3816 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامٌ بن عروة ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ ، هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي ، لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ : كَتَبَ إِلَيَّ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ) وَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ فَلَعَلَّ اللَّيْثَ لَقِيَ هِشَامًا بَعْدَ أَنْ كَتَبَ بِهِ إِلَيْهِ فَحَدَّثَهُ بِهِ ، أَوْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ إِطْلَاقُ حَدَّثَنَا فِي الْكِتَابَةِ ، وَقَدْ نَقَلَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) فِيهِ ثُبُوتُ الْغَيْرَةِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وُقُوعُهَا مِنْ فَاضِلَاتِ النِّسَاءِ فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُنَّ ، وَأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَكِنْ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ خَدِيجَةَ أَكْثَرَ ، وَقَدْ بَيَّنَتْ سَبَبَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا ، وَوَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا حَيْثُ قَالَ فِيهَا : مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِيَّاهَا وَأَصْلُ غَيْرَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ تُخَيَّلِ مَحَبَّةِ غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا ، وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَحَبَّةِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : مُرَادُهَا بِالذِّكْرِ لَهَا مَدْحُهَا وَالثَّنَاءُ عَلَيْهَا . قُلْتُ : وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ ، عَنْ هِشَامٍ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا فَعَطْفُ الثَّنَاءِ عَلَى الذِّكْرِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ، وَهُوَ يَقْتَضِي حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى أَعَمَّ مِمَّا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ . قَوْلُهُ : ( هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي ) ذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ قَدْرَ الْمُدَّةِ ، وَسَيَأْتِي الْبَحْثُ فِيهِ ، وَأَشَارَتْ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي زَمَانِهَا لَكَانَتْ غَيْرَتُهَا مِنْهَا أَشَدَّ . قَوْلُهُ : ( وَأَمَرَهُ اللَّهُ أَنْ يُبَشِّرَهَا إِلَخْ ) سَيَأْتِي شَرْحُهُ بَعْدَ هَذَا ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ الْغَيْرَةِ ؛ لِأَنَّ اخْتِصَاصَ خَدِيجَةَ بِهَذِهِ الْبُشْرَى مُشْعِرٌ بِمَزِيدِ مَحَبَّةٍ مِنَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيهَا . وَوَقَعَ عِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ بِلَفْظِ مَا حُسِدَتِ امْرَأَةٌ قَطُّ مَا حُسِدَتْ خَدِيجَةُ حِينَ بَشَّرَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ الْحَدِيثُ . قَوْلُهُ : ( وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ إِلَخْ ) إِنْ مُخَفَّفَةٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ وَيُرَادُ بِهَا تَأْكِيدُ الْكَلَامِ ، وَلِهَذَا أَتَتْ بِاللَّامِ فِي قَوْلِهَا لَيَذْبَحُ . قَوْلُهُ : ( فِي خَلَائِلِهَا ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَلِيلَةٍ أَيْ صَدِيقَةٌ ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ الْغَيْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِشْعَارِ بِاسْتِمْرَارِ حُبِّهِ لَهَا حَتَّى كَانَ يَتَعَاهَدُ صَوَاحِبَاتِهَا . قَوْلُهُ : ( مِنْهَا ) أَيْ مِنَ الشَّاةِ . قَوْلُهُ : ( مَا يَسَعُهُنَّ ) أَيْ مَا يَكْفِيهِنَّ كَذَا لِلْأَكْثَرِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي ، وَالْحَمَوِيِّ مَا يَتَّسِعُهُنَّ أَيْ يَتَّسِعُ لَهُنَّ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَفِيِّ يُشْبِعُهُنَّ مِنَ الشِّبَعِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب تَزْوِيجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَدِيجَةَ وَفَضْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا · ص 168 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب تزويج النبي صلى الله عليه وسلم خديجة وفضلها رضي الله عنها · ص 279 304 - حدثنا سعيد بن عفير ، حدثنا الليث ، قال : كتب إلي هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : ما غرت على امرأة للنبي - صلى الله عليه وسلم - ما غرت على خديجة ، هلكت قبل أن يتزوجني ، لما كنت أسمعه يذكرها ، وأمره الله أن يبشرها ببيت من قصب ، وإن كان ليذبح الشاة فيهدي في خلائلها منها ما يسعهن . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وسعيد بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء وسكون الياء آخر الحروف ، وهو سعيد بن كثير بن عفير أبو عثمان المصري ، وقد نسب إلى جده ، والحديث من أفراده . قوله : كتب إلي هشام يعني هشام بن عروة بن الزبير ، ووقع عند الإسماعيلي من وجه آخر عن الليث ، حدثني هشام بن عروة قيل : لعل الليث لقي هشاما بعد أن كتب إليه بهذا الحديث فحدثه به ، وقيل : كان مذهب الليث أن الكتابة والتحديث سواء ، ونقل عنه الخطيب ذلك ، قوله : ما غرت بكسر الغين المعجمة من الغيرة وهي الحمية والأنفة ، يقال : رجل غيور وامرأة غيور بلا هاء لأن فعولا يشترك فيه الذكر والأنثى ، وجاء في حديث أن امرأة غيرى على وزن فعلى من الغيرة ، يقال : غرت على أهلي أغار غيرة فأنا غائر ، وغيور للمبالغة ، وفيه ثبوت الغيرة وأنها غير مستنكر وقوعها من فاضلات النساء فضلا عمن دونهن ، وكانت عائشة تغار من نساء النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - ولكن تغار من خديجة أكثر ، وذلك لكثرة ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إياها ، وأصل غيرة المرأة من تخيل محبة غيرها أكثر منها ، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ، وقال القرطبي : مرادها بالذكر لها مدحها والثناء عليها ، قوله : هلكت قبل أن يتزوجني أي ماتت خديجة قبل أن يتزوج النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - بعائشة ، ويأتي عن قريب بيان المدة إن شاء الله تعالى ، وأشارت عائشة بذلك إلى أن خديجة لو كانت حية في زمانها لكانت غيرتها منها أكثر وأشد ، قوله : وأمره الله أن يبشرها أي أمر الله تعالى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أن يبشر خديجة ببيت من قصب بفتحتين ، قال الجوهري : هو أنابيب من جوهر ، وقال النووي : المراد به قصب اللؤلؤ المجوف ، وقيل : قصب من ذهب منظوم بالجواهر ، ويقال : القصب هنا اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف ، وقد جاء في رواية عبد الله بن وهب ، قال أبو هريرة : قلت : يا رسول الله وما بيت من قصب ؟ قال : بيت من لؤلؤة مجوفة رواه السمرقندي في ( صحيح مسلم ) : مجوبة ، وروى الخطابي مجوبة بضم الجيم أي قطع داخلها فتفرغ ، وخلا من قولهم جبت الشيء إذا قطعته ، وروى أبو القاسم بن مطير بإسناده عن فاطمة رضي الله تعالى عنها سيدة نساء العالمين أنها قالت : يا رسول الله أين أمي خديجة ؟ قال : في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب ، بين مريم وآسية امرأة فرعون ، قالت : يا رسول الله أمن هذا القصب ؟ قال : لا من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت ( فإن قلت ) : قال من قصب ولم يقل من لؤلؤ ونحوه ( قلت ) : هذا من باب المشاكلة لأنها لما أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنساء ، ذكر الجزاء بلفظ العمل ، والعرب تسمي السابق محرز القصب . ( فإن قلت ) : كيف بشرها ببيت وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطي مسيرة ألف عام في الجنة كما في حديث ابن عمر عند الترمذي ؟ ( قلت ) : قيل ببيت زائد على ما أعده الله لها من ثواب أعمالها ، وقال الخطابي : البيت هنا عبارة عن قصر ألا يرى قد يقال لمنزل الرجل بيته ، ويقال في القوم هل هو أهل بيت شرف وعز ، وقال السهيلي ما ملخصه : أنه من باب المشاكلة لأنها كانت ربة بيت في الإسلام ، ولم يكن على وجه الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت ، وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل وإن كان أشرف منه ، كما قيل من بنى لله مسجدا بنى الله له مثله في الجنة ، لم يرد مثله في كونه مسجدا ولا في صفته ، ولكنه قابل البنيان بالبنيان أي كما بنى بني له ، قوله : وإن كان كلمة إن مخففة من المثقلة ويراد بها تأكيد الكلام ، ولهذا أتت باللام في قولها ليذبح ، قوله : فيهدي في خلائلها بالخاء المعجمة جمع خليلة وهي الصديقة ، وهذا أيضا من أسباب الغيرة لما فيه من الإشعار باستمرار حبه لها حتى كان يتعاهد صواحباتها ، قوله : منها أي من الشاة ، قوله : ما يسعهن أي ما يسع لهن ، كذا في رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي والحموي ما يتسعهن أي ما يتسع لهن ، وفي رواية النسفي ما يشبعهن من الإشباع ، قيل : ليس في روايته كلمة ما .