باب قول الله عز وجل فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا
من طريق : هشيم : أبنا سيارٌ : ثنا يزيد الفقير : أبنا جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . هشيم : مدلس ، وقد صرح هنا بالسماع من سيار ، وهو : أبو الحكم ، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير ، وصرح يزيد بالسماع من جابر ، فهذا إسناد جليل متصل . وهذه الخمس اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها ، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر ، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه صلى الله عليه وسلم خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس ، وسنشير إلى بعض ذلك - إن شاء الله تعالى .
فأما الرعب : فهو ما يقذفه الله في قلوب أعدائه المشركين من الرعب ، كما قال تعالى : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وقال في قصة يوم بدر : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال عام غزوة تبوك : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي : أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا - وذكر بقية الحديث . وقوله : أعطيت الليلة خمسا لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة ، فإن عامتها كان موجودا قبل ذلك ، كنصره بالرعب ، وتيممه بالتراب ، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال ، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة . والله أعلم .
وروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فضلت على الناس بخمس - ذكر منها - ونصرت بالرعب شهرا من أمامي وشهرا من خلفي . وأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا : فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد .
وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء : جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا ، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه - وذكر الحديث . وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بأن الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم ، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها ، كما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، وفي المقبرة والحمام ، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى . وفي ذكره التيمم بالأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء ، وقد سبق في كتاب : الوضوء ذكر ذَلكَ .
واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا من يقول : إن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما . واستدل من قَالَ : لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض - كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في صحيح مسلم عن حذيفة ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء ، وذكر خصلة أخرى . فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد ، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة ؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك .
وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا ، وعنده : وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا . وهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة ، والطيبة : هي الأرض القابلة للإنبات ، كما في قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وروينا من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت وحٌميد ، عن أنس ، قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبة مسجدًا وطهورًا . ولكن قد دلت نصوص أخرُ على عموم كون الأرض مسجدًا ، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة .
وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أُعطيتُ أربعًا لم يُعطهن أحد من أنبياء الله : أُعطيت مفاتيح الأرض ، وسُمّيتُ أحمد ، وجُعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم . وقد ظن بعضهم : أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وهو غلط ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، خلافًا لما حكي عن أبي ثور ، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم ، والتراب والتربة لقب ، واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له ، والأكثرون يأبون ذَلكَ . لكن أقوى ما استدل به : حديث حذيفة الذي خرجه مسلم ، فإنه جعل الأرض كلها مسجدًا وخص الطهورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له ، بل كان زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى ، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم .
وقد خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، ولفظه : وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء . ومعنى قوله : طهورًا : أي مطهرًا ، كما قَالَ : الماء طهور لا ينجسه شيء . وفيه دليل لمن قَالَ : إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا ، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة ، بل اشتركت فيه الأمم كلها ، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب ، فالطهور هو المطهر .
والتحقيق : أن طهورا ليس معدولا عن طاهر ، ولأن طاهرا لازم و طهورا متعد ، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به ، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك . وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة ، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : وأحلت لي الغنائم أكلها ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها . وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، قَالَ : غزا نبي من الأنبياء ؛ فجمع الغنائم ، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها ، فقال : إن فيكم غلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار فأكلتها ، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا .
وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم ، كانت تنزل نار فتأكلها . وفي كتاب السيرة لسليمان التيمي : أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة . وفي صحة هذا نظر ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم ، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار .
وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف . وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد قال طائفة من العلماء : إن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح ، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام كانت له هاجر أمة ، والإماء إنما يكتسبن من المغانم ، ذكر هذا ابن عقيل وغيره .
وفي هذا نظر ؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة ، فوهبتها لإبراهيم ، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم . وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه ، ويختص بها دون غيره من المسلمين . وقال القاضي إسماعيل المالكي : إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم ، فأما الأرض فإنها فيء ، وكانت مباحة لمن قبلنا ، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون .
وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا ، سواء أخذت بقتال أو غيره ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنه . ومن الناس من يقول : إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال . قالوا : وهاجر كانت فيئا لا غنيمة ؛ لأن الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره .
وقد قَالَ طائفة من العلماء : إن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا . وزعم بعضهم : أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة ، كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين ، وهذا بعيد جدا . واستدلوا : بما خرجه البزار من رواية سالم أبي حماد ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي - فذكر الحديث ، وقال فيه : وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي .
وسالم هذا : قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول . وأما الشفاعة التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضا - كما تواترت بذلك النصوص ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع : أحدها : شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم . والثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة .
والثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار ، فقد قيل : إن هذه يختص هو بها . والرابع : كثرة من يشفع له من أمته ؛ فإنه وفر شفاعته وادخرها إلى يوم القيامة . وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث ، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي - فذكر الحديث ، إلى أن قَالَ : والخامسة هي ما هي : قيل لي سل ؛ فإن كل نبي قد سأل ، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله .
وخرج - أيضا - من حديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي - فذكره ، وقال في آخره : وأعطيت الشفاعة ، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته ، وإني أخرت شفاعتي ، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا . وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر .
وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : لكل نبي دعوة يدعو بها ، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفي صحيح مسلم عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته ، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفيه - أيضا - نحوه من حديث أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم .
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا ، وإن الله أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة . خرجه البزار وغيره . وفي المسند عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : إن الله أيقظني فقال : إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه ، فسل يا محمد تعط ؟ فقلت : مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، وما الشفاعة التي اختبأت عندك ؟ قال : أقول : يا رب ، شفاعتي التي اختبأت عندك ، فيقول الرب تبارك وتعالى : نعم ، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار ، فينبذهم في الجنة .
والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم - : أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته ، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا ، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان عليه السلام ، واختص النبي صلى الله عليه وسلم بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة . وقد ذكر بعضهم : شفاعة خامسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين ، كما شفع لعمه أبي طالب ، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها صلى الله عليه وسلم . وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب .
وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء الله تعالى . وأما بعثته إلى الناس عامة ، فهذا مما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء . وفي المسند من حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - فذكر منها - : وبعثت إلى كل أحمر وأسود .
وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ، ولا أقولهن فخرا ، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود . وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها نبي - فذكر منها - : وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه ، وبعثت إلى الجن والإنس - وذكر الحديث . وقال : لفظ : الجن والإنس لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا الإسناد .
قلت : وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد ، وأن أبا حاتم قَالَ : هو مجهول . ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره تعليقا ، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فقال : إن جبريل قال لي : اخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك ، وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود ، وأمرني أن أنذر الجن ، وآتاني كتابه وأنا أمي ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر ، وذكر اسمي في الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رءوسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس ، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ، وآتاني السلطان والملك ، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش ، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون .
وقوله : إلى الخلق كافة يدخل فيه الجن بلا ريب . وفي صحيح ابن خزيمة عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بثلاث - فذكر الثالثة ، قَالَ : وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي . وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في صحيح مسلم ، بل فيهِ : وذكر خصلة أخرى كما تقدم .
ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس ، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .