7 - بَاب الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي الثِّيَابِ : يَنْسُجُهَا الْمَجُوسِيُّ لَمْ يَرَ بِهَا بَأْسًا وَقَالَ مَعْمَرٌ : رَأَيْتُ الزُّهْرِيَّ يَلْبَسُ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ مَا صُبِغَ بِالْبَوْلِ وَصَلَّى عَلِيُّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ 363 - حَدَّثَنَا يَحْيَى ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ ، عَنْ الْأَعْمَشِ ، عَنْ مُسْلِمٍ ، عَنْ مَسْرُوقٍ ، عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ : يَا مُغِيرَةُ ، خُذْ الْإِدَاوَةَ ، فَأَخَذْتُهَا ، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تَوَارَى عَنِّي ، فَقَضَى حَاجَتَهُ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ شَامِيَّةٌ ، فَذَهَبَ لِيُخْرِجَ يَدَهُ مِنْ كُمِّهَا فَضَاقَتْ ، فَأَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ أَسْفَلِهَا ، فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ فَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ ، ثُمَّ صَلَّى . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ ) هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مَعْقُودَةٌ لِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي ثِيَابِ الْكُفَّارِ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا ، وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالشَّامِيَّةِ مُرَاعَاةً لِلَفْظِ الْحَدِيثِ ، وَكَانَتِ الشَّامُ إِذْ ذَاكَ دَارَ كُفْرٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْجُبَّةَ كَانَتْ صُوفًا وَكَانَتْ مِنْ ثِيَابِ الرُّومِ . وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَبِسَهَا وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ كَرَاهِيَةُ الصَّلَاةِ فِيهَا إِلَّا بَعْدَ الْغَسْلِ ، وَعَنْ مَالِكٍ إِنْ فَعَلَ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ الْحَسَنُ ) أَيِ الْبَصْرِيُّ ، وَ يَنْسِجُهَا بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا وَبِضَمِّ الْجِيمِ . قَوْلُهُ : ( الْمَجُوسِيُّ ) كَذَا لِلْحَمَوِيِّ ، وَالْكُشْمِيهَنِيِّ بِلَفْظِ الْمُفْرَدِ ، وَالْمُرَادُ الْجِنْسُ . وَلِلْبَاقِينَ الْمَجُوسُ بِصِيغَةِ الْجَمْعِ . قَوْلُهُ : ( لَمْ يَرَ ) أَيِ الْحَسَنُ ، وَهُوَ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ ، أَوْ هُوَ مَقُولُ الرَّاوِي ، وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ أَبُو نُعَيْمِ بْنُ حَمَّادٍ فِي نُسْخَتِهِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ مُعْتَمِرٍ ، عَنْ هِشَامٍ عَنْهُ وَلَفْظُهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الَّذِي يَنْسِجُهُ الْمَجُوسِيُّ قَبْلَ أَنْ يُغْسَلَ وَلِأَبِي نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنِ الرَّبِيعِ عَنِ الْحَسَنِ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ فِي رِدَاءِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ سِيرِينَ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ مَعْمَرٌ ) وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ . وَقَوْلُهُ بِالْبَوْلِ إِنْ كَانَ لِلْجِنْسِ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَغْسِلُهُ قَبْلَ لُبْسِهِ ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَهْدِ فَالْمُرَادُ بَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بِطَهَارَتِهِ . قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ غَيْرِ مَقْصُورٍ ) أَيْ خَامٍ ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ كَانَ جَدِيدًا لَمْ يُغْسَلْ ، رَوَى ابْنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ : رَأَيْتُ عَلِيًّا صَلَّى وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ كَرَابِيسُ غَيْرُ مَغْسُولٍ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا يَحْيَى ) هُوَ ابْنُ مُوسَى الْبَلْخِيُّ ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْجَيَّانِيُّ : رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ وَفِي الْجَنَائِزِ وَفِي تَفْسِيرِ الدُّخَانِ عَنْ يَحْيَى - غَيْرِ مَنْسُوبٍ - عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ فَنَسَبُ ابْنِ السَّكَنِ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ يَحْيَى بْنُ مُوسَى قَالَ : وَلَمْ أَجِدِ الْآخَرَيْنِ مَنْسُوبَيْنِ لِأَحَدٍ . قُلْتُ : فَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا أُهْمِلَ عَلَى مَا بُيِّنَ ، قَدْ جَزَمَ أَبُو نُعَيْمٍ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ هُوَ يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ الْبِيكَنْدِيُّ ، وَذَكَرَ الْكِرْمَانِيُّ أَنَّهُ رَأَى فِي بَعْضِ النُّسَخِ هُنَا مِثْلَهُ . قُلْتُ : وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ ; لِأَنَّ أَبَا عَلِيِّ بْنَ شَبُّوَيْهِ وَافَقَ ابْنَ السَّكَنِ ، عَنِ الْفَرَبْرِيِّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَنَائِزِ وَهُنَا أَيْضًا ، وَرَأَيْتُ بِخَطِّ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ : يَحْيَى هُوَ ابْنُ بُكَيْرٍ ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ هُوَ شَيْبَانُ النَّحْوِيُّ . وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَلَيْسَ لِيَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ ، عَنْ شَيْبَانَ رِوَايَةٌ . وَبَعْدَ أَنْ رَدَّدَ الْكِرْمَانِيُّ ، يَحْيَى بَيْنَ ابْنِ مُوسَى أَوِ ابْنِ جَعْفَرٍ أَوِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ : وَأَبُو مُعَاوِيَةَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَيْبَانَ النَّحْوِيَّ . وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ كُلًّا مِنَ الثَّلَاثَةِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ شَيْبَانَ الْمَذْكُورِ ، وَجَزَمَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَذَا خَلَفٌ فِي الْأَطْرَافِ وَتَبِعَهُمَا الْمِزِّيُّ بِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَائِزِ هُوَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنِ ابْنِ السَّكَنِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ وَافَقَهُ ابْنُ شَبُّوَيْهِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ أَبَا مُعَاوِيَةَ هُنَا هُوَ الضَّرِيرُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ مُسْلِمٍ ) هُوَ أَبُو الضُّحَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى فَوَائِدِ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ فِي بَابِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي الْجُبَّةِ الشَّامِيَّةِ · ص 564 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في الجبة الشامية · ص 160 7 - باب الصلاة في الجبة الشامية وقال الحسن في ثياب تنسجها المجوس : لم ير بها بأسا . وقال معمر : رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول . وصلى علي رضي الله عنه في ثوب غير مقصور . المقصود بهذا الباب : جواز الصلاة في الثياب التي ينسجها الكفار ، وسواء نسجوها في بلادهم وجلبت منها ، أو نسجت في بلاد المسلمين . روى أبو إسحاق الفزاري ، عن زائدة ومخلد ، عن هشام ، عن الحسن ، أنه قال في الثياب التي تنسجها المجوس فيؤتى بها قبل أن تغسل : لا بأس بالصلاة فيها . وروى سعيد بن منصور : ثنا حماد بن زيد ، عن مطر الوراق ، عن الحسن ، أنه كان لا يرى بأسا أن يصلي في السابري والدستوائي ونحو ذلك قبل أن تغسل . وروى وكيع في كتابه عن الربيع بن صبيح ، عن الحسن ، قال : لا بأس مما يعمل المجوس من الثياب . وعن علي بن صالح ، عن عطاء أبي محمد ، قال : رأيت على علي قميصا من هذه الكرابيس ، لبيسا غير غسيل . ورواه عبد الله ابن الإمام أحمد في كتاب العلل : ثنا أبي : ثنا محمد بن ربيعة : ثنا علي بن صالح : حدثني عطاء أبو محمد قال : رأيت عليا اشترى ثوبا سنبلانيا فلبسه ، ولم يغسله ، وصلى فيه . وروى أبو بكر الخلال بإسناده ، عن ابن سيرين ، قال : ذكر عند عمر الثياب اليمانية ، أنها تصبغ بالبول ؟ فقال : نهانا الله عن التعمق والتكلف . وروى الإمام أحمد ، عن هشيم ، عن يونس ، عن الحسن ، أن عمر بن الخطاب أراد أن ينهى عن حلل الحبرة ؛ لأنها تصبغ بالبول ، فقال له أبي : ليس ذاك لك ، قد لبسهن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولبسناهن في عهده . وروى ابن أبي عاصم في كتاب اللباس من طريق محمد بن عبيد الله العرزمي - وفيه ضعف - عن عبد الملك بن عمير ، عن قبيصة بن جابر ، قال : خطب عمر الناس ، فقال : إنه بلغني أن هذه البرود اليمانية التي تلبسونها تصبغ بالبول ؛ بول العجائز العتق ، فلو نهينا الناس عنها ؟ فقام عبد الرحمن بن عوف ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أتنطلق إلى شيء لبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فتحرمه ؟ إنها تغسل بالماء ، فكف عُمَر عَن ذَلِكَ . وقد روي عَن الْحَسَن ، أنه كَانَ إذا سئل عَن البرود إذا صبغت بالبول ، فهل ترى بلبسها بأسا ؟ حدث بحديث عمر مع أبي بن كعب كما تقدم . وقال حنبل : كان أبو عبد الله - يعني : أحمد - يصبغ له يهودي جبة فليبسها ، ولا يحدث فيها حدثا من غسل ولا غيره . فقلت له ، فقال : ولم تسأل عما لا تعلم ؟ لم يزل الناس منذ أدركناهم لا ينكرون ذلك . قال حنبل : وسئل أبو عبد الله عن يهود يصبغون بالبول ؟ فقال : المسلم والكافر في هذا سواء ، ولا تسأل عن هذا ولا تبحث عنه وقال : إذا علمت أنه لا محالة يصبغ من البول وصح عندك فلا تصل فيه حتى تغسله . وقال يعقوب بن بختان : سئل أحمد عن الثواب يصبغه اليهودي ؟ قال : ويستطيع غير هذا ؟ - كأنه لم ير به بأسا . وقال المروذي : سمعت أبا عبد الله يسأل عن الثوب يعمله اليهودي والنصراني ، تصلي فيه ؟ قال : نعم ، القصار يقصر الثياب ، ونحن نصلي فيها . وكل هذا يدل على أن ما صنعه الكفار من الثياب فإنه يجوز الصلاة فيه من غير غسل ، ما لم تحقق فيه نجاسة ، ولا يكتفى في ذلك بمجرد القول فيه حتى يصح ، وأنه لا ينبغي البحث عن ذلك والسؤال عنه . وحكى ابن المنذر هذا القول عن مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي ، فلم يحك عن أحد فيه خلافا ، وهو قول الثوري وإسحاق - : نقله عنه حرب . ومن أصحابنا من قال : لا نعلم في هذا خلافا . ومنهم من نفى الخلاف فيه في المذهب . ومن الأصحاب من حكى فيه خلافا عن أحمد . ونقل أبو داود أن أحمد سئل عن الثوب النسيج يصلى فيه قبل أن يغسل ؟ قال : نعم ، إلا أن ينسجه مشرك أو مجوسي . وقال إسحاق بن إبراهيم بن هانئ : قرأت على أبي عَبْد الله - يعني : أحمد - : ابن أبي عدي ، عن ابن عون ، قال : كان محمد بن سيرين يختار إذا أخذ الثوب من النساج أن لا يلبسه حتى يغسله . قال أبو عبد الله : إليه أذهب . أو قال : أحب إلي أن لا يصلي فيه حتى يغسله . وحمل أبو بكر عبد العزيز بن جعفر هذه الرواية على أن الثوب نسجه مشرك وثني أو مجوسي ، كما رواه أبو داود ، فإن كان كتابيا صلى فيه بغير غسل ، على ما رواه المروذي . قال : وإن صلى فيما نسجه وثني أو مجوسي من غير غسل فلا يتبين لي الإعادة ؛ لأن الأصل طهارته . وقال ابن أبي موسى : اختلف قول أحمد في الثوب ينسجه يهودي أو نصراني : هل يصلي فيه مسلم قبل أن يغسله أم لا ؟ على روايتين ، فأما الثوب الذي ينسجه مجوسي فلا يصلى فيه حتى يغسل قولا واحدا . وهذا كله فيما ينسجه الكفار من الثياب ، ولم يلبسوه ، فأما ما لبسوه من ثيابهم ، فاختلف العلماء في الصلاة فيه قبل غسله : فمنهم : من رخص في ذلك . قال الحسن : لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني وهو قول الثوري ، وأبي حنيفة ، ورواية عن أحمد . قال الثوري : وغسلها أحب إلي . ومنهم : من كره ذلك ، من غير تحريم ، وهو قول الشافعي ، ورواية عن أحمد . وكره أبو حنيفة وأصحابه ما ولي عوراتهم ، كالإزار والسراويل . وقال الشافعي : أنا لذلك أشد كراهة . وقالت طائفة : لا يصلى في شيء من ثيابهم حتى يغسل ، وهو قول إسحاق ، وحكي رواية عن أحمد ، وهو قول مالك - أيضا - وقال : إذا صلى فيه يعيد ما دام في الوقت . وفرقت طائفة بين من تباح ذبيحته ومن لا تباح : قال أحمد - في رواية حنبل - في الصلاة في ثوب اليهودي والنصراني : إذا لم يجد غيره غسله وصلى فيه ، وثوب المجوسي لا يصلى فيه ، فإن غسله وبالغ في غسله فأرجو ؛ هؤلاء لا يجتنبون البول ، واليهود والنصارى كأنهم أقرب إلى الطهارة من المجوس . وفرقت طائفة بين ما يلي عوراتهم وما لا يلي العورات : قال أحمد - في رواية حنبل - : لا بأس بالصلاة في ثوب اليهودي والنصراني ، إلا ما يلي جلده ، فأما إذا كان فوق ثيابه فلا بأس به . وقال عَبْد الله بن أحمد : سمعت أبي قال : كل ثوب يلبسه يهودي أو نصراني أو مجوسي إذا كان مثل الإزار والسراويل فلا يعجبني أن يصلى فيه ؛ وذلك أنهم لا يتنزهون من البول . ونقل بكر بن محمد ، عن أبيه ، عن أحمد ، فيمن صلى في سراويل يهودي أو نصراني أو مجوسي : أحب إلي أن يعيد صلاته كلها . ونقل حرب ، عن أحمد ، قال : لا يصلى في شيء من ثياب أهل الكتاب التي تلي جلده : القميص والسراويل وغير ذلك . قال ابن أبي موسى : لا تستعمل ثياب المجوسي حتى تغسل ، ولا ما سفل من ثياب أهل الكتاب كالسراويل ، وما لصق بأبدانهم حتى يغسل . والمسألة : ترجع إلى قاعدة تعارض الأصل والظاهر ، فالأصل الطهارة ، والظاهر أنه لا يسلم من النجاسة ، وقد يقوى ذلك الظاهر في حق من لا تباح ذبائحه ؛ فإن ذبائحهم ميتة ، وما ولي عوراتهم ؛ فإن سلامته من النجاسة بعيد جدا ، خصوصا في حق من يتدين بالنجاسة .
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في الجبة الشامية · ص 164 خرج البخاري في هذا الباب : 363 - حديث : الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن مغيرة بن شعبة ، قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ، فقال : يا مغيرة ، خذ الإداوة ، فأخذتها ، فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته وعليه جبة شامية ، فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت ، فأخرج يده من أسفلها ، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ، ومسح على خفيه ، ثم صلى . وقد سبق هذا الحديث في كتاب الطهارة من وجوه أخر عن المغيرة ، وخرجه في كتاب اللباس من طريق الشعبي ، عن عروة بن المغيرة ، عن أبيه ، وفي حديثه : وعليه جبة من صوف . وفيه من الفقه : جواز الصلاة فيما يجلب من بلاد المشركين من ثيابهم . وجواز الصلاة في الصوف ، وجواز الوضوء فيما هو ضيق الكمين وإن لم يتمكن من إخراج يديه منه عند الوضوء ، إذا أخرج يديه من أسفله . وخرج الإمام أحمد ، وأبو داود ، من حديث علي بن زيد بن جدعان ، عن أنس ، أن ملك الروم أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم مستقة من سندس ، فلبسها . وعلي بن زيد ، مختلف في أمره ، وليس بالحافظ جدا . قال الأصمعي : المساتق : فراء طوال الأكمام ، واحدتها : مستقة . والمستقة : بفتح القاف . وتضم - أيضا . قال الخطابي : يشبه أن تكون هذه المستقة مكففة بالسندس ؛ لأن نفس الفرو لا يكون سندسا . قلت : بل الظاهر أن غشاء الفرو كان حريرا ، ويدل عليه : ما رواه سالم بن نوح ، عن عمر بن عامر ، عن قتادة ، عن أنس : أن أكيدر دومة أهدى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبة سندس ، فلبسها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعجب الناس منها ، ثم أهداها إلى عمر ، فقال : يا رسول الله ، تكرهها وألبسها ؟ قال : يا عمر إنما أرسلت بها إليك لتبعث بها وجها فتصيب بها مالا . وذلك قبل أن ينهى عن الحرير . وخرجه البزار وغيره ، وخرجه مسلم مختصرا . وهذا - والله أعلم - هو فروج الحرير الذي قال عقبة بن عامر : أهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فروج حرير فلبسه ، ثم صلى فيه ، ثم انصرف فنزعه نزعا شديدا ، كالكاره له ، ثم قال : لا ينبغي هذا للمتقين . وقد خرجه البخاري في موضع آخر . وخرج مسلم من حديث أبي الزبير ، عن جابر ، قال : لبس النبي صلى الله عليه وسلم يوما قباء من ديباج أهدي له ، ثم أوشك أن نزعه ، ثم أرسل به إلى عمر - وذكر بقية الحديث .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في الجبة الشامية · ص 69 ( باب الصلاة في الجبة الشامية ) أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في الجبة الشامية ، والجبة بضم الجيم ، وتشديد الباء الموحدة هي التي تلبس ، وجمعها جباب ، والشامية نسبة إلى الشام ، وهو الإقليم المعروف دار الأنبياء عليهم السلام ، ويجوز فيه الألف والهمزة الساكنة ، والمراد بالجبة الشامية هي التي تنسجها الكفار ، وإنما ذكره بلفظ الشامية مراعاة للفظ الحديث ، وكان هذا في غزوة تبوك ، والشام إذ ذاك كانت بلاد كفر ، ولم تفتح بعد ، وإنما أولنا بهذا لأن الباب معقود لجواز الصلاة في الثياب التي تنسجها الكفار ما لم تتحقق نجاستها . ( وقال الحسن في الثياب ينسجها المجوس لم ير بها بأسا ) الحسن هو البصري ، ووصله نعيم بن حماد ، وعن معتمر عن هشام عنه ، ولفظه "لا بأس بالصلاة في الثوب الذي ينسجه المجوس قبل أن يغسل" وروى أبو نعيم الفضل بن دكين في كتاب الصلاة تأليفه عن الربيع "عن الحسن لا بأس بالصلاة في رداء اليهودي والنصراني" قوله : "المجوس" جمع المجوسي ، وهو معرفة سواء كان محلى بالألف واللام أم لا ، والأكثر على أنه يجري مجرى القبيلة لا مجرى الحي في باب الصرف ، وفي بعض النسخ ينسجها المجوسي بالياء ، والجملة صفة للثياب ، والمسافة بين النكرة والمعرفة بلام الجنس قصيرة ؛ فلذلك وصفت المعرفة بالنكرة كما وصف اللئيم بقوله يسبني في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني وفي بعض النسخ : "في ثياب ينسجها المجوس" بتنكير الثياب ، وعلى هذه النسخة لا يحتاج إلى ما ذكرنا ، وينسج من باب ضرب يضرب ، ومن باب نصر ينصر ، وقال ابن التين قرأناه بكسر السين ، قوله : "لم ير" على صيغة المعلوم ، أي لم ير الحسن ، وقال الكرماني : "لم ير" بلفظ المجهول أي القوم ، فعلى الأول يكون من باب التجريد كأنه جرد عن نفسه شخصا فأسند إليه . ( وقال معمر : رأيت الزهري يلبس من ثياب اليمن ما صبغ بالبول ) معمر بفتح الميم هو ابن الراشد ، والزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب ، ووصله عبد الرزاق في مصنفه عنه قوله "بالبول" إن كان المراد منه جنس البول فهو محمول على أنه كان يغسله قبل لبسه ، وإن كان المراد منه البول المعهود ، وهو بول ما يؤكل لحمه فهو طاهر عند الزهري . ( وصلى علي في ثوب غير مقصور ) علي هو ابن أبي طالب ، وأراد بغير مقصور الخام ، والمراد أنه كان جديدا لم يغسل ، وقال ابن التين : غير مقصور أي غير مدقوق ، يقال : قصرت الثوب إذا دققته ، ومنه القصار ، ( قلت ) القصر ليس مجرد الدق ، والدق لا يكون إلا بعد الغسل الذي يبالغ فيه ، وقال الداودي : أي لم يلبس بعد ، وروى ابن سعد من طريق عطاء بن محمد قال : رأيت عليا رضي الله تعالى عنه صلى وعليه قميص كرابيس غير مغسول" وعلم من هذه الآثار الثلاثة جواز لبس الثياب التي ينسجها الكفار ، وجواز لبس الثياب التي تصبغ بالبول بعد الغسل ، وجواز لبس الثياب الخام قبل الغسل ، وقال ابن بطال : اختلفوا في الصلاة في ثياب الكفار ، فأجاز الشافعي والكوفيون لباسها ، وإن لم تغسل حتى تتبين فيها النجاسة ، وقال مالك : يستحب أن لا يصلي على الثياب إلا من حر أو برد أو نجاسة بالموضع ، وقال مالك أيضا : تكره الصلاة في الثياب التي ينسجها المشركون ، وفيما لبسوه ، فإن فعل يعيد في الوقت ، وقال إسحاق : جميع ثيابهم طاهرة فإن قلت : ما مناسبة أثر الزهري وعلي للترجمة ؟ ( قلت ) لما ذكر أثر الحسن المطابق للترجمة ذكر الأثرين الآخرين استطرادا . 29 - حدثنا يحيى ، قال : حدثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن مسلم ، عن مسروق ، عن مغيرة بن شعبة قال : كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال : يا مغيرة خذ الإداوة فأخذتها فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى توارى عني فقضى حاجته ، وعليه جبة شامية فذهب ليخرج يده من كمها فضاقت ، فأخرج يده من أسفلها ، فصببت عليه فتوضأ وضوءه للصلاة ، ومسح على خفيه ثم صلى . مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم ستة الأول : يحيى بن موسى أبو زكريا البلخي ، يعرف بخت بفتح الخاء المعجمة ، وتشديد التاء المثناة من فوق ، وقال الغساني في التقييد : قال البخاري في باب الصلاة في الجبة الشامية ، وفي الجنائز ، وفي تفسير سورة الدخان حدثنا يحيى ، حدثنا أبو معاوية فنسب ابن السكن الذي في الجنائز بأنه يحيى بن موسى البلخي ، وأهمل الموضعين الآخرين ، ولم أجدهما منسوبين لأحد من شيوخنا ، وقال الكرماني : وأنا وجدته في بعض النسخ منسوبا إلى جعفر بن أبي زكريا البخاري البيكندي ، ويحتمل أن يكن يحيى بن معين لأنه روى عن أبي معاوية ، والبخاري يروي عنه . الثاني : أبو معاوية محمد بن خازم بالمعجمتين . الثالث : سليمان بن مهران الأعمش . الرابع : مسلم بن صبيح بضم الصاد أبو الضحى العطار ، وتردد الكرماني في هذا ، فقال مسلم بن عمران البطين بفتح الباء الموحدة أو مسلم بن صبيح ، وكذا تردد في أبي معاوية ، وقال محمد بن خازم ، ويحتمل أن يراد به أبو معاوية شيبان النحوي ثم قال : وأمثال هذه الترددات لا تقدح في صحة الحديث ، ولا في إسناده لأن أيا كان منهم فهو عدل ضابط بشرط البخاري بدليل أنه قد روى في الجامع عن كل منهم ، وقال بعضهم لم يرو يحيى عن شيبان . ( قلت ) هذا نفي لا يعارض الإثبات . الخامس : مسروق بن الأجدع الهمداني ، سمي به لأنه سرق في صغره . السادس : المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين بلخي وكوفي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد عن موسى بن إسماعيل ، وفي اللباس عن قيس بن حفص ، كلاهما عن عبد الواحد بن زياد ، وعن إسحاق بن نصر ، عن أبي أسامة مختصرا ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر ، وأبي كريب ، كلاهما عن أبي معاوية ، وعن إسحاق بن إبراهيم ، وعلي بن خشرم ، كلاهما عن عيسى بن يونس ، أربعتهم عن الأعمش ، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح عنه به ، وأخرجه النسائي فيه عن علي بن خشرم به ، وفي الزينة عن أحمد بن حرب عن أبي معاوية نحوه ، وأخرجه ابن ماجه في الطهارة ، عن هشام بن عمار عن عيسى به . ( ذكر معناه ) قوله "الإداوة" بكسر الهمزة المطهرة ، قوله : "حتى توارى" أي غاب وخفي ، قوله : "فضاقت" أي الجبة . وفيه جواز أمر الرئيس غيره بالخدمة ، والتستر عن أعين الناس عند قضاء الحاجة ، والإعانة على الوضوء ، والمسح على الخف ، وقد مر الكلام فيه مستوفى في باب المسح على الخفين .