3899 - حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : إِنِّي لَفِي الصَّفِّ يَوْمَ بَدْرٍ إِذْ الْتَفَتُّ فَإِذَا عَنْ يَمِينِي وَعَنْ يَسَارِي فَتَيَانِ حَدِيثَا السِّنِّ ، فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا ، إِذْ قَالَ لِي أَحَدُهُمَا سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ : يَا عَمِّ أَرِنِي أَبَا جَهْلٍ . فَقُلْتُ : يَا ابْنَ أَخِي وَمَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ قَالَ : عَاهَدْتُ اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُهُ أَنْ أَقْتُلَهُ أَوْ أَمُوتَ دُونَهُ . فَقَالَ لِي الْآخَرُ سِرًّا مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَهُ . قَالَ : فَمَا سَرَّنِي أَنِّي بَيْنَ رَجُلَيْنِ مَكَانَهُمَا فَأَشَرْتُ لَهُمَا إِلَيْهِ ، فَشَدَّا عَلَيْهِ مِثْلَ الصَّقْرَيْنِ حَتَّى ضَرَبَاهُ ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ) كَذَا لِأَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ ، وَلِلْبَاقِينَ حَدَّثَنَا يَعْقُوبٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ ، فَجَزَمَ الْكَلَابَاذِيُّ بِأَنَّهُ ابْنُ حُمَيْدِ بْنِ كَاسِبٍ ، وَبِهِ جَزَمَ الْحَاكِمُ عَنْ مَشَايِخِهِ ، ثُمَّ جَوَّزَ أَنْ يَكُونَ يَعْقُوبَ بْنَ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيَّ . قُلْتُ : وَسَيَأْتِي مَا يُقَوِّيهِ . قَالَ الْحَاكِمُ : وَقَدْ نَاظَرَنِي شَيْخُنَا أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ فِي أَنَّ الْبُخَارِيَّ رَوَى فِي الصَّحِيحِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ حُمَيْدٍ ، فَقُلْتُ لَهُ : إِنَّمَا رَوَى عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُحَمَّدٍ فَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ . قُلْتُ : وَجَزَمَ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ الْحَبَّالُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ بِمَا قَالَ أَبُو أَحْمَدَ ، وَهُوَ مُتَعَقَّبٌ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ السَّكَنِ هُنَا حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعِنْدَ أَبِي ذَرٍّ ، وَالْأَصِيلِيِّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَأَهْمَلَهُ الْبَاقُونَ . وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ فِي الْأَطْرَافِ بِأَنَّهُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ ، وَجَوَّزَ أَنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ ، قَالَ : وَهُوَ غَلَطٌ ، فَإِنَّ يَعْقُوبَ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَرْحَلَ الْبُخَارِيُّ ، وَقَدْ رَوَى لَهُ الْكَثِيرَ بِوَاسِطَةٍ ، وَبَنَى الْكَرْمَانِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ فَقَالَ : هَذَا السَّنَدُ مُسَلْسَلٌ بِالرِّوَايَةِ عَنِ الْآبَاءِ ، وَمَالَ الْمِزِّيُّ إِلَى أَنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَاخِرِ الصَّلَاةِ فِي بَابِ الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ وَفِي الْمَنَاقِبِ فِي بَابِ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَنْصَارِ : أَنْتُمْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ التَّصْرِيحُ بِالرِّوَايَةِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيِّ فَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ فِي الْمُصَافَحَةِ : يَعْقُوبُ بْنُ حُمَيْدٍ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ ، وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَلَكِنْ سَقَطَتِ الْوَاسِطَةُ مِنَ النُّسْخَةِ ؛ لِأَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ . انْتَهَى . وَالرَّاجِحُ عَدَمُ السُّقُوطِ وَأَنَّهُ إِمَّا الدَّوْرَقِيُّ وَإِمَّا ابْنُ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيُّ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ) أَبُوهُ هُوَ سَعدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ فِي الْبَابِ الْمَاضِي إِلَى أَنَّ صَالِحَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا عَنْ أَبِيهِ ، وَأَنَّهُ سَاقَهُ فِي الْخُمُسِ بِتَمَامِهِ . وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَكَأَنِّي لَمْ آمَنْ بِمَكَانِهِمَا أَيْ مِنَ الْعَدُوِّ . وَقِيلَ : مَكَانُهُمَا كِنَايَةٌ عَنْهُمَا ، كَأَنَّهُ لَمْ يَثِقْ بِهِمَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْهُمَا فَلَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَكُونَا مِنَ الْعَدُوِّ . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي مَغَازِي ابْنِ عَائِذٍ مَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ ، فَإِنَّهُ أَخْرَجَ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُطَوَّلَةً بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ وَقَالَ فِيهَا : فَأَشْفَقْتُ أَنْ يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ نَاحِيَتِي لِكَوْنِي بَيْنَ غُلَامَيْنِ حَدِيثَيْنِ . قَوْلُهُ : ( الصَّقْرَيْنِ ) بِالْمُهْمَلَةِ ثُمَّ الْقَافِ تَثْنِيَةُ صَقْرٍ ، وَهُوَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَأَحَدُ الْجَوَارِحِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ الصَّقْرُ وَالْبَازِي وَالشَّاهِينَ وَالْعُقَابُ ، وَشَبَهُهُمَا بِهِ لِمَا اشْتُهِرَ عَنْهُ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالشَّهَامَةِ وَالْإِقْدَامِ عَلَى الصَّيْدِ ، وَلِأَنَّهُ إِذَا تَشَبَّثَ لشَيْءٍ لَمْ يُفَارِقْهُ حَتَّى يَأْخُذَهُ وَأَوَّلُ مَنْ صَادَ بِهِ مِنَ الْعَرَبِ الْحَارِثُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ ثَوْرٍ الْكِنْدِيُّ ، ثُمَّ اشْتُهِرَ الصَّيْدُ بِهِ بَعْدَهُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب إِذَا أَكْثَبُوكُمْ فَارْمُوهُمْ وَاسْتَبْقُوا نَبْلَكُمْ · ص 358 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب · ص 98 37 - حدثني يعقوب بن إبراهيم ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن أبيه ، عن جده قال : قال عبد الرحمن بن عوف : إني لفي الصف يوم بدر إذ التفت فإذا عن يميني وعن يساري فتيان حديثا السن ، فكأني لم آمن بمكانهما ، إذ قال لي أحدهما سرا من صاحبه : يا عم ، أرني أبا جهل ، فقلت : يا ابن أخي ، وما تصنع به ؟ قال : عاهدت الله إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه ، فقال لي الآخر سرا من صاحبه مثله ، قال : فما سرني أني بين رجلين مكانهما ، فأشرت لهما إليه ، فشدا عليه مثل الصقرين حتى ضرباه ، وهما ابنا عفراء . وجه ذكره هنا ما ذكرناه في أول الباب . ويعقوب ذكر مجردا في رواية الأكثرين ، ووقع في رواية أبي ذر والأصيلي يعقوب بن إبراهيم ، وجزم الكلاباذي بأنه ابن حميد بن كاسب ، وذكر في رجال الصحيحين ، وللبخاري وحده يعقوب غير منسوب ، يقال : هو ابن حميد بن كاسب أبو يوسف المدني ، سكن مكة ، سمع إبراهيم بن سعد ، روى عنه البخاري ، وقيل له : يعقوب بن كاسب ما قولك فيه ؟ قال : لم نر إلا خيرا ، وهو في الأصل صدوق ، روى عنه في الصلح ، وفي باب من شهد بدرا من الملائكة ، وقال : مات آخر سنة أربعين ومائتين ، وقال الكرماني : الحديث مسلسل بالأبوة ؛ إذ هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ، يعني كل واحد منهم يروي عن أبيه ، قلت : هذا غلط ؛ لأن يعقوب مات قبل أن يرحل البخاري ، وروى له الكثير بواسطة ، والذي قاله الكرماني جوزه أبو مسعود في الأطراف ، ولكنهم غلطوه ، فكأن الكرماني لم يطلع إلا على هذا فجزم بأنه يعقوب بن إبراهيم بن سعد ، والآفة في مثل هذا من عدم التأمل والتقليد ، ومال المزي إلى أنه يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، والله أعلم ، وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - يروي عن أبيه سعد ، وسعد يروي عن جده عبد الرحمن بن عوف . والحديث مضى في الخمس في باب من لم يخمس الأسلاب ، فإنه أخرجه هناك عن مسدد عن يوسف بن الماجشون بأتم منه وأطول ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله: فكأني لم آمن بمكانهما أي : من العدو لجهة مكانهما ، ويحتمل أن يكون مكانهما كناية عنهما ، أي : لم أثق بهما لأنه لم يعرفهما فلم يأمن أن يكونا من العدو ، وجاء في مغازي ابن عائذ ما يوضح معنى هذا ، فإنه أخرج هذه القصة مطولة بإسناد منقطع ، وزاد فيها : فأشفقت أن يؤتى الناس من ناحيتي لكوني بين غلامين حديثين . قوله : إذ قال أي : حين قال لي أحدهما ، أي : أحد الغلامين المذكورين . قوله : أرني بفتح الهمزة أمر من الإراءة . قوله : إن رأيته أن أقتله أو أموت دونه أي : أو أن أموت دونه ، وكلمة أو هنا يصلح أن تكون شرطية لأنها من جملة معانيها الاثنا عشر ، ولكن التحقيق هنا أن كلمة أو بمعنى الواو ، ولكن الفعل الذي قبلها دل على معنى حرف الشرط فدخلها معنى الشرط ، والأولى أن تكون بمعنى إلى ، والمعنى : إن رأيته أعالج قتله إلى أن أموت دونه . قوله : فما سرني كلمة ما للنفي . قوله : مكانهما أي : بدلهما . قوله : إليه أي : إلى أبي جهل . قوله : مثل الصقرين تثنية صقر ، وهو الطائر الذي يصاد به ، وإنما شبههما بالصقر لما فيه من الشهامة والإقدام على الصيد ، ولأنه إذا نشب لم يفارقه حتى يأخذه ، وأول من صاد بالصقر من العرب الحارث بن معاوية بن ثور الكندي ، ثم اشتهر الصيد به . قوله : وهما أي : الغلامان المذكوران ابنا عفراء معاذ ومعوذ ، وقد مر البحث فيه قريبا وبعيدا .