حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الصلاةِ على النفساءِ وسنتها

باب الصلاةِ على النفساءِ وسنتها خرج فيهِ : 332 - من حديث شعبة ، عن حسين المعلم ، عن ابن بريدة ، عن سمرة بن جندب - أن امرأة ماتت في بطن ، فصلى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ، فقام وسطها . لم يخرج البخاري في أحكام النفساء سوى هذا الحديث ، كأنه لم يصح عنده في أحكام النفاس حديث على شرطه . وليس في هذا الحديث سوى الصلاة على النفساء إذا ماتت في نفاسها .

وقد اعترض الإسماعيلي على البخاري في ذَلِكَ ، وقال : ليس في الحديث إلا أنها ماتت في بطن ، والمراد أنها ماتت مبطونة ؛ فلا مدخل للحديث في النفاس بالكلية . وهذا الذي قاله غير صحيح ؛ فإنه قد خرجه البخاري في ( الجنائز ) ، ولفظه ( صلى على امرأة ماتت في نفاسها ، فقام وسطها ) . وخرجه مسلم كذلك أيضا .

ويؤخذ من هذا الحديث أن [دم] النفاس وإن كانَ يمنع النفساء من الصلاة ، فلا يمنع من الصلاة عليها إذا ماتت فيهِ . وكذلك دم الحيض ، فإنه يصلى على الحائض والنفساء إذا ماتتا في دمهما ، كما يصلى على الجنب إذا مات . وكل منهم يغسل ويصلى عليهِ ، إلا أن يكون شهيدًا في معركة .

فإن استشهد في معركة وكان عليهِ غسل جنابة أو حيض أو نفاس ، فهل يغسل أم لا ؟ فيهِ روايتان عن أحمد ، أشهرهما أنه يغسل . وعلى هذا فلو استشهدت من هي حائض أو نفساء في دمها قبل انقطاعه ففي غسلها وجهان ، بناهما الأصحاب على أن الموجب لغسل الحيض والنفاس هل هوَ خروج الدم ؟ أو انقطاعه ؟ ولو خرج البخاري هاهنا حديث أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأسماء بنت عميس لما نفست بمحمد بن أبي بكر بالشجرة أن تغتسل وتهل - لكان حسنًا ؛ فإنه يدل على أن حكم النفاس حكم الحيض في الإهلال بالحج . وقد خرجه مسلم من حديث جابر وعائشة ، إلا أن حديث جابر ليس هوَ على شرط البخاري .

ودم النفاس حكمه حكم دم الحيض فيما يحرمه ويسقطه ، وقد حكى الإجماع على ذَلِكَ غير واحد من العلماء ، منهم ابن جرير وغيره . واختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره : أما أقله فأكثرهم على أنه لا حد لهُ ، وأنها لو ولدت ورأت قطرة من دم كانت نفاسًا . وهو قول عطاء ، والشعبي ، والثوري ، ومالك ، والشافعي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق ، وأبي ثور ، ومحمد بن الحسن وغيرهم .

وهو الصحيح عن أبي حنيفة وأبي يوسف . وعن أبي حنيفة رواية : أقله خمسة وعشرون يومًا . وعن أبي يوسف : أقله أحد عشر يومًا .

وعن الثوري رواية : أقله ثلاثة أيام كالحيض عنده ، وحكي عن أحمد رواية كذلك أن أقله ثلاثة أيام ، وحكي عنه رواية أن أقله يوم . وعن المزني : أقله أربعة أيام . وعن الحسن : أقله عشرون يومًا .

وأما أكثره فأكثر العلماء على أن أكثره أربعون يومًا ، وحكاه بعضهم إجماعًا من الصحابة . قالَ إسحاق : هوَ السنة المجمع عليها . قالَ : ولا يصح في مذهب من جعله إلى شهرين سنة ، إلا عن بعض التابعين .

قالَ الطحاوي : لم يقل بالستين أحد من الصحابة ، إنما قاله بعض من بعدهم . وكذا ذكر ابن عبد البر ، وغير واحد . وممن روي عنه توقيته بالأربعين من الصحابة عمر ، وعلي ، وابن عباس ، وأنس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة .

وممن ذهب إلى هذا الثوري ، وابن المبارك ، والليث ، والأوزاعي في رواية ، وأبو حنيفة ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو عبيد ، والمزني ، وحكاه الإمام أحمد عن أهل الحديث ، وحكاه الترمذي عن الشافعي ، وهو غريب عنه . وحكى الترمذي عن الحسن أن أكثره خمسون يومًا . وعن عطاء والشعبي : أكثره ستون يومًا .

وقد اختلف فيهِ عن عطاء والحسن ، وروي عنهما : أكثره أربعون يومًا . وممن قالَ بالستين الشعبي ، والعنبري ، ومالك ، والشافعي ، وأبو ثور ، وحكي رواية عن أحمد . وحكى الليث عن بعض العلماء أن أكثره سبعون يومًا .

وقيل : لا حد لأكثره ، وإنما يرجع إلى عادات النساء ، وحكي عن الأوزاعي ، وهو رواية عن مالك . ونقل ابن القاسم أن مالكًا رجع إلى ذَلِكَ . وحكي عن ربيعة : أكثره ثلاثة أشهر .

وقيل : أكثره من الغلام ثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون يومًا ، قاله مكحول ، وسعيد بن عبد العزيز ، وحكاه الأوزاعي عن أهل دمشق . وقيل : أكثره من الغلام خمسة وثلاثون يومًا ومن الجارية أربعون ، رواه الخشني عن الأوزاعي . وحكي عن الضحاك : أكثره أربع عشرة ليلة .

وفي الباب أحاديث مرفوعة فيها ضعف ، ومن أجودها ما خرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي من حديث مسة الأزدية ، عن أم سلمة ، قالت : كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يومًا . وخرجه أبو داود بلفظ آخر ، وهو ( كانت المرأة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين ليلة ، لا يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء صلاة النفاس ) . وصححه الحاكم ، وفي متنه نكارة ؛ فإن نساء النبي صلى الله عليه وسلم لم يلد منهن أحد بعد فرض الصلاة ؛ فإن خديجة - عليها السلام - ماتت قبل أن تفرض الصلاة .

ومتى انقطع الدم قبل بلوغ أكثره فهي طاهرة ، تصوم وتصلي . وهل يكره وطؤها ؟ أم لا ؟ فيهِ قولان : أحدهما أنه يكره ، وهو مروي عن طائفة من الصحابة ، وأن النفساء لا توطأ إلا بعد الأربعين وإن انقطع دمها قبل ذَلِكَ ، منهم : علي ، وابن عباس ، وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن عمرو ، وأم سلمة . وهو ظاهر مذهب أحمد ، وروي أيضا عن مالك ، وسعيد بن عبد العزيز .

وحكي عن أحمد تحريمه . وقال آخرون : لا يكره ذَلِكَ ، وهو قول الأوزاعي والشافعي ، وحكي رواية عن أحمد . وعن أبي حنيفة : لا يكره إلا أن ينقطع دمها لدون عادتها ، فلا توطأ حتى تذهب أيام عادتها .

وقال إسحاق : يكره احتياطا إلا أن ينقطع لعادة كانت لها فلا يكره ؛ لأن احتمال عوده حينئذ بعيد جدًا ، فهي كحائض انقطع دمها لعادتها لدون أكثر الحيض .

ورد في أحاديث9 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث