : لم أر من الشر كالليلة ، ويلكم ما أنتم لم لا تقبلون عنا قراكم ، هات طعامك ، فوضع فقال : باسم الله الأولى من الشيطان ، فأكل وأكلوا . قوله : الأولى من الشيطان ، أراد به يمينه . قال القاضي : وقيل : معناه اللقمة الأولى من أجل قمع الشيطان وإرغامه ، ومخالفته في مراده باليمين . وقال النووي : فيه أن من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فعل ذلك ، وكفر عن يمينه كما جاءت به الأحاديث الصحيحة . قوله : وايم الله ، أي : قال عبد الرحمن ، وايم الله هذا من ألفاظ اليمين ، وهو مبتدأ ، وخبره محذوف ، أي : وايم الله قسمي ، وهمزته همزة وصل لا يجوز قطعه عند الأكثرين ، وقد أطلنا الكلام فيه في التيمم في باب الصعيد الطيب . قوله : إلا ربا من أسفلها ، أي : زاد من أسفلها ، أي : من الموضع الذي أخذت منه قوله : فإذا شيء ، أي : فإذا هو شيء كما كان أو أكثر ، ويروى لها : فإذا هي شيء ، أي : البقية أو الأطعمة . قوله : قال لامرأته أي : قال أبو بكر رضي الله عنه لامرأته - يا أخت بني فراس ، قال النووي : معناه يا من هي من بني فراس ، بكسر الفاء ، وتخفيف الراء ، وفي آخره سين مهملة . قال القاضي : فراس هو ابن غنم بن مالك بن كنانة ، وقد تقدم أن أم رومان من ذرية الحارث بن غنم ، وهو أخو فراس بن غنم ، فلعل أبا بكر نسبها إلى بني فراس لكونهم أشهر من بني الحارث ، وقد يقع مثل هذا كثيرا ، وقيل : المعنى ، يا أخت القوم المنتسبين إلى بني فراس . قوله : قالت لا وقرة عيني ، كلمة لا زائدة للتأكيد ، ويحتمل أن تكون نافية ، وثمة محذوف ، أي : لا شيء غير ما أقول ، وهو قولها : وقرة عيني ، والواو فيه للقسم ، وقرة العين ، بضم القاف ، وتشديد الراء ، يعبر بها عن المسرة ، ورؤية ما يحب الإنسان ، وقد طولنا الكلام فيه في كتاب الصلاة في باب السمر مع الأهل والضيف . قوله : لهي الآن أكثر بالثاء المثلثة ، وقيل : بالباء الموحدة . قوله : ثلاث مرات ، وقيل : ثلاث مرار . قوله : فأكل منها ، أي : من الأطعمة . قوله : إنما كان الشيطان ، يعني : إنما كان الشيطان الحامل على يمينه التي حلفها ، وهي قوله : والله ، لا أطعمه . وفي رواية مسلم : إنما كان ذلك من الشيطان، يعني : يمينه ، وهذا أقرب . قوله : فأصبحت عنده ، أي : أصبحت الأطعمة التي في الجفنة عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على حالها ، وإنما لم يأكلوا منها في الليل لكون ذلك وقع بعد أن مضى من الليل مدة طويلة . قوله : عهد ، أي : عهد مهادنة ، ويروى : وكانت بيننا ، والتأنيث باعتبار المهادنة . قوله : فمضى العهد ، أي : مضت مدة العهد . قوله : ففرقنا من التفريق ، فالراء فيه مفتوحة ، والضمير المرفوع فيه يرجع إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكلمة نا مفعوله ، والفاء فيه فاء الفصيحة ، أي : فجاؤوا إلى المدينة ، أي : جعل كل رجل مع اثني عشرة فرقة . وفي رواية مسلم : فعرفنا بالعين المهملة ، والراء المشددة ، أي : جعلنا عرفاء نقباء على قومهم . وفيه دليل لجواز تعريف العرفاء على العساكر ونحوها ، وفي سنن أبي داود : العرافة حق ، ولما فيه من مصلحة الناس ، وليتيسر ضبط الجيوش على الإمام ونحوها باتخاذ العرفاء . ( فإن قلت ) : جاء في الحديث : العرفاء في النار . ( قلت ) : هو محمول على العرفاء المقصرين في ولايتهم المرتكبين فيها ما لا يجوز . وقال الكرماني : وفي بعض الروايات فقرينا بقاف ، وراء ، وياء آخر الحروف من القرى ، وهي الضيافة . وقال بعضهم : ولم أقف على ذلك . ( قلت ) : لا يلزم من عدم وقوفه على ذلك الإنكار عليه ؛ لأن من لم يقف على شيء أكثر ممن وقف عليه . قوله : اثنا عشر رجلا . وفي رواية مسلم : اثني عشر بالنصب ، وهو ظاهر وأما رواية الرفع فعلى لغة من يجعل المثنى بالألف في الأحوال الثلاث ، ومنه قوله تعالى : إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ قوله : غير أنه بعث ، أي : غير أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث معهم نصيب أصحابهم إليهم . قوله : أو كما قال ، شك من أبي عثمان ، والمعنى أن جميع الجيش أكلوا من تلك الأطعمة التي أرسلها أبو بكر إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الجفنة ، فظهر بذلك أن تمام البركة فيها كانت عند النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والذي وقع في بيت أبي بكر رضي الله عنه كان ظهور أوائل البركة فيها ، والفوائد التي استفيدت من الحديث المذكور ذكرناها في باب السمر مع الأهل والضيف .