بَاب غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَهِيَ الْأَحْزَابُ
حَدَّثَنِي عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ ، عَنْ هِشَامٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَتْ : كَانَ ذَاكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ . قَوْلُهُ : ( عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ قَالَتْ : كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ ) هَكَذَا وَقَعَ مُخْتَصَرًا ، وَعِنْدَ ابْنِ مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ قَالَ : عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ . وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ .
وَبَيَّنَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي الْمَغَازِي صِفَةَ نُزُولِهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ قُرَيْشٌ بِمُجْتَمَعِ السُّيُولِ فِي عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَحَابِيشِهِمْ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ وَتِهَامَةَ ، وَنَزَلَ عُيَيْنَةُ فِي غَطَفَانَ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى جَانِبِ أُحُدٍ بِبَابِ نُعْمَانَ ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَالْمُسْلِمُونَ حَتَّى جَعَلُوا ظُهُورَهُمْ إِلَى سِلَعَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ ، وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَوْمِ ، وَجَعَلَ النِّسَاءَ وَالذَّرَارِيَّ فِي الْآطَامِ ، قَالَ : وَتَوَجَّهَ حُيَيُّ بْنُ أَخَطَبَ إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتَّى غَدَرُوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فِي الْبَابِ الْآتِي ، وَبَلَغَ الْمُسْلِمِينَ غَدْرُهُمْ فَاشْتَدَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعْطِيَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَمَنْ مَعَهُ ثُلُثَ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ عَلَى أَنْ يَرْجِعُوا ، فَمَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَقَالَا : كُنَّا نَحْنُ وَهُمْ عَلَى الشِّرْكِ لَا يَطْمَعُونَ مِنَّا فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ نَفْعَلُهُ بَعْدَ أَنْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِالْإِسْلَامِ وَأَعَزَّنَا بِكَ ؟ نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا ، مَا لَنَا بِهَذَا مِنْ حَاجَةٍ ، وَلَا نُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ . فَاشْتَدَّ بِالْمُسْلِمِينَ الْحِصَارُ ، حَتَّى تَكَلَّمَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ، وَأَوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْمُنَافِقِينَ بِالنِّفَاقِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا ﴾الْآيَاتُ . قَالَ : وَكَانَ الَّذِينَ جَاءُوهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ بَنُو قُرَيْظَةَ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْهُمْ قُرَيْشٌ وَغَطَفَانُ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ : وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ إِلَّا مُرَامَاةٌ بِالنَّبْلِ لَكِنْ كَانَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدٍّ الْعَامِرِيُّ اقْتَحَمَ هُوَ وَنَفَرٌ مَعَهُ خُيُولُهُمْ مِنْ نَاحِيَةٍ ضَيِّقَةٍ مِنَ الْخَنْدَقِ حَتَّى صَارُوا بِالسَّبْخَةِ فَبَارَزَهُ عَلِيٌّ فَقَتَلَهُ ، وَبَرَزَ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ فَبَارَزَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ ، وَيُقَالُ : قَتَلَهُ عَلِيٌّ . وَرَجَعَتْ بَقِيَّةُ الْخُيُولِ مُنْهَزِمَةً . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِحُذَيْفَةَ : أَدْرَكْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَمْ نُدْرِكْهُ .
فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي ، وَاللَّهِ لَا تَدْرِي لَوْ أَدْرَكْتَهُ كَيْفَ تَكُونُ ، لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْخَنْدَقِ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ مَطِيرَةٍ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يَذْهَبُ فَيَعْلَمُ لَنَا عِلْمَ الْقَوْمِ جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقَ إِبْرَاهِيمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَوَاللَّهِ مَا قَامَ أَحَدٌ ، فَقَالَ لَنَا الثَّانِيَةَ : جَعَلَهُ اللَّهُ رَفِيقِي . فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : ابْعَثْ حُذَيْفَةَ ، فَقَالَ : اذْهَبْ .
فَقُلْتُ : أَخْشَى أَنْ أُؤْسَرَ ، قَالَ : إِنَّكَ لَنْ تُؤْسَرَ ، فَذَكَرَ أَنَّهُ انْطَلَقَ : وَأَنَّهُمْ تَجَادَلُوا ، وَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَمَا تَرَكَتْ لَهُمْ بِنَاءً إِلَّا هَدَمَتْهُ وَلَا إِنَاءً إِلَّا أَكْفَأَتْهُ ، وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ سَرِيعِ بْنِ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ وَفِيهِ : أن عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ صَارَ يَقُولُ : يَا آلَ عَامِرٍ ، إِنَّ الرِّيحَ قَاتِلني . وَتَحَمَّلَتْ قُرَيْشٌ وَإِنَّ الرِّيحَ لَتَغْلِبُهُمْ عَلَى بَعْضِ أَمْتِعَتِهِمْ وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ابْنِ أَخِي حُذَيْفَةَ ، عَنْ أَبِي حُذَيْفَةَ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا لَيْلَةَ الْأَحْزَابِ وَأَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ فَوْقِنَا ، وَقُرَيْظَةُ أَسْفَلَ مِنَّا نَخَافُهُمْ عَلَى ذَرَارِيِّنَا ، وَمَا أَتَتْ عَلَيْنَا أَشَدُّ ظُلْمَةً وَلَا رِيحًا مِنْهَا ، فَجَعَلَ الْمُنَافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ وَيَقُولُونَ : إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ . فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنَا جَاثٍ عَلَى رُكْبَتَيَّ وَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا ثَلَاثُمِائَةٍ فَقَالَ : اذْهَبْ فَأْتِنِي بِخَبَرِ الْقَوْمِ ، قَالَ : فَدَعَا لِي فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي الْقَرَّ وَالْفَزَعَ ، فَدَخَلْتُ عَسْكَرَهُمْ فَإِذَا الرِّيحُ فِيهِ لَا تُجَاوِزُهُ شِبْرًا ، فَلَمَّا رَجَعْتُ رَأَيْتُ فَوَارِسَ فِي طَرِيقِي فَقَالُوا : أَخْبِرْ صَاحِبَكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَفَاهُ الْقَوْمَ وَأَصْلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِاخْتِصَارٍ ، وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ .