29 - بَاب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا 332 - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شَبَابَةُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، عَنْ ابْنِ بُرَيْدَةَ ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ : أَنَّ امْرَأَةً مَاتَتْ فِي بَطْنٍ فَصَلَّى عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ وَسَطَهَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا ) أَيْ سُنَّةِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي سُرَيْجٍ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ بِالْمُهْمَلَةِ وَالْجِيمِ ، وَاسْمُهُ الصَّبَّاحُ ، وَقِيلَ إِنَّ أَحْمَدَ هُوَ ابْنُ عُمَرَ بْنِ أَبِي سُرَيْجٍ فَكَأَنَّهُ نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ . قَوْلُهُ : ( أَنَّ امْرَأَةً ) هِيَ أُمُّ كَعْبٍ سَمَّاهَا مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَارِثِ ، عَنْ حُسَيْنٍ الْمُعَلِّمِ ، وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ . قَوْلُهُ : ( مَاتَتْ فِي بَطْنٍ ) أَيْ بِسَبَبِ بَطْنٍ يَعْنِي الْحَمْلَ ، وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ قَالَ ابْنُ التَّيْمِيِّ : قِيلَ وَهِمَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ فَظَنَّ أَنَّ قَوْلَهُ مَاتَتْ فِي بَطْنٍ مَاتَتْ فِي الْوِلَادَةِ ، قَالَ : وَمَعْنَى مَاتَتْ فِي بَطْنٍ مَاتَتْ مَبْطُونَةً . قُلْتُ : بَلِ الْمُوَهِّمُ لَهُ هُوَ الْوَاهِمُ ، فَإِنَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ كِتَابِ الْجَنَائِزِ مَاتَتْ فِي نِفَاسِهَا وَكَذَا لِمُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ وَسَطَهَا ) بِفَتْحِ السِّينِ فِي رِوَايَتِنَا ، وَكَذَا ضَبَطَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَضَبَطَهُ غَيْرُهُ بِالسُّكُونِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ فَقَامَ عِنْدَ وَسَطِهَا وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْجَنَائِزِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ قَصَدَ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ أَنَّ النُّفَسَاءَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُصَلِّي لَهَا حُكْمُ غَيْرِهَا أَيْ فِي طَهَارَةِ الْعَيْنِ ، لِصَلَاةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا ، قَالَ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ ابْنَ آدَمَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّ النُّفَسَاءَ جَمَعَتِ الْمَوْتَ ، وَحَمْلَ النَّجَاسَةِ بِالدَّمِ اللَّازِمِ لَهَا ، فَلَمَّا لَمْ يَضُرَّهَا ذَلِكَ كَانَ الْمَيِّتُ الَّذِي لَا يَسِيلُ مِنْهُ نَجَاسَةٌ أَوْلَى . وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الْمُنِيرِ بِأَنَّ هَذَا أَجْنَبِيٌّ عَنْ مَقْصُودِ الْبُخَارِيِّ ، قَالَ وَإِنَّمَا قَصَدَ أَنَّهَا وَإِنْ وَرَدَ أَنَّهَا مِنَ الشُّهَدَاءِ فَهِيَ مِمَّنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا كَغَيْرِ الشُّهَدَاءِ ، وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ رَشِيدٍ بِأَنَّهُ أَيْضًا أَجْنَبِيٌّ عَنْ أَبْوَابِ الْحَيْضِ ، قَالَ : وَإِنَّمَا أَرَادَ الْبُخَارِيُّ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِلَازِمٍ مِنْ لَوَازِمِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّ الصَّلَاةَ اقْتَضَتْ أَنَّ الْمُسْتَقْبِلَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحْكُومًا بِطَهَارَتِهِ ، فَلَمَّا صَلَّى عَلَيْهَا - أَيْ إِلَيْهَا - لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِطَهَارَةِ عَيْنِهَا ، وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ وَالْحَائِضِ وَاحِدٌ ، قَالَ : وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا مَقْصُودُهُ إِدْخَالُ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ فِي الْبَابِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَغَيْرِهِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ قَبْلَ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ : ( بَابٌ ) غَيْرُ مُتَرْجَمٍ ، وَكَذَا فِي نُسْخَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَعَادَتُهُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْفَصْلِ مِنَ الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَمُنَاسَبَتُهُ لَهُ أَنَّ عَيْنَ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ طَاهِرَةٌ لَأَنَّ ثَوْبَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصِيْبُهَا إِذَا سَجَدَ ، وَهِيَ حَائِضٌ وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ عَلَى النُّفَسَاءِ وَسُنَّتِهَا · ص 511 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاةِ على النفساءِ وسنتها · ص 545 29 - باب الصلاةِ على النفساءِ وسنتها خرج فيهِ : 332 - من حديث شعبة ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن سمرة بن جندب - أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام وسطها . لم يخرج البخاري في أحكام النفساء سوى هذا الحديث ، كأنه لم يصح عنده في أحكام النفاس حديث على شرطه . وليس في هذا الحديث سوى الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها . وقد اعترض الإسماعيلي على البخاري في ذَلِكَ ، وقال : ليس في الحديث إلا أنها ماتت في بطن ، والمراد أنها ماتت مبطونة ؛ فلا مدخل للحديث في النفاس بالكلية . وهذا الذي قاله غير صحيح ؛ فإنه قد خرجه البخاري في ( الجنائز ) ، ولفظه ( صلى على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام وسطها ) . وخرجه مسلم كذلك أيضا . ويؤخذ من هذا الحديث أن [دم] النفاس وإن كانَ يمنع النفساء من الصلاة ، فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ . وكذلك دم الحيض ، فإنه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما ، كما يصلى على الجنب إذا مات . وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ ، إلا أن يكون شهيدًا في معركة . فإن استشهد في معركة وكان عليهِ غسل جنابة أو حيض أو نفاس ، فهل يغسل أم لا ؟ فيهِ روايتان عن أحمد ، أشهرهما أنه يغسل . وعلى هذا فلو استشهدت من هي حائض أو نفساء في دمها قبل انقطاعه ففي غسلها وجهان ، بناهما الأصحاب على أن الموجب لغسل الحيض والنفاس هل هوَ خروج الدم ؟ أو انقطاعه ؟ ولو خرج البخاري هاهنا حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة أن تغتسل وتهل - لكان حسنًا ؛ فإنه يدل على أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج . وقد خرجه مسلم من حديث جابر وعائشة ، إلا أن حديث جابر ليس هوَ على شرط البخاري . ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه ، وقد حكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء ، منهم ابن جرير وغيره . واختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره : أما أقله فأكثرهم على أنه لا حد لهُ ، وأنها لو ولدت ورأت قطرة من دم كانت نفاسًا . وهو قول عطاء ، والشعبي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، ومحمد بن الحسن وغيرهم . وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وعن أبي حنيفة رواية : أقله خمسة وعشرون يومًا . وعن أبي يوسف : أقله أحد عشر يومًا . وعن الثوري رواية : أقله ثلاثة أيام كالحيض عنده ، وحكي عن أحمد رواية كذلك أن أقله ثلاثة أيام ، وحكي عنه رواية أن أقله يوم . وعن المزني : أقله أربعة أيام . وعن الحسن : أقله عشرون يومًا . وأما أكثره فأكثر العلماء على أن أكثره أربعون يومًا ، وحكاه بعضهم إجماعًا من الصحابة . قالَ إسحاق : هوَ السنة المجمع عليها . قالَ : ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين سنة ، إلا عن بعض التابعين . قالَ الطحاوي : لم يقل بالستين أحد من الصحابة ، إنما قاله بعض من بعدهم . وكذا ذكر ابن عبد البر ، وغير واحد . وممن روي عنه توقيته بالأربعين من الصحابة عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وأنس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة . وممن ذهب إلى هذا الثوري ، وابن المبارك ، والليث ، والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والمزني ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الحديث ، وحكاه الترمذي عن الشافعي ، وهو غريب عنه . وحكى الترمذي عن الحسن أن أكثره خمسون يومًا . وعن عطاء والشعبي : أكثره ستون يومًا . وقد اختلف فيهِ عن عطاء والحسن ، وروي عنهما : أكثره أربعون يومًا . وممن قالَ بالستين الشعبي ، والعنبري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وحكي رواية عن أحمد . وحكى الليث عن بعض العلماء أن أكثره سبعون يومًا . وقيل : لا حد لأكثره ، وإنما يرجع إلى عادات النساء ، وحكي عن الأوزاعي ، وهو رواية عن مالك . ونقل ابن القاسم أن مالكًا رجع إلى ذَلِكَ . وحكي عن ربيعة : أكثره ثلاثة أشهر . وقيل : أكثره من الغلام ثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون يومًا ، قاله مكحول ، وسعيد بن عبد العزيز ، وحكاه الأوزاعي عن أهل دمشق . وقيل : أكثره من الغلام خمسة وثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون ، رواه الخشني عن الأوزاعي . وحكي عن الضحاك : أكثره أربع عشرة ليلة . وفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف ، ومن أجودها ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث مسة الأزدية ، عن أم سلمة ، قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا . وخرجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو ( كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة ، لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس ) . وصححه الحاكم ، وفي متنه نكارة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يلد منهن أحد بعد فرض الصلاة ؛ فإن خديجة - عليها السلام - ماتت قبل أن تفرض الصلاة . ومتى انقطع الدم قبل بلوغ أكثره فهي طاهرة ، تصوم وتصلي . وهل يكره وطؤها ؟ أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما أنه يكره ، وهو مروي عن طائفة من الصحابة ، وأن النفساء لا توطأ إلا بعد الأربعين وإن انقطع دمها قبل ذَلِكَ ، منهم : علي ، وابن عباس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي أيضا عن مالك ، وسعيد بن عبد العزيز . وحكي عن أحمد تحريمه . وقال آخرون : لا يكره ذَلِكَ ، وهو قول الأوزاعي والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة : لا يكره إلا أن ينقطع دمها لدون عادتها ، فلا توطأ حتى تذهب أيام عادتها . وقال إسحاق : يكره احتياطا إلا أن ينقطع لعادة كانت لها فلا يكره ؛ لأن احتمال عوده حينئذ بعيد جدًا ، فهي كحائض انقطع دمها لعادتها لدون أكثر الحيض .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة على النفساء وسنتها · ص 315 ( باب الصلاة على النفساء وسنتها ) أي هذا باب في بيان الصلاة على النفساء وبيان سنتها ، أي : بيان سنة الصلاة عليها . قال ابن بطال : يحتمل أن يكون البخاري قصد بهذه الترجمة أن النفساء وإن كانت لا تصلي أن لها حكم غيرها من النساء ، أي : في طهارة العين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليها ، قال : وفيه رد على من زعم أن ابن آدم ينجس بالموت ؛ لأن النفساء جمعت الموت وحمل النجاسة بالدم الملازم لها ، فلما لم يضرها ذلك كان الميت الذي لا يسيل منه نجاسة أولى . وقال ابن المنير : ظن الشارح أراد به ابن بطال أن مقصود الترجمة التنبيه على أن النفساء طاهرة العين لا نجسة ؛ لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلى عليها ، وأوجب لها بصلاته حكم الطهارة ، فيقاس المؤمن الطاهر مطلقا عليها في أنه لا ينجس ، وذلك كله أجنبي عن مقصوده . والله أعلم . وإنما قصد أنها وإن ورد أنها من الشهداء فهي ممن يصلى عليها كغير الشهداء . وقال ابن رشيد : أراد البخاري أن يستدل بلازم من لوازم الصلاة ؛ لأن الصلاة اقتضت أن المستقبل فيها ينبغي أن يكون محكوما بطهارته ، فلما صلى عليها ، أي : إليها لزم من ذلك القول بطهارة عينها . قلت : كل هذا لا يجدي ، والحق أحق أن يتبع ، والصواب من القول في هذا أن هذا الباب لا دخل له في كتاب الحيض ومورده في كتاب الجنائز ، ومع هذا ليس له مناسبة أصلا بالباب الذي قبله ، ورعاية المناسبة بين الأبواب مطلوبة ، وقول ابن بطال : إن حكم النفساء مثل حكم غيرها من النساء في طهارة العين لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عليها مسلم ، ولكنه لا يلائم حديث الباب ؛ فإن حديث الباب في أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النفساء ، وقام في وسطها ، وليس لهذا دخل في كتاب الحيض . وقول ابن المنير أبعد من هذا ؛ لأن مظنة ما ذكره في باب الشهيد ، وليس له دخل في كتاب الحيض . وقول ابن رشيد أبعد من الكل ؛ لأنه ارتكب أمورا غير موجهة : الأول : أنه شرط أن يكون المستقبل في الصلاة طاهرا ، فهذا فرض أو واجب أو سنة أو مستحب . والثاني ارتكب مجازا من غير داع إلى ذلك . والثالث ادعى الملازمة ، وهي غير صحيحة على ما لا يخفى على المتأمل . 36 - حدثنا أحمد بن أبي سريج ، قال : أخبرنا شبابة ، قال : أخبرنا شعبة ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن سمرة بن جندب : أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقام وسطها . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة مع وضع الترجمة في غير موضعها كما ذكرنا . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : أحمد بن أبي سريج أبو جعفر الرازي ، انفرد البخاري بالرواية عنه ، وأبو سريج اسمه الصباح ، وهو بضم السين المهملة وبالجيم . الثاني : شبابة بفتح الشين المعجمة وتخفيف الباءين الموحدتين ابن سوار بفتح السين المهملة وتشديد الواو وبالراء الفزاري بفتح الفاء وتخفيف الزاي المدايني ، وأصله من خراسان مات سنة أربع ومائتين . الثالث : شعبة بن الحجاج . الرابع : حسين المعلم بكسر اللام المكتب ، مر في باب من الإيمان أن يحب لأخيه . الخامس : عبد الله بن بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء آخر الحروف وبالدال المهملة ابن الحصيب بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره باء موحدة ، الأسلمي المروزي التابعي المشهور . وقال الغساني : قد صحف بعضهم ؛ فقال : هو خصيب بالخاء المعجمة المفتوحة . السادس : سمرة بن جندب بضم الجيم وفتح الدال وضمها ابن هلال الفزاري . روي له مائة حديث وثلاثة وعشرون حديثا للبخاري ، منها أربعة ، وكان زياد استخلفه على الكوفة ستة أشهر ، وعلى البصرة ستة أشهر ، مات سنة تسع وخمسين ، قال الغساني : ومنهم من يقول : سمرة بسكون الميم تخفيفا نحو عضد في عضد ، وهي لغة أهل الحجاز وبنو تميم يقولون بضمها . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد . وفيه الإخبار بصيغة الجمع في الموضعين . وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته ما بين رازي ومدائني وبصري ومروزي . ( ذكر تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجنائز ، عن مسدد . وأخرجه مسلم في الجنائز ، عن يحيى بن يحيى ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن علي بن حجر ، وعن ابن المثنى . وأخرجه أبو داود فيه ، عن مسدد به . وأخرجه الترمذي فيه ، عن علي بن حجر به . وأخرجه النسائي فيه ، عن علي بن حجر به ، وعن حميد بن مسعدة ، وعن سويد بن نصر . وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن علي بن محمد ، عن أبي أسامة ، عن الحسين بن ذكوان به . ( ذكر لغاته ومعناه ) : قوله : ( أن امرأة ) هي أم كعب ، سماها مسلم في رواية من طريق عبد الوارث ، عن حسين المعلم ، وذكر أبو نعيم في الصحابة أنها أنصارية . قوله : : " ماتت في بطن " ، كلمة في هاهنا للتعليل كما في قوله صلى الله عليه وسلم : إن امرأة دخلت النار في هرة حبستها ، وكما في قوله تعالى : فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ والمعنى : ماتت لأجل مرض بطن كالاستسقاء ونحوه ، ولكن قال ابن الأثير : الأظهر هاهنا أنها ماتت في نفاس ؛ لأن البخاري ترجم عليه بقوله : باب الصلاة على النفساء . وقال الكرماني : قال التيمي : قيل : وهم البخاري في هذه الترجمة ؛ حيث ظن أن المراد بقوله : ( ماتت في بطن ) ، ماتت في الولادة فوضع الباب على باب الصلاة على النفساء ، ومعنى ماتت في بطن : ماتت مبطونة ، روي ذلك مبينا من غير هذا الوجه ، ثم قال : أقول : ليس وهما ؛ لأنه قد جاء صريحا في باب الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها في كتاب الجنائز ، وفي باب أين يقوم الإمام من المرأة ، عن سمرة بن جندب قال : صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام عليها وسطها . فالترجمة صحيحة ، والموهم واهم . انتهى . وقال بعضهم : قوله : ( ماتت في بطن ) ، أي : بسبب بطن يعني الحمل ، ثم قال ما قاله التيمي ، ثم أجاب عنه بما أجاب به الكرماني ، ونسب الجواب إلى نفسه بقوله : قلت : بل الموهم له واهم إلى آخر ما قاله الكرماني . قلت : لقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون من سمرة حديثان أحدهما في التي ماتت في بطن والآخر في التي ماتت في نفاسها ، ويكون الوهم في استعمال معنى الحديث الثاني : الذي فيه التصريح بالنفاس في معنى الحديث الأول الذي فيه التصريح بالبطن . قوله : ( فقام وسطها ) يعني : قام محاذيا لوسطها ، قد ذكرنا الفرق بين الوسط بالسكون وبين الوسط بالتحريك ، وجاء هاهنا كلاهما ، وضبطه ابن التين بفتح السين وضبطه غيره بالسكون . وفي رواية الكشميهني : فقام عند وسطها ، فمن اختار الفتح يقول : إنه اسم ، ومن اختار السكون يقول : إنه ظرف ، ولا يقال بالسكون إلا في متفرق الأجزاء كالناس والدواب ، وبالفتح فيما كان متصل الأجزاء كالدار . ( ذكر ما يستنبط منه ) ، وهو أن الإمام يقوم من المرأة بحذاء وسطها . قال الخطابي : اختلفوا في موقف الإمام من الجنازة ؛ فقال أحمد : يقوم من المرأة بحذاء وسطها ، ومن الرجل بحذاء صدره . وقال أصحاب الرأي : يقوم منهما بحذاء الصدر ، وفي المغني : لا يختلف المذهب في أن السنة أن يقوم الإمام في صلاة الجنازة عند صدر الرجل وعند منكبيه وحذاء وسط المرأة ، وروى حرب ، عن ابن حنبل كقول أبي حنيفة ، فقال : رأيت أحمد صلى على جنازة ، فقام عند صدر المرأة ، وفي المبسوط وأحسن مواقف الإمام من الميت بحذاء الصدر قال في جوامع الفقه : هو المختار ، واختاره الطحاوي ، وروى الحسن ، عن أبي حنيفة أنه يقوم بحذاء وسط المرأة ، وبه قال ابن أبي ليلى ، وهو قول النخعي ، وفي البدائع ، وروى الحسن عنه في كتاب الصلاة أنه يقوم بحذاء وسط الرجل ، وعند رأس المرأة قال : وهو قول ابن أبي ليلى ، وفي المبسوط : الصدر هو الوسط ؛ فإن فوقه يديه ورأسه ، وتحته بطنه ورجليه ، وفي التحفة : والمفيد المشهور من الروايات عن أصحابنا في الأصل وغيره أن يقوم من الرجل والمرأة حذاء الصدر ، وعن الحسن بحذاء الوسط منهما إلا أنه يكون في المرأة إلى رأسها أقرب ، وعن أبي يوسف أنه يقف بحذاء الوسط من المرأة وحذاء الرأس من الرجل ، ذكره في المفيد ، وهو رواية الحسن ، عن أبي حنيفة ، وفي ظاهر الرواية قالا : يقوم منهما بحذاء صدرهما . وقال مالك : يقوم من الرجل عند وسطه ، ومن المرأة عند منكبيها ؛ إذ الوقوف عند أعالي المرأة أمثل وأسلم . وقال أبو علي الطبري من الشافعية : يقوم الإمام عند صدره ، واختاره إمام الحرمين والغزالي ، وقطع به السرخسي . قال الصيدلاني : وهو اختيار أئمتنا . وقال الماوردي : وقال أصحابنا البصريون : يقوم عند صدره ، وهو قول الثوري . وقال البغداديون : عند رأسه . وقالوا : ليس في ذلك نص . وممن قاله المحاملي في المجموع والتجريد وصاحب الحاوي والقاضي حسين وإمام الحرمين .