حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب قول الله عز وجل فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا

كتاب التيمم 1 - باب قول الله عز وجل : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ خرج فيه حديثين : الحديث الأول : قال : 334 - ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره حتى إذا كنا بالبيداء - أو بذات الجيش - انقطع عقد لي ، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه ، وأقام الناس معه وليسوا على ماء ، فأتى الناس إلى أبي بكر ، فقالوا : ألا ترى ما صنعت عائشة ؟ أقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس معهم ماء . فجاء أبو بَكْر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه عَلَى فخذي قَدْ نام ، فَقَالَ : حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس ، وليسوا عَلَى ماء ، وليس مَعَهُم ماء قَالَتْ عَائِشَة : فعاتبني أبو بَكْر ، وَقَالَ مَا شاء الله أن يَقُول ، وجعل يطعنني بيده فِي خاصرتي ، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم عَلَى فخذي ، فنام حَتَّى أصبح عَلَى غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، فتيمموا ، فقال أسيد بن الحضير : ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر ، قالت : فبعثنا البعير الذي كنت عليه فأصبنا العقد تحته . قيل : إن الرواية هنا : فقام حتَّى أصبح .

ورواه في التفسير بلفظ : فنام حتَّى أصبح وهو لفظ مسلم ، وكذا في الموطأ . هذا السياق سياق عبد الرحمن بن القاسم لهذا الحديث عن أبيه ، عن عائشة . وقد رواه هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة فخالف في بعض ألفاظه ومعانيه مما لا يضر .

وقد خرجه البخاري في موضع آخر وفي بعض ألفاظه اختلاف على عروة أيضا . ومما خالف فيه : أنه ذكر أن عائشة استعارت قلادة من أسماء فسقطت ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أرسل رجلين في طلبها وليس معهما ماء فنزلت آية التيمم . وفي رواية : أنهما صليا بغير وضوء .

وهذا يمكن الجمع بينه وبين حديث القاسم عن عائشة : بأن القلادة لما سقطت ظنوا أنها سقطت في المنزل الماضي ، فأرسلوا في طلبها وأقاموا في منزلهم وباتوا فيه ، وفقد الجميع الماء حتى تعذر عليهم الوضوء . وفي حديث هشام : أن ذلك كان ليلة الأبواء . وفي رواية عنه : أن ذلك المكان كان يقال له : الصلصل .

وروى ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، حتى إذا كنا بتربان - بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال ، وهو بلد لا ماء به - وذلك من السحر ، انسلت قلادة لي من عنقي فوقعت - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد . وقد روي هذا الحديث من حديث عمار بن ياسر - أيضا - أن النبي صلى الله عليه وسلم عرس بأولات الجيش ومعه عائشة ، فانقطع عقد لها من جزع ظفار ، فحبس الناس ابتغاء عقدها ذلك حتى أضاء الفجر ، وليس مع الناس ماء ، فتغيظ عليها أبو بكر ، وقال : حبست الناس وليس معهم ماء ، فأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم رخصة التطهر بالصعيد الطيب ، فتيمم المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم - وذكر الحديث .

خرجه الإمام أحمد وأبو داود - وهذا لفظه - والنسائي وابن ماجه ، وفي إسناده اختلاف . والآية التي نزلت بسبب هذه القصة كانت آية المائدة ؛ فإن البخاري خرج هَذَا الحَدِيْث فِي التفسير من كتابه هَذَا من حَدِيْث ابن وهب ، عَن عَمْرِو ، عَن عَبْد الرحمن بْن الْقَاسِم ، وَقَالَ فِي حديثه : فَنَزَلت : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ هذه الآية . وهذا السفر الذي سقط فيه قلادة عائشة أو عقدها كان لغزوة المريسيع إلى بني المصطلق من خزاعة سنة ست ، وقيل : سنة خمس ، وهو الذي ذكره ابن سعد عن جماعة من العلماء ، قالوا : وفي هذه الغزوة كان حديث الإفك .

وقد ذكر الشافعي : أن قصة التيمم كانت في غزوة بني المصطلق ، وقال : أخبرني بذلك عدد من قريش من أهل العلم بالمغازي وغيرهم . فإن قيل : فقد ذكر غير واحد ، منهم : ابن عبد البر : أنه يحتمل أن يكون الذي نزل بسبب قصة عائشة الآية التي في سورة النساء ؛ فإنها نزلت قبل سورة المائدة بيقين ، وسورة المائدة من أواخر ما نزل من القرآن ، حتى قيل : إنها نزلت كلها أو غالبها في حجة الوداع ، وآية النساء نزولها متقدم . وفي صحيح مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص أنها نزلت فيه لما ضربه رجل قد سكر بلحي بعير ، ففزر أنفه .

وفي سنن أبي داود والنسائي وابن ماجه ، عن علي ، أن رجلا صلى وقد شرب الخمر ، فخلط في قراءته ، فنزلت آية النساء . فقد تبين بهذا : أن الآية التي في سورة النساء نزلت قبل تحريم الخمر ، والخمر حرمت بعد غزوة أحد ، ويقال : إنها حرمت في محاصرة بني النضير بعد أحد بيسير ، وآية النساء فيها ذكر التيمم ، فلو كانت قد نزلت قبل قصة عائشة لما توقفوا حينئذ في التيمم ، ولا انتظروا نزول آية أخرى فيه . قيل : هذا لا يصح ؛ لوجوه : أحدها : أن سبب نزول آية النساء قد صح أنه كان ما ينشأ من شرب الخمر من المفاسد في الصلاة وغيرها ، وهذا غير السبب الذي اتفقت الروايات عليه في قصة عائشة ، فدلّ على أن قصة عائشة نزل بسببها آية غير آية النساء ، وليس سوى آية المائدة .

والثاني : أن آية النساء لم تحرم الخمر مطلقًا بل عند حضور الصلاة ، وهذا كان قبل أحد ، وقصة عائشة كانت بعد غزوة أحد بغير خلاف ، وليس في قصتها ما يناسب النهي عن قربان الصلاة مع السكر حتى تصدر به الآية . وأما تصدير الآية بذكر الوضوء فلم يكن لأصل مشروعيته ؛ فإن الوضوء كان شرع قبل ذَلكَ بكثير ، كما سبق تقريره في أول كتاب الضوء ، وإنما كان تمهيدًا للانتقال عنه إلى التيمم عند العجز عنه ، ولهذا قالت عائشة : فنزلت آية التيمم ، ولم تقل : آية الوضوء . والثالث : أنه قد ورد التصريح بذلك في صحيح البخاري كما ذكرناه .

وأما توقفهم في التيمم حتى نزلت آية المائدة مع سبق نزول التيمم في سورة النساء ، فالظاهر - والله أعلم - أنهم توقفوا في جواز التيمم في مثل هذه الواقعة ، لأن فقدهم للماء إنما كان بسبب إقامتهم لطلب عقد أو قلادة ، وإرسالهم في طلبها من لا ماء معه مع إمكان سيرهم جميعا إلى مكان فيه ماء ، فاعتقدوا أن في ذلك تقصيرا في طلب الماء ، فلا يباح معه التيمم ، فنزلت آية المائدة مبينة جواز التيمم في مثل هذه الحال ، وأن هذه الصورة داخلة في عموم آية النساء . ولا يستبعد هذا ، فقد كان طائفة من الصحابة يعتقدون أنه لا يجوز استباحة رخص السفر من الفطر والقصر إلا في سفر طاعة دون الأسفار المباحة ، ومنهم من خص ذلك بالسفر الواجب كالحج والجهاد ، فلذلك توقفوا في جواز التيمم للاحتباس عن الماء لطلب شيء من الدنيا حتى بين لهم جوازه ودخوله في عموم قوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ويدل ذلك على جواز التيمم في سفر التجارة وما أشبهه من الأسفار المباحة ، وهذا مما يستأنس به من يقول : إن الرخص لا تستباح في سفر المعصية . وأما دعوى نزول سورة المائدة كلها في حجة الوداع فلا تصح ؛ فإن فيها آيات نزلت قبل ذلك بكثير ، وقد صح أن المقداد قال للنبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر : لا نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى : اذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون ، فدل هذا على أن هذه الآية نزلت قبل غزوة بدر .

والله أعلم . وقد ذكر الله تعالى التيمم في الآيتين بلفظ واحد ، فقال فيهما : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ فقوله تعالى : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ ذكر شيئين مبيحين للتيمم : أحدهما : المرض ، والمراد به عند جمهور العلماء : ما كان استعمال الماء معه يخشى منه الضرر . والثاني : السفر ، واختلفوا : هل هو شرط للتيمم مع عدم الماء ، أم وقع ذكره لكونه مظنة عدم الماء غالبًا ، فإن عدم الماء في الحضر قليل أو نادر ، كما قال الجمهور في ذكر السفر في آية الرهن ، أنه إنما ذكر السفر لأنه مظنة عدم الكاتب ، وليس بشرط للرهن .

والجمهور : على أن السفر ليس بشرط للرهن ولا للتيمم مع عدم الماء ، وأنه يجوز الرهن في الحضر ، والتيمم مع عدم الماء في الحضر . وقالت الظاهرية : السفر شرط في الرهن والتيمم . وعن أحمد رواية باشتراط السفر للتيمم خاصة ، وحكي رواية عن أبي حنيفة ، وعن طائفة من أصحاب مالك .

وعلى هذا : فلا فرق بين السفر الطويل والقصير على الأصح عندهم . وقوله : أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ قد قيل : إن أو هنا بمعنى الواو ، كما يقول الكوفيون ومن وافقهم ؛ فإنه لما ذكر السببين المبيحين للتيمم ، وهما التضرر باستعماله بالمرض ومظنة فقده بالسفر ذكر مَا يستباح مِنْهُ الصَّلاة بالتيمم وَهُوَ الحدث ، فإن التيمم يبيح الصَّلاة من الحدث الموجود ولا يرفعه عند كثير من العلماء ، وهو مذهب الشافعي ، وظاهر مذهب أحمد وأصحابه ، ولهذا قالوا : يجب عليه أن ينوي ما يستبيحه من العبادات وما يستبيح فعل العبادات منه من الأحداث . وقالت طائفة : بل التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا بعدم القدرة على استعمال الماء ، وربما استدل بعضهم بهذه الآية ، وقالوا : إنما أمر الله بالتيمم مع وجود الحدث ، ولو كان التيمم واجبًا لكل صلاة أو لوقت كل صلاة - كما يقوله من يقول : إن التيمم لا يرفع الحدث ، على اختلاف بينهم في ذلك - لما كان لذكر الحدث معنى .

والأظهر - والله أعلم - : أن أو هاهنا ليست بمعنى الواو ، بل هي على بابها ، وأريد بها : التقسيم والتنويع ، وأن التيمم يباح في هذه الحالات الثلاث ، واثنتان منهما مظنتان ، وهما : المرض والسفر ، فالمرض مظنة التضرر باستعمال الماء ، والسفر مظنة عدم الماء ، فإن وجدت الحقيقة في هاتين المظنتين جاز التيمم ، وإلا فلا . ثم ذكر قسمًا ثالثًا ، وهو وجود الحقيقة نفسها ، فذكر أن من كان محدثًا ولم يجد ماءً فليتيمم ، وهذا يشمل المسافر وغيره ، ففي هذا دليلٌ على أن التيمم يجوز لمن لم يجد الماء ، مسافرًا كان أو غير مسافر . واللهُ أعلم .

وقد ذكر سبحانه حدثين : أحدهما : الحدث الأصغر ، وهو المجيء من الغائط ، وهو كنايةٌ عن قضاء الحاجة والتخلي ، ويلتحق به كل ما كان في معناه ، كخروج الريح أو النجاسات من البدن عند من يرى ذَلكَ . والثاني : ملامسة النساء ، واختلفوا : هل المراد بها الجماع خاصة ، فيكون حينئذ قد أمر بالتيمم من الحدث الأصغر والأكبر ، وفي ذلك رد على من خالف في التيمم للجنابة كما سيأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - أو المراد بالملامسة مقدمات الجماع من القبلة والمباشرة لشهوة ، أو مطلق التقاء البشرتين ، وعلى هذين القولين فلم يذكر في الآية غير التيمم من الحدث الأصغر . وقوله تعالى : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً متعلق بمن أحدث ، سواءٌ كان على سفر أو لم يكن ، كما سبق تقريره ، دون المرض ، لأن المريض لا يشترط لتيممه فقد الماء ، هذا هو الذي عمل به الأمة سلفا وخلفا .

وحكي عن عطاء والحسن : أن فقد الماء شرطٌ للتيمم مع المرض - أيضا - فلا يباح للمريض أن يتيمم مع وجود الماء وإن خشي التلف . وهذا بعيد الصحة عنهما ، فإنه لو لم يجز التيمم إلا لفقد الماء لكان ذكر المرض لا فائدة له . وقوله : فَتَيَمَّمُوا أصل التيمم في اللغة القصد ، ثم صار علما على هذه الطهارة المخصوصة .

وقوله : صَعِيدًا اختلفوا في المراد بالصعيد ، فمنهم : من فسره بما تصاعد على وجه الأرض من أجزائها ، ومنهم : من فسره بالتراب خاصة . وقوله : طَيِّبًا فسره من قال : الصعيد : ما تصاعد على وجه الأرض ، بالطاهر . ومن فسره بالتراب ، قال : المراد بالصعيد التراب المنبت ، كقوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وهذا مذهب الشافعي وأحمد في المشهور عنه .

وقال ابن عباس : الصعيد الطيب تراب الحرث . وقوله : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ كقوله في الوضوء وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وقد ذكرنا فيما سبق في أبواب الوضوء أن كثيرًا من العلماء أوجبوا استيعاب مسح الرأس بالماء ، وخالف فيه آخرون ، وأكثرهم وافقوا هاهنا ، وقالوا : يجب استيعاب الوجه والكفين بالتيمم ، ومنهم من قال : يجزئ أكثرهما ، ومنهم من قال : يجزئ مسح بعضهما كالرأس - أيضا . وقول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار : إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك يرد ذلك ويبين أن المأمور به مسح جميعهما .

وسيأتي الكلام على حد اليدين المأمور بمسحهما في التيمم - إن شاء الله تعالى . وقوله تعالى : مِنْهُ يستدل به من قَالَ : لا تيمم إلا بتراب له غبار يعلق باليد ، فإن قوله : منه يقتضي أن يكون الممسوح به الوجه واليدان بعض الصعيد ، ولا يمكن ذلك إلا فيما له غبار يعلق باليد حتى يقع المسح به ، ومن خالف في ذلك جعل من هاهنا لأبعد الغاية ، لا للتبعيض وهو بعيد يأباه سياق الكلام . والله تعالى أعلم .

ورد في أحاديث16 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث