بسم الله الرحمن الرحيم ( 7 ) كتاب التَّيَمُّمِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ 1 - باب 334 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ ، أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ ، وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ ، وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ ، فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسَ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ . فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَجَعَلَ يَطْعُنُنِي بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي ، فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إِلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ، فَتَيَمَّمُوا ، فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ . قَالَتْ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ . قَوْلُهُ : ( بَابُ التَّيَمُّمِ ) الْبَسْمَلَةُ قَبْلَهُ لِكَرِيمَةَ وَبَعْدَهُ لِأَبِي ذَرٍّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ ذَلِكَ . وَالتَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : تَيَمَّمْتُهَا مِنْ أَذْرِعَاتٍ وَأَهْلُهَا بِيَثْرِبَ أَدْنَى دَارِهَا نَظَرٌ عَالِي أَيْ قَصَدْتُهَا . وَفِي الشَّرْعِ الْقَصْدُ إِلَى الصَّعِيدِ لِمَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِنِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا . وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ : قَوْلُهُ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا أَيِ اقْصِدُوا الصَّعِيدَ ، ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُمْ حَتَّى صَارَ التَّيَمُّمُ مَسْحَ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِالتُّرَابِ ا هـ . فَعَلَى هَذَا هُوَ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ هُوَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ . وَاخْتُلِفَ فِي التَّيَمُّمِ هَلْ هُوَ عَزِيمَةٌ أَوْ رُخْصَةٌ ؟ وَفَصَّلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : هُوَ لِعَدَمِ الْمَاءِ عَزِيمَةٌ ، وَلِلْعُذْرِ رُخْصَةٌ . قَوْلُهُ : ( قَوْلُ اللَّهِ ) ، فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ وَقَوْلُ اللَّهِ بِزِيَادَةِ وَاوٍ ، وَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافِيَّةٌ . قَوْلُهُ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَلِلنَّسَفِيِّ ، وَعَبْدُوسٍ ، وَالْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا قَالَ أَبُو ذَرٍّ : كَذَا فِي رِوَايَتِنَا ، وَالتِّلَاوَةُ فَلَمْ تَجِدُوا قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ . قُلْتُ : ظَهَرَ لِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ الْمُبْهَمَةِ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ أَنَّهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ ، وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّتِهَا الْمَذْكُورَةِ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ : فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا الْحَدِيثَ ، فَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَخْصُوصَةِ ، وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ قِرَاءةً شَاذَّةً لِحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ وَهْمًا مِنْهُ ، وَقَدْ ظَهَرَ أَنَّهَا عَنَتْ آيَةَ الْمَائِدَةِ وَأَنَّ آيَةَ النِّسَاءِ قَدْ تَرْجَمَ لَهَا الْمُصَنِّفُ فِي التَّفْسِيرِ وَأَوْرَدَ حَدِيثَ عَائِشَةَ أَيْضًا وَلَمْ يُرِدْ خُصُوصَ نُزُولِهَا فِي قِصَّتِهَا ، بَلِ اللَّفْظُ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِ مُحْتَمِلٌ لِلْأَمْرَيْنِ ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا عَيَّنَتْ فَفِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى غَيْرِهَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( وَأَيْدِيكُمْ ) إِلَى هُنَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّبُّوِيِّ وَكَرِيمَةَ مِنْهُ ، وَهِيَ تُعَيِّنُ آيَةَ الْمَائِدَةِ دُونَ آيَةِ النِّسَاءِ ، وَإِلَى ذَلِكَ نَحَا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَأَيَّدَ ذَلِكَ بِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظُهُ : فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إِلَى قَوْلِهِ : تَشْكُرُونَ قَوْلُهُ : ( عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ) أَيِ ابْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَرِجَالُهُ سِوَى شَيْخِ الْبُخَارِيِّ مَدَنِيُّونَ . قَوْلُهُ : ( فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : يُقَالُ إِنَّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَابْنُ حِبَّانَ . وَغَزَاةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ ، وَفِيهَا وَقَعَتْ قِصَّةُ الْإِفْكِ لِعَائِشَةَ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ ذَلِكَ بِسَبَبِ وُقُوعِ عِقْدِهَا أَيْضًا ، فَإِنْ كَانَ مَا جَزَمُوا بِهِ ثَابِتًا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهَا فِي تِلْكَ السَّفْرَةِ مَرَّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ الْقِصَّتَيْنِ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي سِيَاقِهِمَا ، وَاسْتَبْعَدَ بَعْضُ شُيُوخِنَا ذَلِكَ قَالَ : لِأَنَّ الْمُرَيْسِيعَ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ بَيْنَ قُدَيْدٍ وَالسَّاحِلِ ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ كَانَتْ مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ وَهُمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ . قُلْتُ : وَمَا جَزَمَ بِهِ مُخَالِفٌ لِمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ التِّينِ فَإِنَّهُ قَالَ : الْبَيْدَاءُ هِيَ ذُو الْحُلَيْفَةِ بِالْقُرْبِ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ ، قَالَ : وَذَاتُ الْجَيْشِ وَرَاءَ ذِي الْحُلَيْفَةِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْبَكْرِيُّ فِي مُعْجَمِهِ : الْبَيْدَاءُ أَدْنَى إِلَى مَكَّةَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا . ثُمَّ سَاقَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْدَاؤُكُمْ هَذِهِ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا ، مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ الْمَسْجِدِ الْحَدِيثَ . قَالَ : وَالْبَيْدَاءُ هُوَ الشَّرَفُ الَّذِي قُدَّامَ ذِي الْحُلَيْفَةِ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ . وَقَالَ أَيْضًا : ذَاتُ الْجَيْشِ مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى بَرِيدٍ ، قَالَ : وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعَقِيقِ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ ، وَالْعَقِيقُ مِنْ طَرِيقِ مَكَّةَ لَا مِنْ طَرِيقِ خَيْبَرَ ، فَاسْتَقَامَ مَا قَالَ ابْنُ التِّينِ . وَيُؤَيِّدُهُ مَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ إِنَّ الْقِلَادَةَ سَقَطَتْ لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ ا هـ ، وَالْأَبْوَاءُ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . وَفِي رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ هِشَامٍ قَالَ . وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَانُ يُقَالُ لَهُ الصُّلْصُلُ رَوَاهُ جَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ لَهُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَالصُّلْصُلُ بِمُهْمَلَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ بَيْنَ الصَّادَيْنِ ، قَالَ الْبَكْرِيُّ : هُوَ جَبَلٌ عِنْدَ ذِي الْحُلَيْفَةِ ، كَذَا ذَكَرَهُ فِي حَرْفِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ ، وَوَهِمَ مُغَلْطَايْ فِي فَهْمِ كَلَامِهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَبَطَهُ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَلَّدَهُ فِي ذَلِكَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ وَتَصَرَّفَ فِيهِ فَزَادَهُ وَهْمًا عَلَى وَهْمٍ ، وَعُرِفَ مِنْ تَضَافُرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ تَصْوِيبُ مَا قَالَهُ ابْنُ التِّينِ ، وَاعْتَمَدَ بَعْضُهُمْ فِي تَعَدُّدِ السَّفَرِ عَلَى رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ صَرِيحَةٍ فِي ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عِقْدٌ ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ ، وَيُسَمَّى قِلَادَةً كَمَا سَيَأْتِي ، وَفِي التَّفْسِيرِ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي بِالْبَيْدَاءِ وَنَحْنُ دَاخِلُونَ الْمَدِينَةَ ، فَأَنَاخَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَزَلَ وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ قُرْبِهِمْ مِنَ الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( عَلَى الْتِمَاسِهِ ) أَيْ لِأَجْلِ طَلَبِهِ ، وَسَيَأْتِي أَنَّ الْمَبْعُوثَ فِي طَلَبِهِ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَغَيْرُهُ . قَوْلُهُ : ( وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ ، وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ، وَسَقَطَتِ الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ ، وَاسْتُدِلَّ بِذَلِكَ عَلَى جَوَازِ الْإِقَامَةِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي لَا مَاءَ فِيهِ ، وَكَذَا سُلُوكُ الطَّرِيقِ الَّتِي لَا مَاءَ فِيهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّ الْمَدِينَةَ كَانَتْ قَرِيبَةً مِنْهُمْ وَهُمْ عَلَى قَصْدِ دُخُولِهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَعْلَمْ بِعَدَمِ الْمَاءِ مَعَ الرَّكْبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عَلِمَ بِأَنَّ الْمَكَانَ لَا مَاءَ فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ أَيْ لِلْوُضُوءِ ، وَأَمَّا مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ لِلشُّرْبِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ ، وَالْأَوَّلُ مُحْتَمَلٌ لِجَوَازِ إِرْسَالِ الْمَطَرِ أَوْ نَبْعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا وَقَعَ فِي مَوَاطِنَ أُخْرَى . وَفِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قَلَّتْ ، فَقَدْ نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ ثَمَنَ الْعِقْدِ الْمَذْكُورِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ، وَيَلْتَحِقُ بِتَحْصِيلِ الضَّائِعِ الْإِقَامَةُ لِلُحُوقِ الْمُنْقَطِعِ وَدَفْنُ الْمَيِّتِ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ ، وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ إِضَاعَةِ الْمَالِ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ ) فِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَةِ إِلَى أَبِيهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ ، وَكَأَنَّهُمْ إِنَّمَا شَكَوْا إِلَى أَبِي بَكْرٍ لِكَوْنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ نَائِمًا وَكَانُوا لَا يُوقِظُونَهُ . وَفِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إِلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهِ لِقَوْلِهِمْ : صَنَعَتْ وَأَقَامَتْ ، وَفِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى ابْنتِهِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا إِذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ حَالَةَ مُبَاشَرَةٍ . قَوْلُهُ : ( فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ) فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَقَالَ : حَبَسْتِ النَّاسَ فِي قِلَادَةٍ ، أَيْ بِسَبَبِهَا . وَسَيَأْتِي مِنَ الطَّبَرَانِيِّ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَا عَاتَبَهَا بِهِ قَوْلُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً . وَالنُّكْتَةُ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ تَقُلْ أَبِي ; لِأَنَّ قَضِيَّةَ الْأُبُوَّةِ الْحُنُوُّ ، وَمَا وَقَعَ مِنَ الْعِتَابِ بِالْقَوْلِ وَالتَّأْنِيبِ بِالْفِعْلِ مُغَايِرٌ لِذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ ، فَلِذَلِكَ أَنْزَلَتْهُ مَنْزِلَةَ الْأَجْنَبِيِّ فَلَمْ تَقُلْ أَبِي . قَوْلُهُ : ( يَطْعُنُنِي ) هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَكَذَا فِي جَمِيعِ مَا هُوَ حِسِّيٌّ ، وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ فَيُقَالُ يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ ، هَذَا الْمَشْهُورُ فِيهِمَا ، وَحُكِيَ فِيهِمَا الْفَتْحُ مَعًا فِي الْمَطَالِعِ وَغَيْرِهَا ، وَالضَّمُّ فِيهِمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْجَامِعِ . وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنتَهُ وَلَوْ كَانَتْ مُزَوَّجَةً كَبِيرَةً خَارِجَةً عَنْ بَيْتِهِ ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ تَأْدِيبُ مَنْ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ . قَوْلُهُ : ( فَلَا يَمْنَعُنِي مِنَ التَّحَرُّكِ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّبْرِ لِمَنْ نَالَهُ مَا يُوجِبُ الْحَرَكَةَ أَوْ يَحْصُلُ بِهِ تَشْوِيشٌ لِنَائِمٍ ، وَكَذَا لِمُصَلٍّ أَوْ قَارِئٍ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ أَوْ ذِكْرٍ . قَوْلُهُ : ( فَقَامَ حِينَ أَصْبَحَ ) كَذَا أَوْرَدَهُ هُنَا ، وَأَوْرَدَهُ فِي فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ ، عَنْ قُتَيْبَةَ ، عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَرَوَاهُ الْمُوَطَّأُ ، وَالْمَعْنَى فِيهِمَا مُتَقَارِبٌ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَهُ مِنْ نَوْمِهِ كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَصْبَحَ بَيَانَ غَايَةِ النَّوْمِ إِلَى الصَّبَاحِ ، بَلْ بَيَانُ غَايَةِ فَقْدِ الْمَاءِ إِلَى الصَّبَاحِ ; لِأَنَّهُ قَيَّدَ قَوْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ بِقَوْلِهِ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَيْ آلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ فَلَفْظُهَا ثُمَّ إِنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اسْتَيْقَظَ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَإِنْ أُعْرِبَتِ الْوَاوُ حَالِيَّةً كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الِاسْتِيقَاظَ وَقَعَ حَالَ وُجُودِ الصَّبَاحِ وَهُوَ الظَّاهِرُ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي تَرْكِ التَّهَجُّدِ فِي السَّفَرِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّ التَّهَجُّدَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَعَلَى أَنَّ طَلَبَ الْمَاءِ لَا يَجِبُ إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَحَضَرَتِ الصُّبْحُ فَالْتَمَسَ الْمَاءَ فَلَمْ يُوجَدْ وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ وَلِهَذَا اسْتَعْظَمُوا نُزُولَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ . وَوَقَعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ فِي حَقِّ عَائِشَةَ مَا وَقَعَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْمَغَازِي أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُصَلِّ مُنْذُ افْتُرِضَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ إِلَّا بِوُضُوءٍ ، وَلَا يَدْفَعُ ذَلِكَ إِلَّا جَاهِلٌ أَوْ مُعَانِدٌ . قَالَ : وَفِي قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ آيَةُ التَّيَمُّمِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الَّذِي طَرَأَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعِلْمِ حِينَئِذٍ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ . قَالَ : وَالْحِكْمَةُ فِي نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ - مَعَ تَقَدُّمِ الْعَمَلِ بِهِ - لِيَكُونَ فَرْضُهُ مَتْلُوًّا بِالتَّنْزِيلِ . وَقَالَ غَيْرُهُ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ آيَةِ الْوُضُوءِ نَزَلَ قَدِيمًا فَعَلِمُوا بِهِ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ نَزَلَ بَقِيَّتُهَا وَهُوَ ذِكْرُ التَّيَمُّمِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَإِطْلَاقُ آيَةِ التَّيَمُّمِ عَلَى هَذَا مِنْ تَسْمِيَةِ الْكُلِّ بِاسْمِ الْبَعْضِ ، لَكِنَّ رِوَايَةَ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ الَّتِي قَدَّمْنَا أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَخْرَجَهَا فِي التَّفْسِيرِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ جَمِيعًا فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، فَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . قَوْلُهُ : ( فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذِهِ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْتُ لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ ; لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ أَيَّ الْآيَتَيْنِ عَنَتْ عَائِشَةُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ أَوْ آيَةُ الْمَائِدَةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هِيَ آيَةُ النِّسَاءِ . وَوَجَّهَهُ بِأَنَّ آيَةَ الْمَائِدَةِ تُسَمَّى آيَةَ الْوُضُوءِ وَآيَةُ النِّسَاءِ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلْوُضُوءِ فَيُتَّجَهُ تَخْصِيصُهَا بِآيَةِ التَّيَمُّمِ . وَأَوْرَدَ الْوَاحِدِيُّ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ هَذَا الْحَدِيثَ عِنْدَ ذِكْرِ آيَةِ النِّسَاءِ أَيْضًا ، وَخَفِيَ عَلَى الْجَمِيعِ مَا ظَهَرَ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا آيَةُ الْمَائِدَةِ بِغَيْرِ تَرَدُّدٍ لِرِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ إِذْ صَرَّحَ فِيهَا بِقَوْلِهِ فَنَزَلَتْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الْآيَةَ . قَوْلُهُ : ( فَتَيَمَّمُوا ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ ، أَيْ فَتَيَمَّمَ النَّاسُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حِكَايَةً لِبَعْضِ الْآيَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا بَيَانًا لِقَوْلِهِ آيَةُ التَّيَمُّمِ أَوْ بَدَلًا . وَاسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ ; لِأَنَّ مَعْنَى ( فَتَيَمَّمُوا ) اقْصِدُوا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ قَوْلُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ إِلَّا الْأَوْزَاعِيَّ ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُ التُّرَابِ وَلَا يَكْفِي هُبُوبُ الرِّيحِ بِهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ كَمَا لَوْ أَصَابَهُ مَطَرٌ فَنَوَى الْوُضُوءَ بِهِ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ ، وَالْأَظْهَرُ الْإِجْزَاءُ لِمَنْ قَصَدَ التُّرَابَ مِنَ الرِّيحِ الْهَابَّةِ ، بِخِلَافِ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ . وَعَلَى تَعْينِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِلتَّيَمُّمِ ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ قَرِيبًا ، وَعَلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَرِيضَةٍ ، وَسَنَذْكُرُ تَوْجِيهَهُ وَمَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ . ( تَنْبِيهٌ ) : لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ ، وَقَدْ رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ قِصَّتَهَا هَذِهِ فَبَيَّنَ ذَلِكَ ، لَكِنِ اخْتَلَفَ الرُّوَاةُ عَلَى عَمَّارٍ فِي الْكَيْفِيَّةِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ وَنُبَيِّنُ الْأَصَحَّ مِنْهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أُسَيْدٌ ) هُوَ بِالتَّصْغِيرِ ( ابْنُ الْحُضَيْرِ ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ مُصَغَّرٌ أَيْضًا ، وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الْأَنْصَارِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي الْمَنَاقِبِ . وَإِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ دُونَ غَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ فِي طَلَبِ الْعِقْدِ الَّذِي ضَاعَ . قَوْلُهُ : ( مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ ) أَيْ بَلْ هِيَ مَسْبُوقَةٌ بِغَيْرِهَا مِنَ الْبَرَكَاتِ ، وَالْمُرَادُ بِآلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسُهُ وَأَهْلُهُ وَأَتْبَاعُهُ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ عَائِشَةَ وَأَبِيهَا وَتَكْرَارِ الْبَرَكَةِ مِنْهُمَا . وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ وَفِي تَفْسِيرِ إِسْحَاقَ الْبُسْتِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَةَ قِلَادَتِكِ وَفِي رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَوَاللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ مِنْ أَمْرٍ تَكْرَهِينَهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا وَفِي النِّكَاحِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا ، وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ كَانَتْ بَعْدَ قِصَّةِ الْإِفْكِ ، فَيَقْوَى قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى تَعَدُّدِ ضَيَاعِ الْعِقْدِ ، وَمِمَّنْ جَزَمَ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ الْإِخْبَارِيُّ فَقَالَ : سَقَطَ عِقْدُ عَائِشَةَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَفِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ . وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْمَغَازِي فِي أَيِّ هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ كَانَتْ أَوَّلًا . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ : كَانَتْ قِصَّةُ التَّيَمُّمِ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ . ثُمَّ تَرَدَّدَ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ لَمْ أَدْرِ كَيْفَ أَصْنَعُ . . . الْحَدِيثَ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِهَا عَنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ; لِأَنَّ إِسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَهِيَ بَعْدَهَا بِلَا خِلَافٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الْمَغَازِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ يَرَى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ بَعْدَ قُدُومِ أَبِي مُوسَى ، وَقُدُومُهُ كَانَ وَقْتَ إِسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَأَخُّرِ الْقِصَّةِ أَيْضًا عَنْ قِصَّةِ الْإِفْكِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ ، وَقَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا ، خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حَبَسَ النَّاسَ عَلَى الْتِمَاسِهِ . فَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ : يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً عَلَى النَّاسِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الرُّخْصَةَ فِي التَّيَمُّمِ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّكِ لَمُبَارَكَةٌ ، ثَلَاثًا . وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ ، وَفِيهِ مَقَالٌ . وَفِي سِيَاقِهِ مِنَ الْفَوَائِدِ بَيَانُ عِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الَّذِي أُبْهِمَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ، وَالتَّصْرِيحُ بِأَنَّ ضَيَاعَ الْعِقْدِ كَانَ مَرَّتَيْنِ فِي غَزْوَتَيْنِ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( فَبَعَثْنَا ) أَيْ أَثَرْنَا ( الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتِ عَلَيْهِ ) أَيْ حَالَةَ السَّفَرِ . قَوْلُهُ : ( فَأَصَبْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ ) ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا فِي طَلَبِهِ أَوَّلًا لَمْ يَجِدُوهُ . وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا فَوَجَدَهَا أَيِ الْقِلَادَةَ . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي فَضْلِ عَائِشَةَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَكَذَا لِمُسْلِمٍ فَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ فَبَعَثَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَنَاسًا مَعَهُ وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ أُسَيْدًا كَانَ رَأْسَ مَنْ بُعِثَ لِذَلِكَ فَلِذَلِكَ سُمِّيَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ غَيْرِهِ ، وَكَذَا أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى وَاحِدٍ مُبْهَمٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِهِ ، وَكَأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا الْعِقْدَ أَوَّلًا . فَلَمَّا رَجَعُوا وَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ وَأَرَادُوا الرَّحِيلَ وَأَثَارُوا الْبَعِيرَ وَجَدَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ ، فَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ : فَوَجَدَهَا أَيْ بَعْدَ جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْتِيشِ وَغَيْرِهِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ وَجَدَهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقَدْ بَالَغَ الدَّاوُدِيُّ فِي تَوْهِيمِ رِوَايَةِ عُرْوَةَ ، وَنُقِلَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّهُ حَمَلَ الْوَهْمَ فِيهَا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ، وَقَدْ بَانَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ لَا تَخَالُفَ بَيْنَهُمَا وَلَا وَهْمَ . وَفِي الْحَدِيثَيْنِ اخْتِلَافٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي وَقَالَتْ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ سَقَطَتْ قِلَادَةٌ لِي وَفِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ الْآتِيَةِ عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ قِلَادَةً مِنْ أَسْمَاءَ يَعْنِي أُخْتَهَا فَهَلَكَتْ أَيْ ضَاعَتْ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إِضَافَةَ الْقِلَادَةِ إِلَى عَائِشَةَ لِكَوْنِهَا فِي يَدِهَا وَتَصَرُّفِهَا ، وَإِلَى أَسْمَاءَ لِكَوْنِهَا مِلْكَهَا لِتَصْرِيحِ عَائِشَةَ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ بِأَنَّهَا اسْتَعَارَتْهَا مِنْهَا ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءٌ عَلَى اتِّحَادِ الْقِصَّةِ . وَقَدْ جَنَحَ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ إِلَى تَعَدُّدِهَا حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ الْبَابِ فِي تَفْسِيرِ الْمَائِدَةِ وَحَدِيثَ عُرْوَةَ فِي تَفْسِيرِ النِّسَاءِ ، فَكَانَ نُزُولُ آيَةِ الْمَائِدَةِ بِسَبَبِ عِقْدِ عَائِشَةَ ، وَآيَةِ النِّسَاءِ بِسَبَبِ قِلَادَةِ أَسْمَاءَ ، وَمَا تَقَدَّمَ مِنِ اتِّحَادِ الْقِصَّةِ أَظْهَرُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَائِدَةٌ ) : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْعِقْدَ الْمَذْكُورَ كَانَ مِنْ جَزْعِ ظِفَارٍ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَالْجَزْعُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ خَرَزٌ يَمَنِيٌّ . وَظِفَارٌ مَدِينَةٌ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي بَابِ الطِّيبِ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ غُسْلِهَا مِنَ الْمَحِيضِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ جَوَازُ السَّفَرِ بِالنِّسَاءِ وَاتِّخَاذِهِنَّ الْحُلِيَّ تَجَمُّلًا لِأَزْوَاجِهِنَّ ، وَجَوَازُ السَّفَرِ بِالْعَارِيَةِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رِضَا صَاحِبِهَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريحديث نزول آية التيمم · ص 513 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول الله عز وجل فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا · ص 551 بسم الله الرحمن الرحيم 7 كتاب التيمم 1 - باب قول الله عز وجل : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ خرج فيه حديثين : الحديث الأول : قال : 334 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس معهم ماء . فجاء أبو بَكْر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام ، فَقَالَ : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس مَعَهُم ماء قَالَتْ عَائِشَة : فعاتبني أبو بَكْر ، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول ، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى فخذي ، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته . قيل : إن الرواية هنا : فقام حتَّى أصبح . ورواه في التفسير بلفظ : فنام حتَّى أصبح وهو لفظ مسلم ، وكذا في الموطأ . هذا السياق سياق عبد الرحمن بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه ، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا يضر . وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة أيضا . ومما خالف فيه : أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت آية التيمم . وفي رواية : أنهما صليا بغير وضوء . وهذا يمكن الجمع بينه وبين حديث القاسم عن عائشة : بأن القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي ، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه ، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء . وفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الأبواء . وفي رواية عنه : أن ذلك المكان كان يقال له : الصلصل . وروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد . وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فتيمم المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث . خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف . والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آية المائدة ؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من كتابه هَذَا من حَدِيْث ابن وهب ، عَن عَمْرِو ، عَن عَبْد الرحمن بْن الْقَاسِم ، وَقَالَ فِي حديثه : فَنَزَلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ هذه الآية . وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست ، وقيل : سنة خمس ، وهو الذي ذكره ابن سعد عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك . وقد ذكر الشافعي : أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق ، وقال : أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم . فإن قيل : فقد ذكر غير واحد ، منهم : ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين ، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن ، حتى قيل : إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع ، وآية النساء نزولها متقدم . وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير ، ففزر أنفه . وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر ، فخلط في قراءته ، فنزلت آية النساء . فقد تبين بهذا : أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر ، والخمر حرمت بعد غزوة أحد ، ويقال : إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير ، وآية النساء فيها ذكر التيمم ، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم ، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه . قيل : هذا لا يصح ؛ لوجوه : أحدها : أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها ، وهذا غير السبب الذي اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة ، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء ، وليس سوى آية المائدة . والثاني : أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقًا بل عند حضور الصلاة ، وهذا كان قبل أحد ، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير خلاف ، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية . وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته ؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير ، كما سبق تقريره في أول كتاب الضوء ، وإنما كان تمهيدًا للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم ، ولم تقل : آية الوضوء . والثالث : أنه قد ورد التصريح بذلك في صحيح البخاري كما ذكرناه . وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء ، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة ، لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة ، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع إمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء ، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء ، فلا يباح معه التيمم ، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال ، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء . ولا يستبعد هذا ، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الأسفار المباحة ، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد ، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الأسفار المباحة ، وهذا مما يستأنس به من يقول : إن الرخص لا تستباح في سفر المعصية . وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير ، وقد صح أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر . والله أعلم . وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد ، فقال فيهما : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ذكر شيئين مبيحين للتيمم : أحدهما : المرض ، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر . والثاني : السفر ، واختلفوا : هل هو شرط للتيمم مع عدم الماء ، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالبًا ، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر ، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن ، أنه إنما ذكر السفر لأنه مظنة عدم الكاتب ، وليس بشرط للرهن . والجمهور : على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء ، وأنه يجوز الرهن في الحضر ، والتيمم مع عدم الماء في الحضر . وقالت الظاهرية : السفر شرط في الرهن والتيمم . وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة ، وحكي رواية عن أبي حنيفة ، وعن طائفة من أصحاب مالك . وعلى هذا : فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم . وقوله : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قد قيل : إن أو هنا بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ؛ فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر مَا يستباح مِنْهُ الصَّلاة بالتيمم وَهُوَ الحدث ، فإن التيمم يبيح الصَّلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء ، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه ، ولهذا قالوا : يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث . وقالت طائفة : بل التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا بعدم القدرة على استعمال الماء ، وربما استدل بعضهم بهذه الآية ، وقالوا : إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث ، ولو كان التيمم واجبًا لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقوله من يقول : إن التيمم لا يرفع الحدث ، على اختلاف بينهم في ذلك - لما كان لذكر الحدث معنى . والأظهر - والله أعلم - : أن أو هاهنا ليست بمعنى الواو ، بل هي على بابها ، وأريد بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث ، واثنتان منهما مظنتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم ، وإلا فلا . ثم ذكر قسمًا ثالثًا ، وهو وجود الحقيقة نفسها ، فذكر أن من كان محدثًا ولم يجد ماءً فليتيمم ، وهذا يشمل المسافر وغيره ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء ، مسافرًا كان أو غير مسافر . واللهُ أعلم . وقد ذكر سبحانه حدثين : أحدهما : الحدث الأصغر ، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة والتخلي ، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذَلكَ . والثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المراد بها الجماع خاصة ، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر ، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة ، أو مطلق التقاء البشرتين ، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر . وقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً متعلق بمن أحدث ، سواءٌ كان على سفر أو لم يكن ، كما سبق تقريره ، دون المرض ، لأن المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء ، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا . وحكي عن عطاء والحسن : أن فقد الماء شرطٌ للتيمم مع المرض - أيضا - فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وإن خشي التلف . وهذا بعيد الصحة عنهما ، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له . وقوله : فَتَيَمَّمُوا أصل التيمم في اللغة القصد ، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة . وقوله : صَعِيدًا اختلفوا في المراد بالصعيد ، فمنهم : من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها ، ومنهم : من فسره بالتراب خاصة . وقوله : طَيِّبًا فسره من قال : الصعيد : ما تصاعد على وجه الأرض ، بالطاهر . ومن فسره بالتراب ، قال : المراد بالصعيد التراب المنبت ، كقوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه . وقال ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث . وقوله : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ كقوله في الوضوء وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وقد ذكرنا فيما سبق في أبواب الوضوء أن كثيرًا من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء ، وخالف فيه آخرون ، وأكثرهم وافقوا هاهنا ، وقالوا : يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم ، ومنهم من قال : يجزئ أكثرهما ، ومنهم من قال : يجزئ مسح بعضهما كالرأس - أيضا . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار : إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما . وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما في التيمم - إن شاء الله تعالى . وقوله تعالى : مِنْهُ يستدل به من قَالَ : لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد ، فإن قوله : منه يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد ، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به ، ومن خالف في ذلك جعل من هاهنا لأبعد الغاية ، لا للتبعيض وهو بعيد يأباه سياق الكلام . والله تعالى أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 318 بسم الله الرحمن الرحيم كتاب التيمم الكلام فيه على وجوه ، الأول : أن قبله بسم الله الرحمن الرحيم في رواية كريمة ، وفي رواية أبي ذر بعده ، وتقديم البسملة على الكتاب ظاهر للحديث الوارد فيه ، وأما تأخيرها عن الكتاب فوجهه أن الكتب التي فيها التراجم مثل السور حتى يقال سورة كذا وسورة كذا والبسملة تذكر بعدها على رأس الأحاديث كما تذكر على رؤوس الآيات ويستفتح بها . الثاني : وجه المناسبة بين هذا الكتاب والكتاب الذي قبله أن المذكور قبله أحكام الوضوء بالماء ، والمذكور ههنا التيمم وهو خلف عن الماء فيذكر الأصل أولا ثم يذكر الخلف عقيبه . الثالث : في إعرابه ، وهو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره هذا كتاب التيمم ، والإضافة فيه بمعنى في ، أي : هذا كتاب في بيان أحكام التيمم ، ويجوز نصب الكتاب بعامل مقدر تقديره خذ أو هاك كتاب التيمم . الرابع : في معنى التيمم ، وهو مصدر تيمم تيمما من باب التفعل وأصله من الأم وهو القصد ، يقول : أمه يؤمه أما إذا قصده ، وذكر أبو محمد في الكتاب الواعي يقال : أم وتأمم ويمم وتيمم بمعنى واحد ، والتيمم أصله من ذلك لأنه يقصد التراب فيتمسح به ، وفي الجامع عن الخليل التيمم يجري مجرى التوخي ، تقول : تيمم أطيب ما عندك فأطعمنا منه ، أي توخاه ، وأجاز أن يكون التيمم العمد والقصد ، وهذا الاسم كثر حتى صار اسما للتمسح بالتراب ، قال الفراء : ولم أسمع يممت بالتخفيف ، وفي التهذيب لأبي منصور التيمم التعمد ، وهو ما ذكره البخاري في التفسير في سورة المائدة ، ورواه ابن أبي حاتم وابن المنذر عن سفيان ، ( قلت ) : التيمم في اللغة مطلق القصد ، قال الشاعر : ولا أدري إذا يممت أرضا أريد الخير أيهما يليني وفي الشرع قصد الصعيد الطاهر واستعماله بصفة مخصوصة وهو مسح اليدين والوجه لاستباحة الصلاة وامتثال الأمر . الخامس : الأصل فيه الكتاب ، وهو قوله تعالى : فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ، والسنة ، وهي أحاديث الباب وغيره ، والإجماع على جوازه للمحدث وفي الجنابة أيضا ، وخالف فيه عمر بن الخطاب ، وابن مسعود ، والنخعي ، والأسود كما نقله ابن حزم ، وقد ذكروا رجوعهم عن هذا . السادس : أن التيمم فضيلة خصت بها هذه الأمة دون غيرها من الأمم . وقول الله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ . وقع في رواية الأصيلي قول الله بلا واو فوجهه أن يكون مبتدأ وخبره هو قوله فَلَمْ تَجِدُوا والمعنى قول في شأن التيمم هذه الآية ، وفي رواية غيره بواو العطف على كتاب التيمم ، والتقدير وفي بيان قول الله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا ، وقال بعضهم : الواو استئنافية ، وهو غير صحيح ؛ لأن الاستئناف جواب عن سؤال مقدر وليس لهذا محل ههنا فإن قال هذا القائل مرادي الاستئناف اللغوي ( قلت ) هذا أيضا غير صحيح لأن الاستئناف في اللغة الإعادة ولا محل لهذا المعنى ههنا فافهم قوله فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً القرآن هكذا في سورة النساء والمائدة ورواية الأكثرين على هذا وهو الصواب ، وفي رواية النسفي وعبدوس والحموي والمستملي فإن لم تجدوا ، ووقع التصريح به في رواية حماد بن سلمة عن هشام عن أبيه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - في قصتها المذكورة ، قال : فأنزل الله آية التيمم فإن لم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا ، الحديث ، والظاهر أن هذا وهم من حماد أو غيره ، أو قراءة شاذة لحماد . قوله : صَعِيدًا طَيِّبًا أي أرضا طاهرة ، قال الأصمعي : الصعيد وجه الأرض ، فعيل بمعنى مفعول ، أي مصعود عليه ، وحكاه ابن الأعرابي وكذلك قاله الخليل وثعلب ، وفي الجمهرة : وهو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ ، هذا قول أبي عبيدة ، وقيل : وهو الظاهر من وجه الأرض ، وقال الزجاج في المعاني : الصعيد وجه الأرض ولا تبالي أكان في الموضع تراب أم لم يكن ؛ لأن الصعيد ليس اسما للتراب إنما هو وجه الأرض ترابا كان أو صخرا لا تراب عليه ، قال تعالى : فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا ، فأعلمك أن الصعيد يكون زلقا ، وعن قتادة أن الصعيد الأرض التي لا نبات فيها ولا شجر ، ومعنى طيبا طاهرا ، وقال أبو إسحاق : الطيب النظيف ، وقيل : الحلال ، وقيل : الطيب ما تستطيبه النفس ، وأكثر العلماء أن معناه طاهرا ، قوله : وَأَيْدِيَكُمْ إلى هنا في رواية أبي ذر بدون لفظة منه ، وفي رواية كريمة منه وهي تعين آية المائدة دون آية النساء ؛ لأن آية النساء ليس فيها منه ولفظة منه في آية المائدة . 1 - ( حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي فأقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر الصديق ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس ، وليسوا على ماء ، وليس معهم ماء ، فجاء أبو بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - واضع رأسه علي فخذي ، قد نام ، فقال : حبست رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء ، فقالت عائشة : فعاتبني أبو بكر ، وقال ما شاء الله أن يقول ، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على فخذي ، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أصبح على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته ) . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنه أشار أولا إلى مشروعية التيمم بالكتاب وهو الآية المذكورة ثم بهذا الحديث المذكور . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة ذكروا غير مرة وعبد الرحمن بن القاسم هو بن محمد بن أبي بكر الصديق . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد والإخبار وكذلك وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ما خلا شيخ البخاري . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في النكاح عن عبد الله بن يوسف ، وفي فضل أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - عن قتيبة ، وفي التفسير وفي المحاربين عن إسماعيل بن أبي أويس ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى وأخرجه النسائي فيه ، وفي التفسير عن قتيبة أربعتهم عن مالك به . ( ذكر لغاته ) قوله : بالبيداء قال أبو عبيد البكري البيداء أدنى إلى مكة من ذي الحليفة ثم قال : هو السرف الذي قدام ذي الحليفة من طريق مكة ، وقال الكرماني : البيداء بفتح الموحدة وبالمد وذات الجيش بفتح الجيم وسكون التحتانية وبإعجام السين موضعان بين المدينة ومكة ، وكلمة أو للشك من عائشة - رضي الله تعالى عنها - ، قوله : عقد لي بكسر العين وسكون القاف وهو القلادة وهو كل ما يعقد ويعلق في العنق ، وذكر السفاقسي أن ثمنه كان يسيرا ، وقيل : كان ثمنه اثنا عشر درهما ، قوله يطعنني بضم العين وكذلك جميع ما هو حسي ، وأما المعنوي فيقال : يطعن بالفتح هذا هو المشهور فيهما ، وحكي الفتح فيهما معا كذا في المطالع ، وحكى صاحب الجامع الضم فيهما ، قوله في خاصرتي وهي الشاكلة ، قوله : بركتكم البركة كثرة الخير . قوله : يا آل أبي بكر لفظ آل مقحمة ، وأراد به أبا بكر نفسه ، ويجوز أن يراد به أبا بكر وأهله وأتباعه ، والآل يستعمل ي الأشراف بخلاف الأهل ، ولا يرد أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ لأنه بحسب تصوره ذكر ذلك أو بطريق التهكم ، ويجوز فيه يال أبي بكر بحذف الهمزة للتخفيف . ( ذكر معانيه ) قوله : في بعض أسفاره قال ابن عبد البر في التمهيد يقال : إنه كان في غزوة بني المصطلق ، وجزم بذلك في كتاب الاستذكار ، وورد ذلك عن ابن سعد وابن حبان قبله وغزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع التي كان فيها قصة الإفك ، قال أبو عبيد البكري في حديث الإفك : فانقطع عقد لها من جزع ظفار فحبس الناس ابتغاؤه ، وقال ابن سعد : خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المريسيع يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر شعبان سنة خمس ورجحه أبو عبد الله في الإكليل ، وقال البخاري عن ابن إسحاق : سنة ست ، وقال عن موسى بن عقبة : سنة أربع وزعم ابن الجوزي أن ابن حبيب قال : سقط عقدها في السنة الرابعة في غزوة ذات الرقاع ، وفي غزوة بني المصطلق قصة الإفك . ( قلت ) : يعارض هذا ما رواه الطبراني أن الإفك قبل التيمم ، فقال : حدثنا القاسم عن حماد حدثنا محمد بن حميد الرازي ، حدثنا سلمة بن الفضل وإبراهيم بن المختار عن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد عن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة قالت : لما كان من أمر عقدي ما كان وقال أهل الإفك ما قالوا خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة أخرى فسقط أيضا عقدي حتى حبس الناس على التماسه وطلع الفجر فلقيت من أبي بكر ما شاء الله وقال يا بنية في كل سفر تكونين عناء وبلاء ليس مع الناس ماء ، فأنزل الله الرخصة في التيمم ، فقال أبو بكر : إنك ما عملت لمباركة ( قلت ) : إسناده جيد حسن ، وادعى بعضهم تعدد السفر برواية الطبراني هذه ثم إن بعض المتأخرين استبعد سقوط العقد في المريسيع قال لأن المريسيع من ناحية مكة بين قديد والساحل ، وهذه القصة كانت من ناحية خيبر لقولها في الحديث حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش وهما بين المدينة وخيبر كما جزم به النووي ويرد هذا ما ذكرناه عن أبي عبيد في فصل اللعان وجزم أيضا ابن التين أن البيداء هي ذو الحليفة ، وقال أبو عبيد أيضا : إن ذات الجيش من المدينة على بريد قال : وبينها وبين العقيق سبعة أميال ، والعقيق من طريق مكة لا من طريق خيبر ويؤيد هذا أيضا ما رواه الحميدي في مسنده عن سفيان ، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه في هذا الحديث فقال فيه : إن القلادة سقطت ليلة الأبواء انتهى ، والأبواء بين مكة والمدينة ، وفي رواية علي بن مسهر في هذا الحديث عن هشام قال : وكان ذلك المكان يقول له الصلصل رواه جعفر الفريابي في كتاب الطهارة له وابن عبد البر من طريقه والصلصل بصادين مهملتين ولامين أولاهما ساكنة قال البكري هو جبل عند ذي الحليفة وذكره في حرف الصاد المهملة ، ووهم فيه صاحب التلويح مغلطاي ، فزعم أنه بالضاد المعجمة وتبعه على ذلك صاحب التوضيح ابن الملقن وقال صاحب العباب الصلصل موضع على طريق المدينة وصلصل ماء قريب من اليمامة لبني العجلان وصلصل ماء في جوف هضبة جراء ودارة صلصل لبني عمرو بن كلاب وهي بأعلى دارها ذكر ذلك كله في الصاد المهملة وقال في المعجمة الضلضلة موضع . قوله : على التماسه أي لأجل طلبه قوله : وليس معهم ماء كذا في رواية الأكثرين في الموضعين ، وسقطت الجملة الثانية في الموضع الأول في رواية أبي ذر قوله : ما صنعت عائشة أي من إقامة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والناس اسندوا الفعل إليها لأنه كان بسببها قولها فعاتبني أبو بكر وقال ما شاء الله أن يقول وفي رواية عمرو بن الحارث فقال : حبست الناس في قلادة أي لأجلها ( فإن قلت ) لم تقل عائشة أبي ، بل سمته باسمه ( قلت ) مقام الأبوة لما كان يقتضي الحنو والشفقة وعاتبها أبو بكر صار مغايرا لذلك فلذلك أنزلته بمنزلة الأجنبي فلم تقل أبي قوله فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين أصبح وفي رواية فنام حتى أصبح والمعنى فيهما متقارب لأن كلا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح ويقال ليس المراد بقوله : حتى أصبح بيان غاية النوم إلى الصباح ، بل بيان غاية فقد الماء إلى الصباح لأنه قيد قوله حتى أصبح بقوله : على غير ماء أي آل أمره إلى الصبح على غير ماء ( قلت ) قوله على غير ماء متعلق بقام وأصبح على طريقة تنازع العاملين وأصبح بمعنى دخل في الصباح وهي تامة فلا تحتاج إلى خبر ، قوله : فأنزل الله آية التيمم قال ابن العربي هذه معضلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أي الآيتين عنت عائشة - رضي الله تعالى عنها - وقال ابن بطال : هي آية النساء وآية المائدة ، وقال القرطبي : هي آية النساء لأن آية المائدة تسمى آية الوضوء ، وليس في آية النساء ذكر الوضوء ، وأورد الواحدي في أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضا ، وقال السفاقسي كلاما طويلا ملخصه أن الوضوء كان لازما لهم وآية التيمم ، أما المائدة أو النساء وهما مدنيتان ولم يكن صلاة قبل إلا بوضوء فلما نزلت آية التيمم لم يذكر الوضوء لكونه متقدما متلوا لأن حكم التيمم هو الطارئ على الوضوء وقيل : يحتمل أن يكون نزل أولا أول الآية وهو فرض الوضوء ، ثم نزلت عند هذه الواقعة آية التيمم ، وهو تمام الآية وهو وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى ، ويحتمل أن يكون الوضوء كان بالسنة لا بالقرآن ثم أنزلا معا فعبرته عائشة بالتيمم إذ كان هو المقصود . ( قلت ) : لو وقف هؤلاء على ما ذكره أبو بكر الحميدي في جمعه في حديث عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - فذكر الحديث ، وفيه فنزلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ الآية إلى قوله لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لما احتاجوا إلى هذا التخرص ، وكأن البخاري أشار إلى هذا إذ تلا بقية هذه الآية الكريمة ، قوله : فَتَيَمَّمُوا صيغة الماضي أي فتيمم الناس بعد نزول الآية وهي قوله فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً والظاهر أنه صيغة الأمر على ما هو لفظ القرآن ذكره بيانا أو بدلا عن آية التيمم أي أنزل الله تعالى فَتَيَمَّمُوا قوله : فقال أسيد بن الحضير بضم الهمزة مصغر أسد والحضير بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وبالراء ، قال الكرماني : وفي بعضها بالنون قال : وفي بعضها الحضير بالألف واللام ، وهو نحو الحارث من الأعلام التي تدخلها لام التعريف جوازا ( قلت ) إنما يدخلونها للمح الوصفية ، وأسيد بن حضير بن شمال الأوسي الأنصاري الأشهلي أبو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة الثانية مات بالمدينة سنة عشرين ، وحمل عمر - رضي الله عنه - جنازته مع من حملها وصلى عليه ودفن بالبقيع ( فإن قلت ) في رواية عبد الله بن نمير عن هشام فبعث رجلا فوجدها وفي رواية مالك فبعثنا البعير فأصبنا العقد وبينهما تضاد ( قلت ) قال المهلب : ليس بينهما تناقض لأنه يحتمل أن يكون المبعوث هو أسيد بن حضير فوجدها بعد رجوعه من طلبها ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدها عند إثارة البعير بعد انصراف المبعوثين إليها فلا يكون بينهما تعارض انتهى ، ( قلت ) هما واقعتان كما أشرنا إليه في الرواية الأولى عقد ، وفي الأخرى قلادة فلا تعارض حينئذ ويحتمل أن يكون قوله بعث رجلا يعني أميرا على جماعة كعادته ، فعبر بعض الرواة بأناس يعني أسيدا وأصحابه وبعضهم برجلا يعني المشار إليه أو يكون قولها فوجده تعني بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - لا الرجل المبعوث ( فإن قلت ) ما معنى قول أسيد ما قاله دون غيره ( قلت ) لأنه كان رأس المبعوثين في طلب العقد الذي ضاع . قوله : ما هي بأول بركتكم أي ليس هذه البركة أول بركتكم بل هي مسبوقة بغيرها من البركات والقرينة الحالية والمقالية تدلان على أن قوله هي يرجع إلى البركة وإن لم يمض ذكرها ، وفي رواية عمرو بن الحارث لقد بارك الله للناس فيكم وفي تفسير إسحاق البستي من طريق ابن أبي مليكة عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها : ما كان أعظم بركة قلادتك وفي رواية هشام بن عروة الآتية في الباب الذي يليه فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا جعل الله للمسلمين خيرا وفي النكاح من هذا الوجه إلا جعل الله لك منه مخرجا ، وجعل للمسلمين فيه بركة ، وهذا يشعر بأن هذه القصة كانت بعد قصة الإفك فيقوي قول من ذهب إلى تعدد ضياع العقد ، وممن جزم بذلك محمد بن حبيب الأنصاري فقال : سقط عقد عائشة في غزوة ذات الرقاع وفي غزوة بني المصطلق ، وقد اختلف أهل المغازي في أي هاتين الغزوتين كانت أول ، فقال الداودي : كانت قصة التيمم في غزوة الفتح ، ثم تردد في ذلك ، وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : لما نزلت آية التيمم لم أدر كيف أصنع الحديث فهذا يدل على تأخرها عن غزوة بني المصطلق لأن إسلام أبي هريرة كان في السنة السابعة وهي بعدها بلا خلاف ، وسيأتي في المغازي - إن شاء الله تعالى - أن البخاري يرى أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد قدوم أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - وقدومه كان وقت إسلام أبي هريرة ، ومما يدل على تأخر القصة أيضا عن قصة الإفك ما رواه الطبراني من طريق عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - وتقدم ذكره عن قريب قوله : فبعثنا البعير أي أثرنا البعير الذي كنت عليه حالة السير قوله فأصبنا أي وجدنا ، وهذا يدل على أن الذين توجهوا في طلبه أولا لم يجدوه ( فإن قلت ) وفي رواية عروة في الباب الذي يليه فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا فوجدها أي القلادة . وللبخاري في فضل عائشة من هذا الوجه وكذا لمسلم فبعث ناسا من الصحابة في طلبها وفي رواية أبي داود فبعث أسيد بن حضير وناسا معه ، ( قلت ) : الجمع بين هذه الروايات أن أسيدا كان رأس من بعث لذلك كما ذكرنا ، فلذلك سمي في بعض الروايات دون غيره وكذا أسند الفعل إلى واحد منهم وهو المراد به ، وكأنهم لم يجدوا العقد أولا فلما رجعوا ونزلت آية التيمم وأرادوا الرحيل وآثاروا البعير وجده أسيد بن حضير فعلى هذا فقوله في رواية عروة الآتية فوجدها أي بعد جميع ما تقدم من التفتيش وغيره ، وقال النووي : يحتمل أن يكون فاعل وجدها هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد بالغ الداودي في توهيم رواية عروة ، ونقل عن إسماعيل القاضي أنه حمل الوهم فيها على عبد الله بن نمير وقد بان بذلك أن لا تخالف بين الروايتين ولا وهم ، فإن قلت ) في رواية عمرو بن الحارث سقطت قلادة لي وفي رواية عروة الآتية عنها أنها استعارت قلادة من أسماء يعني أختها فهلكت أي ضاعت فكيف التوفيق ههنا ؟ ( قلت ) : إضافة القلادة إلى عائشة لكونها في يدها وتصرفها ، وإلى أسماء لكونها ملكها لتصريح عائشة بذلك في رواية عروة المذكورة . ( ذكر ما يستنبط منه من الأحكام ) الأول : أن بعضهم استدل منه على جواز الإقامة في المكان الذي لا ماء فيه وسلوك الطريق الذي لا ماء فيها ، وفيه نظر ؛ لأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها ، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم بعدم الماء مع الركب وإن كان قد علم بأن المكان لا ماء فيه ، ويحتمل أن يكون معنى قوله : ليس معهم ماء أي للوضوء ، وأما ما يحتاجون إليه للشرب فيحتمل أن يكون كان معهم . الثاني : فيه شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج ، وإنما شكوا إلى أبي بكر - رضي الله تعالى عنه - لكون النبي - صلى الله عليه وسلم - كان نائما ، وكانوا لا يوقظونه كذا قالوا . ( قلت ) يجوز أن تكون شكواهم إلى أبي بكر دون النبي - صلى الله عليه وسلم - خوفا على خاطر النبي - صلى الله عليه وسلم - من تغيره عليها الثالث : فيه نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه لقولهم ألا ترى إلى ما صنعت يعني عائشة . الرابع : فيه جواز دخول الرجل على ابنته ، وإن كان زوجها عندها إذا علم رضاه بذلك ، ولم يكن حالة المباشرة الخامس : فيه تأديب الرجل ابنته ولو كانت متزوجة كبيرة خارجة عن بيته ، ويلتحق بذلك تأديب من له تأديبه وإن لم يأذن له الإمام السادس : فيه استحباب الصبر لمن ناله ما يوجب الحركة إذ يحصل به التشويش لنائم ، وكذا المصلي ، أو قارئ ، أو مشتغل بعلم أو ذكر السابع : فيه الاستدلال على الرخصة في ترك التهجد في السفر إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه الثامن : فيه أن طلب الماء لا يجب إلا بعد دخول الوقت لقوله في رواية عمرو بن الحارث بعد قوله وحضرت الصلاة فالتمس الماء التاسع : فيه دليل على أن الوضوء كان واجبا عليه قبل نزول آية الوضوء ولهذا استعظموا نزولهم على غير ماء ، ووقع من أبي بكر في حق عائشة ما وقع ، وقال ابن عبد البر : معلوم عند جميع أهل المغازي أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يصل منذ فرضت عليه الصلاة إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند ( فإن قلت ) إذا كان الأمر كذلك ما الحكمة في نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ( قلت ) ليكون فرضه متلوا بالتنزيل ، ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما فعملوا به ثم نزلت بقيتها وهو ذكر التيمم في هذه القصة ، فإطلاق آية التيمم على هذا من إطلاق الكل على البعض لكن رواية عمرو بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم في هذا الحديث فنزلت يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ إلى قوله : تَشْكُرُونَ تدل على أن الآية نزلت جميعها في هذه القصة ، ويقال : كان الوضوء بالسنة لا بالقرآن أولا ، ثم أنزلا معا فعبرت عائشة بالتيمم إذ كان هو المقصود ( فإن قلت ) ذكر الحافظ في كتاب البرهان أن الأسلع الأعرجي الذي كان يرحل للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال للنبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوما إني جنب وليس عندي ماء فأنزل الله آية التيمم ، ( قلت ) : هذا ضعيف ولئن صح فجوابه يحتمل أن يكون قضية الأسلع واقعة في قضية سقوط العقد لأنه كان يخدم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وكان صاحب راحلته فاتفق له هذا الأمر عند وقوع قضية سقوط العقد العاشر : فيه دليل على وجوب النية في التيمم لأن معنى تَيَمَّمُوا اقصدوا وهو قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعي وزفر . الحادي عشر : فيه دليل على أنه يستوي فيه الصحيح والمريض ، والمحدث والجنب ، ولم يختلف فيه علماء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمشرق والمغرب ، وقد كان عمر بن الخطاب وابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - يقولان الجنب لا يطهره إلا الماء لقوله - عز وجل – وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وقوله وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وذهبا إلى أن الجنب لم يدخل في المعنى المراد بقوله وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ولم يتعلق بقولهما أحد من الفقهاء للأحاديث الثابتة الواردة في تيمم الجنب الثاني عشر : فيه دليل على جواز التيمم في السفر ، وهذا أمر مجمع عليه واختلفوا في الحضر فذهب مالك وأصحابه إلى أن التيمم في الحضر والسفر سواء إذا عدم الماء أو تعذر استعماله لمرض أو خوف شديد أو خوف خروج الوقت ، قال أبو عمر : هذا كله قول أبي حنيفة ومحمد ، وقال الشافعي : لا يجوز للحاضر الصحيح أن يتيمم إلا أن يخاف التلف ، وبه قال الطبري ، وقال أبو يوسف وزفر : لا يجوز التيمم في الحضر لا لمرض ولا لخوف خروج الوقت ، وقال الشافعي أيضا ، والليث ، والطبري : إذا عدم الماء في الحضر مع خوف فوت الوقت الصحيح والسقيم يتيمم ويصلي ويعيد . وقال عطاء بن أبي رباح : لا يتيمم المريض إذا وجد الماء ولا غير المريض ( قلت ) قوله : وهذا كله قول أبي حنيفة غير صحيح فإن عنده لا يجوز التيمم لأجل خوف فوت الوقت الثالث عشر : فيه جواز السفر بالنساء في الغزوات وغيرها عند الأمن عليهن فإذا كان لواحد نساء فله أن يسافر مع أيتهن شاء ، ويستحب أن يقرع بينهن فمن خرجت قرعتها أخرجها معه ، وعند مالك والشافعي وأحمد القرعة واجبة الرابع عشر : فيه دليل على حرمة الأموال الحلال ولا يضيعها وإن ( قلت ) ألا ترى أن العقد كان ثمنه اثني عشر درهما كما ذكرناه الخامس عشر : فيه جواز حفظ الأموال وإن أدى إلى عدم الماء في الوقت السادس عشر : فيه جواز الاستعارة وجواز السفر بالعارية عند إذن صاحبها السابع عشر : فيه جواز اتخاذ النساء الحلي ، واستعمال القلادة تجملا لأزواجهن . الثامن عشر : فيه جواز وضع الرجل رأسه على فخذ امرأته التاسع عشر : فيه جواز احتمال المشقة لأجل المصلحة لقول عائشة - رضي الله عنها - فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - على فخذي العشرون : فيه دليل على فضيلة عائشة - رضي الله تعالى عنهما - وتكرر البركة منهما