الْحَدِيثُ السَّابِعُ . 4048 - أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ عَمَّهُ غَابَ عَنْ بَدْرٍ ، فَقَالَ : غِبْتُ عَنْ أَوَّلِ قِتَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَئِنْ أَشْهَدَنِي اللَّهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أُجِدُّ ، فَلَقِيَ يَوْمَ أُحُدٍ فَهُزِمَ النَّاسُ ، فَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ - يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ - وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، فَتَقَدَّمَ بِسَيْفِهِ ، فَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : أَيْنَ يَا سَعْدُ ؟ إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ، فَمَضَى فَقُتِلَ ، فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ - أَوْ : بِبَنَانِهِ - وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ ، وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانَ ) هُوَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : حَسَّانُ بْنُ أَبِي عَبَّادٍ ، وَوَهَمَ مَنْ جَعَلَهُ اثْنَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ قُدَمَاءِ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثَة عَشَرَ ، وَمَا لَهُ عِنْدَهُ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَآخَرَ فِي أَبْوَابِ الْعُمْرَةِ . وَمُحَمَّدُ بْنُ طَلْحَةَ ، أَيِ : ابْنُ مُصَرِّفٍ بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ كُوفِيٌّ فِيهِ مَقَالٌ ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَذَا عَنْ حُمَيْدٍ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى بن عَبْدِ الْأَعْلَى بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ فِيهِ عَنْ حُمَيْدٍ سَأَلْتُ أَنَسًا . قَوْلُهُ : ( لَيَرَيَنَّ اللَّهُ ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالرَّاءِ ، ثُمَّ التَّحْتَانِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ ، وَاللَّهُ بِالرَّفْعِ ، وَمُرَادُهُ أَنْ يُبَالِغَ فِي الْقِتَالِ وَلَوْ زَهَقَتْ رُوحُهُ . وَقَالَ أَنَسٌ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ : وَخَشِيَ أَنْ يَقُولَ غَيْرَهَا ، أَيْ : غَيْرَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ ، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْأَدَبِ مِنْهُ وَالْخَوْفِ ، لِئَلَّا يَعْرِضَ لَهُ عَارِضٌ فَلَا يَفِيَ بِمَا يَقُولُ فَيَصِيرُ كَمَنْ وَعَدَ فَأَخْلَفَ . قَوْلُهُ : ( فلقي يوم أحد فهزم الناس ) يأتي بيانه قريبا في شرح الحديث السابع من الباب الذي بعده . قَوْلُهُ : ( مَا أُجِدُّ ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ لِلْأَكْثَرِ مِنَ الرُّبَاعِيِّ ، يُقَالُ : أَجَدَّ فِي الشَّيْءِ يُجِدُّ إِذَا بَالِغَ فِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : صَوَابُهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الْجِيمِ ، يُقَالُ أَجَدَّ يَجُدُّ إِذَا اجْتَهَدَ فِي الْأَمْرِ ، أَمَّا أُجِدُّ فَإِنَّمَا يُقَالُ لِمَنْ سَارَ فِي أَرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ ، وَلَا مَعْنَى لَهَا هُنَا . قَالَ : وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الدَّالِ مِنَ الْوِجْدَانِ أَيْ مَا أَلْتَقِي مِنَ الشِّدَّةِ فِي الْقِتَالِ . قَوْلُهُ : ( إِنِّي أَجِدُ رِيحَ الْجَنَّةِ دُونَ أُحُدٍ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ بِأَنْ يَكُونَ شَمَّ رَائِحَةً طَيِّبَةً زَائِدَةً عَمَّا يُعْهَدُ فَعَرَفَ أَنَّهَا رِيحُ الْجَنَّةِ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ مَا عِنْدَهُ مِنَ الْيَقِينِ حَتَّى كَأَنَّ الْغَائِبَ عَنْهُ صَارَ مَحْسُوسًا عِنْدَهُ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أُقَاتِلُ فِيهِ يَئُولُ بِصَاحِبِهِ إِلَى الْجَنَّةِ . قَوْلُهُ : ( فَمَضَى فَقُتِلَ ) فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَنَعَ . وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ إِنَّمَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْضُرْ قَتْلَ أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى شَجَاعَةٍ مُفْرِطَةٍ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ بِحَيْثُ إِنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَعَ ثَبَاتِهِ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَمَالِ شَجَاعَتِهِ مَا جَسَرَ عَلَى مَا صَنَعَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ . قَوْلُهُ : ( فَمَا عُرِفَ حَتَّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِشَامَةٍ ، أَوْ بِبَنَانِهِ ) كَذَا هُنَا بِالشَّكِّ وَالْأَوَّلُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمِيمِ ، وَالثَّانِي بِمُوَحَّدَتَيْنِ وَنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ ، وَالثَّانِي هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَبِهِ جَزَمَ عَبْدُ الْأَعْلَى فِي رِوَايَتِهِ ، وَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ . قَوْلُهُ : ( وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مِنْ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ ) . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى بِلَفْظِ : ضَرْبَةٍ بِالسَّيْفِ أَوْ طَعْنَةٍ بِالرُّمْحِ أَوْ رَمْيَةٍ بِالسَّهْمِ ، وَلَيْسَتْ أَوْ لِلشَّكِّ ، بَلْ هِيَ لِلتَّقْسِيمِ ، وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ : وَوَجَدْنَاهُ قَدْ مَثَّلَ بِهِ الْمُشْرِكُونَ ، وَعِنْدَهُ قَالَ أَنَسٌ : إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ ، وَفِي أَشْبَاهِهِ : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى إِلَى آخِرِ الْآيَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ ثَابِتٍ الْمَذْكُورَةِ : قَالَ أَنَسٌ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَكَانُوا يَرَوْنَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ وَفِي أَصْحَابِهِ ، وَكَذَا وَقَعَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ فِي تَفْسِيرِ الْأَحْزَابِ مِنْ طَرِيقِ ثُمَامَةَ ، عَنْ أَنَسٍ ، وَلَفْظُهُ : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ، فَذَكَرَهَا ، وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالشِّدَّةِ فِي الْجِهَادِ ، وَبَذْلُ الْمَرْءِ نَفْسَهُ فِي طَلَبِ الشَّهَادَةِ ، وَالْوَفَاءُ بِالْعَهْدِ ، وَتَقَدَّمَتْ بَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غَزْوَةِ أُحُدٍ · ص 411 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غزوة أحد · ص 145 أخبرنا حسان بن حسان ، حدثنا محمد بن طلحة ، حدثنا حميد ، عن أنس رضي الله عنه أن عمه غاب عن بدر ، فقال : غبت عن أول قتال النبي صلى الله عليه وسلم ! لئن أشهدني الله مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ليرين الله ما أَجِدُّ ! فلقي يوم أحد فهزم الناس ، فقال : اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به المشركون ! فتقدم بسيفه فلقي سعد بن معاذ ، فقال : أين يا سعد ؟ إني أجد ريح الجنة دون أحد ! فمضى فقتل ، فما عرف حتى عرفته أخته بشامة أو ببنانه وبه بضع وثمانون من طعنة وضربة ورمية بسهم . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وحسان بن حسان ويقال له حسان بن أبي عباد أبو علي البصري ، سكن مكة ، وهو من شيوخ البخاري القدماء ، روى عنه هنا وفي العمرة ، ومات سنة ثلاث عشرة ومائتين . ومحمد بن طلحة بن مصرف - على وزن اسم الفاعل من التصريف - الهمداني اليامي ، وحميد هو الطويل . والحديث مضى في الجهاد في باب قول الله تعالى : مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ ؛ فإنه أخرجه هناك من طريقين بأتم منه ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله أن عمه وهو أنس بن النضر - بسكون الضاد المعجمة . قوله عن بدر ؛ أي عن غزوة بدر . قوله عن أول قتال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، أراد به أول القتالات العظيمة ، وليس المراد به أول الغزوات . قوله ليرين الله بفتح الياء آخر الحروف والراء والياء أيضا وتشديد النون ، وهو فعل مضارع مؤكد باللام والنون الثقيلة ، ولفظة الله بالرفع فاعله . قوله ما أَجِدُّ بفتح الهمزة وكسر الجيم وتشديد الدال ، قال بعضهم : هو من الرباعي ، يقال أجد في الشيء يجد إذا بالغ فيه . قلت : قوله من الرباعي ليس باصطلاح أهل الصرف ، بل هو مضاعف من الثلاثي المزيد فيه ، وهو هكذا رواية الأكثرين ، وقال ابن التين : صوابه بفتح الهمزة وضم الجيم ، يقال جد يجد إذا اجتهد في الأمر ، وأما أجد فإنما يقال لمن سار في أرض مستوية ولا معنى له ههنا . قال : وضبطه بعضهم بفتح الهمزة وكسر الجيم وتخفيف الدال من الوجد ؛ أي ما ألقى من الشدة في القتال . قوله فهزم الناس على صيغة المجهول . قوله فقال : أين يا سعد ؟ ، ويروى أي سعد ؛ يعني يا سعد . قوله إني أجد ريح الجنة كناية عن شدة قتاله في ذلك اليوم المؤدي إلى استشهاده المؤدي إلى الجنة ، وقيل : يحتمل أن يكون ذلك على الحقيقة بأن يكون شم رائحة طيبة زائدة عما كان يعهده فعرف أنها ريح الجنة ، وفيه نظر لا يخفى . قوله دون أحد ؛ أي عند أحد . قوله فمضى ، قيل فيه حدف ؛ أي فمضى إلى القتال وقاتل قتالا شديدا . قوله بشامة ، وهي الخال . قوله أو ببنانه شك من الراوي ، وهو بنان الإصبع وهو المشهور ، وكذا وقع في رواية ثابت عن أنس عند مسلم . قوله وبه ؛ أي وبأنس بن النضر ، والواوان في وضربته ورميته للتنويع والتقسيم ، يدل عليه رواية عبد الأعلى بلفظ ضربة بالسيف أو طعنة بالرمح أو رمية بالسهم وليست كلمة أو للشك .