335 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ ح . قَالَ : وَحَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ الْفَقِيرُ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي : نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً ، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ النَّضْرِ ، قَالَ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ ) إِنَّمَا لَمْ يَجْمَعِ الْبُخَارِيُّ بَيْنَ شَيْخَيْهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ كَوْنِهِمَا حَدَّثَاهُ بِهِ عَنْ هُشَيْمٍ ; لِأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا مُتَفَرِّقَيْنِ ، وَكَأَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ مَعَ غَيْرِهِ فَلِهَذَا جَمَعَ فَقَالَ حَدَّثَنَا وَسَمِعَهُ مِنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ فَلِهَذَا أَفْرَدَ فَقَالَ حَدَّثَنِي . وَكَأَنَّ مُحَمَّدًا سَمِعَهُ مِنْ لَفْظِ هُشَيْمٍ فَلِهَذَا قَالَ حَدَّثَنَا وَكَأَنَّ سَعِيدًا قَرَأَهُ أَوْ سَمِعَهُ يَقْرَأُ عَلَى هُشَيْمٍ فَلِهَذَا قَالَ أَخْبَرَنَا وَمُرَاعَاةُ هَذَا كُلِّهِ عَلَى سَبِيلِ الِاصْطِلَاحِ . ثُمَّ إِنَّ سِيَاقَ الْمَتْنِ لَفْظُ سَعِيدٍ ، وَقَدْ ظَهَرَ بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ صَنِيعِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ إِذَا أَوْرَدَ الْحَدِيثَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ فَإِنَّ اللَّفْظَ يَكُونُ لِلْأَخِيرِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا سَيَّارٌ ) بِمُهْمَلَةٍ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ مُشَدَّدَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ ، هُوَ أَبُو الْحَكَمِ الْعَنْزِيُّ الْوَاسِطِيُّ الْبَصْرِيُّ وَاسْمُ أَبِيهِ وَرْدَانُ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَيُكَنَّى أَبَا سَيَّارٍ ، اتَّفَقُوا عَلَى تَوْثِيقِ سَيَّارٍ ، وَأَخْرَجَ لَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ أَدْرَكَ بَعْضَ الصَّحَابَةِ لَكِنْ لَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْهُمْ فَهُوَ مِنْ كِبَارِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ . وَلَهُمْ شَيْخٌ آخَرُ يُقَالُ لَهُ سَيَّارٌ ، لَكِنَّهُ تَابِعِيٌّ شَامِيٌّ أَخْرَجَ لَهُ التِّرْمِذِيٌّ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُهُ ; لِأَنَّهُ رَوَى مَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَلَمْ يُنْسَبْ فِي الرِّوَايَةِ كَمَا لَمْ يُنْسَبْ سَيَّارٌ فِي حَدِيثِ الْبَابِ فَرُبَّمَا ظَنَّهُمَا بَعْضُ مَنْ لَا تَمْيِيزَ لَهُ وَاحِدًا فَيَظُنُّ أَنَّ فِي الْإِسْنَادِ اخْتِلَافًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَزِيدُ الْفَقِيرُ ) هُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ ، تَابِعِيُّ مَشْهُورٌ ، قِيلَ لَهُ الْفَقِيرُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَشْكُوُ فَقَارِ ظَهْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ فَقِيرًا مِنَ الْمَالِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ : رَجُلٌ فَقِيرٌ مَكْسُورُ فَقَارِ الظَّهْرِ ، وَيُقَالُ لَهُ فَقِّيرٌ بِالتَّشْدِيدِ أَيْضًا . ( فَائِدَةٌ ) : مَدَارُ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا عَلَى هُشَيْمٍ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَلَهُ شَوَاهِدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي مُوسَى ، وَأَبِي ذَرٍّ ، مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، رَوَاهَا كُلَّهَا أَحْمَدُ بِأَسَانِيدَ حِسَانٍ . قَوْلُهُ : ( أُعْطِيتُ خَمْسًا ) بَيَّنَ فِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَوْلُهُ : ( لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي ) زَادَ فِي الصَّلَاةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا أَقُولُهُنَّ فَخْرًا وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَصَّ بِغَيْرِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ ، لَكِنْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ فَذَكَرَ أَرْبَعًا مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ وَزَادَ ثِنْتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدُ ، وَطَرِيقُ الْجَمْعِ أَنْ يُقَالَ : لَعَلَّهُ اطَّلَعَ أَوَّلًا عَلَى بَعْضِ مَا اخْتُصَّ بِهِ ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى الْبَاقِي ، وَمَنْ لَا يَرَى مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةً يَدْفَعُ هَذَا الْإِشْكَالَ مِنْ أَصْلِهِ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَاتِ لَمْ تَكُنْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامَ كَانَ مَبْعُوثًا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ الطُّوفَانِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إِلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ بَعْثَتِهِ وَإِنَّمَا اتَّفَقَ بِالْحَادِثِ الَّذِي وَقَعَ وَهُوَ انْحِصَارُ الْخَلْقِ فِي الْمَوْجُودِينَ بَعْدَ هَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ ، وَأَمَّا نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ مِنْ أَصْلِ الْبَعْثَةِ فَثَبَتَ اخْتِصَاصُهُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُ أَهْلِ الْمَوْقِفِ لِنُوحٍ كَمَا صَحَّ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ أَنْتَ أَوَّلُ رَسُولٍ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عُمُومَ بَعْثَتِهِ بَلْ إِثْبَاتُ أَوَّلِيَّةِ إِرْسَالِهِ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِتَنْصِيصِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي عِدَّةِ آيَاتٍ عَلَى أَنَّ إِرْسَالَ نُوحٍ كَانَ إِلَى قَوْمِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ أُرْسِلَ إِلَى غَيْرِهِمْ ، وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ لِعُمُومِ بَعْثَتِهِ بِكَوْنِهِ دَعَا عَلَى جَمِيعِ مَنْ فِي الْأَرْضِ فَأُهْلِكُوا بِالْغَرَقِ إِلَّا أَهْلَ السَّفِينَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ لَمَا أُهْلِكُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ ، وَأُجِيبَ بِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ فِي أَثْنَاءِ مُدَّةِ نُوحٍ وَعَلِمَ نُوحٌ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُؤْمِنُوا فَدَعَا عَلَى مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ مِنْ قَوْمِهِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ فَأُجِيبَ . وَهَذَا جَوَابٌ حَسَنٌ ، لَكِنْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ نُبِّئَ فِي زَمَنِ نُوحٍ غَيْرُهُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْخُصُوصِيَّةِ لِنَبِيِّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي ذَلِكَ بَقَاءَ شَرِيعَتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَنُوحٌ وَغَيْرُهُ بِصَدَدِ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ فِي زَمَانِهِ أَوْ بَعْدَهُ فَيَنْسَخَ بَعْضَ شَرِيعَتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ دُعَاؤُهُ قَوْمَهُ إِلَى التَّوْحِيدِ بَلَغَ بَقِيَّةَ النَّاسِ فَتَمَادَوْا عَلَى الشِّرْكِ فَاسْتَحَقُّوا الْعِقَابَ ، وَإِلَى هَذَا نَحَا ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ قَالَ : وَغَيْرُ مُمْكِنٍ أَنْ تَكُونَ نُبُوَّتُهُ لَمْ تَبْلُغِ الْقَرِيبَ وَالْبَعِيدَ لِطُولِ مُدَّتِهِ ، وَوَجَّهَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعَالَى يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنْ كَانَ الْتِزَامُ فُرُوعِ شَرِيعَتِهِ لَيْسَ عَامًّا ; لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ قَاتَلَ غَيْرَ قَوْمِهِ عَلَى الشِّرْكِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّوْحِيدُ لَازِمًا لَهُمْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ عِنْدَ إِرْسَالِ نُوحٍ إِلَّا قَوْمُ نُوحٍ . فَبَعْثَتُهُ خَاصَّةٌ لِكَوْنِهَا إِلَى قَوْمِهِ فَقَطْ وَهِيَ عَامَّةٌ فِي الصُّورَةِ لِعَدَمِ وُجُودِ غَيْرِهِمْ ، لَكِنْ لَوِ اتَّفَقَ وُجُودُ غَيْرِهِمْ لَمْ يَكُنْ مَبْعُوثًا إِلَيْهِمْ . وَغَفَلَ الدَّاوُدِيُّ الشَّارِحُ غَفْلَةً عَظِيمَةً فَقَالَ : قَوْلُهُ لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ يَعْنِي لَمْ تُجْمَعْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ ; لِأَنَّ نُوحًا بُعِثَ إِلَى كَافَّةِ النَّاسِ ، وَأَمَّا الْأَرْبَعُ فَلَمْ يُعْطَ أَحَدٌ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ . وَكَأَنَّهُ نَظَرَ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ وَغَفَلَ عَنْ آخِرِهِ ; لِأَنَّهُ نَصَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى خُصُوصِيَّتِهِ بِهَذِهِ أَيْضًا لِقَوْلِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَكَانَ كُلُّ نَبِيٍّ . . . إِلَخْ . قَوْلُهُ : ( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ ) زَادَ أَبُو أُمَامَةَ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ . قَوْلُهُ : ( مَسِيرَةَ شَهْرٍ ) مَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ لِغَيْرِهِ النَّصْرُ بِالرُّعْبِ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ وَلَا فِي أَكْثَرَ مِنْهَا ، أَمَّا مَا دُونَهَا فَلَا ، لَكِنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ وَلَوْ كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مَسِيرَةُ شَهْرٍ فَالظَّاهِرُ اخْتِصَاصُهُ بِهِ مُطْلَقًا ، وَإِنَّمَا جَعَلَ الْغَايَةَ شَهْرًا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ بَلَدِهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَعْدَائِهِ أَكْثَرُ مِنْهُ ، وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ حَاصِلَةٌ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ حَتَّى لَوْ كَانَ وَحْدَهُ بِغَيْرِ عَسْكَرٍ ، وَهَلْ هِيَ حَاصِلَةٌ لِأُمَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ . قَوْلُهُ : ( وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا ) أَيْ مَوْضِعَ سُجُودٍ ، لَا يَخْتَصُّ السُّجُودُ مِنْهَا بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَجَازًا عَنِ الْمَكَانِ الْمَبْنِيِّ لِلصَّلَاةِ ، وَهُوَ مِنْ مَجَازِ التَّشْبِيهِ ; لِأَنَّهُ لَمَّا جَازَتِ الصَّلَاةُ فِي جَمِيعِهَا كَانَتْ كَالْمَسْجِدِ فِي ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ التِّينِ : قِيلَ الْمُرَادُ جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَجُعِلَتْ لِغَيْرِي مَسْجِدًا وَلَمْ تُجْعَلْ لَهُ طَهُورًا ; لِأَنَّ عِيسَى كَانَ يَسِيحُ فِي الْأَرْضِ وَيُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ ، كَذَا قَالَ . وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الدَّاوُدِيُّ ، وَقِيلَ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَتَيَقَّنُونَ طَهَارَتَهُ ، بِخِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأُبِيحَ لَهَا فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ إِلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا نَجَاسَتَهُ . وَالْأَظْهَرُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُمُ الصَّلَوَاتُ فِي أَمَاكِنَ مَخْصُوصَةٍ كَالْبِيَعِ وَالصَّوَامِعِ ، وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِلَفْظِ وَكَانَ مَنْ قَبْلِي إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي كَنَائِسِهِمْ . وَهَذَا نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ فَثَبَتَتِ الْخُصُوصِيَّةُ ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَ حَدِيثِ الْبَابِ وَفِيهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَحَدٌ يُصَلِّي حَتَّى يَبْلُغَ مِحْرَابَهُ . قَوْلُهُ : ( وَطَهُورًا ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الطَّهُورَ هُوَ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الطَّهُورَ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّاهِرَ لَمْ تَثْبُتِ الْخُصُوصِيَّةُ ، وَالْحَدِيثُ إِنَّمَا سِيقَ لِإِثْبَاتِهَا . وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَابْنُ الْجَارُودِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا جُعِلَتْ لِيَ كُلُّ أَرْضٍ طَيِّبَةٍ مَسْجِدًا وَطَهُورًا . وَمَعْنَى طَيِّبَةٍ طَاهِرَةٌ ، فَلَوْ كَانَ مَعْنَى طَهُورًا طَاهِرًا لَلَزِمَ تَحْصِيلُ الْحَاصِلِ ، وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَالْمَاءِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي هَذَا الْوَصْفِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ . وَعَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ جَائِزٌ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، وَقَدْ أَكَّدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ بِقَوْلِهِ وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ كُلُّهَا وَلِأُمَّتِي مَسْجِدًا وَطَهُورًا . وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِي ذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( فَأَيُّمَا رَجُلٍ ) أَيْ مُبْتَدَأٌ فِيهِ مَعْنَى الشَّرْطِ ، وَ مَا زَائِدَةٌ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهَذِهِ صِيغَةُ عُمُومٍ يَدْخُلُ تَحْتَهَا مَنْ لَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا تُرَابًا وَوَجَدَ شَيْئًا مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ بِهِ ، وَلَا يُقَالُ هُوَ خَاصٌّ بِالصَّلَاةِ ; لِأَنَّا نَقُولُ : لَفْظُ حَدِيثِ جَابِرٍ مُخْتَصَرٌ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي أُمَامَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَتَى الصَّلَاةَ فَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَجَدَ الْأَرْضَ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَعِنْدَ أَحْمَدَ فَعِنْدَهُ طَهُورُهُ وَمَسْجِدُهُ وَفِي رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَأَيْنَمَا أَدْرَكَتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ وَصَلَّيْتُ وَاحْتَجَّ مَنْ خَصَّ التَّيَمُّمَ بِالتُّرَابِ بِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ . وَهَذَا خَاصٌّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ الْعَامٌّ عَلَيْهِ فَتَخْتَصٌّ الطَّهُورِيَّةُ بِالتُّرَابِ ، وَدَلَّ الِافْتِرَاقُ فِي اللَّفْظِ حَيْثُ حَصَلَ التَّأْكِيدُ فِي جَعْلِهَا مَسْجِدًا دُونَ الْآخَرِ عَلَى افْتِرَاقِ الْحُكْمِ وَإِلَّا لَعُطِفَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ نَسَقًا كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ . وَمَنَعَ بَعْضُهُمُ الِاسْتِدْلَالَ بِلَفْظِ التُّرْبَةِ عَلَى خُصُوصِيَّةِ التَّيَمُّمِ بِالتُّرَابِ بِأَنْ قَالَ : تُرْبَةُ كُلِّ مَكَانٍ مَا فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ . وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ التُّرَابِ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُ . وَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَجُعِلَ التُّرَابُ لِيَ طَهُورًا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ ، وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ ، وَيُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِالتُّرَابِ أَنَّ الْحَدِيثَ سِيقَ لِإِظْهَارِ التَّشْرِيفِ وَالتَّخْصِيصِ ، فَلَوْ كَانَ جَائِزًا بِغَيْرِ التُّرَابِ لَمَا اقْتُصِرَ عَلَيْهِ . قَوْلُهُ : ( فَلْيُصَلِّ ) عُرِفَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَ أَنْ يَتَيَمَّمَ . قَوْلُهُ : ( وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ ) وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ الْمَغَانِمُ وَهِيَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ : كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى ضَرْبَيْنِ ، مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْجِهَادِ فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ مَغَانِمُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أُذِنَ لَهُ فِيهِ لَكِنْ كَانُوا إِذَا غَنِمُوا شَيْئًا لَمْ يَحِلَّ لَهُمْ أَنْ يَأْكُلُوهُ وَجَاءَتْ نَارٌ فَأَحْرَقَتْهُ . وَقِيلَ : الْمُرَادُ أَنَّهُ خُصَّ بِالتَّصَرُّفِ فِي الْغَنِيمَةِ يَصْرِفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ ، وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ وَهُوَ أَنَّ مَنْ مَضَى لَمْ تَحِلَّ لَهُمُ الْغَنَائِمُ أَصْلًا ، وَسَيَأْتِي بَسْطُ ذَلِكَ فِي الْجِهَادِ . قَوْلُهُ : ( وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْأَقْرَبُ أَنَّ اللَّامَ فِيهَا لِلْعَهْدِ ، وَالْمُرَادُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي إِرَاحَةِ النَّاسِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُقُوعِهَا . وَكَذَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقِيلَ الشَّفَاعَةُ الَّتِي اخْتُصَّ بِهَا أَنَّهُ لَا يُرَدُّ فِيمَا يَسْأَلُ . وَقِيلَ الشَّفَاعَةُ لِخُرُوجِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ ; لِأَنَّ شَفَاعَةَ غَيْرِهِ تَقَعُ فِيمَنْ فِي قَلْبِهِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، قَالَهُ عِيَاضٌ . وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ هَذِهِ مُرَادَةٌ مَعَ الْأُولَى ; لِأَنَّهُ يَتْبَعُهَا بِهَا كَمَا سَيَأْتِي وَاضِحًا فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْبَعْثِ : يُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ الَّتِي يُخْتَصُّ بِهَا أَنَّهُ يَشْفَعُ لِأَهْلِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ ، وَغَيْرُهُ إِنَّمَا يَشْفَعُ لِأَهْلِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ . وَنَقَلَ عِيَاضٌ أَنَّ الشَّفَاعَةَ الْمُخْتَصَّةَ بِهِ شَفَاعَةٌ لَا تُرَدُّ . وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ فَأَخَّرْتُهَا لِأُمَّتِي ، فَهِيَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا . وَفِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ فَهِيَ لَكُمْ وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّفَاعَةِ الْمُخْتَصَّةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِخْرَاجُ مَنْ لَيْسَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ إِلَّا التَّوْحِيدَ ، وَهُوَ مُخْتَصٌّ أَيْضًا بِالشَّفَاعَةِ الْأُولَى ، لَكِنْ جَاءَ التَّنْوِيهُ بِذِكْرِ هَذِهِ ; لِأَنَّهَا غَايَةُ الْمَطْلُوبِ مِنْ تِلْكَ لِاقْتِضَائِهَا الرَّاحَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الشَّفَاعَةُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ ، عَنْ أَنَسٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ثُمَّ أَرْجِعُ إِلَى رَبِّي فِي الرَّابِعَةِ فَأَقُولُ : يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَيَقُولُ : وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْهَا مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَلَا يُعَكِّرُ عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَبْلَ قَوْلِهِ وَعِزَّتِي فَيَقُولُ لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ ، وَعِزَّتِي . . إِلَخْ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَا يُبَاشِرُ الْإِخْرَاجَ كَمَا فِي الْمَرَّاتِ الْمَاضِيَةِ ، بَلْ كَانَتْ شَفَاعَتُهُ سَبَبًا فِي ذَلِكَ فِي الْجُمْلَةِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى قَوْلِهِ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً فِي أَوَائِلِ الْبَابِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةٍ فَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْأَحْمَرِ الْعَجَمُ وَبِالْأَسْوَدِ الْعَرَبُ ، وَقِيلَ الْأَحْمَرُ الْإِنْسُ وَالْأَسْوَدُ الْجِنُّ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ التَّنْصِيصُ عَلَى الْإِنْسِ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ; لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ إِلَى الْجَمِيعِ ، وَأَصْرَحُ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ وَأَشْمَلُهَا رِوَايَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأُرْسِلْتُ إِلَى الْخَلْقِ كَافَّةً . ( تَكْمِيلٌ ) : أَوَّلُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ فَذَكَرَ الْخَمْسَ الْمَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ إِلَّا الشَّفَاعَةَ وَزَادَ خَصْلَتَيْنِ وَهُمَا وَأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ فَتَحْصُلُ مِنْهُ وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ سَبْعَ خِصَالٍ . وَلِمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثِ خِصَالٍ : جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَذَكَرَ خَصْلَةَ الْأَرْضِ كَمَا تَقَدَّمَ . قَالَ : وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى ، وَهَذِهِ الْخَصْلَةُ الْمُبْهَمَةُ بَيَّنَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ وَهِيَ وَأُعْطِيتُ هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ . يُشِيرُ إِلَى مَا حَطَّهُ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِهِ مِنَ الْإِصْرِ وَتَحْمِيلِ مَا لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهِ ، وَرَفْعِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ، فَصَارَتِ الْخِصَالُ تِسْعًا . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أُعْطِيتُ أَرْبَعًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ : أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ ، وَسُمِّيتُ أَحْمَدَ ، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ وَذَكَرَ خَصْلَةَ التُّرَابِ فَصَارَتِ الْخِصَالُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَصْلَةً ، وَعِنْدَ الْبَزَّارِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : غُفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي وَمَا تَأَخَّرَ وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ ، وَأُعْطِيتُ الْكَوْثَرَ ، وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ لَصَاحِبُ لِوَاءِ الْحَمْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَحْتَهُ آدَمُ فَمَنْ دُونَهُ وَذَكَرَ ثِنْتَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ فُضِّلْتُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِخَصْلَتَيْنِ : كَانَ شَيْطَانِي كَافِرًا فَأَعَانَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ قَالَ وَنَسِيتُ الْأُخْرَى . قُلْتُ : فَيَنْتَظِمُ بِهَذَا سَبْعَ عَشْرَةَ خَصْلَةً . وَيُمْكِنُ أَنْ يُوجَدَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ لِمَنْ أَمْعَنَ التَّتَبُّعَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ، وَأَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِيهَا . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو سَعِيدٍ النَّيْسَابُورِيُّ : فِي كِتَابِ شَرَفِ الْمُصْطَفَى أَنَّ عَدَدَ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ نَبِيُّنَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْأَنْبِيَاءِ سِتُّونَ خَصْلَةً . وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مَشْرُوعِيَّةُ تَعْدِيدِ نِعَمِ اللَّهِ ، وَإِلْقَاءِ الْعِلْمِ قَبْلَ السُّؤَالِ ، وَأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَرْضِ الطَّهَارَةُ ، وَأَنَّ صِحَّةَ الصَّلَاةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ الْمَبْنِيِّ لِذَلِكَ . وَأَمَّا حَدِيثُ لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إِلَّا فِي الْمَسْجِدِ فَضَعِيفٌ . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ . وَاسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْمَبْسُوطِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى إِظْهَارِ كَرَامَةِ الْآدَمِيِّ وَقَالَ : لِأَنَّ الْآدَمِيَّ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ وَتُرَابٍ ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا طَهُورٌ ، فَفِي ذَلِكَ بَيَانُ كَرَامَتِهِ ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريحديث نزول آية التيمم · ص 519 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب قول الله عز وجل فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا · ص 15 الحديث الثاني : 335 - من طريق : هشيم : أبنا سيارٌ : ثنا يزيد الفقير : أبنا جابر بن عبد الله ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحدٌ قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصَّلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة . هشيم : مدلس ، وقد صرح هنا بالسماع من سيار ، وهو : أبو الحكم ، وصرح سيار بالسماع من يزيد الفقير ، وصرح يزيد بالسماع من جابر ، فهذا إسناد جليل متصل . وهذه الخمس اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء ، وليس في الحديث أنه لم يختص بغيرها ، فإن هذه اللفظة لا تقتضي الحصر ، وقد دلت النصوص الصحيحة الكثيرة على أنه صلى الله عليه وسلم خص عن الأنبياء بخصال كثيرة غير هذه الخمس ، وسنشير إلى بعض ذلك - إن شاء الله تعالى . فأما الرعب : فهو ما يقذفه الله في قلوب أعدائه المشركين من الرعب ، كما قال تعالى : سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ وقال في قصة يوم بدر : إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ وفي مسند الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قال عام غزوة تبوك : لقد أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد كان قبلي : أما أنا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ، ونصرت على العدو بالرعب ، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر لملئ منه رعبا - وذكر بقية الحديث . وقوله : أعطيت الليلة خمسا لم يرد أنه لم يعطها قبل تلك الليلة ، فإن عامتها كان موجودا قبل ذلك ، كنصره بالرعب ، وتيممه بالتراب ، فإن التيمم شرع قبل غزوة تبوك بغير إشكال ، ولعله أراد أنه أعلم بأن هذه الخمس الخصال اختص بها عن سائر الأنبياء في تلك الليلة . والله أعلم . وروينا بإسناد فيه ضعف عن السائب بن يزيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : فضلت على الناس بخمس - ذكر منها - ونصرت بالرعب شهرا من أمامي وشهرا من خلفي . وأما جعل الأرض له مسجدا وطهورا : فقد ورد مفسرا في حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : وجعلت لي الأرض مساجد وطهورا ، أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت ، وكان من قبلي يعظمون ذلك ؛ إنما كانوا يصلون في بيعهم وكنائسهم - وذكر بقية الحديث . خرجه الإمام أحمد . وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي من الأنبياء : جعلت لي الأرض طهورًا ومسجدًا ، ولم يكن نبي من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه - وذكر الحديث . وقد تبين بهذا أن معنى اختصاصه عن الأنبياء بأن الأرض كلها جعلت مسجدا له ولأمته أن صلاتهم لا تختص بمساجدهم المعدة لصلاتهم كما كان من قبلهم ، بل يصلون حيث أدركتهم الصلاة من الأرض وهذا لا ينافي أن ينهى عن الصلاة في مواضع مخصوصة من الأرض لمعنى يختص بها ، كما نهي عن الصلاة في أعطان الإبل ، وفي المقبرة والحمام ، وسيأتي ذلك مستوفى في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى . وفي ذكره التيمم بالأرض من خصائصه ما يشعر أن الطهارة بالماء ليست مما اختص به عن الأنبياء ، وقد سبق في كتاب : الوضوء ذكر ذَلكَ . واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم : جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا من يقول : إن التيمم يجوز بجميع أجزاء الأرض من التراب والرمل والنورة والزرنيخ والجص وغير ذلك ، كما هو قول مالك وأبي حنيفة وغيرهما . واستدل من قَالَ : لا يجوز التيمم بغير التراب من أجزاء الأرض - كما يقوله الشافعي وأحمد في ظاهر مذهبه - بما في صحيح مسلم عن حذيفة ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلنا على الناس بثلاث : جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء ، وذكر خصلة أخرى . فخص الطهور بتربة الأرض بعد أن ذكر أن الأرض كلها مسجد ، وهذا يدل على اختصاص الطهورية بتربة الأرض خاصة ؛ فإنه لو كانت الطهورية عامة كعموم المساجد لم يحتج إلى ذلك . وقد خرج مسلم حديث جابر الذي خرجه البخاري هاهنا ، وعنده : وجعلت لي الأرض طيبة طهورا ومسجدا . وهذا يدل على اختصاص الطهورية بالأرض الطيبة ، والطيبة : هي الأرض القابلة للإنبات ، كما في قوله تعالى : وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وروينا من حديث حماد بن سلمة ، عن ثابت وحٌميد ، عن أنس ، قَالَ : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : جُعلت لي كل ُ أرضٍ طيبة مسجدًا وطهورًا . ولكن قد دلت نصوص أخرُ على عموم كون الأرض مسجدًا ، فتبقى طهوريتها مختصة بالأرض المنبتة . وفي مسند الإمام أحمد من حديث عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن محمد بن علي ، عن أبيه علي بن أبي طالب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أُعطيتُ أربعًا لم يُعطهن أحد من أنبياء الله : أُعطيت مفاتيح الأرض ، وسُمّيتُ أحمد ، وجُعل التراب لي طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم . وقد ظن بعضهم : أن هذا من باب المطلق والمقيد ، وهو غلط ، وإنما هو من باب تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر ، وهو لا يقتضي التخصيص عند الجمهور ، خلافًا لما حكي عن أبي ثور ، إلا أن يكون له مفهوم فيبنى على تخصيص العموم بالمفهوم ، والتراب والتربة لقب ، واللقب مختلف في ثبوت المفهوم له ، والأكثرون يأبون ذَلكَ . لكن أقوى ما استدل به : حديث حذيفة الذي خرجه مسلم ، فإنه جعل الأرض كلها مسجدًا وخص الطهورية بالتربة ، وأخرج ذلك في مقام الامتنان وبيان الاختصاص ، فلولا أن الطهورية لا تعم جميع أجزاء الأرض لكان ذكر التربة لا معنى له ، بل كان زيادة في اللفظ ونقصًا في المعنى ، وهذا لا يليق بمن أوتي جوامع الكلم صلى الله عليه وسلم . وقد خرجه ابن خزيمة في صحيحه ، ولفظه : وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا ، وجعل ترابها لنا طهورا إذا لم نجد الماء . ومعنى قوله : طهورًا : أي مطهرًا ، كما قَالَ : الماء طهور لا ينجسه شيء . وفيه دليل لمن قَالَ : إن التيمم يرفع الحدث كالماء رفعا مؤقتا ، ودليل على أن الطهور ليس بمعنى الطاهر كما يقوله بعض الفقهاء ؛ فإن طهارة الأرض مما لم تختص به هذه الأمة ، بل اشتركت فيه الأمم كلها ، وإنما اختصت هذه الأمة بالتطهر بالتراب ، فالطهور هو المطهر . والتحقيق : أن طهورا ليس معدولا عن طاهر ، ولأن طاهرا لازم و طهورا متعد ، وإنما الطهور اسم لما يتطهر به ، كالفطور والسحور والوجور والسعوط ونحو ذلك . وأما إحلال الغنائم له ولأمته خاصة ، فقد روي أن من كان قبلنا من الأنبياء كانوا يحرقون الغنائم ، وفي حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم : وأحلت لي الغنائم أكلها ، وكان من قبلي يعظمون أكلها ، كانوا يحرقونها . وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، قَالَ : غزا نبي من الأنبياء ؛ فجمع الغنائم ، فجاءت نار لتأكلها فلم تطعمها ، فقال : إن فيكم غلولا ، فليبايعني من كل قبيلة رجل ، فلزقت يد رجل بيده ، فقال : فيكم الغلول ، فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب ، فوضعوها ، فجاءت النار فأكلتها ، ثُمَّ أحل الله لنا الغنائم ، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا . وفي الترمذي عن أبي هُريرةَ ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لم تحل الغنائم لأحد سود الرءوس قبلكم ، كانت تنزل نار فتأكلها . وفي كتاب السيرة لسليمان التيمي : أن من قبلنا من الأمم كانوا إذا أصابوا شيئا من عدوهم جمعوه فأحرقوه وقتلوا كل نفس من إنسان أو دابة . وفي صحة هذا نظر ، والظاهر أن ذوات الأرواح لم تكن محرمة عليهم ، إنما كان يحرم عليهم ما تأكله النار . وقد ذهب طائفة من العلماء ، منهم : الإمام أحمد إلى أن الغال من الغنيمة يحرق رحله كله إلا ما له حرمة من حيوان أو مصحف . وورد في ذلك أحاديث تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . وقد قال طائفة من العلماء : إن المحرم على من كان قبلنا هو المنقولات دون ذوات الأرواح ، واستدلوا بأن إبراهيم عليه السلام كانت له هاجر أمة ، والإماء إنما يكتسبن من المغانم ، ذكر هذا ابن عقيل وغيره . وفي هذا نظر ؛ فإن هاجر وهبها الجبار لسارة ، فوهبتها لإبراهيم ، ويجوز أن يكون في شرع من قبلنا جواز تملك ما تملكه الكفار باختيارهم دون ما يغنم منهم . وقد ذهب أكثر العلماء إلى أن الكافر إذا أهدى إلى آحاد المسلمين هدية فله أن يتملكها منه ، ويختص بها دون غيره من المسلمين . وقال القاضي إسماعيل المالكي : إنما اختصت هذه الأمة بإباحة المنقولات من الغنائم ، فأما الأرض فإنها فيء ، وكانت مباحة لمن قبلنا ، فإن الله تعالى أورث بني إسرائيل فرعون . وهذا بناء على أن الأرض المأخوذة من الكفار تكون فيئا ، سواء أخذت بقتال أو غيره ، وهو قول أبي حنيفة ، ومالك ، وأحمد في المشهور عنه . ومن الناس من يقول : إنما حرم على من كان قبلنا الغنائم المأخوذة بقتال دون الفيء المأخوذ بغير قتال . قالوا : وهاجر كانت فيئا لا غنيمة ؛ لأن الجبار الكافر وهبها لسارة باختياره . وقد قَالَ طائفة من العلماء : إن ما وهبه الحربي لمسلم يكون فيئا . وزعم بعضهم : أن المحرم على من كان قبلنا كان من خمس الغنيمة خاصة ، كانت النار تأكله ، ويقسم أربعة أخماسه بين الغانمين ، وهذا بعيد جدا . واستدلوا : بما خرجه البزار من رواية سالم أبي حماد ، عن السدي ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها أحد قبلي - فذكر الحديث ، وقال فيه : وكانت الأنبياء يعزلون الخمس فتجيء النار فتأكله ، وأمرت أنا أن أقسمه في فقراء أمتي . وسالم هذا : قال فيه أبو حاتم الرازي : مجهول . وأما الشفاعة التي اختص بها النبي صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء ، فليست هي الشفاعة في خروج العصاة من النار ؛ فإن هذه الشفاعة يشارك فيها الأنبياء والمؤمنون - أيضا - كما تواترت بذلك النصوص ، وإنما الشفاعة التي يختص بها من دون الأنبياء أربعة أنواع : أحدها : شفاعته للخلق في فصل القضاء بينهم . والثاني : شفاعته لأهل الجنة في دخول الجنة . والثالث : شفاعته في أهل الكبائر من أهل النار ، فقد قيل : إن هذه يختص هو بها . والرابع : كثرة من يشفع له من أمته ؛ فإنه وفر شفاعته وادخرها إلى يوم القيامة . وقد ورد التصريح بأن هذه الشفاعة هي المرادة في هذا الحديث ، ففي الحديث الذي خرجه الإمام أحمد من حديث عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النَّبيّ صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن نبي كان قبلي - فذكر الحديث ، إلى أن قَالَ : والخامسة هي ما هي : قيل لي سل ؛ فإن كل نبي قد سأل ، فأخرت مسألتي إلى يوم القيامة ، فهي لكم ولمن شهد أن لا إله إلا الله . وخرج - أيضا - من حديث أبي موسى ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد كان قبلي - فذكره ، وقال في آخره : وأعطيت الشفاعة ، وإنه ليس من نبي إلا قد سأل شفاعته ، وإني أخرت شفاعتي ، جعلتها لمن مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا . وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : لم يكن نبي إلا له دعوة ينجزها في الدنيا ، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، وأنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأول من تنشق عنه الأرض ولا فخر ، وبيدي لواء الحمد وآدم ومن دونه تحت لوائي . وخرج الترمذي وابن ماجه من حديث أبي سعيد ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أنا سيد ولد آدم ولا فخر ، وأنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة ، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر ، ولواء الحمد بيدي يوم القيامة ولا فخر . وفي الصحيحين عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : لكل نبي دعوة يدعو بها ، فأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفي صحيح مسلم عن جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : لكل نبي دعوة قد دعا بها في أمته ، وخبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة . وفيه - أيضا - نحوه من حديث أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وفي حديث عبد الرحمن بن أبي عقيل : سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن الله لم يبعث نبيا إلا أعطاه دعوة ، فمنهم من اتخذها دنيا فأعطاها ، ومنهم من دعا بها على قومه إذ عصوه فهلكوا ، وإن الله أعطاني دعوة ، فاختبأتها عند ربي شفاعة لأمتي يوم القيامة . خرجه البزار وغيره . وفي المسند عن عبادة بن الصامت ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : إن الله أيقظني فقال : إني لم أبعث نبيا ولا رسولا إلا وقد سألني مسألة أعطيتها إياه ، فسل يا محمد تعط ؟ فقلت : مسألتي شفاعة لأمتي يوم القيامة ، فقال أبو بكر : يا رسول الله ، وما الشفاعة التي اختبأت عندك ؟ قال : أقول : يا رب ، شفاعتي التي اختبأت عندك ، فيقول الرب تبارك وتعالى : نعم ، فيخرج ربي تبارك وتعالى بقية أمتي من النار ، فينبذهم في الجنة . والمراد من هذه الأحاديث - والله أعلم - : أن كل نبي أعطي دعوة عامة شاملة لأمته ، فمنهم من دعا على أمته المكذبين له فهلكوا ، ومنهم من سأل كثرتهم في الدنيا كما سأله سليمان عليه السلام ، واختص النبي صلى الله عليه وسلم بأن ادخر تلك الدعوة العامة الشاملة لأمته شفاعة لهم يوم القيامة . وقد ذكر بعضهم : شفاعة خامسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في تخفيف عذاب بعض المشركين ، كما شفع لعمه أبي طالب ، وجعل هذا من الشفاعة المختص بها صلى الله عليه وسلم . وزاد بعضهم شفاعة سادسة خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهي : شفاعته في سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب . وسيأتي ما يدل عليه - إن شاء الله تعالى . وأما بعثته إلى الناس عامة ، فهذا مما اختص به صلى الله عليه وسلم عن الأنبياء . وفي المسند من حديث أبي ذر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي - فذكر منها - : وبعثت إلى كل أحمر وأسود . وفيه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : أعطيت خمسا لم يعطهن نبي قبلي ، ولا أقولهن فخرا ، بعثت إلى الناس كافة الأحمر والأسود . وفي مسند البزار من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : أعطيت خمسا لم يعطها نبي - فذكر منها - : وكان النبي يبعث إلى خاصة قومه ، وبعثت إلى الجن والإنس - وذكر الحديث . وقال : لفظ : الجن والإنس لا نعلمه إلا في هذا الحديث ، بهذا الإسناد . قلت : وقد سبق أن في إسناده سالما أبا حماد ، وأن أبا حاتم قَالَ : هو مجهول . ولكن روي ذكر الجن في حديث آخر ، ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره تعليقا ، وفي إسناده رجل لم يسم ، عن عبادة بن الصامت ، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج عليهم فقال : إن جبريل قال لي : اخرج فأخبر بنعمة الله التي أنعم بها عليك ، وفضيلته التي فضلت بها ، فبشرني أنه بعثني إلى الأحمر والأسود ، وأمرني أن أنذر الجن ، وآتاني كتابه وأنا أمي ، وغفر ذنبي ما تقدم وما تأخر ، وذكر اسمي في الأذان ، وأمدني بالملائكة ، وآتاني النصر ، وجعل الرعب أمامي ، وآتاني الكوثر ، وجعل حوضي من أعظم الحياض يوم القيامة ، ووعدني المقام المحمود والناس مهطعين مقنعي رءوسهم ، وجعلني في أول زمرة تخرج من الناس ، وأدخل في شفاعتي سبعين ألفا من أمتي الجنة بغير حساب ، وآتاني السلطان والملك ، وجعلني في أعلى غرفة في الجنة ، فليس فوقي إلا الملائكة الذين يحملون العرش ، وأحل لي ولأمتي الغنائم ولم تحل لأحد كان قبلنا . وفي صحيح مسلم ، عن أبي هُريرةَ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بست : أعطيت جوامع الكلم ، ونصرت بالرعب ، وأحلت لي الغنائم ، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا ، وأرسلت إلى الخلق كافة ، وختم بي النبيون . وقوله : إلى الخلق كافة يدخل فيه الجن بلا ريب . وفي صحيح ابن خزيمة عن حذيفة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فضلت على الناس بثلاث - فذكر الثالثة ، قَالَ : وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنْز تحت العرش ، لم يعط منه أحد قبلي ولا أحد بعدي . وهذه الخصلة الثالثة لم تسم في صحيح مسلم ، بل فيهِ : وذكر خصلة أخرى كما تقدم . ومن تأمل هذه النصوص علم أن الخصال التي اختص بها عن الأنبياء لا تنحصر في خمس ، وأنه إنما ذكر مرة ستا ومرة خمسا ومرة أربعا ومرة ثلاثا بحسب ما تدعو الحاجة إلى ذكره في كل وقت بحسبه . والله أعلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريص 7 2 - ( حدثنا محمد بن سنان ، قال : حدثنا هشيم ح ، قال : وحدثني سعيد بن النضر ، قال : أخبرنا هشيم ، قال : أخبرنا سيار ، قال : حدثنا يزيد هو ابن صهيب الفقير ، قال : أخبرنا جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل ، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لإحد قبلي ، وأعطيت الشفاعة ، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة ) . مناسبة إيراد هذا الحديث ومطابقته للترجمة المطلقة في قوله وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : محمد بن سنان بكسر السين المهملة وتخفيف النون العوقي بفتح العين المهملة والواو وبالقاف ، الباهلي البصري ، مر في أول كتاب العلم ، تفرد به البخاري . الثاني : هشيم بضم الهاء وفتح الشين المعجمة وسكون الياء آخر الحروف ابن بشير بفتح الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة أبو معاوية الواسطي ، قال ابن عون : مكث هشيم يصلي الفجر بوضوء عشاء الآخرة قبل أن يموت بعشر سنين ، مات سنة ثلاث وثمانين ومائة ببغداد . الثالث : سعيد بن النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة أبو عثمان البغدادي ، مات بساحل جيحون . الرابع : سيار بفتح السين المهملة وتشديد الياء آخر الحروف ، وبالراء ابن أبي سيار ، ورد أن أبو الحكم بفتح الكاف الواسطي مات بواسط سنة اثنتين وعشرين ومائة . الخامس : يزيد - من الزيادة - بن صهيب مصغرا مخففا ، الفقير ضد الغني ، أبو عثمان الكوفي ، أحد مشايخ الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وقيل له : الفقير لأنه كان يشكو فقار ظهره ولم يكن فقيرا من المال ، وفي ( المحكم ) رجل فقير مكسور فقار ظهره ، ويقال له : فقير بالتشديد أيضا . السادس : جابر بن عبد الله الأنصاري تقدم في كتاب الوحي ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته ما بين بصري وواسطي وبغدادي وكوفي ، وفيه صورة ح إشارة إلى التحويل من إسناد إلى إسناد يعني يروي البخاري عن هشيم بواسطة شيخه أحدهما : محمد بن سنان ، والآخر : سعيد بن النضر ، وفيه أن سَيَّار المذكور متفق على توثيقه ، وأخرج له الأئمة الستة وغيرهم ، وقد أدرك بعض الصحابة لكن لم يلق أحدا منهم فهو من كبار أتباع التابعين ، ولهم شيخ آخر يقال له : سيار ، لكنه تابعي شامي ، أخرج له الترمذي ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وروي - يعني حديث الباب - عن أبي أمامة ، ولم ينسب في الرواة كما لم ينسب سيار هذا في هذا الحديث ، وربما لم يميز بينهما من لا وقوف له على هذا فيتوهم أن في الإسناد اختلافا وليس كذلك . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الصلاة وفي الخمس ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن يحيى بن يحيى وأبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه النسائي في الطهارة بتمامه وفي الصلاة ببعضه عن الحسن بن إسماعيل به . ( ذكر لغاته ومعناه ) قوله أعطيت خمسا أي خمس خصال وعند مسلم من حديث أبي هريرة فضلت على الأنبياء - عليهم السلام - بست أعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون الحديث ، وعنده أيضا من حديث حذيفة فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة ، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء ولفظ الدارقطني وترابها طهورا وعند النسائي وأوتيت هؤلاء الآيات آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش لم يعط أحد منه قبلي ولا يعطى منه أحد بعدي وعند أبي محمد بن الجارود في المنتقى من حديث أنس - رضي الله تعالى عنه - جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا وعن أبي أمامة أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال : إن الله تعالى قد فضلني على الأنبياء - أو قال أمتي على الأمم - بأربع ، جعل الأرض كلها لي ولأمتي طهورا ومسجدا ، فأينما أدركت الرجل من أمتي الصلاة فعنده مسجده وعنده طهوره ، ونصرت بالرعب يسير بين يدي مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي الحديث ، وفي حديث ابن عباس عند أبي داود وأوتيت الكوثر وفي حديث علي عند أحمد وأعطيت مفاتيح الأرض ، وسميت أحمد ، وجعل لي التراب طهورا ، وجعلت أمتي خير الأمم وعنده أيضا من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أنه قال - صلى الله تعالى عليه وسلم – ذلك عام غزوة تبوك . وفي حديث السائب ابن أخت النمر فضلت على الأنبياء - عليهم السلام - أرسلت إلى الناس كافة ، وادخرت شفاعتي لأمتي ، ونصرت بالرعب شهرا أمامي وشهرا خلفي ، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ، وأحلت لي الغنائم ( قلت ) السائب المذكور هو ابن يزيد بن سعيد المعروف بابن أخت نمر ، قيل : إنه ليثي كناني ، وقيل : أزدي ، وقيل : كندي حليف بني أمية ، ولد في السنة الثانية ، وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع ، وتلقى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - مقدمه من تبوك وشهد حجة الوداع وذهبت به خالته وهو وجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا له ومسح برأسه وقال : نظرت إلى خاتم النبوة . وفي تاريخ نيسابور للحاكم وأحل لي الأخماس . وإذا تأملت وجدت هذه الخصال اثنتي عشرة خصلة ، ويمكن أن توجد أكثر من ذلك عند إمعان التتبع ، وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى أن الذي اختص به نبينا - صلى الله عليه وسلم - من بين سائر الأنبياء - عليهم السلام - ستون خصلة ، ( فإن قلت ) بين هذه الروايات تعارض لأن المذكور فيها الخمس والست والثلاث ( قلت ) قال القرطبي : لا يظن أن هذا تعارض ، وإنما هذا من توهم أن ذكر الأعداد يدل على الحصر وليس كذلك فإن من قال عندي خمسة دنانير مثلا لا يدل هذا اللفظ على أنه ليس عنده غيرها ويجوز له أن يقول مرة أخرى عندي عشرون ، ومرة أخرى ثلاثون ، فإن من عنده ثلاثون صدق عليه أن عنده عشرين وعشرة فلا تعارض ولا تناقض ويجوز أن يكون الرب - سبحانه وتعالى - أعلمه بثلاث ثم بخمس ثم بست ( قلت ) حاصل هذا أن التنصيص على الشيء بعدد لا يدل على نفي ما عداه ، وقد علم في موضعه قوله لم يعطهن أحد قبلي قال الداودي : يعني لم يجمع لأحد قبله هذه الخمس لأن نوحا - - عليه السلام - - بعث إلى كافة الناس ، وأما الأربع فلم يعط واحدة منهن قبله أحدا ، وأما كونها مسجدا فلم يأت أن غيره منع منها ، وقد كان عيسى - عليه الصلاة والسلام - يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة ، وزعم بعضهم أن نوحا - عليه السلام - بعد خروجه من السفينة كان مبعوثا إلى كل من في الأرض لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا وقد كان مرسلا إليهم وأجيب عن ذلك بأن هذا العموم الذي في رسالته لم يكن في أصل البعثة وإنما وقع لأجل الحادث الذي حدث وهو انحصار الخلق في الموجودين معه بهلاك سائر الناس وعموم رسالة نبينا - صلى الله تعالى عليه وسلم - في أصل البعثة ، وزعم ابن الجوزي أنه كان في الزمان الأول إذا بعث نبي إلى قوم بعث غيره إلى آخرين وكان يجتمع في الزمن الواحد جماعة من الرسل ، فأما نبينا - عليه الصلاة والسلام - فإنه انفرد بالبعثة فصار بذلك للكل من غير أن يزاحمه أحد ( فإن قلت ) يقول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة أنت أول رسول إلى أهل الأرض فدل على أنه كان مبعوثا إلى كل من في الأرض ( قلت ) ليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية إرساله ولئن سلمنا أنه يكون مرادا فهو مخصوص بتنصيصه سبحانه وتعالى في عدة آيات على أن إرسال نوح - عليه الصلاة والسلام - إلى قومه ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم ( فإن قلت ) لو لم يكن مبعوثا إلى أهل الأرض كلهم لما أهلكت كلهم بالغرق إلا أهل السفينة لقوله تعالى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا ( قلت ) قد يجوز أن يكون غيره أرسل إليهم في ابتداء مدة نوح وعلم نوح - صلى الله تعالى عليه وسلم - بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم ، قيل : هذا جواب حسن ولكن لم ينقل أنه نبئ في زمن غيره ( قلت ) يحتمل أنه قد بلغ جميع الناس دعاؤه قومه إلى التوحيد فتمادوا على الشرك فاستحقوا العذاب ، وإلى هذا ذهب يحيى بن عطية في تفسيره سورة هود - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : وغير ممكن أن نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته ، وقال القشيري : توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عاما في حق بعض الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وإن كان التزام فروع شرعه ليس عاما لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك ولو لم يكن التوحيد لازما لهم لم يقاتلهم ( قلت ) فيه نظر لا يخفى ، وأجاب بعضهم بأنه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قوم نوح فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط لعدم وجود غيرهم لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثا إليهم ، ( قلت ) وفيه نظر أيضا لأنه تكون بعثته عامة لقومه لكونهم هم الموجودين وعندي جواب آخر وهو جيد - إن شاء الله تعالى - وهو أن الطوفان لم يرسل إلا على قومه الذين هو فيهم ولم يكن عاما قوله نصرت بالرعب زاد أبو أمامة يقذف في قلوب أعدائي كما ذكرناه وهو بضم الراء وسكون العين : الخوف ، وقرأ ابن عامر والكسائي بضم العين والباقون بسكونها ، يقال : رعبت الرجل أرعبته رعبا أي ملأته خوفا ، ولا يقال : أرعبته ، كذا ذكره أبو المعالي ، وحكي عن ابن طلحة أرعبته ورعبته فهو مرعب ، وفي المحكم فهو رعيب ورعبته ترعيبا وترعابا فرعب ، وفي الجامع للقزاز رعبته فأنا راعب ويقال : رعب فهو مرعوب ، والاسم الرعب بالضم وفي الموعب لابن التياني رجل رعب ومرتعب وقد رعب ورعب . قوله مسيرة شهر ، والنكتة في جعل الغاية شهرا لأنه لم يكن بين المدينة وبين أحد من أعدائه أكثر من شهر ، قوله وجعلت لي الأرض مسجدا أي موضع سجود ، وهو وضع الجبهة على الأرض ولم يكن اختص السجود منها بموضع دون موضع ، ويحتمل أن يكون المراد من المسجد هو المسجد المعروف الذي يصلي فيه القوم فإذا كان جوازها في جميعها كان المسجد المعهود كذلك ، وقال القاضي عياض من كان قبله من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - إنما أبيح لهم الصلاة في مواضع مخصوصة كالبيع والكنائس ، وقيل : في موضع يتيقنون طهارته من الأرض ، وخصت هذه الأمة بجواز الصلاة في جميع الأرض إلا في المواضع المستثناة بالشرع أو موضع تيقنت نجاسته . ( فإن قلت ) كان عيسى - عليه السلام - يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة ( قلت ) ذكر مسجدا وطهورا ، وهذا مختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - حيث كان يجوز له أن يصلي في أي موضع أدركته الصلاة فيه ، وكذلك التيمم منه ، ولم يكن لعيسى - - عليه السلام - - إلا الصلاة دون التيمم ، قوله فأيما رجل لفظ أي مبتدأ متضمن لمعنى الشرط ، ولفظة ما زيدت لزيادة التعميم ، وقوله فليصل خبر المبتدأ ودخول الفاء فيه لكون المبتدأ متضمنا لمعنى الشرط ، وقيل : معناه فليتيمم ، وليصل ليناسب الأمرين المسجد والطهور ، قوله : من أمتي يتعلق بمحذوف تقديره كائن من أمتي ، وقوله : أدركته الصلاة جملة من الفعل والفاعل والمفعول في محل الجر لأنها صفة رجل ، قوله : الغنائم ، وفي رواية الكشميهني المغانم والغنائم جميع غنيمة ، وهي مال حصل من الكفار بإيجاف خيل وركاب ، والمغانم جمع مغنم ، وقال الجوهري : الغنيمة والمغنم بمعنى واحد ، قال الخطابي : كان من تقدم على ضربين : منهم من لم يؤذن له في الجهاد ، فلم يكن لهم مغانم ، ومنهم من أذن له فيه لكن كانوا إذا غنموا شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه ، وجاءت نار فأحرقته ، وقيل : المراد أنه خص بالتصرف من الغنيمة يصرفها كيف شاء ، والأول أصوب ، وهو أن من مضى لم يحل لهم أصلا قوله الشفاعة هي سؤال فعل الخير وترك الضرر عن الغير لأجل الغير على سبيل الضراعة ، وذكر الأزهري في تهذيبه عن المبرد وثعلب أن الشفاعة الدعاء ، والشفاعة كلام الشفيع للملك عند حاجة يسألها لغيره . وعن أبي الهيثم أنه قال ( من يشفع شفاعة حسنة ) أي من يزدد عملا إلى عمل ، وفي الجامع : الشفاعة الطلب من فعل الشفيع ، وشفعت لفلان إذا كان متوسلا بك فشفعت له وأنت شافع له وشفيع . وقال ابن دقيق العيد : الأقرب أن اللام فيها للعهد ، والمراد الشفاعة العظمى في إراحة الناس من هول الموقف ، ولا خلاف في وقوعها ، وقيل : الشفاعة التي اختص بها أنه لا يرد فيما يسأل ، وقيل : الشفاعة لخروج من في قلبه ذرة من إيمان من النار ، وقيل : في رفع الدرجات في الجنة ، وقيل : قوم استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم إياها ، وقيل : إدخال قوم الجنة بغير حساب ، وهي أيضا مختصة به - صلى الله عليه وسلم - ، قوله : وبعثت إلى الناس عامة أي لقومه ولغيرهم من العرب والعجم والأسود والأحمر ، قال الله تعالى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ . ( ذكر استنباط الأحكام ) الأول : ما قاله ابن بطال فيه دليل أن الحجة تلزم بالخبر كما تلزم بالمشاهدة ، وذلك أن المعجزة باقية مساعدة للخبر ، مبينة له ، دافعة لما يخشى من آفات الأخبار ، وهي القرآن الباقي ، وخص الله سبحانه وتعالى نبيه - صلى الله عليه وسلم - ببقاء معجزته لبقاء دعوته ، ووجوب قبولها على من بلغته إلى آخر الزمان الثاني : فيه ما خصه الله به من الشفاعة ، وهو أنه لا يشفع في أحد يوم القيامة إلا شفع فيه كما ورد قل يسمع اشفع تشفع ولم يعط ذلك من قبله من الأنبياء - عليهم السلام - . الثالث : في قوله : فأيما رجل أدركته الصلاة فليصل يعني يتيمم ويصلي دليل على تيمم الحضري إذا عدم الماء وخاف فوت الصلاة ، وعلى أنه لا يشترط التراب إذ قد تدركه الصلاة في موضع من الأرض لا تراب عليها بل رمل أو جص أو غيرهما . وقال النووي : احتج به مالك وأبو حنيفة في جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض ، وقال أبو عمر : أجمع العلماء على أن التيمم بالتراب ذي الغبار جائز ، وعند مالك يجوز بالتراب ، والرمل ، والحشيش ، والشجر ، والثلج ، والمطبوخ كالجص والآجر . وقال الثوري والأوزاعي : يجوز بكل ما كان على الأرض حتى الشجر والثلج والجمد . ونقل النقاش عن ابن علية وابن كيسان جوازه بالمسك والزعفران ، وعن إسحاق منعه بالسباخ ، ويجوز عندنا بالتراب ، والرمل ، والحجر الأملس المغسول ، والجص ، والنورة ، والزرنيخ ، والكحل ، والكبريت ، والتوتيا ، والطين الأحمر ، والأسود ، والأبيض ، والحائط المطين ، والمجصص ، والياقوت ، والزبرجد ، والزمرد ، والبلخش ، والفيروزج ، والمرجان ، والأرض الندية ، والطين الرطب . وفي البدائع : ويجوز بالملح الجبلي ، وفي قاضيخان : لا يصح على الأصح . ولا يجوز بالزجاج ويجوز بالآجر في ظاهر الرواية ، وشرط الكرخي أن يكون مدقوقا ، وفي المحيط : لا يجوز بمسبوك الذهب والفضة ، ويجوز بالمختلط بالتراب إذا كان التراب غالبا ، وبالخزف إذا كان من طين خالص ، وفي المرغيناني : يجوز بالذهب ، والفضة ، والحديد ، والنحاس ، وشبهها ما دام على الأرض ، وذكر الشاشي في الحلية : لا يجوز التيمم بتراب خالطه دقيق أو جص ، وحكى وجه آخر أنه يجوز إذا كان التراب غالبا . ولا يصح التيمم بتراب يستعمل في التيمم ، وعند أبي حنيفة يجوز ، وهو وجه لبعض أصحابنا ، ومذهب الشافعي وأحمد : لا يجوز إلا بالتراب الذي له غبار ، واحتجا بحديث حذيفة عند مسلم وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا ، وأجيب عن هذا بقول الأصيلي : تفرد أبو مالك بهذه اللفظة . وقال القرطبي : ولا يظن أن ذلك مخصص له ، فإن التخصيص إخراج ما تناوله العموم عن الحكم ولم يخرج هذا الخبر شيئا ، وإنما عين واحدا مما تناوله الاسم الأول مع موافقته في الحكم ، وصار بمثابة قوله تعالى : فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ ، وقوله تعالى : مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فعين بعض ما تناوله اللفظ الأول مع الموافقة في المعنى على جهة التشريف ، وكذلك ذكر التربة في حديث حذيفة ، ويقال : الاستدلال بلفظ التربة على خصوصية التيمم بالتراب ممنوع ، لأن تربة كل مكان ما فيه من تراب وغيره ، وقال بعضهم : وأجيب بأنه ورد في الحديث المذكور بلفظ التراب ، أخرجه ابن خزيمة وغيره . وفي حديث علي جعل التراب لي طهورا أخرجه أحمد والبيهقي بإسناد حسن والجواب عنه ما ذكرناه الآن على أن تعيين لفظ التراب في الحديث المذكور لكونه أمكن وأغلب لا لكونه مخصوصا به على أنا نقول التمسك باسم الصعيد وهو وجه الأرض ، وليس باسم التراب فقط بل هو وجه الأرض ترابا كان أو صخرا لا تراب عليه أو غيره الرابع : فيه أن الله تعالى أباح الغنائم للنبي - صلى الله عليه وسلم - ولأمته كما ذكرنا