27 - بَاب الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ 3845 - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ، حَدَّثَنَا قَطَنٌ أَبُو الْهَيْثَمِ ، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِي إِبِلِهِ ، فَمَرَّ به رَجُلٌ بِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدْ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ ، فَقَالَ : أَغِثْنِي بِعِقَالٍ أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي لَا تَنْفِرُ الْإِبِلُ ، فَأَعْطَاهُ عِقَالًا فَشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ ، فَلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتْ الْإِبِلُ إِلَّا بَعِيرًا وَاحِدًا ، فَقَالَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ : مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الْإِبِلِ ؟ قَالَ : لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ ، قَالَ : فَأَيْنَ عِقَالُهُ ؟ قَالَ : فَحَذَفَهُ بِعَصًا كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ . فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ ، فَقَالَ : أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ ؟ قَالَ : مَا أَشْهَدُ وَرُبَّمَا شَهِدْتُهُ . قَالَ : هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنْ الدَّهْرِ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : فَكَتَبَ ، إِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ فَنَادِ يَا آلَ قُرَيْشٍ ، فَإِذَا أَجَابُوكَ فَنَادِ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاسَألْ عَنْ أَبِي طَالِبٍ فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ . وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ : مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا ؟ قَالَ : مَرِضَ فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ فَوَلِيتُ دَفْنَهُ . قَالَ : قَدْ كَانَ أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ . فَمَكُثَ حِينًا ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبْلِغَ عَنْهُ وَافَى الْمَوْسِمَ ، فَقَالَ : يَا آلَ قُرَيْشٍ ، قَالُوا : هَذِهِ قُرَيْشٌ . قَالَ : يَا بَنِي هَاشِمٍ ، قَالُوا : هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ ، قَالَ : أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ ؟ قَالُوا : هَذَا أَبُو طَالِبٍ . قَالَ : أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبْلِغَكَ رِسَالَةً أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِي عِقَالٍ . فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ : اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ : إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا ، وَإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ إِنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ ، وإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ . فَأَتَى قَوْمَهُ ، فَقَالُوا : نَحْلِفُ ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ فَقَالَتْ : يَا أَبَا طَالِبٍ أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا بِرَجُلٍ مِنْ الْخَمْسِينَ وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ ، فَفَعَلَ ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ : يَا أَبَا طَالِبٍ أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلًا أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنْ الْإِبِلِ يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ ، هَذَانِ بَعِيرَانِ فَاقْبَلْهُمَا منِّي وَلَا تُصْبِرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ فَقَبِلَهُمَا . وَجَاءَ ثَمَانِيَةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا . قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ . الْحَدِيثُ الرَّابِعَ عَشَرَ : حَدِيثُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ بِطُولِهِ ، وَثَبَتَ عِنْدَ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَيرِيِّ هُنَا تَرْجَمَةُ الْقَسَامَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَلَمْ يَقَعْ عِنْدَ النَّسَفِيِّ وَهُوَ أَوْجَهُ ، لِأَنَّ الْجَمِيعَ مِنْ تَرْجَمَةِ أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي أَوْرَدَهَا تِلْوَ هَذَا الْحَدِيثِ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا قَطَنٌ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ نُونٍ هُوَ ابْنُ كَعْبٍ الْقُطَعِيُّ بِضَمِّ الْقَافِ الْبَصْرِيُّ ، ثِقَةٌ عِنْدَهُمْ ، وَشَيْخُهُ أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ بَصْرِيٌّ أَيْضًا وَيُقَالُ لَهُ : الْمَدِينِيُّ بِزِيَادَةِ تَحْتَانِيَّةٍ ، وَلَعَلَّ أَصْلَهُ كَانَ مِنَ الْمَدِينَةِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَسُئِلَ عَنْهُ مَالِكٌ فَلَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا يَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ ، وَلَا لَهُ وَلَا لِلرَّاوِي عَنْهُ فِي الْبُخَارِيِّ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ . قَوْلُهُ : ( إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْيَمِينُ ، وَهِيَ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ حَلِفٌ مُعَيَّنٌ عِنْدَ التُّهْمَةِ بِالْقَتْلِ عَلَى الْإِثْبَاتِ أَوِ النَّفْيِ . وَقِيلَ : هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قِسْمَةِ الْأَيْمَانِ عَلَى الْحَالِفِينَ . وَسَيَأْتِي بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي حُكْمِهَا فِي كِتَابِ الدِّيَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَوْلُهُ : ( لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ ) اللَّامُ لِلتَّأْكِيدِ وَبَنِي هَاشِمٍ مَجْرُورٌ عَلَى الْبَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَصْبًا عَلَى التَّمْيِيزِ ، أَوْ عَلَى النِّدَاءِ بِحَذْفِ الْأَدَاةِ . قَوْلُهُ : ( كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عَلْقَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، جَزَمَ بِذَلِكَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَكَأَنَّهُ نَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازًا لِمَا كَانَ بَيْنَ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْمُؤَاخَاةِ وَالْمُنَاصَرَةِ ، وَسَمَّاهُ ابْنُ الْكَلْبِيِّ ، عَامِرًا . قَوْلُهُ : ( اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ شَيْخِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ . وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَغَيْرِهَا اسْتَأْجَرَ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ مَقْلُوبٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ . وَالْفَخِذُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ . وَجَزَمَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجَرَ الْمَذْكُورَ هُوَ خِدَاشٌ - بِمُعْجَمَتَيْنِ وَدَالٍ مُهْمَلَةٍ - ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ . قَوْلُهُ : ( فَمَرَّ بِهِ ) أَيْ بِالْأَجِيرِ ( رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ . وَقَوْلُهُ : ( عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْوِعَاءُ مِنْ جُلُودٍ وَثِيَابٍ وَغَيْرِهَا ، فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ ، وَأَصْلُهُ كَوَالِهِ : وَجَمْعُهُ جَوَالِيقُ وَحُكِيَ جُوَالِقُ بِحَذْفِ التَّحْتَانِيَّةِ ، وَالْعِقَالُ الْحَبْلُ . قَوْلُهُ : ( فَأَيْنَ عِقَالُهُ ؟ قَالَ فَحَذَفَهُ ) كَذَا فِي النُّسَخِ وَفِيهِ حَذْفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْكَلَامِ ، وَقَدْ بَيَّنَتْهُ رِوَايَةُ الْفَاكِهِيِّ فَقَالَ : مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَ عُرْوَةُ جُوَالَقِهِ ، وَاسْتَغَاثَ بِي فَأَعْطَيْتُهُ ، فَحَذَفَهُ أَيْ رَمَاهُ . قَوْلُهُ : ( كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ ) أَيْ أَصَابَ مَقْتَلَهُ . وَقَوْلُهُ : فَمَاتَ أَيْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ ، وَلَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ هَذَا الْمَارِّ أَيْضًا . قَوْلُهُ : ( أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ ) أَيْ مَوْسِمَ الْحَجِّ . قَوْلُهُ : ( فَكَتَبَ ) بِالْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ، وَلِغَيْرِ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ ثُمَّ الْمُثَنَّاةِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ ، وَفِي رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ : فَكَتَبَ إِلَى أَبِي طَالِبٍ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ وَمَاتَ مِنْهَا . وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ : أَفِي فَضْلِ حَبْلٍ لَا أَبَا لَكَ ضَرَبَهُ بِمِنْسَأَةٍ ، قَدْ جَاءَ حَبْلٌ وَأَحْبُلُ قَوْلُهُ : ( يَا آلَ قُرَيْشٍ ) بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ وَبِحَذْفِهَا عَلَى الِاسْتِغَاثَةِ . قَوْلُهُ : ( قَتَلَنِي فِي عِقَالٍ ) أَيْ بِسَبَبِ عِقَالٍ . قَوْلُهُ : ( وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ بَعْدَ أَنْ أَوْصَى الْيَمَانِيَّ بِمَا أَوْصَاهُ بِهِ . قَوْلُهُ : ( فَوَلِيتُ ) بِكَسْرِ اللَّامِ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ فَقَالَ : أَصَابَهُ قَدَرُهُ ، فَصَدَّقُوهُ وَلَمْ يَظُنُّوا بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : وَافَى الْمَوْسِمَ أَيْ أَتَاهُ . قَوْلُهُ : ( يَا بَنِي هَاشِمٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ . قَوْلُهُ : ( مَنْ أَبُو طَالِبٍ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ ، زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : فَأَخْبَرَهُ بِالْقِصَّةِ ، وَخِدَاشٌ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ لَا يَعْلَمُ بِمَا كَانَ ، فَقَامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَى خِدَاشٍ فَضَرَبُوهُ وَقَالُوا : قَتَلْتَ صَاحِبَنَا ، فَجَحَدَ . قَوْلُهُ : ( اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ ) يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الثَّلَاثُ كَانَتْ مَعْرُوفَةً بَيْنَهُمْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ شَيْئًا اخْتَرَعَهُ أَبُو طَالِبٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ تَشَاوَرُوا فِي ذَلِكَ وَلَا تَدَافَعُوا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْقَسَامَةَ قَبْلَ ذَلِكَ . كَذَا قَالَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَاوِي الْحَدِيثِ أَنَّهَا أَوَّلُ قَسَامَةٍ . وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْوُقُوعُ وَإِنْ كَانُوا يَعْرِفُونَ الْحُكْمَ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُمْ تَحَاكَمُوا فِي ذَلِكَ إِلَى الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقَضَى أَنْ يَحْلِفَ خَمْسُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَامِرٍ عِنْدَ الْبَيْتِ مَا قَتَلَهُ خِدَاشٌ ، وَهَذَا يُشْعِرُ بِالْأَوَّلِيَّةِ مُطْلَقًا . قَوْلُهُ : ( فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ ) هِيَ زَيْنَبُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ أُخْتُ الْمَقْتُولِ ( كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ ) هُوَ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ أَبِي قَيْسٍ الْعَامِرِيُّ ، وَاسْمُ وَلَدِهَا مِنْهُ حُوَيْطِبٌ بِمُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرٌ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الزُّبَيْرُ . وَقَدْ عَاشَ حُوَيْطِبٌ بَعْدَ هَذَا دَهْرًا طَوِيلًا ، وَلَهُ صُحْبَةٌ ، وَسَيَأْتِي حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَحْكَامِ . وَنِسْبَتُهَا إِلَى بَنِي هَاشِمٍ مَجَازِيَّةٌ ، وَالتَّقْدِيرُ كَانَتْ زَوْجًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ . وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهَا فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا أَيْ غَيْرَ حُوَيْطِبٍ . قَوْلُهُ : ( أَنْ تُجِيزَ ابْنِي ) بِالْجِيمِ وَالزَّايِ ، أَيْ تَهَبُهُ مَا يَلْزَمُهُ مِنَ الْيَمِينِ . وَقَوْلُهَا : ( وَلَا تُصْبِرْ يَمِينَهُ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْمُوَحَّدَةِ ، أَصْلُ الصَّبْرِ الْحَبْسُ وَالْمَنْعُ ، وَمَعْنَاهُ فِي الْأَيْمَانِ الْإِلْزَامُ ، تَقُولُ : صَبَّرْتُهُ أَيْ أَلْزَمْتُهُ أَنْ يَحْلِفَ بِأَعْظَمِ الْأَيْمَانِ حَتَّى لَا يَسْعَهُ أَنْ لَا يَحْلِفَ . قَوْلُهُ : ( حَيْثُ تُصْبَرُ الْأَيْمَانُ ) ؛ أَيْ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ ، قَالَهُ ابْنُ التِّينِ . قَالَ : وَمِنْ هُنَا اسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُحْلَفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ عَلَى أَقَلَّ مِنْ عِشْرِينَ دِينَارًا نِصَابِ الزَّكَاةِ ، كَذَا قَالَ ، وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا الِاسْتِدْلَالُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ اسْتَدَلَّ لِذَلِكَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ ) . لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِنْ سَائِرِ الْخَمْسِينَ إِلَّا مَنْ تَقَدَّمَ ، وَزَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ : ثُمَّ حَلَفُوا عِنْدَ الرُّكْنِ أَنَّ خِدَاشًا بَرِيءٌ مِنْ دَمِ الْمَقْتُولِ . قَوْلُهُ : ( فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَأَنَّ الَّذِي أَخْبَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ جَمَاعَةٌ اطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ إِلَى صِدْقِهِمْ حَتَّى وَسِعَهُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ . قُلْتُ : يَعْنِي أَنَّهُ كَانَ حِينَ الْقَسَامَةِ لَمْ يُولَدْ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ هُوَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ أَمْكَنُ فِي دُخُولِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ . قَوْلُهُ : ( فَمَا حَالَ الْحَوْلُ ) أَيْ : مِنْ يَوْمِ حَلَفُوا . قَوْلُهُ : ( وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ : وَفِي الثَّمَانِيَةِ ، وَعِنْدَ الْأَصِيلِيِّ : وَالْأَرْبَعِينَ وَقَوْلُهُ : عَيْنٌ تَطْرِفُ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَتَحَرَّكُ . زَادَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ وَصَارَتْ رِبَاعُ الْجَمِيعِ لِحُوَيْطِبٍ ، فَبِذَلِكَ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ بِمَكَّةَ رِبَاعًا . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : حَلَفَ نَاسٌ عِنْدَ الْبَيْتِ قَسَامَةً عَلَى بَاطِلٍ ، ثُمَّ خَرَجُوا فَنَزَلُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ فَانْهَدَمَتْ عَلَيْهِمْ ، وَمِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ قَالَ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُصِيبُونَ فِي الْحَرَمِ شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُمْ عُقُوبَتُهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ حُوَيْطِبٍ أَنَّ أَمَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَاذَتْ بِالْبَيْتِ ، فَجَاءَتْهَا سَيِّدَتُهَا فَجَبَذَتْهَا فَشَلَّتْ يَدُهَا وَرُوِّينَا فِي كِتَابِ مُجَابِي الدَّعْوَةِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ فِي مَعْنَى سُرْعَةِ الْإِجَابَةِ بِالْحَرَمِ لِلْمَظْلُومِ فِيمَنْ ظَلَمَهُ قَالَ : فَقَالَ عُمَرُ : كَانَ يُفْعَلُ بِهِمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِيَتَنَاهَوْا عَنِ الظُّلْمِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْبَعْثَ ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَخَّرَ الْقِصَاصَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَرَوَى الْفَاكِهِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ : يُوشِكُ أَنْ لَا يُصِيبَ أَحَدٌ فِي الْحَرَمِ شَيْئًا إِلَّا عُجِّلَتْ لَهُ الْعُقُوبَةُ ، فَكَأَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ قَبْضِ الْعِلْمِ ، وَتَنَاسِي أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ أُمُورَ الشَّرِيعَةِ ، فَيَعُودُ الْأَمْرُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الْقَسَامَةُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ · ص 192 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب أيام الجاهلية · ص 296 ( القسامة في الجاهلية ) أي هذا بيان القسامة التي كانت في الجاهلية وأقرت في الإسلام ، والقسامة أقسام المتهمين بالقتل على نفي القتل عنهم ، وقيل : هي قسمة اليمين عليهم ، وعند الشافعي : قسمة أولياء الدم الأيمان على أنفسهم بحسب استحقاقهم الدم أو أقسامهم ، ولا يلزم عليهم تحليف أهل الجاهلية المدعى عليهم إذ لا حجة في فعلهم ، وفي بعض النسخ باب القسامة في الجاهلية ، وهذه الترجمة ثبتت عند أكثر الرواة عن الفربري ولم تقع عند النسفي . 328 - حدثنا أبو معمر ، حدثنا عبد الوارث ، حدثنا قطن أبو الهيثم ، حدثنا أبو يزيد المدني ، عن عكرمة ، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أول قسامة كانت في الجاهلية لفينا بني هاشم ، كان رجل من بني هاشم استأجره رجل من قريش من فخذ أخرى ، فانطلق معه في إبله ، فمر رجل به من بني هاشم قد انقطعت عروة جوالقه فقال : أغثني بعقال أشد به عروة جوالقي لا تنفر الإبل ، فأعطاه عقالا فشد به عروة جوالقه ، فلما نزلوا عقلت الإبل إلا بعيرا واحدا ، فقال الذي استأجره : ما شأن هذا البعير لم يعقل من بين الإبل ؟ قال : ليس له عقال ، قال : فأين عقاله ؟ قال : فحذفه بعصا كان فيها أجله ، فمر به رجل من أهل اليمن فقال : أتشهد الموسم ؟ قال : ما أشهد وربما شهدته ، قال : هل أنت مبلغ عني رسالة مرة من الدهر ؟ قال : نعم ، قال : فكنت إذا أنت شهدت الموسم فناد : يا آل قريش ، فإذا أجابوك فناد : يا آل بني هاشم ، فإن أجابوك فسل عن أبي طالب فأخبره أن فلانا قتلني في عقال ، ومات المستأجر ، فلما قدم الذي استأجره أتاه أبو طالب فقال : ما فعل صاحبنا ؟ قال : مرض فأحسنت القيام عليه فوليت دفنه ، قال : قد كان أهل ذاك منك ، فمكث حينا ثم إن الرجل الذي أوصى إليه أن يبلغ عنه وافى الموسم فقال : يا آل قريش ، قالوا : هذه قريش ، قال : يا آل بني هاشم ، قالوا : هذه بنو هاشم ، قال : أين أبو طالب ؟ قالوا : هذا أبو طالب ، قال : أمرني فلان أن أبلغك رسالة أن فلانا قتله في عقال ، فأتاه أبو طالب فقال له : اختر منا إحدى ثلاث : إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل فإنك قتلت صاحبنا ، وإن شئت حلف خمسون من قومك إنك لم تقتله ، فإن أبيت قتلناك به ، فأتى قومه فقالوا : نحلف ، فأتته امرأة من بني هاشم كانت تحت رجل منهم قد ولدت له فقالت : يا أبا طالب أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان ، ففعل فأتاه رجل منهم فقال : يا أبا طالب أردت خمسين رجلا أن يحلفوا مكان مائة من الإبل يصيب كل رجل بعيران هذان بعيران فاقبلهما عني ولا تصبر يميني حيث تصبر الأيمان ، فقبلهما ، وجاء ثمانية وأربعون فحلفوا ، قال ابن عباس : فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد ، وقد تكرر ذكره ، وعبد الوارث هو بن سعيد أبو عبيدة ، وقطن بالقاف والطاء المهملة ثم النون هو ابن كعب أبو الهيثم القطعي بضم القاف البصري ، وأبو يزيد من الزيادة المدني البصري ، ويقال له المديني بزيادة الياء آخر الحروف ، ولعل أصله كان من المدينة ولكن لم يرو عنه أحد من أهل المدينة ، وسئل عنه مالك فلم يعرفه ولا عرف اسمه ، وقد وثقه ابن معين وغيره وليس له ولا للراوي عنه في البخاري إلا هذا الحديث . وأخرجه النسائي في القسامة عن محمد بن يحيى ، عن معمر ، نحوه . ( ذكر معناه ) قوله : " إن أول قسامة " أي في حكم أبي طالب ، واختلفوا في أول من سن الدية مائة من الإبل ، فقال ابن إسحاق : عبد المطلب ، وقيل : القلمس ، وقيل : النضر بن كنانة بن خزيمة قتل أخاه لأمه فوداه مائة من الإبل من ماله ، وقال ابن الكلبي : وثب ابن كنانة على علي بن مسعود فقتله ، فوداه خزيمة بمائة من الإبل فهي أول دية كانت في العرب ، وقيل : قتل معاوية بن بكر بن هوازن أخاه زيدا فوداه عامر بن الضرب مائة من الإبل ، فهي أول دية كانت في العرب ، قوله : " لفينا " في محل الرفع لأنه خبر لقوله " أول قسامة " ، واللام فيه لتأكيد معنى الحكم بها ، قوله : " بني هاشم " مجرور لأنه بدل من الضمير المجرور ، وقال الكرماني : إنه منصوب على الاختصاص ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون نصبا على التمييز أو على النداء بحذف حرف النداء . ( قلت ) : لا وجه لأن يكون منصوبا على التمييز لأن التمييز ما يرفع الإبهام المستقر عن ذات مذكورة أو مقدرة ، والمراد بالإبهام المستقر ما كان بالوضع أي ما وضعه الواضع مبهما ، وليس في قوله " لفينا " إبهام بوضع الواضع ، ولا وجه أيضا لأن يكون منصوبا على النداء لأن المنادي غير المنادى ، وهنا قوله " بني هاشم " هو معنى قوله " لفينا " والوجه ما ذكرناه . قوله : " كان رجل من بني هاشم " هو عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف نص عليه الزبير بن بكار في هذه القصة ، وسماه ابن الكلبي عامرا ، قوله : " استأجره رجل " قال الكرماني : وفي بعضها حذف المفعول منه ، وجاء على الوجهين هكذا استأجر رجل في رواية الأصيلي وأبي ذر ، وفي رواية كريمة وغيرها استأجر رجلا من قريش وهو مقلوب ، والأول هو الصواب ، قوله : " من فخذ أخرى " بكسر الخاء المعجمة وقد تسكن ، والفخذ أقل من البطن الأقل من العمارة الأقل من الفصيلة الأقل من القبيلة ، ونص الزبير بن بكار على أن المستأجر المذكور هو خداش بن عبد الله بن أبي قيس العامري ، وخداش بكسر الخاء المعجمة وبدال مهملة وشين معجمة ، قوله : " فمر به " أي بالأجير ، قوله : " عروة جوالقه " بضم الجيم وكسر اللام الوعاء من جلود وثياب وغيرها ، وهو فارسي معرب ، وأصله كواله ، والجمع الجوالق بفتح الجيم ، والجواليق بزيادة الياء آخر الحروف ، قوله : " أغثني " من الإغاثة بالغين المعجمة والثاء المثلثة ، ومعناه أعني بالعين المهملة والنون ، قوله : " بعقال " بكسر العين المهملة وهو الحبل ، قوله : " فحذفه " فيه حذف تقديره فأعطيته ، فحذفه بالحاء المهملة ويروى بالمعجمة أي رماه ، والحذف الرمي بالأصابع ، قوله : " كان فيها أجله " أي فأصاب مقتله وأشرف على الموت بدليل قوله " فمر به رجل من أهل اليمن " قبل أن يقضي قوله " أتشهد الموسم " أي موسم الحج ومجتمعهم ، قوله : " مرة من الدهر " أي وقتا من الأوقات ، قوله : " قال فكنت " بضم الكاف وسكون النون من الكون ، هكذا رواية أبي ذر والأصيلي ، وفي رواية الأكثرين : " فكتب " من الكتابة وهو الأوجه ، وفي رواية الزبير بن بكار : " فكتب إلى أبي طالب يخبره بذلك " ، قوله : " يا آل قريش " الهمزة للاستغاثة ، قوله : " يا آل بني هاشم " ، وفي رواية الكشميهني : " يا بني هاشم " ، قوله : " قتلني في عقال " أي بسبب عقال ، قوله : " ومات المستأجر " بفتح الجيم ، قوله : " أهل ذاك " بالنصب ويروى ذلك ، قوله : " وافى الموسم " أي أتاه ، قوله : " أين أبو طالب " هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : " من أبو طالب " ، قوله : " أن فلانا قتله " ويروى : " فتكه " بالفاء والكاف ، قوله : " إحدى ثلاث " يحتمل أن تكون هذه الثلاث كانت معروفة بينهم ، ويحتمل أن يكون شيء اخترعه أبو طالب ، وقال ابن التين : لم ينقل أنهم تشاوروا في ذلك ولا تدافعوا ، فدل على أنهم كانوا يعرفون القسامة قبل ذلك ، قيل : فيه نظر لقول ابن عباس راوي الحديث " إنها أول قسامة " ورد بأنه يمكن أن يكون مراد ابن عباس الوقوع وإن كانوا يعرفون الحكم قبل ذلك ، وقد ذكرنا الاختلاف فيه عن قريب ، قوله : " إن شئت أن تؤدي " ويروى : " تؤدي " بدون لفظة أن ، قوله : " فإنك " الفاء فيه للسببية ، قوله : " حلف " فعل ماض وخمسون بالرفع فاعله ، قوله : " فأتته امرأة من بني هاشم " هي زينب بنت علقمة أخت المقتول ، وكانت تحت رجل منهم وهو عبد العزيز بن أبي قيس العامري ، واسم ولدها منه حويطب مصغرا بمهملتين ، وقد عاش حويطب بعد هذا دهرا طويلا وله صحبة ، وسيأتي حديثه في كتاب الأحكام ، قوله : " أن تجيز ابني هذا " بالجيم والزاي أي تهبه ما يلزمه من اليمين ، وقال صاحب ( جامع الأصول ) : إن كان تجير بالراء فمعناه تؤمنه من اليمين ، وإن كان بالزاي فمعناه تأذن له في ترك اليمين ، قوله : " ولا تصبر يمينه " بالصاد المهملة وبالباء الموحدة المضمومة ، قال الجوهري : صبر الرجل إذا حلف صبرا إذا حبس على اليمين حتى يحلف ، والمصبورة هي اليمين ، وقال الخطابي : معنى الصبر في الأيمان الإلزام حتى لا يسعه أن لا يحلف ، وحاصل معنى صبر اليمين هو أن يلزم المأمور بها ويكره عليها ، قوله : " حيث تصبر الأيمان " أي بين الركن والمقام ، وقال صاحب ( التوضيح ) : ومن هذا استدل الشافعي على أنه لا يحلف بين الركن والمقام على أقل من عشرين دينارا وهو ما يجب فيه الزكاة ، قيل : لا يدرى كيف يستقيم هذا الاستدلال ولم يذكر أحد من أصحاب الشافعي أن الشافعي استدل لذلك بهذه القضية ، قوله : " فحلفوا " زاد ابن الكلبي : حلفوا عند الركن أن خداشا بريء من دم المقتول ، قوله : " قال ابن عباس : والذي نفسي بيده " قال ابن التين : كان الذي أخبر ابن عباس بذلك جماعة اطمأنت نفسه إلى صدقهم حتى وسعه أن يحلف على ذلك ، قيل : يعني أنه كان حين القسامة لم يولد ، ويحتمل أن يكون الذي أخبره بذلك هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وهذا وجه دخول هذا الحديث في ( الصحيح ) ، قوله : " فما حال الحول " أي من يوم حلفوا ، قوله : " ومن ثمانية وأربعين " وفي رواية أبي ذر " ومن الثمانية " ، وعند الأصيلي : " والأربعين " ، قوله : " عين تطرف " بكسر الراء أي تتحرك ، وزاد ابن الكلبي : وصارت رباع الجميع لحويطب ؛ فلذلك كان أكثر من بمكة رباعا ، وكان في الجاهلية أن من ظلم أحدا يعجل له عقوبته ، وروى الفاكهي من طريق ابن أبي نجيح عن أبيه قال : حلف ناس عند البيت قسامة على باطل ثم خرجوا فنزلوا تحت صخرة فانهدمت عليهم ، قال عمر رضي الله تعالى عنه : كان يفعل بهم ذلك في الجاهلية ليتناهوا عن الظلم لأنهم كانوا لا يعرفون البعث ، فلما جاء الإسلام أخر القصاص إلى يوم القيامة .