الْحَدِيثُ السَّادِسُ . 4103 - حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَتْ : كَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَتْ : كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ . وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ . وَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ ، وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَعَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ ، وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ ، قَالَ : وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا : كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا ، مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ ، وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ . فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ ، حَتَّى تَكَلَّمَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا الْآيَاتُ . قَالَ : وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ اقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَرٌ مَعَهُ خُيُولُهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ ، وَبَرَزَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ ، وَيُقَالُ : قَتَلَهُ عَلِيٌّ . وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَةً . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَةَ : أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ نُدْرِكْهُ . فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، وَاللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْتَهُ كَيْفَ تَكُونُ ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ ، فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَةَ : جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي . فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ابْعَثْ حُذَيْفَةَ ، فَقَالَ : اذْهَبْ . فَقُلْتُ : أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ ، قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُؤْسَرَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ انْطَلَقَ : وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاءً إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاءً إِلَّا أَكْفَأَتْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَرِيعِ بْنِ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ : أن عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ صَارَ يَقُولُ : يَا آلَ عَامِرٍ ، إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلني . وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْشٌ وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا ، وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا ، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا ، فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ . فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ فَقَالَ : اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ، قَالَ : فَدَعَا لِي فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ ، فَدَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا ، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُ فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا : أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَفَاهُ الْقَوْمَ وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِاخْتِصَارٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ · ص 462 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب غزوة الخندق وهي الأحزاب · ص 182 139 - حدثني عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا عبدة ، عن هشام ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها - إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ، قالت : ذاك يوم الخندق . مطابقته للترجمة في قوله قالت : ذاك يوم الخندق ، وعبدة - بفتح العين وسكون الباء الموحدة - ابن سليمان الكلابي الكوفي ، وكان اسمه عبد الرحمن ولقبه عبدة فغلب عليه ، يروي عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله تعالى عنهم . والحديث أخرجه مسلم في آخر الكتاب عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وأخرجه النسائي في التفسير عن هارون بن إسحاق ، وهذه الآية الكريمة في سورة الأحزاب ، وتمامها : وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا قوله إذ جاؤوكم بدل من قوله إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا الآية ، وأراد بالجنود الأحزاب ؛ قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير ، وأراد بالريح الصبا ، قال صلى الله عليه وسلم : نصرت بالصبا . قوله من فوقكم ؛ أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف النضري وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان ومعهم طلحة بن خويلد الأسدي وحُيي بن أخطب في يهود بني قريظة . قوله وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ ؛ يعني من الوادي من قبل المغرب ، وهو أبو سفيان بن حرب في قريش ومن معه ، وأبو الأعور السلمي من قبل الخندق ، وكان سبب غزوة الخندق فيما قيل إجلاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير عن ديارهم ، وقال ابن إسحاق : نزلت قريش بمجتمع السيول في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة وتهامة ، ونزل عيينة في غطفان ومن معهم من أهل نجد إلى جانب أحد بباب نعمان ، وخرج رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة ألف ، والخندق بينه وبين القوم ، وجعل النساء والذراري في الآطام ، وقال ابن إسحاق : ولم يقع بينهم حرب إلا مراماة بالنبل ، لكن كان عمرو بن عبد ود العامري اقتحم هو ونفر معه خيولهم من ناحية ضيقة من الخندق حتى صاروا بالسبخة فبارزه علي رضي الله تعالى عنه فقتله ، وبرز نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فبارزه الزبير رضي الله تعالى عنه فقتله ، ويقال قتله علي ، ورجعت بقية الخيول منهزمة ، وأقام المشركون فيه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ، والقصة طويلة ، وآخر الأمر بعث الله الريح في ليالي شاتية شديدة البرد حتى انصرفوا . قوله وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ عطف على قوله إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ ، والتقدير واذكر حين زاغت الأبصار أي حالت عن سننها ومستوى نظرها حيرة وشخوصا ، وقيل عدلت عن كل شيء فلم تلتفت إلا إلى عدوها لشدة الروع . قوله وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ ، هذا موجود في بعض النسخ ؛ أي زالت عن أماكنها حتى بلغت الحلوق ، قالوا : إذا انتفخت الرئة من شدة الفزع أو الغضب أو الغم الشديد ربت وارتفع القلب بارتفاعها إلى رأس الحنجرة ، ومن ثمة قيل للجبان انتفخ منحره . قوله وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ، قال الحسن : ظنونا مختلفة ؛ ظن المنافقون أن محمدا وأصحابه يستأصلون ، وظن المؤمنون أنهم يبتلون ، قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم الظنونا بالألف في الوصل والوقف لأن ألفها ثابتة في مصحف عثمان وسائر مصاحف أهل البلدان ، وعليه تعديل رؤوس الآي ، وقرأ حمزة بغير ألف في الحالين الوصل والوقف ، والباقون بالألف في الوقف دون الوصل ؛ لأن العرب تفعل ذلك في قوافي أشعارهم ومصاريعها فتلحق الألف في موضع الفتح عند الوقف ولا تفعل ذلك في حشو الأبيات ، فحسن إثبات الألف في هذا الحرف لأنها رأس الآية تمثيلا لها بالبواقي ، وكذلك الرسولا و السبيلا . قوله قالت : ذاك ؛ أي قالت عائشة رضي الله تعالى عنها ذاك إشارة إلى ما ذكر من مجيء الكفار من فوق ومن أسفل وزيغ الأبصار وبلوغ القلوب الحناجر ، ويروى ذلك بزيادة اللام .