21 - باب : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ قَالَ حُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ : شُجَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ 4069 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ السُّلَمِيُّ ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ ، عَنْ الزُّهْرِيِّ ، حَدَّثَنِي سَالِمٌ ، عَنْ أَبِيهِ : أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ الْفَجْرِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ، بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ 4070 - وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو ، وَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ، فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ - إِلَى قَوْلِهِ - فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ قَوْلُهُ : ( بَابُ قَوْلِهِ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ أَيْ بَيَانُ سَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْبَابِ سَبَبَيْنِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ نَزَلَتْ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَإِنَّهُمَا كَانَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَسَأَذْكُرُ فِي آخِرِ الْبَابِ سَبَبًا آخَرَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ حُمَيْدٌ ، وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ : شُجَّ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ ، فَقَالَ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ ؟ فَنَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . أَمَّا حَدِيثُ حُمَيْدٍ فَوَصَلَهُ أَحْمَدُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ حُمَيْدٍ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي : حَدَّثَنِي حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ ، عَنْ أَنَسٍ ، قَالَ : كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ وَشُجَّ وَجْهُهُ ، فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَّبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ . وَأَمَّا حَدِيثُ ثَابِتٍ فَوَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ ثَابِتٍ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَأَدْمَوْا وَجْهَهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الْآيَةَ . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ الَّذِي كَسَرَ رَبَاعِيَةَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - السُّفْلَى وَجَرَحَ شَفَتَهُ السُّفْلَى ، وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شهاب الزهري هو الذي شَجَّهُ فِي جَبْهَتِهِ ، وأن عبد الله بن قمئة جَرَحَهُ فِي وَجْنَتِهِ فَدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ ، وَأَنَّ مَالِكَ بْنَ سِنَانٍ مَصَّ الدَّمَ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ ازْدَرَدَهُ فَقَالَ : لَنْ تَمَسَّكَ النَّارُ . وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : فَمَا حَرَصْتُ عَلَى قَتْلِ رَجُلٍ قَطُّ حِرْصِي عَلَى قَتْلِ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ لِمَا صَنَعَ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ ، وَفِي الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ قَالَ : رَمَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَمِئَةَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ أُحُدٍ فَشَجَّ وَجْهَهُ وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ ، فَقَالَ : خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ قَمِئَةَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ - : مَا لَكَ أَقَمْأَكَ اللَّهُ . فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَيْسَ جَبَلٍ فَلَمْ يَزَلْ يَنْطَحُهُ حَتَّى قَطَّعَهُ قِطْعَةً قِطْعَةً ، وَأَخْرَجَ ابْنُ عَائِذٍ فِي الْمَغَازِي عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ جَابِرٍ ، فَذَكَرَ نَحْوَهُ مُنْقَطِعًا ، وَسَيَأْتِي فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ شَوَاهِدُ لِحَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ . وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عُمَرَ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ وَفَرُّوا ، وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُشِّمَتِ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَسَالَ الدَّمُ عَلَى وَجْهِهِ . فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا الْآيَةَ ، وَالْمُرَادُ بِكَسْرِ الرَّبَاعِيَةِ وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي بَيْنَ الثَّنِيَّةِ وَالنَّابِ أَنَّهَا كُسِرَتْ فَذَهَبَ مِنْهَا فَلَقَةٌ وَلَمْ تُقْلَعْ مِنْ أَصْلِهَا . قَوْلُهُ : ( أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمُبَارَكِ . قَوْلُهُ : ( الْعَنْ فُلَانًا وَفُلَانًا وَفُلَانًا ) سَمَّاهُمْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا . قَوْلُهُ : ( وَعَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ) هُوَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ : أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ إِلَخْ ، وَالرَّاوِي لَهُ عَنْ حَنْظَلَةَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ، وَوَهَمَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مُعَلَّقٌ . وَقَوْلُهُ : سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدْعُو إِلَخْ وَهُوَ مُرْسَلٌ ، وَالثَّلَاثَةُ الَّذِينَ سَمَّاهُمْ قَدْ أَسْلَمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السِّرُّ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ يُونُسَ ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ، عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، لَكِنْ فِيهِ : اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحْيَانَ وَرِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ ، قَالَ : ثُمَّ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَرَكَ ذَلِكَ لَمَّا نَزَلَتْ : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ . قُلْتُ : وَهَذَا إِنْ كَانَ مَحْفُوظًا احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ تَرَاخَى عَنْ قِصَّةِ أُحُدٍ ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ رِعْلٍ ، وَذَكْوَانَ كَانَتْ بَعْدَهَا كَمَا سَيَأْتِي تِلْوَ هَذِهِ الْغَزْوَةِ ، وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالصَّوَابُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الَّذِينَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ قِصَّةِ أُحُدٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي صَدْرِ الْآيَةِ : لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ : يَقْتُلَهُمْ . أَوْ يَكْبِتَهُمْ أَيْ : يُخْزِيَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ : أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَيْ : فَيُسْلِمُوا . أَوْ يُعَذِّبَهُمْ أَيْ : إِنْ مَاتُوا كُفَّارًا .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب لَيْسَ لَكَ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ · ص 422 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون · ص 155 باب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون . أي : هذا باب في ذكر قوله تعالى لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ الآية ، وبيان سبب نزولها اختلفوا فيه ؛ فقيل هو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كسرت رباعيته يوم أحد وشج جبينه حتى سال الدم على وجهه ، قال : كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم ؟ ! أخرجه مسلم في أفراده من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ، وقيل سبب نزولها أنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - لعن قوما من المنافقين ، وقيل إنه - صلى الله تعالى عليه وسلم - هم بسب الذين انهزموا يوم أحد وكان فيهم عثمان بن عفان ، فنزلت هذه الآية ، فكف عنهم . وقيل إن أصحاب الصفة خرجوا إلى قبيلتين من بني سليم عصية وذكوان فقتلوا ، فدعا عليهم أربعين صباحا . وقيل لما رأى النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - حمزة ممثلا قال : لأمثلن بكذا كذا ! فنزلت هذه الآية . قوله لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ؛ أي ليس إليك من إصلاحهم ولا من عذابهم شيء ، وقيل ليس إليك من النصر والهزيمة شيء ، واللام بمعنى إلى . قوله أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ؛ أي حتى يتوب عليهم مما هم فيه من الكفر أو يعذبهم في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم ، ولهذا قال : فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ - أي يستحقون ذلك . قال حميد وثابت عن أنس : شج النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد ، فقال : كيف يفلح قوم شجوا نبيهم ! فنزلت : ليس لك من الأمر شيء . تعليق حميد الطويل وصله أحمد والترمذي والنسائي من طريق حميد به ، وتعليق ثابت البناني وصله مسلم وقد ذكرناه الآن ، وذكر ابن هشام في حديث أبي سعيد الخدري أن عتبة بن أبي وقاص هو الذي كسر رباعية النبي - صلى الله عليه وسلم - السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري هو الذي شجه في جبهته ، وأن عبد الله بن قمنة جرحه في وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ، وأن مالك بن سنان مص الدم من وجنته - صلى الله عليه وسلم - ثم ازدرده ، فقال صلى الله عليه وسلم : من مس دمي دمه لم تصبه النار . 108 - حدثنا يحيى بن عبد الله السلمي ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا معمر ، عن الزهري ، حدثني سالم ، عن أبيه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع من الركعة الآخرة من الفجر يقول : اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا ! بعد ما يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ، فأنزل الله عز وجل : ليس لك من الأمر شيء ... إلى قوله : فإنهم ظالمون . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن عبد الله بن زياد السلمي البلخي سكن مرو وهو من أفراد البخاري ، روى عنه هنا وفي تفسير الأنفال . وعبد الله هو ابن المبارك ، يروي عن معمر بن راشد عن محمد بن مسلم الزهري عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن حبان وفي الاعتصام عن أحمد بن محمد ، وأخرجه النسائي في الصلاة وفي التفسير عن عمرو بن يحيى بن الحارث . قوله فلانا وفلانا وفلانا ، وسماهم في الرواية التي بعدها . قوله ربنا ولك الحمد ، هذا بالواو في إحدى الروايات الثابتة . قوله فأنزل الله تعالى بيان سبب نزول الآية المذكورة ، فذكر البخاري هذا وآخر كما يأتي . وروى المحاملي بإسناده إلى نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يدعو على أربعة نفر ، فأنزل الله عز وجل : لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ قال : ثم هداهم الله إلى الإسلام . وقيل : استأذن بأن يدعو باستئصالهم فنزلت ، فعلم أن منهم من سيسلم .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون · ص 156 وعن حنظلة بن أبي سفيان قال : سمعت سالم بن عبد الله يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو والحارث بن هشام ، فنزلت : ليس لك من الأمر شيء ... إلى قوله : فإنهم ظالمون . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وهو بيان الوجه الآخر في سبب نزول هذه الآية ، وقد ذكرنا فيه وجوها عن قريب . قوله سمعت سالم بن عبد الله يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو ... إلخ - مرسل . قوله وعن حنظلة بن أبي سفيان ، قال بعضهم : هو معطوف على قوله أخبرنا معمر ، والراوي له عن حنظلة هو عبد الله بن المبارك ، ووهم من زعم أنه معلق ، قلت : فيه نظر ؛ لأن احتماله التعليق أقوى مما قاله ، ولهذا لما ذكر المزي الحديث السابق قال : وقال عقيب حديث يحيى وعن حنظلة عن سالم ولم يزد على هذا شيئا ، فلو كان موصولا لكان أشار إليه ، وهؤلاء الثلاثة المذكورون فيه قد أسلموا ؛ أما صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي فإنه هرب يوم الفتح ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فشهد معه حنينا والطائف وهو كافر ثم أسلم بعد ذلك ومات بمكة سنة اثنتين وأربعين في أول خلافة معاوية ، وأما سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي العامري فإنه كان أحد الأشراف من قريش وساداتهم في الجاهلية وأسر يوم بدر كافرا ثم أسلم وحسن إسلامه وكان كثير الصلاة والصوم والصدقة وخرج إلى الشام مجاهدا ومات هناك ، وأما الحارث بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي فإنه شهد بدرا كافرا مع أخيه شقيقه أبي جهل وفر حينئذ وقتل أخوه ثم غزا أحدا مع المشركين أيضا ثم أسلم يوم الفتح وحسن إسلامه ، وكان من فضلاء الصحابة وخيارهم ، ثم خرج إلى الشام مجاهدا ، ولم يزل في الجهاد حتى مات في طاعون عمواس سنة ثمان عشرة .