4315 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ : سَمِعْتُ الْبَرَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا أَبَا عُمَارَةَ أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ؟ فَقَالَ : أَنَا أَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ ، وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ يَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : حَدِيثُ الْبَرَاءِ قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ) هُوَ السَّبِيعِيُّ ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْجِهَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ سُفْيَانَ ، وَهُوَ الثَّوْرِيُّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو إِسْحَاقَ . قَوْلُهُ : ( وَجَاءَ رَجُلٌ ) لَمْ أَقِفُ عَلَى اسْمِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ أَنَّهُ مِنْ قَيْسٍ . قَوْلُهُ : ( يَا أَبَا عُمَارَةَ ) هِيَ كُنْيَةُ الْبَرَاءِ . قَوْلُهُ : ( أَتَوَلَّيْتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ ) الْهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهَامِ وَتَوَلَّيْتَ أَيِ انْهَزَمْتَ ، وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَوَلَّيْتُمْ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ وَفِي الثَّالِثَةِ أَفَرَرْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكُلُّهَا بِمَعْنًى . قَوْلُهُ : ( أَمَّا أَنَا فَأَشْهَدُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ لَمْ يُوَلِّ ) تَضَمَّنَ جَوَابُ الْبَرَاءِ إِثْبَاتَ الْفِرَارِ لَهُمْ ، لَكِنْ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْمِيمِ ، وَأَرَادَ أَنَّ إِطْلَاقَ السَّائِلِ يَشْمَلُ الْجَمِيعَ حَتَّى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ بِحَمْلِ الْمَعِيَّةِ عَلَى مَا قَبْلَ الْهَزِيمَةِ فَبَادَرَ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ ثُمَّ أَوْضَحَ ذَلِكَ ، وَخَتَمَ حَدِيثَهُ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْجَوَابُ مِنْ بَدِيعِ الْأَدَبِ ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ فَرَرْتُمْ كُلُّكُمْ ، فَيَدْخُلُ فِيهِمُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَقَالَ الْبَرَاءُ : لَا وَاللَّهِ مَا فَرَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَلَكِنْ جَرَى كَيْتَ وَكَيْتَ ، فَأَوْضَحَ أَنَّ فِرَارَ مَنْ فَرَّ لَمْ يَكُنْ عَلَى نِيَّةِ الِاسْتِمْرَارِ فِي الْفِرَارِ ، وَإِنَّمَا انْكَشَفُوا مِنْ وَقْعِ السِّهَامِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرِ الرِّوَايَةَ الثَّانِيَةَ . وَقَدْ ظَهَرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَفِرُّوا كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبَرَاءَ فَهِمَ مِنَ السَّائِلِ أَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ حَدِيثُ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْهَزِمًا فَلِذَلِكَ حَلَفَ : النَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُوَلِّ ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُنْهَزِمًا حَالٌ مِنْ سَلَمَةَ ، وَلِهَذَا وَقَعَ فِي طَرِيقِ أُخْرَى وَمَرَرْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُنْهَزِمًا وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ فَقَالَ : لَقَدْ رَأَى ابْنُ الْأَكْوَعِ فَزَعًا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ أَخَذَ التَّعْمِيمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ فَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مِنَ الْعُمُومِ الَّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ . قَوْلُهُ : ( وَلَكِنْ عَجِلَ سَرَعَانُ الْقَوْمِ فَرَشَقَتْهُمْ هَوَازِنُ ) فَأَمَّا سَرَعَانُ فَبِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ ، وَيَجُوزُ سُكُونُ الرَّاءُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَبْطُهُ فِي سُجُودِ السَّهْوِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَالرَّشْقُ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْقَافِ رَمْيُ السِّهَامِ ، وَأَمَّا هَوَازِنُ فَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ مِنَ الْعَرَبِ فِيهَا عِدَّةُ بُطُونٍ يُنْسَبُونَ إِلَى هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصَفَةَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ ثُمَّ فَاءٍ مَفْتُوحَاتٍ ابْنِ قَيْسِ بْنِ عَيْلَانَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ ، وَالْعُذْرُ لِمَنِ انْهَزَمَ مِنْ غَيْرِ الْمُؤَلَّفَةِ أَنَّ الْعَدُوَّ كَانُوا ضِعْفَهُمْ فِي الْعَدَدِ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ بَيَّنَ شُعْبَةُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ السَّبَبَ فِي الْإِسْرَاعِ الْمَذْكُورِ قَالَ : كَانَتْ هَوَازِنُ رُمَاةً ، قَالَ : وَإِنَّا لَمَّا حَمَلْنَا عَلَيْهِمُ انْكَشَفُوا . وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ انْهَزَمُوا قَالَ : فَأَكْبَبْنَا وَفِي رِوَايَتِهِ فِي الْجِهَادِ فِي بَابِ مَنْ قَادَ دَابَّةَ غَيْرِهِ فِي الْحَرْبِ فَأَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى الْغَنَائِمِ فَاسْتَقْبَلُونَا بِالسِّهَامِ ، وَلِلْمُصَنِّفِ فِي الْجِهَادِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ تَكْمِلَةُ السَّبَبِ الْمَذْكُورِ قَالَ : خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحَابِهِ وَأَخِفَّاؤُهُمْ حُسَّرًا - بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ - لَيْسَ عَلَيْهِمْ سِلَاحٌ ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ جَمْعُ هَوَازِنَ وَبَنِي نَضْرٍ مَا يَكَادُونَ يَسْقُطُ لَهُمْ سَهْمٌ ، فَرَشَقُوهُمْ رَشْقًا مَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ نَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ ، ثُمَّ قَالَ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ . ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ فَرَمَوْهُمْ بِرَشْقٍ مِنْ نَبْلٍ كَأَنَّهَا رِجْلُ جَرَادٍ فَانْكَشَفُوا وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ انْكِشَافِهِمْ أَمْرًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ مَالِكَ بْنَ عَوْفٍ سَبَقَ بِهِمْ إِلَى حُنَيْنٍ فَأَعَدُّوا وَتَهَيَّئُوا فِي مَضَايِقِ الْوَادِي ، وَأَقْبَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَصْحَابُهُ حَتَّى انْحَطَّ بِهِمُ الْوَادِي فِي عِمَايَةِ الصُّبْحِ ، فَثَارَتْ فِي وُجُوهِهِمُ الْخَيْلُ فَشَدَّتْ عَلَيْهِمْ ، وَانْكَفَأَ النَّاسُ مُنْهَزِمِينَ . وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ ، عَنِ السُّمَيْطِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : افْتَتَحْنَا مَكَّةَ ، ثُمَّ إِنَّا غَزَوْنَا حُنَيْنًا ، قَالَ : فَجَاءَ الْمُشْرِكُونَ بِأَحْسَنِ صُفُوفٍ رَأَيْتُ ؛ صُفَّ الْخَيْلُ ، ثُمَّ الْمُقَاتِلَةُ ، ثُمَّ النِّسَاءُ مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ ، ثُمَّ الْغَنَمُ ثُمَّ النِّعَمُ . قَالَ : وَنَحْنُ بَشَرٌ كَثِيرٌ ، وَعَلَى مَيْمَنَةِ خَيْلِنَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ ، فَجَعَلَتْ خَيْلُنَا تَلُوذُ خَلْفَ ظُهُورِنَا فَلَمْ نَلْبَثْ أَنِ انْكَشَفَتْ خَيْلُنَا وَفَرَّتِ الْأَعْرَابُ وَمَنْ تَعْلَمُ مِنَ النَّاسِ وَسَيَأْتِي لِلْمُصَنِّفِ قَرِيبًا مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ : أَقْبَلَتْ هَوَازِنُ وَغَطَفَانُ بِذَرَارِيِّهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَمَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَشَرَةُ آلَافٍ ، وَمَعَهُ الطُّلَقَاءُ ، قَالَ : فَأَدْبَرُوا عَنْهُ حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ الْحَدِيثَ . وَيَجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ : حَتَّى بَقِيَ وَحْدَهُ وَبَيْنَ الْأَخْبَارِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بَقِيَ وَحْدَهُ مُتَقَدِّمًا مُقْبِلًا عَلَى الْعَدُوِّ ، وَالَّذِينَ ثَبَتُوا مَعَهُ كَانُوا وَرَاءَهُ ، أَوِ الْوَحْدَةُ بِالنِّسْبَةِ لِمُبَاشَرَةِ الْقِتَالِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُ كَانُوا يَخْدُمُونَهُ فِي إِمْسَاكِ الْبَغْلَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلُ تَفْصِيلُ الْمِائَةِ : بِضْعَةٌ وَثَلَاثُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْبَقِيَّةُ مِنَ الْأَنْصَارِ وَمِنَ النِّسَاءِ أُمُّ سُلَيْمٍ وَأُمُّ حَارِثَةَ . قَوْلُهُ : ( وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ ) أَيِ ابْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ سَائِرٌ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ ، وَخَرَجَ إِلَى غَزْوَةِ حُنَيْنٍ فَكَانَ فِيمَنْ ثَبَتَ . وَعِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ : لَمَّا فَرَّ النَّاسُ يَوْمَ حُنَيْنٍ جَعَلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ، فَلَمْ يَبْقَ مَعَهُ إِلَّا أَرْبَعَةُ نَفَرٍ ، ثَلَاثَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَرَجُلٌ مِنْ غَيْرِهِمْ : عَلِيٌّ ، وَالْعَبَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ آخِذٌ بِالْعِنَانِ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ . قَالَ : وَلَيْسَ يُقْبِلُ نَحْوَهُ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا يَوْمَ حُنَيْنٍ وَإِنَّ النَّاسَ لِمُوَلِّينَ ، وَمَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةُ رَجُلٍ وَهَذَا أَكْثَرُ مَا وَقَفْتُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَدِ مَنْ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ . وَرَوَى أَحْمَدُ ، وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ فَوَلَّى عَنْهُ النَّاسُ ; وَثَبَتَ مَعَهُ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَكُنَّا عَلَى أَقْدَامِنَا ، وَلَمْ نُوَلِّهِمُ الدُّبُرَ وَهُمُ الَّذِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةَ وَهَذَا لَا يُخَالِفُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ نَفَى أَنْ يَكُونُوا مِائَةً ، وَابْنُ مَسْعُودٍ أَثْبَتَ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِينَ ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثِهِ أَنَّهُ ثَبَتَ مَعَهُ الْعَبَّاسُ وَابْنُهُ الْفَضْلُ ، وَعَلِيٌّ ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَأَخُوهُ رَبِيعَةُ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَخُوهُ مِنْ أُمِّهِ أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ ، وَمِنَ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُرْسَلِ الْحَاكِمِ فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةٌ ، وَوَقَعَ فِي شِعْرِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنَّ الَّذِينَ ثَبَتُوا كَانُوا عَشَرَةً فَقَطْ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : نَصَرْنَا رَسُولَ اللَّهِ فِي الْحَرْبِ تِسْعَةً وَقَدْ فَرَّ مَنْ قَدْ فَرَّ عَنْهُ فَأَقْشَعُوا وَعَاشِرُنَا وَافَى الْحِمَامَ بِنَفْسِهِ لِمَا مَسَّهُ فِي اللَّهِ لَا يَتَوَجَّعُ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الثَّبْتُ ، وَمَنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ يَكُون عَجِلَ فِي الرُّجُوعِ فَعَدَّ فِيمَنْ لَمْ يَنْهَزِمْ ، وَمِمَّنْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ ثَبَتَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَيْضًا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ ، وَقُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ ، وَعُتْبَةُ ، وَمُعَتِّبٌ ابْنا أَبِي لَهَبٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَعَقِيلُ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَشَيْبَةُ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ ، فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ لَمَّا رَأَى النَّاسَ قَدِ انْهَزَمُوا اسْتَدْبَرَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَقْتُلَهُ ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ فَضَرَبَهُ فِي صَدْرِهِ وَقَالَ لَهُ : قَاتِلِ الْكُفَّارَ ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى انْهَزَمُوا . قَالَ الطَّبَرانيُّ : الِانْهِزَامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ هُوَ مَا وَقَعَ عَلَى غَيْرِ نِيَّةِ الْعَوْدِ وَأَمَّا الِاسْتِطْرَادُ لِلْكَثْرَةِ فَهُوَ كَالتَّحَيُّزِ إِلَى فِئَةٍ . قَوْلُهُ : ( آخِذٌ بِرَأْسِ بَغْلَتِهِ ) فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَأَقْبَلُوا أَيِ الْمُشْرِكُونَ هُنَالِكَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَابْنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَقُودُ بِهِ ، فَنَزَلَ وَاسْتَنْصَرَ . قَالَ الْعُلَمَاءُ : فِي رُكُوبِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَغْلَةُ يَوْمَئِذٍ دَلَالَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالثَّبَاتِ . وَقَوْلُهُ : فَنَزَلَ أَيْ عَنِ الْبَغْلَةِ فَاسْتَنْصَرَ أَيْ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ . وَقَعَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ . وَفِي حَدِيثِ الْعَبَّاسِ عِنْدَ مُسْلِمٍ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ حُنَيْنٍ فَلَزِمْتُهُ أَنَا وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمْ نُفَارِقْهُ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ وَلَّى الْمُسْلِمُونَ مُدْبِرِينَ ، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ قِبَلَ الْكُفَّارِ ، قَالَ الْعَبَّاسُ : وَأَنَا آخِذٌ بِلِجَامِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَكُفُّهَا إِرَادَةَ أَنْ لَا تُسْرِعَ ، وَأَبُو سُفْيَانَ آخِذٌ بِرِكَابِهِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ آخِذًا أَوَّلًا بِزِمَامِهَا فَلَمَّا رَكَضَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى جِهَةِ الْمُشْرِكِينَ خَشِيَ الْعَبَّاسُ فَأَخَذَ بِلِجَامِ الْبَغْلَةِ يَكُفُّهَا ، وَأَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ بِالرِّكَابِ وَتَرَكَ اللِّجَامِ لِلْعَبَّاسِ إِجْلَالًا لَهُ لِأَنَّهُ كَانَ عَمَّهُ . قَوْلُهُ : ( بَغْلَتِهِ ) هَذِهِ الْبَغْلَةُ هِيَ الْبَيْضَاءُ ، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَكَانَ عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ أَهْدَاهَا لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيُّ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَلَمَةَ وَكَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ صَنَّفَ السِّيرَةَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ عَلَى بَغْلَتِهِ دُلْدُلَ ، وَفِيهِ لِأَنَّ دُلْدُلَ أَهْدَاهَا لَهُ الْمُقَوْقِسُ ; وَقَدْ ذَكَرَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ أَنَّهُ اسْتَشْكَلَ عِنْدَ الدِّمْيَاطِيِّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فَقَالَ لَهُ : كُنْتُ تَبِعْتُهُ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي السِّيرَةِ وَكُنْتُ حِينَئِذٍ سِيرِيًّا مَحْضًا ، وَكَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَذْكُرَ الْخِلَافَ . قَالَ الْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَئِذٍ رَكِبَ كُلًّا مِنَ الْبَغْلَتَيْنِ إِنْ ثَبَتَ أَنَّهَا كَانَتْ صَحِبَتْهُ ، وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ . وَدَلَّ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَقِدُ الرُّجُوعَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا وَافَقَ فِيهِ أَهْلَ السِّيَرِ وَخَالَفَ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَتَضَلَّعَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلِخُرُوجِ نُسَخٌ مِنْ كِتَابِهِ وَانْتِشَارِهِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَغْيِيرِهِ . وَقَدْ أَغْرَبَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ : وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَفِي أُخْرَى الشَّهْبَاءِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ وَلَا نَعْرِفُ لَهُ بَغْلَةً غَيْرَهَا . وَتَعَقَّبَ بِدُلْدُلَ فَقَدْ ذَكَرَهَا غَيْرُ وَاحِدٍ ، لَكِنْ قِيلَ إِنَّ الِاسْمَيْنِ لِوَاحِدَةٍ . قَوْلُهُ : ( أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ) قَالَ ابْنُ التِّينِ : كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُهُ بِفَتْحِ الْبَاءِ مِنْ قَوْلِهِ : لَا كَذِبْ لِيُخْرِجَهُ عَنِ الْوَزْنِ ، وَقَدْ أُجِيبُ عَنْ مَقَالَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هَذَا الرَّجَزِ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ نَظْمُ غَيْرِهِ ، وَأَنَّهُ كَانَ فِيهِ : أَنْتَ النَّبِيُّ لَا كَذَبْ أَنْتَ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ، فَذَكَرَهُ بِلَفْظِ أَنَا فِي الْمَوْضِعَيْنِ . ثَانِيهَا أَنَّ هَذَا رَجَزٌ وَلَيْسَ مِنْ أَقْسَامِ الشِّعْرِ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ . ثَالِثُهَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ شِعْرًا حَتَّى يَتِمَّ قِطْعَةً ، وَهَذِهِ كَلِمَاتٌ يَسِيرَةٌ وَلَا تُسَمَّى شِعْرًا . رَابِعُهَا أَنَّهُ خَرَجَ مَوْزُونًا وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ الشِّعْرُ ، وَهَذَا أَعْدَلُ الْأَجْوِبَةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَكَانِ ، وَيَأْتِي تَامًّا فِي كِتَابِ الْأَدَبِ . وَأَمَّا نِسْبَتُهُ إِلَى عَبْدِ الْمُطَّلِبِ دُونَ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ فَكَأَنَّما لِشُهْرَةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بَيْنَ النَّاسِ لِمَا رُزِقَ مِنْ نَبَاهَةِ الذِّكْرِ وَطُولِ الْعُمْرِ ، بِخِلَافِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَاتَ شَابًّا ، وَلِهَذَا كَانَ كَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُ ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، كَمَا قَالَ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ لَمَّا قَدِمَ : أَيُّكُمُ ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ؟ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ اشْتُهِرَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ رَجُلٌ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَيَهْدِي اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى يَدَيْهِ وَيَكُونُ خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ ، فَانْتَسَبَ إِلَيْهِ لِيَتَذَكَّرَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يَعْرِفُهُ ، وَقَدِ اشْتَهَرَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ ، وَذَكَرَ سَيْفُ بْنُ ذِي يَزْنٍ قَدِيمًا لِعَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ آمِنَةَ وَأَرَادَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَنْبِيهَ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ظُهُورِهِ وَأَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُ لِتَقْوَى قُلُوبِهِمْ إِذَا عَرَفُوا أَنَّهُ ثَابِتٌ غَيْرَ مُنْهَزِمٍ . وَأَمَّا قَوْلُهُ لَا كَذِبْ فَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ صِفَةَ النُّبُوَّةِ يَسْتَحِيلُ مَعَهَا الْكَذِبُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَنَا النَّبِيُّ ، وَالنَّبِيُّ لَا يَكْذِبُ ، فَلَسْتُ بِكَاذِبٍ فِيمَا أَقُولُ حَتَّى أَنْهَزِمَ ، وَأَنَا مُتَيَقِّنٌ بِأَنَّ الَّذِي وَعَدَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ النَّصْرِ حَقٌّ ، فَلَا يَجُوزُ عَلَيَّ الْفِرَارُ . وَقِيلَ : مَعْنَى قَوْلِهِ : لَا كَذِبْ أَيْ أَنَا النَّبِيُّ حَقًّا لَا كَذِبَ فِي ذَلِكَ . ( تَنْبِيهَانِ ) : أَحَدهُمَا : سَاقَ الْبُخَارِيُّ الْحَدِيثَ عَالِيًا عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ ، عَنْ شُعْبَةَ ، لَكِنَّهُ مُخْتَصَرٌ جِدًّا . ثُمَّ سَاقَهُ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ ، عَنْ شُعْبَةَ مُطَوَّلًا بِنُزُولِ دَرَجَةٍ . وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ ، عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ ، عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ مُطَوَّلًا ، فَكَأَنَّهُ لَمَّا حَدَّثَ بِهِ الْبُخَارِيَّ حَدَّثَهُ بِهِ مُخْتَصَرًا . ( الثَّانِي ) اتَّفَقَتِ الطُّرُقُ الَّتِي أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ لِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ سِيَاقِ هَذَا الْحَدِيثِ إِلَى قَوْلِهِ : أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ ، أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ إِلَّا رِوَايَةُ زُهَيْرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فَزَادَ فِي آخِرِهَا ثُمَّ صَفَّ أَصْحَابَهُ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ مِنْ رِوَايَةِ زَكَرِيَّا ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ الْبَرَاءُ : كُنَّا وَاللَّهِ إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ نَتَّقِي بِهِ ، وَإِنَّ الشُّجَاعَ مِنَّا الَّذِي يُحَاذِيهِ يَعْنِي النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَئِذٍ صَارَ يَرْكُضُ بَغْلَتَهُ إِلَى جِهَةِ الْكُفَّارِ وَزَادَ فَقَالَ : أَيْ عَبَّاسُ نَادِ أَصْحَابَ الشَّجَرَةِ ، وَكَانَ الْعَبَّاسُ صَيِّتًا ، قَالَ : فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي أَيْنَ أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ ، قَالَ فَوَاللَّهِ لَكَأَنَّ عِطْفَتَهُمْ حِينَ سَمِعُوا صَوْتِي عِطْفَةُ الْبَقَرِ عَلَى أَوْلَادِهَا ، فَقَالُوا : يَا لَبَّيْكَ . قَالَ فَاقْتَتَلُوا وَالْكَفَّارَ ، فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَهُوَ عَلَى بَغْلَتِهِ كَالْمُتَطَاوِلِ إِلَى قِتَالِهِمْ فَقَالَ هَذَا حِينَ حَمِيَ الْوَطِيسُ . ثُمَّ أَخَذَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهِنَّ وُجُوهَ الْكُفَّارِ ثُمَّ قَالَ : انْهَزَمُوا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ ، قَالَ : فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدَّهُمْ كَلِيلًا ، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا وَلِابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوُهُ ، وَزَادَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَعْطِفُ بِغَيْرِهِ فَلَا يَقْدِرُ ، فَيَقْذِفُ دِرْعَهُ ثُمَّ يَأْخُذُ بِسَيْفِهِ وَدَرَقَتِهِ ثُمَّ يَؤُمُّ الصَّوْتَ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 623 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله عز وجل وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 296 318 - حدثنا محمد بن كثير ، حدثنا سفيان ، عن أبي إسحاق ، قال : سمعت البراء رضي الله عنه وجاءه رجل فقال : يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين ، فقال : أما أنا فأشهد على النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يول ، ولكن عجل سرعان القوم فرشقتهم هوازن ، وأبو سفيان بن الحارث آخذ برأس بغلته البيضاء يقول : أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب مطابقته للترجمة في قوله : أتوليت يوم حنين ؟ وسفيان هو الثوري ، وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله السبيعي الكوفي ، وقد مضى الحديث في الجهاد ، في باب بغلة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم البيضاء . قوله : يا أبا عمارة هي كنية البراء ، قوله : أتوليت الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الاستخبار ، أي : انهزمت ، قوله : أما أنا ... إلى آخره فيه جواب بديع يبين فيه أولا : أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يول أيضا ؛ لأن إخباره بقوله : ولكن عجل سرعان القوم ... إلى آخره يدل على أنه ثبت ؛ لأن المولى لا يقدر على إخبار ما شاهده البراء في هذه القضية على هذه الصورة ، ( فإن قلت ) : جوابه لا يطابق سؤال الرجل ؛ لأنه سأل عنه هل توليت أم لا ؟ ولم يسأل عن حال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قلت : لأنه فهم بقرينة الحال أنه سأل عن فرار الكل ، فيدخل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ويؤيده ما في الطريق الذي يأتي عقيبه ، أوليتم مع النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وأجاب بقوله : أشهد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يول ، قوله : سرعان القوم بفتح السين المهملة ، وفتح الراء ويجوز بالتسكين أيضا ، وقال الكرماني : وسرعان بضم المهملة وكسرها جمع السريع ، حكي هذا عن بعضهم ، وليس كذلك لأن جماعة منهم ابن الأثير وغيره قد ضبطوه مثل ما ضبطناه ، وقال : سرعان القوم أوائلهم الذين يسارعون إلى شيء ويقبلون عليه بسرعة ، وقال الخطابي بعضهم يقول بكسر السين ، وهو خطأ ، قوله : فرشقتهم من الرشق بالشين المعجمة والقاف ، وهو الرمي ، وهوازن قبيلة كبيرة من العرب فيها عدة بطون ينسبون إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة - بالخاء المعجمة والصاد المهملة وبالفاء كلها مفتوحة - ابن قيس غيلان بن إلياس بن مضر ، وأبو سفيان بن الحارث هو ابن عبد المطلب بن هاشم ، وهو ابن عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قوله : آخذ على وزن فاعل ، قوله : يقول جملة وقعت حالا .