26 - بَاب عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ 327 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْنٌ ، قَالَ : حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ، فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فَقَالَ : هَذَا عِرْقٌ ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ . قَوْلُهُ : ( بَابُ عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي بَابِ الِاسْتِحَاضَةِ . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ عَمْرَةَ ) يَعْنِي كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ، كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْوَقْتِ وَابْنِ عَسَاكِرَ بِحَذْفِ الْوَاوِ ، فَصَارَ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ ، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ الْحَسَنِ الصُّوفِيَّ حَدَّثَهُمْ بِهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ سَالِمٍ ، عَنْ مَعْنٍ ، وَالْمَحْفُوظُ إِثْبَاتُ الْوَاوِ ، وَأَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ شَيْخَيْنِ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ وَحْدَهُ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، كِلَاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عَمْرَةَ وَحْدَهَا ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هُوَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ عُرْوَةَ ، وَعَمْرَةَ جَمِيعًا . قَوْلُهُ : ( أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ ) هِيَ بِنْتُ جَحْشٍ أُخْتُ زَيْنَبَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهِيَ مَشْهُورَةٌ بِكُنْيَتِهَا ، وَقَدْ قِيلَ اسْمُهَا حَبِيبَةُ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ حَبِيبٍ بِغَيْرِ هَاءٍ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ ، وَتَبِعَهُ الْحَرْبِيُّ وَرَجَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أُمُّ حَبِيبَةَ بِإِثْبَاتِ الْهَاءِ ، وَكَانَتْ زَوْجَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَمَا ثَبَتَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ . وَوَقَعَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الَّتِي كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ الْحَدِيثَ ، فَقِيلَ هُوَ وَهْمٌ ، وَقِيلَ بَلْ صَوَابٌ وَأَنَّ اسْمَهَا زَيْنَبُ وَكُنْيَتَهَا أُمُّ حَبِيبَةَ ، وَأَمَّا كَوْنُ اسْمِ أُخْتِهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنِ اسْمَهَا الْأَصْلِيَّ ، وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُهَا بَرَّةَ ، فَغَيَّرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَفِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْوَاحِدِيِّ أَنَّ تَغْيِيرَ اسْمِهَا كَانَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَعَلَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَمَّاهَا بِاسْمِ أُخْتِهَا لِكَوْنِ أُخْتِهَا غَلَبَتْ عَلَيْهَا الْكُنْيَةُ فَأُمِنَ اللَّبْسُ ، وَلَهُمَا أُخْتٌ أُخْرَى اسْمُهَا حَمْنَةُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَهِيَ إِحْدَى الْمُسْتَحَاضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَتَعَسَّفَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّ اسْمَ كُلٍّ مِنْ بَنَاتِ جَحْشٍ زَيْنَبُ قَالَ : فَأَمَّا أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، فَاشْتُهِرَتْ بِاسْمِهَا ، وَأَمَّا أُمُّ حَبِيبَةَ فَاشْتُهِرَتْ بِكُنْيَتِهَا ، وَأَمَّا حَمْنَةُ فَاشْتُهِرَتْ بِلَقَبِهَا ، وَلَمْ يَأْتِ بِدَلِيلٍ عَلَى دَعْوَاهُ بِأَنَّ حَمْنَةَ لَقَبٌ . وَلَمْ يَنْفَرِدِ الْمُوَطَّأُ بِتَسْمِيَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ زَيْنَبَ ، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ حَدِيثَ الْبَابِ فَقَالَ أنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ . قَوْلُهُ : ( اسْتُحِيضَتْ سَبْعَ سِنِينَ ) قِيلَ فِيهِ حُجَّةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إِسْقَاطِهِ عَنِ الْمُسْتَحَاضَةِ قَضَاءَ الصَّلَاةِ إِذَا تَرَكَتْهَا ظَانَّةً أَنَّ ذَلِكَ حَيْضٌ ; لِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهَا بِالْإِعَادَةِ مَعَ طُولِ الْمُدَّةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا سَبْعَ سِنِينَ بَيَانَ مُدَّةِ اسْتِحَاضَتِهَا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ هَلْ كَانَتِ الْمُدَّةُ كُلُّهَا قَبْلَ السُّؤَالِ أَوْ لَا فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذُكِرَ . قَوْلُهُ : ( فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ ) زَادَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَتُصَلِّي وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ بِالِاغْتِسَالِ مُطْلَقٌ فَلَا يَدُلُّ عَلَى التَّكْرَارِ ، فَلَعَلَّهَا فَهِمَتْ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْهَا بِقَرِينَةٍ ؛ فَلِهَذَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِنَّمَا أَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، وَإِنَّمَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا ، وَكَذَا قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ : لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ فَعَلَتْهُ هِيَ . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ قَالُوا : لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ الْغُسْلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، إِلَّا الْمُتَحَيِّرَةَ ، لَكِنْ يَجِبُ عَلَيْهَا الْوُضُوءُ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ عِكْرِمَةَ أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ اسْتُحِيضَتْ فَأَمَرَهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ ، فَإِذَا رَأَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَتْ وَصَلَّتْ . وَاسْتَدَلَّ الْمُهَلَّبِيُّ بِقَوْلِهِ لَهَا هَذَا عِرْقٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا الْغُسْلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ ; لِأَنَّ دَمَ الْعِرْقِ لَا يُوجِبُ غُسْلًا . وَأَمَّا مَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ ، وَابْنِ إِسْحَاقَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَأَمَرَهَا بِالْغُسْلِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَقَدْ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ ; لِأَنَّ الْأَثْبَاتَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْثُ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَذْكُرْهَا ، لَكِنْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى النَّدْبِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، هَذِهِ وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ . وَقَدْ حَمَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُتَحَيِّرَةً ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ أَمَرَهَا أَنْ تَنْتَظِرَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ ، عَنْ عُرْوَةَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ لَهَا امْكُثِي قَدْرَ مَا كَانَتْ تَحْبِسُكِ حَيْضَتُكِ وَلِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ نَحْوُهُ ، لَكِنِ اسْتَنْكَرَ أَبُو دَاوُدَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَجَابَ بَعْضُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ بِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَيْ مِنَ الدَّمِ الَّذِي أَصَابَهَا ; لِأَنَّهُ مِنْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَهِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : حَدِيثُ أُمِّ حَبِيبَةَ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ ، أَيْ لِأَنَّ فِيهِ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَا الْغُسْلِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عَلَى النَّدْبِ أَوْلَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب عِرْقِ الِاسْتِحَاضَةِ · ص 508 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب عرقِ الاستحاضةِ · ص 524 26 - باب عرقِ الاستحاضةِ خرج فيهِ : 327 - حديث ابن أبي ذئب ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة - وعن عمرة - عَن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، أن أم حبيبة استحيضت سبع سنينَ ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن ذَلِكَ ، فأمرها أن تغتسل ، فقالَ : ( هَذا عرق ) ، فكانت تغتسل لكل صلاة . هَذا الحديث اختلف في إسناده على الزهري ؛ فروي عَنهُ عن عروة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عمرة ، عن عائشة . وروي عنه ، عن عروة وعمرة ، عَن عائشة كَما في هَذهِ الرواية . ورواية الزهري لَهُ عنهما صحيح ، قاله الدارقطني . واختلف أيضا في اسم المستحاضة ، فقالَ الأكثرون في روايتهم : أم حبيبة ، ومنهم من قالَ : أم حبيبة بنت جحش . وقد خرجه مسلم من طرق ، عَن الزهري كذلك . وفي رواية لَهُ : عَن عمرو بن الحارث ، عَن الزهري ، عَن عروة وعمرة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش ختنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحت عبد الرحمن بن عوف استحيضت سبع سنينَ - وذكر الحديث . ولمسلم أيضا من حديث عراك بن مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة ، أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدم ، فقالَ لها : ( امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ، ثم اغتسلي ) ، فكانت تغتسل عند كل صلاة . ورواه أبو داود الطيالسي عَن ابن أبي ذئب ، عَن الزهري . وقال في حديثه : إن زينب بنت جحش استحيضت . ووهم في قوله : ( زينب ) ، ذكر ذَلِكَ الدارقطني في ( علله ) . وذكر أبو داود في ( سننه ) أن أبا الوليد الطيالسي رواه ، عَن سليمان بن كثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش - فذكره . وكذلك خرجه مسلم من رواية ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن زينب بنت جحش كانت تستحاض سبع سنينَ - فذكره . وقد رواه مالك في ( الموطإ ) عَن هشام بن عروة ، عَن أبيه ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وكانت تستحاض ، وكانت تغتسل وتصلي . ولم يرفع هشام شيئًا من الحديث . وذكر ابن عبد البر أن مالكًا وهم في قوله : ( زينب ) ، وإنما هي أم حبيبة . وقد رواه الليث بن سعد ، عَن هشام ، فقالَ فيهِ : إن أم حبيبة بنت جحش . وكذلك رواه يحيى بن سعيد ، عَن عروة وعمرة ، عَن زينب بنت أبي سلمة ، أن أم حبيبة - وذكر الحديث . وروى ابن عيينة ، عَن الزهري ، عَن عمرة ، عَن عائشة ، أن حبيبة بنت جحش استحيضت - فذكره . وقال : كذا حفظت أنا في الحديث ، والناس يقولون : أم حبيبة . خرجه حرب الكرماني في ( مسائله ) عَن الحميدي ، عَنهُ . وقد روى عبد الله بن محمد بن عقيل ، عَن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عَن عمه عمران بن طلحة ، عَن أمه حمنة بنت جحش ، قالت : كنت أستحاض حيضة [كبيرة] شديدة ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم أستفتيه ، فوجدته في بيت أختي زينب - وذكرت حديثًا طويلًا . خرجه الإمام أحمد ، وأبو داود ، وابن ماجه . والترمذي ، وقال : حسن صحيح . وحكى عَن البخاري أنه حسنه ، وعن الإمام أحمد أنه قالَ : هوَ حسن صحيح . وقد اختلف قول الإمام أحمد فيهِ ، فنقل عَنهُ أكثر أصحابه أنهُ ضعفه ، وقيل : إنه رجع إلى تقويته والأخذ بهِ ، قاله أبو بكر الخلال . وقد رواه جماعة عَن ابن عقيل كَما ذكرناه ، وخالفهم ابن جريجٍ ، فرواه عَنهُ ، وقال فيهِ : عَن حبيبة بنت جحش . ذكره الإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، وقال : خالف الناس ؛ يشير إلى أنها حمنة ، ليست حبيبة . وقد خرجه ابن ماجه من طريق ابن جريج ، عَن ابن عقيل ، إلا أن في روايته : ( عَن أم حبيبة بنت جحش ) . وحاصل الأمر أن بنات جحش ثلاث : زينب بنت جحش أم المؤمنين ، كانت زوج زيد بن حارثة ، فطلقها ، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي التي ذكرها الله سبحانه في سورة الأحزاب . وحمنة بنت جحش ، هي التي خاضت في الإفك ، وكانت تحت طلحة بن عبيد الله . وأم حبيبة ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، ويقال فيها أيضا : أم حبيب ، قاله الإمام أحمد في رواية ابنه صالح . وأكثر الناس يسميها أم حبيبة . وقال طائفة من المحققين : إنما هي أم حبيب ، واسمها حبيبة ؛ ففي ( تاريخ ) المفضل الغلابي ، والظاهر أنه عَن يحيى بن معين ؛ لأنه في سياق كلام حكاه عَنهُ ، قالَ : المستحاضة حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وهي أخت حمنة . [وكذا ذكر الزبير بن بكار في كِتابِ [...] ( الأنساب ) ، إلا أنه لَم يكنها ، وكذا قالَ أبو بكر بن أبي داود ] . وحكى الدارقطني في ( علله ) عَن إبراهيم الحربي أنه قالَ : الصحيح أن المستحاضة أم حبيب ، واسمها حبيبة بنت جحش ، وهي أخت حمنة ، ومن قالَ فيهِ : أم حبيبة أو زينب - فقد وهم . قالَ الدارقطني : وقول إبراهيم صحيح ، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن . وقال ابن سعد في ( طبقاته ) : هي أم حبيب بنت جحش ، واسمها حبيبة . قالَ : وبعض أهل الحديث يقلب اسمها ، فيقول : أم حبيبة . وحكى عَن الواقدي أنه قالَ : بعضهم يغلط ، فيروي أن المستحاضة حمنة بنت جحش ، ويظن أن كنيتها أم حبيبة ، والأمر على ما ذكرنا ، هي أم حبيب حبيبة بنت جحش ، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، ولم تلد لَهُ شيئًا . وحكى البيهقي في ( كِتابِ المعرفة ) عَن ابن المديني أنه قالَ : أم حبيبة هي حمنة . وعن يحيى بن معين أنها غيرها . ثم قالَ البيهقي : حديث ابن عقيل يدل على أنها غيرها كَما قالَ يحيى . قلت : رواية ابن عقيل عَن إبراهيم بن محمد بن طلحة ، عَن عمه عمران بن طلحة ، عَن أمه حمنة - صريح في أنها حمنة ، لا تحتمل غير ذَلِكَ ؛ لأن حمنة هي زوج طلحة بن عبيد الله ، وولدت لَهُ عمران ، وَهوَ راوي هَذا الحديث عَن أمه . [وأما أختها حبيبة فلم يكن لها ولد بالكلية ، قاله الزبير بن بكار وغيره] ، وحينئذ فيحتمل أن تكون حمنة استحيضت ، وأختها حبيبة استحيضت أيضا . وقد حكى ابن عبد البر هَذا قولًا ، قالَ : وقيل : إنهن كلهن استحضن ، يعني : زينب ، وأم حبيب ، وحمنة . وعلى ما ذكره الأولون فالمستحاضة هي أم حبيب حبيبة خاصة دونَ أختيها . وذكر أبو الوليد بن الصفار الأندلسي ، وكان من أعيان علماء الأندلس ، في شرح ( الموطإ ) لَهُ - أن كلا من الأخوات الثلاث تسمى زينب ، وأن حمنة لقب . قالَ القرطبي : وإذا صح هَذا فقد صح قول من سمى المستحاضة زينب . قلت : وفي هَذا بعد ، وَهوَ مخالف لقول الأئمة المعتبرين كَما سبق ، والله أعلم . ووقع في متن حديث عائشة اختلاف ثالث ، وَهوَ أهم مما قبله ، وذلك أنهُ اختلف في غسلها لكل صلاة ؛ فمن الرواة من ذكر أنها كانت تغتسل لكل صلاة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يأمرها بذلك . ومنهم من ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بذلك . فأما الذين لَم يرفعوه فهم الثقات الحفاظ . وقد خرجه البخاري هاهنا من حديث ابن أبي ذئب ، من الزهري . وفي حديثه : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . وخرجه مسلم من طريق الليث ، عَن ابن شهاب ، عَن عروة ، عَن عائشة ، وفي حديثه : قالَ الليث : لَم يذكر ابن شهاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بنت جحش أن تغتسل عند كل صلاة ، ولكنه شيء فعلته هي . وخرجه أيضا من رواية عراك بن مالك ، عَن عروة ، عَن عائشة . وفي حديثه : ( فكانت تغتسل عند كل صلاة ) . وأما الذين رفعوه فرواه ابن إسحاق ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة - أن أم حبيبة استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها بالغسل لكل صلاة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود . قالَ : ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منهُ ، عَن سليمان بن كثير ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش ، فقالَ لها النبي صلى الله عليه وسلم : ( اغتسلي لكل صلاة ) . وابن إسحاق وسليمان بن كثير في روايتهما عَن الزهري اضطراب كثير ، فلا يحكم بروايتهما عَنهُ معَ مخالفة حفاظ أصحابه . وروى يزيد بن عبد الله بن الهاد ، عَن أبي بكر هوَ ابن حزم ، عَن عمرة ، عَن عائشة - أن أم حبيبة بنت جحش كانت تحت عبد الرحمن بن عوف ، وأنها استحيضت فلا تطهر ، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالَ : ( ليست بالحيضة ، ولكنها ركضة من الرحم ، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لَهُ ، فلتترك الصلاة . ثم لتنظر ما بعد ذَلِكَ ، فلتغتسل [عند] كل صلاة ، ولتصل ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي . وَهوَ مخالف لرواية الزهري عَن عمرة كَما سبق ، ورواية الزهري أصح . وقال الإمام أحمد : كل من روى عَن عائشة : الأقراء الحيض - فقد أخطأ . قالَ : وعائشة تقول : الأقراء الأطهار . وكذا قالَ الشَافِعي في رواية الربيع ، وأشار إلى أن رواية الزهري أصح من هَذهِ الرواية . وحكى الحاكم عَن بعض مشايخه أن حديث ابن الهاد غير محفوظ . وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم حبيبة بالغسل لكل صلاة - يحيى بن أبي كثير ، عَن أبي سلمة ، عَن زينب بنت أبي سلمة . خرجه أبو داود . وقد اختلف في إسناده على يحيى ، والصحيح : عَنهُ ، عَن أبي سلمة - مرسلًا ، قاله أبو حاتم معَ أن رواية زينب بنت أبي سلمة مرسلة أيضا . وقيل : عَنهُ عَن أبي سلمة عَن أم حبيبة ، ولا يصح . ورواه الأوزاعي ، عَن يحيى ، عَن أبي سلمة - مرسلًا ، وجعل المستحاضة زينب بنت أبي سلمة ، وَهوَ وهم فاحش ؛ فإن زينب حينئذ كانت صغيرة . وقد روي عَن طائفة من الصحابة والتابعين أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة ، ومنهم من حمل ذَلِكَ على الوجوب . وقد روي عَن ابن عباس أنه قالَ : لا أجد لها إلا ذَلِكَ . ومنهم من حمله على الاستحباب ، وقد حكي الوجوب رواية عَن أحمد ، والمشهور عَنهُ الاستحباب كقول الأكثرين . وقد تعلق بعضهم للوجوب بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل وتصلي ، وهذا يعم كل صلاة ؛ فإنه كالنهي أن تصلي حتى تغتسل . وقد فهمت المأمورة ذَلِكَ ، فكانت تغتسل لكل صلاة ، وهي أفهم لما أمرت بهِ . ويجاب عَن ذَلِكَ بأنهُ صلى الله عليه وسلم إنما أمرها أن تغتسل إذا ذهبت أيام حيضتها ، فلا يدخل في ذَلِكَ غير الغسل عند فراغ حيضتها . وأما ما فعلته فقد تكون فعلته احتياطًا وتبرعًا بذلك ، كذلك قاله الليث بن سعد وابن عيينة والشافعي وغيرهم من الأئمة . ويدل على أن أمرها بالغسل لَم يعم كل صلاة أن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل ، وقالت عائشة : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . فدل على أن عائشة فهمت من أمر النبي صلى الله عليه وسلم غير ما فعلته المستحاضة ، وعائشة راوية الحديث ، وهي أفقه وأفهم من غيرها من النساء . وقد ذهب مالك والشافعي في أشهر قوليه ، في المتحيرة وهي المستحاضة التي نسيت وقتها وعددها ولا تمييز لها - أنها تغتسل لكل صلاة وتصلي أبدًا . واختلف أصحاب الشَافِعي : هل تقضي ؟ أم لا ؟ على وجهين لَهُم ، واختار ابن سريج منهُم أنها تصلي كل يوم وليلة عشر صلوات بست اغتسالات وأربعة وضوآت ؛ ليسقط الفرض عنها بيقين . وفي هَذا حرج عظيم ، وعسر شديد ، والكتاب ناطق بانتفائه عَن هَذهِ الأمة ، فكيف تكلف بهِ امرأة ضعيفة مبتلاة ، معَ أن دين الله يسر ليس بعسر ؟ وذهبت طائفة إلى أن المستحاضة تغتسل كل يوم غسلًا واحد ، وروي عَن أحمد ما يدل على وجوبه . وعند أحمد وإسحاق : لها أن تجمع بين الصلاتين بغسل واحد ، وفي ذَلِكَ أحاديث مرفوعة عَن النبي صلى الله عليه وسلم [مخرجة] في ( السنن ) . وأما قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( هَذا عرق ) ، وتبويب البخاري هاهنا على هَذهِ اللفظة - فقد سبق الكلام على معناه مستوفى في ( باب الاستحاضة ) . وليس في حديث الزهري الذِي خرجه البخاري في هَذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة أن تدع الصلاة أيام حيضها كَما في حديث هشام بن عروة وعراك بن مالك عَن عروة ، لكن في حديث هشام أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت أبي حبيش ، وفي حديث عراك : أمر أم حبيبة بنت جحش . وقد ذكر الأوزاعي عَن الزهري في حديثه هَذا أنه صلى الله عليه وسلم قالَ لأم حبيبة : ( إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة ، فإذا أدبرت فاغتسلي وصلي ) ، وتفرد بذلك . وكذلك روى ابن عيينة عَن الزهري أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تدع الصلاة أيام أقرائها . وَهوَ وهم منهُ أيضا ، قاله الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما . ورواه محمد بن عمرو عَن الزهري ، وزاد فيهِ : ( إذا كانَ دم الحيض فإنه أسود يعرف ) ، وقيل : إنه وهم منهُ أيضا ، لكنه جعله عَن عروة ، عَن فاطمة بنت أبي حبيش . ورواه سهيل ، عَن الزهري ، عَن عروة ، عَن أسماء بنت عميس ، وزاد فيهِ هَذا المعنى أيضا . وقد سبق ذكر ذَلِكَ في ( باب الاستحاضة ) . والمحفوظ عَن الزهري في هَذا الحديث ما رواه عَنهُ أصحابه الحفاظ ، وليس فيهِ شيء من ذَلِكَ ، والله [سبحانه وتعالى] أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب عرق الاستحاضة · ص 310 ( باب عرق الاستحاضة ) أي هذا باب في بيان عرق الاستحاضة ، وهو بكسر العين وسكون الراء ، وقد ذكرنا أنه يسمى هذا العرق العاذل ، وأراد بهذا أن دم الاستحاضة من عرق كما صرح به في حديث الباب ، وفي رواية أخرجها أبو داود إنما ذلك عرق وليست بالحيضة . والمناسبة بين البابين من حيث إن كلا منهما مشتمل على ذكر حكم الاستحاضة . 32 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا معن ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، وعن عمرة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأمرها أن تغتسل فقال : هذا عرق ، فكانت تغتسل لكل صلاة . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : إبراهيم بن المنذر بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة ، الحزامي بكسر الحاء المهملة ، وبالزاي المخففة سبق في أول كتاب العلم ، ونسبته إلى حزام أحد الأجداد المنتسب إليه . الثاني : معن بن عيسى القزاز ، بتشديد الزاي الأولى ، مر في باب ما يقع من النجاسات في السمن . الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، ومر في باب حفظ العلم . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير . السادس عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية الثقة الحجة العالمة ، ماتت سنة ثمان وتسعين . السابع عائشة الصديقة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه العنعنة في أربعة مواضع . وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفي رواية ابن شهاب ، عن عروة ، وعن عمرة بواو العطف كلاهما ، عن عائشة ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر ، عن عروة ، عن عمرة ، عن عائشة بحذف الواو ، والمحفوظ إثبات الواو ، وأن ابن شهاب رواه عن شيخين عروة وعمرة ، كلاهما عن عائشة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طرق ، عن ابن أبي ذئب ، وكذا أخرجه من طريق عمرو بن الحارث وأبو داود من طريق الأوزاعي ، كلاهما عن الزهري ، وعن عروة وعمرة وأخرجه مسلم أيضا من طريق الليث ، عن الزهري ، عن عروة وحده ، وكذا من طريق إبراهيم بن سعد وأبو داود من طريق يونس كلاهما عن الزهري ، عن عمرة وحدها قال الدارقطني : هو صحيح من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عمرة جميعا . ( ذكر من أخرجه غيره ) : قال صاحب ( التلويح ) : هذا حديث أخرجه الستة في كتبهم ، قلت : أخرجه مسلم في الطهارة ، عن قتيبة ، ومحمد بن رمح وأبو داود فيه ، عن يزيد بن خالد بن موهب ، ثلاثتهم عن ليث به . وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا فيه ، عن قتيبة به . وقال الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة وعمرة ، عن عائشة . وأخرجه أبو داود أيضا ، عن عطاء ، عن محمد بن إسحاق المسيبي ، عن أبيه ، عن ابن أبي ذئب به ، هكذا وقع في رواية اللؤلؤي ، عن أبي داود . وقال أبو الحسن بن العبد وأبو بكر بن داسه وغير واحد ، عن أبي داود بإسناده ، عن عروة وعن عمرة ، عن عائشة . ( ذكر ما فيه مما يتعلق به من الفوائد ) : قولها : ( أن أم حبيبة ) هي بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين ، وهي مشهورة بكنيتها . وقال الواقدي والحربي : اسمها حبيبة ، وكنيتها أم حبيب بغير هاء ، ورجحه الدارقطني ، والمشهور في الروايات الصحيحة أم حبيبة بإثبات الهاء ، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو بن الحارث ، ووقع في الموطأ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة : أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف كانت تستحاض . الحديث . فقيل : هو وهم . وقيل : بل صواب ، وإن اسمها زينب ، وكنيتها أم حبيبة ، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب ، فإنه لم يكن اسمها الأصلي ، وإنما كان اسمها برة ، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم ، فلعله سماها باسم أختها ؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية ، فأمن اللبس ، ولها أخت أخرى اسمها حمنة بفتح الحاء المهملة وسكون الميم ، وفي آخره نون ، وهي إحدى المستحاضات ، وفي كتاب ابن الأثير روى ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة أن أم حبيبة أو حبيب ، وعند ابن عبد البر أكثرهم يسقطون الهاء ، يقولون : أم حبيب ، وأهل السير يقولون : المستحاضة حمنة ، والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا مستحاضتان جميعا . وقيل : إن زينب أيضا استحيضت ولا يصح . قوله : ( سبع سنين ) هو جمع للسنة على سبيل الشذوذ من وجهين : الأول : أن شرط جمع السلامة أن يكون مفرده مذكرا عاقلا ، وليست كذلك ، والآخر كسر أوله والقياس فتحه . قوله : ( فأمرها أن تغتسل ) أي : بأن تغتسل ، وأن مصدرية ، والتقدير : فأمرها بالاغتسال ، وفي رواية مسلم والإسماعيلي : فأمرها أن تغتسل وتصلي ، ثم إن هذا الأمر بالاغتسال مطلق يحتمل الأمر بالاغتسال لكل صلاة ، ويحتمل الاغتسال في الجملة ، وعن أبي داود رواية تدل على الاغتسال لكل صلاة ، وهي حدثنا هناد بن السري ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها بالغسل لكل صلاة . وقال البيهقي : رواية ابن إسحاق ، عن الزهري غلط لمخالفتها سائر الروايات عن الزهري ، ولكن يمكن أن يقال : إن كان هذا مخالفة الترك فلا تناقض ، وإن كان هذا مخالفة التعارض ، فليس كذلك ؛ إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالغسل عند كل صلاة ، وفي بعضها أنها فعلته هي . قلت : قد تابع ابن إسحاق سليمان بن كثير ، قال أبو داود : ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منه عن سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اغتسلي لكل صلاة . وقال أبو داود : رواه عبد الصمد ، عن سليمان بن كثير قال : توضئي لكل صلاة ، ثم قال أبو داود : وهذا وهم من عبد الصمد ، والقول فيه قول أبي الوليد ، يعني قوله : ( توضئي لكل صلاة ) وهم من عبد الصمد . قلت : ذكر هذا في حديث حماد ، أخرجه النسائي وابن ماجه . وقال مسلم في صحيحه وفي حديث حماد بن زيد حرف تركناه ، وهي : توضئي لكل صلاة . وقال النووي : وأسقطها مسلم لأنها مما انفرد به حماد . قلنا : لم ينفرد به حماد عن هشام ، بل رواه عنه أبو عوانة ، أخرجه الطحاوي في كتاب ( الرد على الكرابيسي ) من طريقه بسند جيد ، ورواه عنه أيضا حماد بن سلمة ، أخرجه الدارمي من طريقه ، ورواه عنه أيضا أبو حنيفة . وأخرجه الطحاوي من طريق أبي نعيم وعبد الله بن يزيد المقري ، عن أبي حنيفة ، عن هشام . وأخرجه الترمذي وصححه من طريق وكيع وعبدة وأبي معاوية ، عن هشام . وقال في آخره : وقال أبو معاوية في حديثه : توضئي لكل صلاة ، وقد جاء الأمر أيضا بالوضوء فيما أخرجه البيهقي في باب المستحاضة إذا كانت مميزة من حديث محمد بن عمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حبيش إلى آخره . على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان كافيا لثقته وحفظه ، لا سيما في هشام ، وليس هذا بمخالفة بل زيادة ثقة ، وهي مقبولة ، لا سيما من مثله ، وفي التلويح وقوله : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . قيل : هو من قول الراوي ، ومعناه : تغتسل من الدم الذي كان يصيب الفرج ؛ إذ المشهور من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت لا ترى الغسل لكل صلاة ، يدل على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : هذا عرق ؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلا . وقيل : إن هذا الحديث منسوخ بحديث فاطمة ؛ لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخالفت حديث أم حبيبة ، ولهذا إن أبا محمد الإشبيلي قال : حديث فاطمة أصح حديث يروى في الاستحاضة . وقال الشافعي : إنما أمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي ، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعا ، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم لم يذكر ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة ، ولكنه شيء فعلته هي ، وإلى هذا ذهب الجمهور ، قالوا : لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة ، لكن يجب عليها الوضوء إلا المتحيرة . وقال الخطابي : هذا الخبر مختصر ليس فيه ذكر حال هذه المرأة ، ولا بيان أمرها وكيفية شأنها ، وليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة ، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها ، أو كانت لها أيام فنسيتها وموضعها ووقتها وعددها ، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئا من الصلاة ، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة ؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها ، فالغسل عليها عند ذلك واجب .