3667 - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ : يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ ، فَقَامَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَتْ : وَقَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ، وَلَيَبْعَثَنَّهُ اللَّهُ فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِيَ رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَكَشَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَبَّلَهُ ، فقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، طِبْتَ حَيًّا ، وَمَيِّتًا ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَبَدًا ، ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ : أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ ، فَلَمَّا تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ جَلَسَ عُمَرُ . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي الْوَفَاةِ وَقِصَّةِ السَّقِيفَةِ ، سَيَأْتِي مَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَفَاةِ فِي مَكَانِهَا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي ، وَأَمَّا السَّقِيفَةُ فَتَتَضَمَّنُ بَيْعَةَ أَبِي بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ ، وَقَدْ أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي الْحُدُودِ ، وَذَكَرَ شَيْئًا مِنْهَا فِي الْأَحْكَامِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَرَ أَيْضًا ، وَأَتَمُّهَا رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَسَأَذْكُرُ هُنَا مَا فِيهَا مِنْ فَائِدَةٍ زَائِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( مَاتَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ ) تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي أَوَّلِ الْجَنَائِزِ وَأَنَّهُ بِسُكُونِ النُّونِ ، وَضَبَطَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ بِضَمِّهَا وَقَالَ : إِنَّهُ مَنَازِلُ بَنِي الْحَارِثِ مِنْ الْخَزْرَجِ بِالْعَوَالِي ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ مِيلٌ . قَوْلُهُ : ( قَالَ إِسْمَاعِيلُ ) هُوَ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ فِيهِ وَهُوَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ، وَقَوْلُهُ : يَعْنِي بِالْعَالِيَةِ أَرَادَ تَفْسِيرَ قَوْلِ عَائِشَةَ بِالسُّنْحِ . قَوْلُهُ : ( مَا كَانَ يَقَعُ فِي نَفْسِي إِلَّا ذَاكَ ) يَعْنِي عَدَمَ مَوْتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ ، وَقَدْ ذَكَرَ عُمَرُ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ كَمَا سَأُبَيِّنُهُ فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي أَوَائِلِ الْجَنَائِزِ ، وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ الْحَيَاةَ فِي الْقَبْرِ ، وَأُجِيبَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ الْمُثْبِتِينَ لِذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ نَفْيُ الْمَوْتِ اللَّازِمِ مِنَ الَّذِي أَثْبَتَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ : وَلِيَبْعَثَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لِيَقْطَعَ أَيْدِي الْقَائِلِينَ بِمَوْتِهِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِمَا يَقَعُ فِي الْبَرْزَخِ ، وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ : إِنَّ حَيَاتَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الْقَبْرِ لَا يَعْقُبُهَا مَوْتٌ بَلْ يَسْتَمِرُّ حَيًّا ، وَالْأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِي قُبُورِهِمْ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْحِكْمَةُ فِي تَعْرِيفِ الْمَوْتَتَيْنِ حَيْثُ قَالَ : لَا يُذِيقُكَ اللَّهُ الْمَوْتَتَيْنِ أَيِ الْمَعْرُوفَتَيْنِ الْمَشْهُورَتَيْنِ الْوَاقِعَتَيْنِ لِكُلِّ أَحَدٍ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَمَّا وُقُوعُ الْحَلِفِ مِنْ عُمَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَبَنَاهُ عَلَى ظَنِّهِ الَّذِي أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ ، وَفِيهِ بَيَانُ رُجْحَانِ عِلْمِ أَبِي بَكْرٍ عَلَى عُمَرَ فَمَنْ دُونَهُ ، وَكَذَلِكَ رُجْحَانُهُ عَلَيْهِمْ لِثَبَاتِهِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْعَظِيمِ . 3668 - فَحَمِدَ اللَّهَ أَبُو بَكْرٍ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ ، وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ ، وَقَالَ : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وَقَالَ : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قَالَ : فَنَشَجَ النَّاسُ يَبْكُونَ ، قَالَ : وَاجْتَمَعَتْ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ، فَقَالُوا : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ، فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ ، وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ بِذَلِكَ إِلَّا أَنِّي قَدْ هَيَّأْتُ كَلَامًا قَدْ أَعْجَبَنِي خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْلُغَهُ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ ، فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ ، فَقَالَ فِي كَلَامِهِ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ ، فَقَالَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَا ، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمْ الْوُزَرَاءُ ، هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا ، فَبَايِعُوا عُمَرَ ، أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا ، وَخَيْرُنَا ، وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ، وَبَايَعَهُ النَّاسُ ، فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، فَقَالَ عُمَرُ : قَتَلَهُ اللَّهُ . قَوْلُهُ : ( أَيُّهَا الْحَالِفُ عَلَى رِسْلِكَ ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ هِينَتِكَ وَلَا تَسْتَعْجِلْ ، وَتَقَدَّمَ فِي الطَّرِيقِ الَّذِي بِالْجَنَائِزِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ خَرَجَ وَعُمَرُ يُكَلِّمُ النَّاسَ فَقَالَ : اجْلِسْ ، فَأَبَى ، فَتَشَهَّدَ أَبُو بَكْرٍ ، فَمَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ . وَقَدِ اعْتَذَرَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِ الِاسْتِخْلَافِ مِنْ كِتَابِ الْأَحْكَامِ . قَوْلُهُ : ( فَنَشِجَ النَّاسُ ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا جِيمٌ أَيْ بَكَوْا بِغَيْرِ انْتِحَابٍ ، وَالنَّشْجُ مَا يَعْرِضُ فِي حَلْقِ الْبَاكِي مِنَ الْغُصَّةِ ، وَقِيلَ : هُوَ صَوْتٌ مَعَهُ تَوَجُّعٌ كَمَا يُرَدِّدُ الصَّبِيُّ بُكَاءَهُ فِي صَدْرِهِ . قَوْلُهُ : ( وَاجْتَمَعَتِ الْأَنْصَارُ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ ) هُوَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَة الْخَزْرَجِيُّ ثُمَّ السَّاعِدِيُّ ، وَكَانَ كَبِيرَ الْخَزْرَجِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي آخِرِ السِّيرَةِ أَنَّ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ انْحَازُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ وَهَؤِلَاءِ مِنَ الْأَوْسِ . وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ تَخَلَّفَتْ عَنَّا الْأَنْصَارُ بِأَجْمَعِهَا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَيُجْمَعُ بِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا أَوَّلًا ثُمَّ افْتَرَقُوا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخَزْرَجَ وَالْأَوْسَ كَانُوا فَرِيقَيْنِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنَ الْحُرُوبِ مَا هُوَ مَشْهُورٌ ، فَزَالَ ذَلِكَ بِالْإِسْلَامِ وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي النُّفُوسِ ، فَكَأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا أَوَّلًا ، فَلَمَّا رَأَى أُسَيْدٌ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَوْسِ أَبَا بَكْرٍ وَمَنْ مَعَهُ ، افْتَرَقُوا مِنَ الْخَزْرَجِ إِيثَارًا لِتَأْمِيرِ الْمُهَاجِرِينَ عَلَيْهِمْ دُونَ الْخَزْرَجِ . وَفِيهِ أَنَّ عَلِيًّا ، وَالزُّبَيْرَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمَا تَخَلَّفُوا فِي بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَاجْتَمَعَ الْمُهَاجِرُونَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَةِ فَقُلْتُ لَهُ : يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إِلَى إِخْوَانِنَا مِنْ الْأَنْصَارِ وَزَادَ أَبُو يَعْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ فَبَيْنَمَا نَحْنُ فِي مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ أَنِ اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَقُلْتُ : إِلَيْكَ عَنِّي فَإِنَّا عَنْكَ مَشَاغِيلُ يَعْنِي بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ ، فَإِنَّ الْأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا يَكُونُ فِيهِ حَرْبٌ . فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ : انْطَلِقْ ، فَذَكَرَهُ ، قَالَ : فَانْطَلَقْنَا نَؤُمُّهُمْ حَتَّى لَقِيَنَا رَجُلَانِ صَالِحَانِ فَقَالَا : لَا عَلَيْكُمْ أَلَّا تَقْرَبُوهُمْ ، وَاقْضُوا أَمْرَكُمْ . قَالَ : فَقُلْتُ : وَاللَّهِ لِنأتِيَنَّهُمْ ، فَانْطَلَقْنَا ، فَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ رَجُلٌ مُزَمَّلٌ ، فَقُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذِينِ لَقِيَاهُمْ هُمَا عُوَيْمُر بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ ، وَمَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ الْعَجْلَانِ حَلِيفُهُمْ وَهُمَا مِنَ الْأَوْسِ أَيْضًا ، وَكَذَا وَقَعَتْ تَسْمِيَتُهُمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، أَخْرَجَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ . قَوْلُهُ : ( فَذَهَبَ عُمَرُ يَتَكَلَّمُ ، فَأَسْكَتَهُ أَبُو بَكْرٍ إِلَخْ ) وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ عُمَرُ : أَرَدْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ ، وَقَدْ كُنْتُ زَوَّرْتُ - أَيْ هَيَّأْتُ وَحَسَّنْتُ - مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أُرِيدُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ - أَيِ الْحِدَةِ - فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكَ ، فَكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهُ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ تَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ أَبْلَغَ النَّاسِ ) بِنَصْبِ أَبْلَغَ عَلَى الْحَالِ ، وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ ، أَيْ تَكَلَّمَ رَجُلٌ هَذِهِ صِفَتُهُ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : النَّصْبُ أَوْجَهُ لِيَكُونَ تَأْكِيدًا لِمَدْحِهِ وَصَرْفِ الْوَهَمِ عَنْ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ غَيْرُهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ عُمَرُ : وَاللَّهِ مَا تَرَكَ كَلِمَةً أَعْجَبَتْنِي فِي تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَهَا فِي بَدِيهَتِهِ وَأَفْضَلَ حَتَّى سَكَتَ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ فِي كَلَامِهِ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بَيَانُ مَا قَالَ فِي رِوَايَتِهِ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ فِي الْأَنْصَارِ وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ شَأْنِهِمْ إِلَّا ذَكَرَهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَيَانُ بَعْضِ ذَلِكَ الْكَلَامِ وَهُوَ : أَمَّا بَعْدُ ، فَمَا ذَكَرْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَأَنْتُمْ أَهْلُهُ ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الْأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ نَسَبًا وَدَارًا وَعَرَّفَ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَعْدُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ دَارًا وَأَعْرَبُهُمْ أَحْسَابًا وَالْمُرَادُ بِالدَّارِ مَكَّةُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : أَرَادَ بِالدَّارِ أَهْلَ الدَّارِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ : خَيْرُ دُورِ الْأَنْصَارِ بَنُو النَّجَّارِ وَقَوْلُهُ : أَحْسَابًا الْحَسَبُ الْفِعَالُ الْحِسَانُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْحِسَابِ إِذَا عَدُّوا مَنَاقِبَهُمْ ، فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَ كَانَ أَعْظَمَ حَسَبًا ، وَيُقَالُ النَّسَبُ لِلْآبَاءِ وَالْحَسَبُ لِلْأَفْعَالِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ حُبَابُ ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَمُوَحَّدَتَيْنِ الْأُولَى خَفِيفَةٌ ( ابْنُ الْمُنْذِرِ ) أَيِ ابْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ الْخَزْرَجِيُّ ثُمَّ السَّلَمِيُّ بِفَتْحَتَيْنِ ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ : ذُو الرَّأْيِ . قَوْلُهُ : ( لَا وَاللَّهِ لَا نَفْعَلُ ، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : أَنَا جُدَيْلُهَا الْمُحَكَّكُ ، وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ وَشَرْحُ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ أَنَّ الْعُذَيْقَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ تَصْغِيرُ عَذْقٍ وَهُوَ النَّخْلَةُ ، الْمُرَجَّبُ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ يُدَعِّمُ النَّخْلَةَ إِذَا كَثُرَ حَمْلُهَا ، وَالْجُدَيْلُ بِالتَّصْغِيرِ أَيْضًا وَبِالْجِيمِ ، وَالْجَدَلُ عُودٌ يُنْصَبُ لِلْإِبِلِ الْجَرْبَاءِ لِتَحْتَكَّ فِيهِ ، وَالْمُحَكَّكُ بِكَافَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ فَأَرَادَ يُسْتَشْفَى بِرَأْيِهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَكَانَ بَدْرِيًّا فَقَالَ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَأنَّا وَاللَّهِ مَا نَنْفَسُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْأَمْرَ ، وَلَكِنَّا نَخَافُ أَنْ يَلِيَهُ أَقْوَامٌ قَتَلْنَا آبَاءَهُمْ وَإِخْوَتَهُمْ . قَالَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : إِذَا كَانَ ذَلِكَ فَمُتْ إِنِ اسْتَطَعْتَ . قَالَ : فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : نَحْنُ الْأُمَرَاءُ وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ ، وَهَذَا الْأَمْرُ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ . قَالَ فَبَايَعَ النَّاسُ وَأَوَّلُهُمْ بَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَالِدُ النُّعْمَانِ وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ فَقَامَ خَطِيبُ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا اسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْكُمْ قَرَنَهُ بِرَجُلٍ مِنَّا ، فَتَبَايَعُوا عَلَى ذَلِكَ . فَقَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ : إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِنَّمَا الْإِمَامُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا فَبَايَعُوهُ . وَوَقَعَ فِي آخِرِ الْمَغَازِي لِمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : وَكُنَّا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَوَّلَ النَّاسِ إِسْلَامًا وَنَحْنُ عَشِيرَتُهُ وَأَقَارِبُهُ وَذَوُو رَحِمِهِ ، وَلَنْ تَصْلُحَ الْعَرَبُ إِلَّا بِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، فَالنَّاسُ لِقُرَيْشٍ تَبَعٌ ، وَأَنْتُمْ إِخْوَانُنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ، وَشُرَكَاؤُنَا فِي دِينِ اللَّهِ ، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْنَا ، وَأَنْتُمْ أَحَقُّ النَّاسِ بِالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ ، وَالتَّسْلِيمِ لِفَضِيلَةِ إِخْوَانِكُمْ ، وَأَنْ لَا تَحْسُدُوهُمْ عَلَى خَيْرٍ وَقَالَ فِيهِ : إِنَّ الْأَنْصَارَ قَالُوا أَوَّلًا : نَخْتَارُ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَإِذَا مَاتَ اخْتَرْنَا رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ ، فَإِذَا مَاتَ اخْتَرْنَا رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ كَذَلِكَ أَبَدًا فَيَكُونُ أَجْدَرَ أَنْ يُشْفِقَ الْقُرَشِيُّ إِذَا زَاغَ أَنْ يَنْقَضَّ عَلَيْهِ الْأَنْصَارِيُّ وَكَذَلِكَ الْأَنْصَارِيُّ . قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاللَّهِ لَا يُخَالِفُنَا أَحَدٌ إِلَّا قَتَلْنَاهُ ، فَقَامَ حُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَادَ : وَإِنْ شِئْتُمْ كَرَّرْنَاهَا خُدْعَةً أَيْ أَعَدْنَا الْحَرْبَ . قَالَ : فَكَثُرَ الْقَوْلُ حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ فَوَثَبَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ الْمَدِينَةِ - فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ - فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ : وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ : قُرَيْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ : صَدَقْتَ . قَوْلُهُ : ( هُمْ أَوْسَطُ الْعَرَبِ ) أَيْ قُرَيْشٌ . قَوْلُهُ : ( فَبَايِعُوا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَوْ أَبَا عُبَيْدَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ وَأَخَذَ بِيَدِي وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ ، فَلَمْ أَكْرَهْ مِمَّا قَالَ غَيْرَهَا وَقَدِ اسْتُشْكِلَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ هَذَا مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِأَنَّهُ الْأَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ بِقَرِينَةِ تَقْدِيمِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ اسْتَحْيَى أَنْ يُزَكِّيَ نَفْسَهُ فَيَقُولَ مَثَلًا : رَضِيتُ لَكُمْ نَفْسِي ، وَانْضَمَّ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَقْبَلُ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَفْصَحَ عُمَرُ بِذَلِكَ فِي الْقِصَّةِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنَّهُ دُونَ عُمَرَ فِي الْفَضْلِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَيَكْفِي أَبَا بَكْرٍ كَوْنُهُ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ فِي ذَلِكَ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُ الْأَحَقُّ ، فَظَهَرَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَصْرِيحٌ بِتَخَلِّيهِ مِنَ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ نُبَايِعُكَ أَنْتَ ، فَأَنْتَ سَيِّدُنَا وَخَيْرُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) قَدْ أَفْرَدَ بَعْضُ الرُّوَاةِ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيِّ ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ شَيْخِ الْمُصَنِّفِ فِيهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ : أَنْتَ سَيِّدُنَا إِلَخْ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَهُوَ أَوْضَحُ مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( فَأَخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَبَايَعَهُ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ قَالَ : فَكَثُرَ اللَّغَطُ وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى خَشِينَا الِاخْتِلَافَ ، فَقُلْتُ : ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعْتُهُ وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ ثُمَّ الْأَنْصَارُ وَفِي مَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ : فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْأَنْصَارِ فَبَايَعُوا أَبَا بَكْرٍ ، ثُمَّ وَثَبَ أَهْلُ السَّقِيفَةِ يَبْتَدِرُونَ الْبَيْعَةَ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ سَالِمِ بْنِ عُبَيْدٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وغيره فِي قِصَّةِ الْوَفَاةِ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ : مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ ، فَقَالَ عُمَرُ - وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ - أَسَيْفَانِ فِي غِمْدٍ وَاحِدٍ ؟ لَا يَصْطَلِحَانِ ، وَأَخَذَ بِيَدِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ : مَنْ لَهُ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ ؟ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ مَنْ هُمَا ؟ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ مَنْ صَاحِبُهُ ؟ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا مَعَ مَنْ ؟ ثُمَّ بَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعَهُ ثُمَّ قَالَ : بَايِعُوهُ ، فَبَايَعَهُ النَّاسُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ قَائِلٌ : قَتَلْتُمْ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ) أَيْ كِدْتُمْ تَقْتُلُونَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْإِعْرَاضِ وَالْخِذْلَانِ ، وَيَرُدُّهُ مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنِ أبي شِهَابٍ فَقَالَ قَائِلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ : أَبْقُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ لَا تَطَئُوهُ ، فَقَالَ عُمَرُ : اقْتُلُوهُ قَتَلَهُ اللَّهُ . نَعَمْ لَمْ يُرِدْ عُمَرُ الْأَمْرَ بِقَتْلِهِ حَقِيقَةً ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : قَتَلَهُ اللَّهُ فَهُوَ دُعَاءٌ عَلَيْهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ إِهْمَالِهِ وَالْإِعْرَاضِ عَنْهُ ، وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ فَقُلْتُ وَأَنَا مُغْضَبٌ : قَتَلَ اللَّهُ سَعْدًا فَإِنَّهُ صَاحِبُ شَرٍّ وَفِتْنَةٍ قَالَ ابْنُ التِّينِ : وَإِنَّمَا قَالَتِ الْأَنْصَارُ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى مَا عَرَفُوهُ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ لَا يَتَأَمَّرَ عَلَى الْقَبِيلَةِ إِلَّا مَنْ يَكُونُ مِنْهَا ، فَلَمَّا سَمِعُوا حَدِيثَ : الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَذْعَنُوا . قُلْتُ حَدِيثُ : الْأَئِمَّةُ مِنَ قُرَيْشٍ سَيَأْتِي ذِكْرُ مَنْ أَخْرَجَهُ بِهَذَا اللَّفْظِ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ ، وَلَمْ يَقَعْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ إِلَّا بِمَعْنَاهُ ، وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ عَنْ نَحْوِ أَرْبَعِينَ صَحَابِيًّا لَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ فُضَلَاءِ الْعَصْرِ ذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ إِلَّا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ الدَّاوُدِيُّ عَلَى أَنَّ إِقَامَةَ الْخَلِيفَةِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ؛ لِأَنَّهُمْ أَقَامُوا مُدَّة لَمْ يَكُنْ لَهُمْ إِمَامٌ حَتَّى بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ ، وَتُعُقِّبَ بِالِاتِّفَاقِ عَلَى فَرْضِيَّتِهَا وَبِأَنَّهُمْ تَرَكُوا لِأَجْلِ إِقَامَتِهَا أَعْظَمَ الْمُهِمَّاتِ وَهُوَ التَّشَاغُلُ بِدَفْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَتَّى فَرَغُوا مِنْهَا ، وَالْمُدَّةُ الْمَذْكُورَةُ زَمَنٌ يَسِيرٌ فِي بَعْضِ يَوْمٍ يُغْتَفَرُ مِثْلُهُ لِاجْتِمَاعِ الْكَلِمَةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِ الْأَنْصَارِ مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ عُمَرُ كَمَا سَيَأْتِي ; وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ فِي مَقَامِ مَنْ لَا يَخَافُ شَيْئًا وَلَا يَتَّقِيهِ ، وَكَذَلِكَ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ : مَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُسْتَخْلِفًا ؟ قَالَتْ : أَبُو بَكْرٍ . قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : عُمَرُ . قِيلَ : ثُمَّ مَنْ ؟ قَالَتْ : أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ . وَوَجَدْتُ فِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ ذَلِكَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ : لَوْ كَانَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ نَصٌّ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى تَعْيِينِ أَحَدٍ بِعَيْنِهِ لِلْخِلَافَةِ لَمَا اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَفَاوَضُوا فِيهِ ، قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَاسْتَنَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ نَصَّ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ بِأُصُولٍ كُلِّيَّةٍ وَقَرَائِنَ حَالِيَّةٍ تَقْتَضِي أَنَّهُ أَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ وَأَوْلَى بِالْخِلَافَةِ . قُلْتُ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي تَرْجَمَتِهِ ، وَسَيَأْتِي بَعْضُهَا فِي الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ آخِرَ الْمَغَازِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، الحديث الثالث عشر .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا · ص 35 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا · ص 40 3669 - وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ، عَنْ الزُّبَيْدِيِّ ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ : أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ أَنَّ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - قَالَتْ : شَخَصَ بَصَرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ قَالَ : فِي الرَّفِيقِ الْأَعْلَى ( ثَلَاثًا ) وَقَصَّ الْحَدِيثَ ، قَالَتْ : فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا ، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمْ اللَّهُ بِذَلِكَ . 3670 - ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى ، وَعَرَّفَهُمْ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِمْ ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ - إِلَى - الشَّاكِرِينَ قَوْلُهُ : ( قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَالِمٍ ) هُوَ الْحِمْصِيُّ الْأَشْعَرِيُّ ، تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْمُزَارَعَةِ ، وَالزُّبَيْدِيُّ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ صَاحِبُ الزُّهْرِيِّ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ أَيِ ابْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ . وَهَذِهِ الطَّرِيقُ لَمْ يُورِدْهَا الْبُخَارِيُّ إِلَّا مُعَلَّقَةً وَلَمْ يَسُقْهَا بِتَمَامِهَا ، وَقَدْ وَصَلَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ ، وَقَوْلُهُ : شَخَصَ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَتَيْنِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيِ ارْتَفَعَ ، وَقَوْلُهُ : وَقَصَّ الْحَدِيثَ يَعْنِي فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْوَفَاةِ ، وَقَوْلُ عُمَرَ : ( إِنَّهُ لَمْ يَمُتْ وَلَنْ يَمُوتَ حَتَّى يَقْطَعَ أَيْدِي رِجَالٍ الْمُنَافِقِينَ وَأَرْجُلَهُمْ ) وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ : ( إِنَّهُ مَاتَ ) وَتِلَاوَتُهُ الْآيَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَوْلُهُ : ( قَالَتْ عَائِشَةُ فَمَا كَانَتْ مِنْ خُطْبَتِهِمَا مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا ) أَيْ مِنْ خُطْبَتَيْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَ مِنْ الْأُولَى تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ بَيَانِيَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ زَائِدَةٌ ، ثُمَّ شَرَحَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : ( لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ ) أَيْ بِقَوْلِهِ الْمَذْكُورِ ، وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ لَقَدْ خَوَّفَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ وَهُوَ غَلَطٌ ، وَقَوْلُهَا : ( وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا ) أَيْ إِنَّ فِي بَعْضِهِمْ مُنَافِقِينَ ، وَهُمُ الَّذِينَ عَرَّضَ بِهِمْ عُمَرُ فِي قَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْحُمَيْدِيِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَإِنَّ فِيهِمْ لَتُقًى : فَقِيلَ : إِنَّهُ مِنْ إِصْلَاحِهِ ، وَإِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ : وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا تَصْحِيفٌ فَصَيَّرَهُ لَتُقًى كَأَنَّهُ اسْتَعْظَمَ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَذْكُورِينَ نِفَاقًا . وَقَالَ عِيَاضٌ : لَا أَدْرِي هُوَ إِصْلَاحٌ مِنْهُ أَوْ رِوَايَةٌ ؟ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَلَا اسْتِعْظَامَ ، فَقَدْ ظَهَرَ فِي أَهْلِ الرِّدَّةِ ذَلِكَ ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الْحَادِثِ الْعَظِيمِ الَّذِي أَذْهَلَ عُقُولَ الْأَكَابِرِ فَكَيْفَ بِضُعَفَاءِ الْإِيمَانِ ، فَالصَّوَابُ مَا فِي النُّسَخِ . انْتَهَى . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ فِيهِ إِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 184 167 - حدثنا إسماعيل بن عبد الله ، حدثنا سليمان بن بلال ، عن هشام بن عروة ، عن عروة بن الزبير ، عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات وأبو بكر بالسنح قال إسماعيل : يعني بالعالية فقام عمر يقول : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : وقال عمر : والله ما كان يقع في نفسي إلا ذاك وليبعثنه الله فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ، فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله قال : بأبي أنت وأمي طبت حيا وميتا والله الذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا ، ثم خرج فقال : أيها الحالف على رسلك ، فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال : ألا من كان يعبد محمدا صلى الله عليه وسلم فإن محمدا صلى الله عليه وسلم قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وقال : إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ وقال : وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ قال : فنشج الناس يبكون قال : واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة فقالوا : منا أمير ومنكم أمير ، فذهب إليهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر وكان عمر يقول : والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر ، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء فقال حباب بن المنذر : لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير ، فقال أبو بكر : لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا وأعربهم أحسابا ، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر : بل نبايعك أنت فأنت سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه الناس ، فقال قائل : قتلتم سعد بن عبادة فقال عمر : قتله الله . وقال عبد الله بن سالم عن الزبيدي قال عبد الرحمن بن القاسم : أخبرني القاسم أن عائشة رضي الله عنها قالت : شخص بصر النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال : في الرفيق الأعلى ثلاثا وقص الحديث ، قالت عائشة : فما كانت من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها لقد خوف عمر الناس وإن فيهم لنفاقا فردهم الله بذلك ، ثم لقد بصر أبو بكر الناس الهدى ، وعرفهم الحق الذي عليهم ، وخرجوا به يتلون وَمَا مُحَمَّدٌ إِلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى الشَّاكِرِينَ مطابقته للترجمة ظاهرة ؛ لأن فيه فضيلة أبي بكر على سائر الصحابة حيث قدم على الكل فصار خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ( ذكر رجال الحديث ) وهم خمسة : الأول إسماعيل بن عبد الله هو إسماعيل بن أبي أويس ، واسمه عبد الله ابن أخت مالك بن أنس . الثاني سليمان بن بلال أبو أيوب القرشي التيمي . الثالث هشام بن عروة . الرابع أبوه عروة بن الزبير بن العوام . الخامس عائشة أم المؤمنين . ( ذكر الرجال الذين فيه ) أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما ، وسعد بن عبادة بن دلهم بن حارثة الأنصاري الساعدي ، وكان نقيب بني ساعدة عند جميعهم ، وشهد بدرا عند البعض ولم يبايع أبا بكر ولا عمر ، وسار إلى الشام فأقام بحوران إلى أن مات سنة خمس عشرة ، ولم يختلفوا أنه وجد ميتا على مغتسله قيل : إن قبره بالمنيحة قرية من غوطة دمشق وهو مشهور يزار إلى اليوم . وأبو عبيدة بن الجراح واسمه عامر بن عبد الله بن الجراح مات سنة ثمان عشرة في طاعون عمواس ، وقبره بغور بيسان عند قرية تسمى عميا . وحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة وبعد الألف باء أخرى ابن المنذر بن الجموح الأنصاري السلمي ، وهو القائل يوم السقيفة : أنا جديلها المحنك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير . مات في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه . وعبد الله بن سالم أبو يوسف الأشعري الشامي ، مات سنة تسع وسبعين ومائة . والزبيدي بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة ، واسمه محمد بن الوليد بن عامر أبو الهذيل الشامي الحمصي الزبيدي وقال ابن سعد : مات سنة ثمان وأربعين ومائة وهو ابن سبعين سنة . وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، وهذا الحديث من أفراده . ذكر معناه . قوله : وأبو بكر بالسنح بضم السين المهملة وسكون النون بعدها حاء مهملة ، وضبطه أبو عبيد البكري بضم النون وقال : إنه منازل بني الحارث بن الخزرج بالعوالي بينه وبين المسجد النبوي ميل ، وبه ولد عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما ، وكان أبو بكر نازلا بها ومعه أسماء ابنته . وسكن هناك أبو بكر لما تزوج ابنة خارجة الأنصارية . قوله : قال إسماعيل هو شيخ البخاري المذكور وهو ابن أبي أويس . قوله : يعني بالعالية أراد تفسير قول عائشة بالسنح العالية ، والعوالي أماكن بأعلى أراضي المدينة وأدناها من المدينة على أربعة أميال ، وأبعدها من جهة نجد ثمانية . والنسبة إليها علوي على غير قياس . قوله : والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما حلف عمر رضي الله عنه على هذا بناء على ظنه حيث أدى اجتهاده إليه . قوله : قالت أي : عائشة رضي الله عنها . قوله : ذلك أي : عدم الموت . قوله : وليبعثنه الله أي : ليبعثن الله محمدا في الدنيا فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم وهم الذين قالوا بموته . قوله : فجاء أبو بكر أي : من السنح فكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبله ، وقد مر في أول الجنائز . قالت عائشة : أقبل أبو بكر على فرسه من مسكنه بالسنح حتى نزل فدخل المسجد ، فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهي مسجى ببرد حبرة فكشف عن وجهه ، ثم أكب عليه فقبله ثم بكى . قوله : بأبي أنت وأمي أي : أنت مفدى بأبي وأمي . قوله : حيا وميتا أي : في حالة حياتك وحالة موتك . قوله : لا يذيقك الله الموتتين بضم الياء من الإذاقة ، وأراد بالموتتين الموت في الدنيا والموت في القبر ، وهما الموتتان المعروفتان المشهورتان ، فلذلك ذكرهما بالتعريف وهما الموتتان الواقعتان لكل أحد غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فإنهم لا يموتون في قبورهم بل هم أحياء ، وأما سائر الخلق فإنهم يموتون في القبور ثم يحيون يوم القيامة . ومذهب أهل السنة والجماعة أن في القبر حياة وموتا فلا بد من ذوق الموتتين لكل أحد غير الأنبياء . وقد تمسك بقوله : لا يذيقك الله الموتتين من أنكر الحياة في القبر وهم المعتزلة ومن نحا نحوهم ، وأجاب أهل السنة عن ذلك بأن المراد به نفي الحياة اللازم من الذي أثبته عمر رضي الله عنه بقوله : ليبعثنه الله في الدنيا ليقطع أيدي القائلين بموته فليس فيه من نفي موت عالم البرزخ . قوله : ثم خرج أي : ثم خرج أبو بكر من عند النبي صلى الله تعالى عليه وسلم . قوله : على رسلك بكسر الراء وسكون السين المهملة أي : اتئد في الحلف أو كن على رسلك أي : التؤدة لا تستعجل . قوله : ألا من كان كلمة ألا هنا للتنبيه على شيء يأتي أو يقوله . قوله : فنشج الناس بفتح النون وكسر الشين المعجمة بعدها جيم يقال : نشج الباكي إذا غص في حلقه البكاء ، وقيل : النشيج بكاء معه صوت نقله الخطابي وقيل : هو بكاء بترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره . وقال ابن فارس : نشج الباكي غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب والنحيب بكاء مع صوت . قوله : في سقيفة بني ساعدة وهو موضع سقف كالسباط كان مجتمع الأنصار ودار ندوتهم ، وساعدة هو ابن كعب بن الخزرج وقال ابن دريد : ساعدة اسم من أسماء الأسد . قوله : فقالوا أي : الأنصار منا أمير ومنكم أمير إنما قالوا ذلك بناء على عادة العرب أن لا يسود القبيلة إلا رجل منهم ، ولم يعلموا حينئذ أن حكم الإسلام بخلاف ذلك ، فلما سمعوا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال : الخلافة في قريش أذعنوا لذلك وبايعوا الصديق . قوله : خشيت أن لا يبلغه أبو بكر خشيت بالخاء المعجمة من الخشية وهو الخوف ، ويروى حسبت بالحاء والسين المهملتين من الحسبان ، وفي رواية ابن عباس قد كنت زورت أي : هيأت وحسنت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر ، وكنت أداري منه بعض الحد أي : الحدة فقال : على رسلك فكرهت أن أغضبه . قوله : فتكلم أبلغ الناس بنصب أبلغ على الحال ، وأبلغ أفعل التفضيل ، والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحة الكلام ، فالحال في الاصطلاح هي الأمور الداعية إلى التكلم على الوجه المخصوص ، ويجوز الرفع على الفاعلية كذا قاله بعض الشراح ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف أولى ، فالتقدير فتكلم أبو بكر وهو أبلغ الناس وقال السهيلي : النصب أوجه ؛ ليكون تأكيدا لمدحه وصرف الوهم عن أن يكون أحد موصوفا بذلك غيره ، وفي رواية ابن عباس قال عمر رضي الله تعالى عنه : ما ترك كلمة أعجبتني في تزويري إلا قالها في بديهته وأفضل حتى سكت . قوله : فقال في كلامه أي : فقال أبو بكر في جملة كلامه : نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، كأنه أراد بهذا أن الإمارة أعني الخلافة لا تكون إلا في المهاجرين ، وأراد بقوله : أنتم الوزراء أنتم المستشارون في الأمور تابعون للمهاجرين ؛ لأن مقام الوزارة الإعانة والمشورة والاتباع فقال حباب بن المنذر : لا والله لا نفعل يعني لا نرضى أن تكون الإمارة فيكم بل منا أمير ومنكم أمير ، أراد أن يكون أمير من المهاجرين وأمير من الأنصار ، فلم يرض أبو بكر بذلك وهو معنى قوله : فقال أبو بكر : لا يعني لا نرضى بما تقول لكنا نحن الأمراء وأنتم الوزراء ، ثم بين وجه خصوصية المهاجرين بالإمارة بقوله : هم أوسط العرب دارا أي : قريش أوسط العرب دارا أي : من جهة الدار وأراد بها مكة . وقال الخطابي : أراد بالدار أهل الدار ، وأراد بالأوسط الأخير والأشرف ، ومنه يقال : فلان من أوسط الناس أي : من أشرفهم وأحسبهم ، ويقال : هو من أوسط قومه أي : خيارهم . قوله : وأعربهم أحسابا بالباء الموحدة في أعربهم أي : أشبه شمائل وأفعالا بالعرب ، ويروى أعرقهم بالقاف موضع الباء من العراقة وهي الأصالة في الحسب ، وكذا يقال في النسب . والأحساب بفتح الهمزة جمع حسب وهو الأفعال ، وهو مأخوذ من الحساب يعني إذا حسبوا مناقبهم ، فمن كان يعد لنفسه ولأبيه مناقب أكثر كان أحسب . قوله : فبايعوا عمر هذا قول أبي بكر يقول للمهاجرين والأنصار : بايعوا عمر أو بايعوا أبا عبيدة ، إنما قال هذا الكلام حتى لا يتوهموا أن له غرضا في الخلافة ، وأضاف إلى عمر أبا عبيدة حتى لا يظنوا أنه يحابي عمر ، فلما قال أبو بكر هذه المقالة قال عمر رضي الله تعالى عنه ، بل نبايعك أنت فقام وبايعه وبايع الناس . قوله : فقال قائل أي : من الأنصار قتلتم سعدا يعني سعد بن عبادة . وقال الكرماني : هو كناية عن الإعراض والخذلان لا حقيقة القتل ، وقال بعضهم : يرد هذا ما وقع في رواية موسى بن عقبة عن ابن شهاب ، فقال قائل من الأنصار : اتقوا سعد بن عبادة لا تطؤه فقال عمر : اقتلوه قتله الله انتهى . قلت : لا وجه قط للرد المذكور ؛ لأنه ليس المراد من قول عمر اقتلوه حقيقة القتل ، بل المراد منه أيضا الإعراض عنه وخذلانه كما في الأول ، ومعنى قول عمر قتله الله دعاء عليه لعدم نصرته للحق ومخالفته للجماعة ؛ لأنه تخلف عن البيعة وخرج من المدينة ولم ينصرف إليها إلى أن مات بالشام كما ذكرناه عن قريب . قوله : وقال عبد الله بن سالم قد ذكرناه ، وهذا تعليق لم يذكره البخاري إلا معلقا غير تمام ، وقد وصله الطبراني في مسند الشاميين . قوله : شخص بصر النبي صلى الله عليه وسلم من الشخوص وهو ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وانزعاجه . قوله : في الرفيق الأعلى أي : الجنة قاله صاحب التوضيح قلت : الرفيق جماعة الأنبياء عليهم السلام الذين يسكنون أعلى عليين ، وهو اسم جاء على فعيل وهو الجماعة كالصديق ، والخليط يقع على الواحد والجمع ، ومنه قوله تعالى : وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا فإن قلت : ما متعلق في الرفيق الأعلى؟ قلت : محذوف يدل عليه السياق نحو أدخلوني فيهم وذلك قاله حين خير بين الموت والحياة فاختار الموت . قوله : وقص الحديث أي : قص القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، وأراد بالحديث ما قاله عمر من قوله : إنه لم يمت ولن يموت حتى يقطع أيادي رجال من المنافقين وأرجلهم ، وما قال أبو بكر من قوله : إنه مات وتلا الآيتين كما مضى . قوله : قالت أي : عائشة رضي الله تعالى عنها . قوله : من خطبتهما أي : من خطبة أبي بكر وعمر ، وكلمة من للتبعيض ، ومن الأخرى في قوله : ومن خطبة زائدة . قوله : لقد خوف عمر إلى آخره بيان الخطبة التي نفع الله بها . قوله : وإن فيهم لنفاقا أي : إن في بعضهم لمنافقين ، وهم الذين عرض بهم عمر رضي الله عنه في قوله الذي سبق عن قريب قيل : وقع في رواية الحميدي في الجمع بين الصحيحين وإن فيهم لتقى فقيل : إنه من إصلاحه فإنه ظن أن قوله : وإن فيهم لنفاقا تصحيف فصيره لتقى كأنه استعظم أن يكون في المذكورين نفاق . وقال القاضي عياض : لا أدري هو إصلاح منه أو رواية ، فعلى الأول فلا استعظام فقد ظهر من أهل الردة ذلك ولا سيما عند الحادث العظيم الذي أذهل عقول الأكابر ، فكيف بضعفاء الإيمان ، فالصواب ما في النسخ والله أعلم .