باب عرق الاستحاضة
( باب عرق الاستحاضة ) 32 - حدثنا إبراهيم بن المنذر ، قال : حدثنا معن ، قال : حدثني ابن أبي ذئب ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، وعن عمرة ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم : أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فأمرها أن تغتسل فقال : هذا عرق ، فكانت تغتسل لكل صلاة .
مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم سبعة : الأول : إبراهيم بن المنذر بضم الميم وسكون النون وكسر الذال المعجمة ، الحزامي بكسر الحاء المهملة ، وبالزاي المخففة سبق في أول كتاب العلم ، ونسبته إلى حزام أحد الأجداد المنتسب إليه . الثاني : معن بن عيسى القزاز ، بتشديد الزاي الأولى ، مر في باب ما يقع من النجاسات في السمن .
الثالث : محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، بكسر الذال المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ، ومر في باب حفظ العلم . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : عروة بن الزبير .
السادس عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد الأنصارية الثقة الحجة العالمة ، ماتت سنة ثمان وتسعين . السابع عائشة الصديقة رضي الله عنها . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع .
وفيه العنعنة في أربعة مواضع . وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفي رواية ابن شهاب ، عن عروة ، وعن عمرة بواو العطف كلاهما ، عن عائشة ، كذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر ، عن عروة ، عن عمرة ، عن عائشة بحذف الواو ، والمحفوظ إثبات الواو ، وأن ابن شهاب رواه عن شيخين عروة وعمرة ، كلاهما عن عائشة ، وكذا أخرجه الإسماعيلي وغيره من طرق ، عن ابن أبي ذئب ، وكذا أخرجه من طريق عمرو بن الحارث وأبو داود من طريق الأوزاعي ، كلاهما عن الزهري ، وعن عروة وعمرة وأخرجه مسلم أيضا من طريق ج٣ / ص٣١١الليث ، عن الزهري ، عن عروة وحده ، وكذا من طريق إبراهيم بن سعد وأبو داود من طريق يونس كلاهما عن الزهري ، عن عمرة وحدها قال الدارقطني : هو صحيح من رواية الزهري ، عن عروة ، عن عمرة جميعا . ( ذكر من أخرجه غيره ) : قال صاحب ( التلويح ) : هذا حديث أخرجه الستة في كتبهم ، قلت : أخرجه مسلم في الطهارة ، عن قتيبة ، ومحمد بن رمح وأبو داود فيه ، عن يزيد بن خالد بن موهب ، ثلاثتهم عن ليث به .
وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا فيه ، عن قتيبة به . وقال الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة وعمرة ، عن عائشة . وأخرجه أبو داود أيضا ، عن عطاء ، عن محمد بن إسحاق المسيبي ، عن أبيه ، عن ابن أبي ذئب به ، هكذا وقع في رواية اللؤلؤي ، عن أبي داود .
وقال أبو الحسن بن العبد وأبو بكر بن داسه وغير واحد ، عن أبي داود بإسناده ، عن عروة وعن عمرة ، عن عائشة . ( ذكر ما فيه مما يتعلق به من الفوائد ) : قولها : ( أن أم حبيبة ) هي بنت جحش أخت زينب أم المؤمنين ، وهي مشهورة بكنيتها . وقال الواقدي والحربي : اسمها حبيبة ، وكنيتها أم حبيب بغير هاء ، ورجحه الدارقطني ، والمشهور في الروايات الصحيحة أم حبيبة بإثبات الهاء ، وكانت زوج عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه ، كما ثبت عند مسلم من رواية عمرو بن الحارث ، ووقع في الموطأ ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن زينب بنت أبي سلمة : أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف كانت تستحاض .
الحديث . فقيل : هو وهم . وقيل : بل صواب ، وإن اسمها زينب ، وكنيتها أم حبيبة ، وأما كون اسم أختها أم المؤمنين زينب ، فإنه لم يكن اسمها الأصلي ، وإنما كان اسمها برة ، فغيره النبي صلى الله عليه وسلم ، فلعله سماها باسم أختها ؛ لكون أختها غلبت عليها الكنية ، فأمن اللبس ، ولها أخت أخرى اسمها حمنة بفتح الحاء المهملة وسكون الميم ، وفي آخره نون ، وهي إحدى المستحاضات ، وفي كتاب ابن الأثير روى ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عمرة ، عن عائشة أن أم حبيبة أو حبيب ، وعند ابن عبد البر أكثرهم يسقطون الهاء ، يقولون : أم حبيب ، وأهل السير يقولون : المستحاضة حمنة ، والصحيح عند أهل الحديث أنهما كانتا مستحاضتان جميعا .
وقيل : إن زينب أيضا استحيضت ولا يصح . قوله : ( سبع سنين ) هو جمع للسنة على سبيل الشذوذ من وجهين : الأول : أن شرط جمع السلامة أن يكون مفرده مذكرا عاقلا ، وليست كذلك ، والآخر كسر أوله والقياس فتحه . قوله : ( فأمرها أن تغتسل ) أي : بأن تغتسل ، وأن مصدرية ، والتقدير : فأمرها بالاغتسال ، وفي رواية مسلم والإسماعيلي : فأمرها أن تغتسل وتصلي ، ثم إن هذا الأمر بالاغتسال مطلق يحتمل الأمر بالاغتسال لكل صلاة ، ويحتمل الاغتسال في الجملة ، وعن أبي داود رواية تدل على الاغتسال لكل صلاة ، وهي حدثنا هناد بن السري ، عن عبدة ، عن ابن إسحاق ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة أن أم حبيبة بنت جحش استحيضت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمرها بالغسل لكل صلاة .
وقال البيهقي : رواية ابن إسحاق ، عن الزهري غلط لمخالفتها سائر الروايات عن الزهري ، ولكن يمكن أن يقال : إن كان هذا مخالفة الترك فلا تناقض ، وإن كان هذا مخالفة التعارض ، فليس كذلك ؛ إذ الأكثر فيه السكوت عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لها بالغسل عند كل صلاة ، وفي بعضها أنها فعلته هي . قلت : قد تابع ابن إسحاق سليمان بن كثير ، قال أبو داود : ورواه أبو الوليد الطيالسي ، ولم أسمعه منه عن سليمان بن كثير ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة : استحيضت زينب بنت جحش ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اغتسلي لكل صلاة .
وقال أبو داود : رواه عبد الصمد ، عن سليمان بن كثير قال : توضئي لكل صلاة ، ثم قال أبو داود : وهذا وهم من عبد الصمد ، والقول فيه قول أبي الوليد ، يعني قوله : ( توضئي لكل صلاة ) وهم من عبد الصمد.
قلت : ذكر هذا في حديث حماد ، أخرجه النسائي وابن ماجه . وقال مسلم في صحيحه وفي حديث حماد بن زيد حرف تركناه ، وهي : توضئي لكل صلاة . وقال النووي : وأسقطها مسلم لأنها مما انفرد به حماد .
قلنا : لم ينفرد به حماد عن هشام ، بل رواه عنه أبو عوانة ، أخرجه الطحاوي في كتاب ( الرد على الكرابيسي ) من طريقه بسند جيد ، ورواه عنه أيضا حماد بن سلمة ، أخرجه الدارمي من طريقه ، ورواه عنه أيضا أبو حنيفة . وأخرجه الطحاوي من طريق أبي نعيم وعبد الله بن يزيد المقري ، عن أبي حنيفة ، عن هشام . وأخرجه الترمذي وصححه من طريق وكيع وعبدة وأبي معاوية ، عن هشام .
وقال في آخره : وقال أبو معاوية في حديثه : توضئي لكل صلاة ، وقد جاء الأمر أيضا بالوضوء فيما أخرجه البيهقي في باب المستحاضة إذا كانت مميزة من حديث محمد بن عمر ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن فاطمة بنت أبي حبيش إلى آخره . ج٣ / ص٣١٢على أن حماد بن زيد لو انفرد بذلك لكان كافيا لثقته وحفظه ، لا سيما في هشام ، وليس هذا بمخالفة بل زيادة ثقة ، وهي مقبولة ، لا سيما من مثله ، وفي التلويح وقوله : ( فكانت تغتسل لكل صلاة ) . قيل : هو من قول الراوي ، ومعناه : تغتسل من الدم الذي كان يصيب الفرج ؛ إذ المشهور من مذهب عائشة رضي الله تعالى عنها أنها كانت لا ترى الغسل لكل صلاة ، يدل على صحة هذا قوله صلى الله عليه وسلم : هذا عرق ؛ لأن دم العرق لا يوجب غسلا .
وقيل : إن هذا الحديث منسوخ بحديث فاطمة ؛ لأن عائشة أفتت بحديث فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ، وخالفت حديث أم حبيبة ،
ولهذا إن أبا محمد الإشبيلي قال : أصح حديث يروى في الاستحاضة. وقال الشافعي : إنما أمرها صلى الله عليه وسلم أن تغتسل وتصلي ، وإنما كانت تغتسل لكل صلاة تطوعا ، وكذا قال الليث بن سعد في روايته عند مسلم لم يذكر ابن شهاب أنه صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل لكل صلاة ، ولكنه شيء فعلته هي ، وإلى هذا ذهب الجمهور ، قالوا : لا يجب على المستحاضة الغسل لكل صلاة ، لكن يجب عليها الوضوء إلا المتحيرة . وقال الخطابي : هذا الخبر مختصر ليس فيه ذكر حال هذه المرأة ، ولا بيان أمرها وكيفية شأنها ، وليس كل مستحاضة يجب عليها الاغتسال لكل صلاة ، وإنما هي فيمن تبتلى وهي لا تميز دمها ، أو كانت لها أيام فنسيتها وموضعها ووقتها وعددها ، فإذا كانت كذلك فإنها لا تدع شيئا من الصلاة ، وكان عليها أن تغتسل عند كل صلاة ؛ لأنه يمكن أن يكون ذلك الوقت قد صادف زمان انقطاع دمها ، فالغسل عليها عند ذلك واجب .