4321 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ ، قَالَ : خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حُنَيْنٍ فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ، فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ بِالسَّيْفِ ، فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ ، وَأَقْبَلَ عَلَيَّ فَضَمَّنِي ضَمَّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ، ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ ، فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ ، فَقُلْتُ : مَا بَالُ النَّاسِ ؟ قَالَ أَمْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، ثُمَّ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ؟ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، فَقُمْتُ فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمَّ جَلَسْتُ ، قَالَ : ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، فقمت فقال : مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ، فَأَخْبَرْتُهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ : صَدَقَ وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنِّي ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : لَاهَا اللَّهِ ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُعْطِيَكَ سَلَبَهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ : فَأَعْطِهِ ، فَأَعْطَانِيهِ ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ ، فَإِنَّهُ لَأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ : حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ وَعُمَرُ بْنُ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ مَدَنِيٌّ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ ، وَلَكِنَّ ابْنَ حِبَّانَ ذَكَرَهُ فِي أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، لَكِنْ ذَكَرَهُ فِي مَوَاضِعَ : فَتَقَدَّمَ فِي الْبُيُوعِ مُخْتَصَرًا ، وَفِي فَرْضِ الْخُمُسِ تَامًّا ، وَسَيَأْتِي فِي الْأَحْكَامِ . وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي الْبُيُوعِ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيَّ حَرَّفَهُ فِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ : عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرٍ وَالصَّوَابُ : عُمَرُ . قَوْلُهُ : ( عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ ) هُوَ نَافِعُ بْنُ عَبَّاسٍ مَعْرُوفٌ بِاسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا الْتَقَيْنَا كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ حَرَكَةٌ فِيهَا اخْتِلَافٌ ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الْآتِيَةِ بَعْدَهَا أَنَّهُمُ انْهَزَمُوا ، لَكِنْ بَعْدَ الْقِصَّةِ الَّتِي ذَكَرَهَا أَبُو قَتَادَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ الْجَمِيعَ لَمْ يَنْهَزِمُوا . قَوْلُهُ : ( فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِمَا . ( وَقَوْلُهُ : عَلَا ) أَيْ ظَهَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الَّتِي بَعْدَهَا نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ، وَآخَرُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُثَنَّاةِ أَيْ يُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى غِرَّةٍ ، وَتَبَيَّنَ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فِي الْأُولَى : فَضَرَبْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِهَذَا الثَّانِي الَّذِي كَانَ يُرِيدُ أَنْ يَخْتِلَ الْمُسْلِمَ . قَوْلُهُ : ( عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ ) حَبْلُ الْعَاتِقِ عَصَبُهُ ، وَالْعَاتِقُ مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنَ الْمَنْكِبِ ، وَعُرِفَ مِنْهُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : فَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَدِ الذِّرَاعُ وَالْعَضُدُ إِلَى الْكَتِفِ . وَقَوْلُهُ : فَقَطَعْتُ الدِّرْعَ أَيِ الَّتِي كَانَ لَابِسَهَا وَخَلَصَتِ الضَّرْبَةُ إِلَى يَدِهِ فَقَطَعَتْهَا . قَوْلُهُ : ( وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ) أَيْ مِنْ شِدَّتِهَا ، وَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا الْمُشْرِكَ كَانَ شَدِيدَ الْقُوَّةِ جِدًّا . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ) أَيْ أَطْلَقَنِي . قَوْلُهُ : ( فَلَحِقْتُ عُمَرَ ) فِي السِّيَاقِ حَذْفٌ بَيَّنَتْهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ حَيْثُ قَالَ : فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْتُهُ ثُمَّ قَتَلْتُهُ ، وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ . قَوْلُهُ : ( أَمْرُ اللَّهِ ) أَيْ حُكْمُ اللَّهِ وَمَا قَضَى بِهِ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ رَجَعُوا ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ثُمَّ تَرَاجَعُوا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ كَيْفِيَّةُ رُجُوعِهِمْ وَهَزِيمَةُ الْمُشْرِكِينَ بِمَا يُغْنِي عَنْ إِعَادَة . قَوْلُهُ : ( مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ) تَقَدَّمَ شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي فَرْضِ الْخُمُسِ . قَوْلُهُ : ( فَقُلْتُ : مَنْ يَشْهَدُ لِي ) زَادَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ شَهِدَ لَهُ ، فَإِنْ كَانَ ضَبَطَهُ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ وَجَدَهُ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ فَإِنَّ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَجَلَسْتُ ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ رَجُلٌ ) فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ جُلَسَائِهِ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ اسْمَهُ أَسْوَدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِي الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ السَّلَبَ قُرَشِيٌّ . قَوْلُهُ : ( صَدَقَ ، وَسَلَبُهُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ فَأَرْضِهِ مِنِّي . قَوْلُهُ : ( فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ : لَاهَا اللَّهِ ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ) هَكَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي الْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِهَذِهِ الْأَحْرُفِ لَاهَا اللَّهِ إِذًا فَأَمَّا لَاهَا اللَّهِ فَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ : هَا لِلتَّنْبِيهِ ، وَقَدْ يُقْسَمُ بِهَا يُقَالُ : لَاهَا اللَّهِ مَا فَعَلْتُ كَذَا ، قَالَ ابْنُ مَالِكٍ . فِيهِ شَاهِدٌ عَلَى جَوَازِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ بِحَرْفِ التَّنْبِيهِ ، قَالَ : وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مَعَ اللَّهِ أَيْ لَمْ يُسْمَعْ لَاهَا الرَّحْمَنِ كَمَا سُمِعَ لَا وَالرَّحْمَنِ ، قَالَ : وَفِي النُّطْقِ بِهَا أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا هَا اللَّهِ بِاللَّامِ بعد الْهَاءِ بِغَيْرِ إِظْهَارِ شَيْءٍ مِنَ الْأَلِفَيْنِ ، ثَانِيهَا : مِثْلُهُ لَكِنْ بِإِظْهَارِ أَلِفٍ وَاحِدَةٍ بِغَيْرِ هَمْزٍ كَقَوْلِهِمُ : الْتَقَتْ حَلَقَتَا الْبِطَانِ ، ثَالِثُهَا : ثُبُوتُ الْأَلِفَيْنِ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ ، رَابِعُهَا : بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَثُبُوتِ هَمْزَةِ الْقَطْعِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ . وَالْمَشْهُورُ فِي الرَّاوِيَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْجُهِ : الثَّالِثُ ثُمَّ الْأَوَّلُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ : الْعَرَبُ تَقُولُ لَاهَأَ اللَّهُ ذَا بِالْهَمْزِ ، وَالْقِيَاسُ تَرْكُ الْهَمْزِ ، وَحَكَى ابْنُ التِّينِ ، عَنِ الدَّاوُدِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ بِرَفْعِ اللَّهِ . قَالَ : وَالْمَعْنَى يَأْبَى اللَّهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةِ بِالرَّفْعِ فَتَكُونُ هَا لِلتَّنْبِيهِ و اللَّهُ مُبْتَدَأٌ وَلَا يَعْمِدُ خَبَرُهُ انْتَهَى . وَلَا يَخْفَى تَكَلُّفُهُ . وَقَدْ نَقَلَ الْأَئِمَّةُ الِاتِّفَاقَ عَلَى الْجَرِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى غَيْرِهِ . وَأَمَّا إِذًا فَثَبَتَتْ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالْأُصُولِ الْمُحَقَّقَةِ مِنَ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِكَسْرِ الْأَلْفِ ثُمَّ ذَالٍ مُعْجَمَةٍ مَنُونَةٍ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هَكَذَا يَرْوُونَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِهِمْ - أَيِ الْعَرَبِ - لَاهَا اللَّهِ ذَا ، وَالْهَاءُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْوَاوِ ، وَالْمَعْنَى لَا وَاللَّهِ يَكُونُ ذَا . وَنَقَلَ عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَازِنِيَّ قَالَ : قَوْلُ الرُّوَاةِ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا خَطَأٌ ، وَالصَّوَابُ لَاهَا اللَّهِ ذَا ، أَيْ ذَا يَمِينِي وَقَسَمِي . وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ : لَيْسَ فِي كَلَامِهِمْ لَاهَا اللَّهِ إِذًا ، وَإِنَّمَا هُوَ لَاهَا اللَّهِ ذَا ، وَذَا صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ ، وَالْمَعْنَى : لَا وَاللَّهِ ، هَذَا مَا أَقْسِمُ بِهِ ، وَمِنْهُ أَخَذَ الْجَوْهَرِيُّ فقَالَ : قَوْلُهُمْ : لَاهَا اللَّهِ ذَا مَعْنَاهُ : لَا وَاللَّهِ هَذَا ، فَفَرَّقُوا بَيْنَ حَرْفِ التَّنْبِيهِ وَالصِّلَةِ ، وَالتَّقْدِيرُ لَا وَاللَّهِ مَا فَعَلْتُ ذَا . وَتَوَارَدَ كَثِيرٌ مِمَّنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الَّذِي وَقَعَ فِي الْخَبَرِ بِلَفْظِ إِذًا خَطَأٌ وَإِنَّمَا هُوَ ذَا تَبَعًا لِأَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَلَمْ يُصِبْ ، بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إِصْلَاحِ بَعْضِ مَنْ قَلَّدَ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ . وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي كِتَابَةِ إِذًا هَذِهِ هَلْ تُكْتُبُ بِأَلِفٍ أَوْ بِنُونٍ ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهَا اسْمٌ أَوْ حَرْفٌ فَمَنْ قَالَ : هِيَ اسْمٌ قَالَ : الْأَصْلُ فِيمَنْ قِيلَ لَهُ : سَأَجِيءُ إِلَيْكَ فَأَجَابَ إِذًا أُكْرِمَكَ أَيْ إِذَا جِئْتَنِي أُكْرِمُكَ ثُمَّ حَذَفَ جِئْتَنِي وَعَوَّضَ عَنْهَا التَّنْوِينَ وَأُضْمِرَتْ أَنْ ، فَعَلَى هَذَا يُكْتَبُ بِالنُّونِ . وَمَنْ قَالَ : هِيَ حَرْفٌ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - اخْتَلَفُوا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ بَسِيطَةٌ وَهُوَ الرَّاجِحُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : مُرَكَّبَةٌ مِنْ إِذَا وَإِنْ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ تُكْتَبُ بِأَلِفٍ وَهُوَ الرَّاجِحُ وَبِهِ وَقَعَ رَسْمُ الْمَصَاحِفِ ، وَعَلَى الثَّانِي تُكْتَبُ بِنُونٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا ، فقَالَ سِيبَوَيْهِ : مَعْنَاهَا الْجَوَابُ وَالْجَزَاءُ ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ فَقَالُوا : هِيَ حَرْفُ جَوَابٍ يَقْتَضِي التَّعْلِيلَ . وَأَفَادَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ أَنَّهَا قَدْ تَتَمَحَّضُ لِلْجَوَابِ ، وَأَكْثَرُ مَا تَجِيءُ جَوَابًا لِـ لَوْ وَ إِنْ ظَاهِرًا أَوْ مُقَدَّرًا ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ إِذًا لَاخْتَلَّ نَظْمُ الْكَلَامِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ هَكَذَا : لَا وَاللَّهِ ، إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ . وَكَانَ حَقُّ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ : إِذًا يَعْمِدُ ، أَيْ لَوْ أَجَابَكَ إِلَى مَا طَلَبْتَ لَعَمَدَ إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ ، وَقَدْ ثَبَتَتِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ لَا يَعْمِدُ إِلَخْ ، فَمِنْ ثَمَّ ادَّعَى مَنِ ادَّعَى أَنَّهَا تَغْيِيرٌ ، وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ مَالِكٍ : وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ إِذًا بِأَلِفٍ وَتَنْوِينٍ وَلَيْسَ بِبَعِيدٍ . وَقَالَ أَبُو الْبَقَاءِ : هُوَ بَعِيدٌ ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُوَجَّهَ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ : لَا وَاللَّهِ لَا يُعْطَى إِذًا ، يَعْنِي وَيَكُونُ لَا يَعْمِدُ إِلَخْ تَأْكِيدًا لِلنَّفْيِ الْمَذْكُورِ وَمُوضِّحًا لِلسَّبَبِ فِيهِ . وَقَالَ الطِّيبِيُّ : ثَبَتَ فِي الرِّوَايَةِ لَاهَا اللَّهِ إِذًا فَحَمَلَهُ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ تَغْيِيرِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَسْتَعْمِلُ لَاهَا اللَّهِ بِدُونِ ذَا ، وَإِنْ سَلِمَ اسْتِعْمَالُهُ بِدُونِ ذَا فَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ إِذًا لِأَنَّهَا حَرْفُ جَزَاءٍ وَالْكَلَامُ هُنَا عَلَى نَقِيضِهِ ، فَإِنَّ مُقْتَضَى الْجَزَاءِ أَنْ لَا يَذْكُرَ لَا فِي قَوْلِهِ : لَا يَعْمِدُ بَلْ كَانَ يَقُولُ : إِذًا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ لِيَصِحَّ جَوَابًا لِطَلَبِ السَّلَبِ ، قَالَ : وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَالْمَعْنَى صَحِيحٌ ، وَهُوَ كَقَوْلِكَ لِمَنْ قَالَ لَكَ : افْعَلْ كَذَا فَقُلْتُ لَهُ : وَاللَّهِ إِذًا لَا أَفْعَلُ ، فَالتَّقْدِيرُ إِذًا وَاللَّهِ لَا يَعْمِدُ إِلَى أَسَدٍ إِلَخْ ، قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إِذًا زَائِدَةً كَمَا قَالَ أَبُو الْبَقَاءِ إِنَّهَا زَائِدَةٌ فِي قَوْلِ الْحَمَاسِيِّ : إِذًا لَقَامَ بِنَصْرِي مَعْشَرٌ خَشِنٌ فِي جَوَابِ قَوْلِهِ : لَوْ كُنْتُ مِنْ مَازِنٍ لَمْ تُسْتَبَحْ إِبِلِي قَالَ : وَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَعْتَنِي بِشَرْحِ الْحَدِيثِ وَيُقَدِّمُ نَقْلَ بَعْضِ الْأُدَبَاءِ عَلَى أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَتِهِ وَيَنْسُبُونَ إِلَيْهِمُ الْخَطَأَ وَالتَّصْحِيفَ ، وَلَا أَقُولُ : إِنَّ جَهَابِذَةَ الْمُحَدِّثِينَ أَعْدَلُ وَأَتْقَنُ فِي النَّقْلِ إِذْ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ بَيْنَهُمْ ، بَلْ أَقُولُ : لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُمْ فِي النَّقْلِ إِلَى غَيْرِهِمْ . قُلْتُ : وَقَدْ سَبَقَهُ إِلَى تَقْرِيرِ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ وَرَدِّ مَا خَالَفَهَا الْإِمَامُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ فَنَقَلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ أَئِمَّةِ الْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ قَالَ : وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْعُذْرِيِّ ، وَالْهَوْزَنِيِّ فِي مُسْلِمٍ لَاهَا اللَّهِ ذَا بِغَيْرِ أَلِفٍ وَلَا تَنْوِينٍ ، وَهُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ . قَالَ : وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ صَوَابٌ وَلَيْسَتْ بِخَطَأٍ ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ وَقَعَ عَلَى جَوَابِ إِحْدَى الْكَلِمَتَيْنِ لِلْأُخْرَى ، وَالْهَاءُ هِيَ الَّتِي عَوَّضَ بِهَا عَنْ وَاوِ الْقَسَمِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ فِي الْقَسَمِ : اللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَبِقَصْرِهَا ، فَكَأَنَّهُمْ عَوَّضُوا عَنِ الْهَمْزَةِ هَا فَقَالُوا : هَا اللَّهِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجَيْهِمَا ، وَكَذَلِكَ قَالُوا بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ ، وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الَّذِي مَدَّ مَعَ الْهَاءِ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَتَيْنِ أَبْدَلَ مِنْ إِحْدَاهُمَا أَلِفًا اسْتِثْقَالًا لِاجْتِمَاعِهِمَا كَمَا تَقُولُ : آللَّهِ ، وَالَّذِي قَصَرَ كَأَنَّهُ نَطَقَ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا تَقُولُ : اللَّهِ ، وَأَمَّا إِذًا فَهِيَ بِلَا شَكٍّ حَرْفُ جَوَابٍ وَتَعْلِيلٍ ، وَهِيَ مِثْلُ الَّتِي وَقَعَتْ فِي قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَقَالَ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ : فَلَا إِذًا ، فَلَوْ قَالَ : فَلَا وَاللَّهِ إِذًا لَكَانَ مُسَاوِيًا لِمَا وَقَعَ هُنَا وَهُوَ قَوْلُهُ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ; لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَجْ هُنَاكَ إِلَى الْقَسَمِ فَتَرَكَهُ ، قَالَ : فَقَدْ وَضَحَ تَقْرِيرُ الْكَلَامِ وَمُنَاسَبَتُهُ وَاسْتِقَامَتُهُ مَعْنًى وَوَضْعًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى تَكَلُّفٍ بِعِيدٍ يَخْرُجُ عَنِ الْبَلَاغَةِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنِ ارْتَكَبَ أَبْعَدَ وَأَفْسَدَ فَجَعَلَ الْهَاءَ لِلتَّنْبِيهِ وَذَا لِلْإِشَارَةِ وَفَصَلَ بَيْنَهُمَا بِالْمُقْسَمِ بِهِ ، قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا قِيَاسًا فَيَطَّرِدُ ، وَلَا فَصِيحًا فَيُحْمَلَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ النَّبَوِيُّ ، وَلَا مَرْوِيًّا بِرِوَايَةٍ ثَابِتَةٍ . قَالَ : وَمَا وُجِدَ الْعذريِّ وَغَيْرِهِ فَإِصْلَاحُ مَنِ اغْتَرَّ بِمَا حُكِيَ عَنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَدْرَكْنَاهُ وَهُوَ أَبُو جَعْفَرٍ الْغِرْنَاطِيُّ نَزِيلُ حَلَبَ فِي حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ مِنَ الْبُخَارِيِّ : اسْتَرْسَلَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْقُدَمَاءِ فِي هَذَا الْإِشْكَالِ إِلَى أَنْ جَعَلُوا الْمُخَلِّصَ مِنْهُ أَنِ اتَّهَمُوا الْأَثْبَاتَ بِالتَّصْحِيفِ فَقَالُوا : وَالصَّوَابُ لَاهَا اللَّهِ ذَا بِاسْمِ الْإِشَارَةِ . قَالَ : وَيَا عَجَبُ مِنْ قَوْمٍ يَقْبَلُونَ التَّشْكِيكَ عَلَى الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ وَيَطْلُبُونَ لَهَا تَأْوِيلًا . جَوَابُهُمْ أَنَّ هَا اللَّهِ لَا يَسْتَلْزِمُ اسْمَ الْإِشَارَةِ كَمَا قَالَ ابْنُ مَالِكٍ ، وَأَمَّا جَعْلُ ، لَا يَعْمِدُ جَوَابَ فَأَرْضِهِ فَهُوَ سَبَبُ الْغَلَطِ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ مِمَّنْ زَعَمَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مُقَدَّرٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ صِدْقُ فَأَرْضِهِ ، فَكَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : إِذَا صَدَقَ فِي أَنَّهُ صَاحِبُ السَّلَبِ إِذًا لَا يَعْمِدُ إِلَى السَّلَبِ فَيُعْطِيكَ حَقَّهُ ، فَالْجَزَاءُ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ لِأَنَّ صِدْقَهُ سَبَّبٌ أَنْ لَا يَفْعَلَ ذَلِكَ . قَالَ : وَهَذَا وَاضِحٌ لَا تَكَلُّفَ فِيهِ انْتَهَى . وَهُوَ تَوْجِيهٌ حَسَنٌ . وَالَّذِي قَبْلُهُ أَقْعَدُ . وَيُؤَيِّدُ مَا رَجَّحَهُ مِنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى مَا ثَبَتَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ كَثْرَةُ وُقُوعِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ ، مِنْهَا مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ لَمَّا ذَكَرَتْ أَنَّ أَهْلَهَا يَشْتَرِطُونَ الْوَلَاءَ قَالَتْ : فَانْتَهَرْتُهَا فَقُلْتُ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا وَمِنْهَا مَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ جُلَيْبِيبٍ بِالْجِيمِ وَالْمُوَحَّدَتَيْنِ مُصَغَّرًا أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَطَبَ عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِيهَا فَقَالَ : حَتَّى أَسْتَأْمِرَ أَمَّهَا ، قَالَ : فَنَعَمْ إِذًا ، فَذَهَبَ إِلَى امْرَأَتِهِ فَذَكَرَ لَهَا فَقَالَتْ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا ، وَقَدْ مَنَعْنَاهَا فُلَانًا . الْحَدِيثَ ، صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي الزُّهْدِ قَالَ : قَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ، لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ لَوْ لَبِسْتَ مِثْلَ عَبَاءَتِي هَذِهِ . قَالَ : لَاهَا اللَّهِ إِذًا أَلْبَسُ مِثْلَ عَبَاءَتِكَ هَذِهِ وَفِي تَهْذِيبُ الْكَمَالِ فِي تَرْجَمَةِ ابْنِ أَبِي عَتِيقٍ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فِي مَرَضِهَا فَقَالَ : كَيْفَ أَصْبَحْتِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكِ ؟ قَالَتْ : أَصْبَحْتُ ذَاهِبَةً . قَالَ : فَلَا إِذًا . وَكَانَ فِيهِ دُعَابَةٌ وَوَقَعَ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحَادِيثِ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ بِقَسَمٍ وَبِغَيْرِ قَسَمٍ ، فَمِنْ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ جُلَيْبِيبٍ ، مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ صَفِيَّةَ لَمَّا قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ وَقَالَ : إِنَّهَا طَافَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ فَقَالَ : فَلْتَنْفِرْ إِذًا وَفِي رِوَايَةٍ فَلَا إِذًا وَمِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَغَيْرُهُ فِي سُؤَالِهِ عَنْ أَحَبِّ النَّاسِ فَقَالَ : عَائِشَةُ . فَقَالَ : لَمْ أَعْنِ النِّسَاءَ ؟ قَالَ : فَأَبُوهَا إِذًا وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ الَّذِي أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَقَالَ : بَلْ حُمَّى تَفُورُ ، عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ ، تُزِيرُهُ الْقُبُورُ . قَالَ : فَنَعَمْ إِذًا وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْفَاكِهِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ قَالَ : لَقِيتُ لِيطَةَ بْنَ الْفَرَزْدَقِ فَقُلْتُ : أَسَمِعْتَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَبِيكَ ؟ قَالَ : أَيْ هَا اللَّهِ إِذًا ، سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُهُ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ . وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ : قُلْتُ لِعَطَاءٍ : أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي فَرَغْتُ مِنْ صَلَاتِي فَلَمْ أَرْضَ كَمَالَهَا ، أَفَلَا أَعُودُ لَهَا ؟ قَالَ : بَلَى هَا اللَّهِ إِذًا وَالَّذِي يَظْهَرُ مِنْ تَقْدِيرِ الْكَلَامِ بَعْدَ أَنْ تَقَرَّرَ أَنَّ إِذًا حَرْفُ جَوَابٍ وَجَزَاءٍ أَنَّهُ كَأَنَّهُ قَالَ : إِذًا وَاللَّهِ أَقُولُ لَكَ : نَعَمْ ، وَكَذَا فِي النَّفْيِ كَأَنَّهُ أَجَابَهُ بِقَوْلِهِ : إِذًا وَاللَّهِ لَا نُعْطِيكَ ، إِذًا وَاللَّهِ لَا أَشْتَرِطُ ، إِذًا وَاللَّهِ لَا أَلْبَث ، وَأَخَّرَ حَرْفَ الْجَوَابِ فِي الْأَمْثِلَةِ كُلِّهَا . وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا فَلَا يُؤْتَوْنَ النَّاسَ إِذًا ، وَجَعَلَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ عَدَمِ النَّصِيبِ بِهَا ، مَعَ أَنَّ الْفِعْلَ مُسْتَقْبَلٌ وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي الْمُغِيثِ لَهُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا إِذًا قِيلَ : هُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْحُرُوفِ النَّاصِبَةِ وَقِيلَ : أَصْلُهُ إِذًا الَّذِي هُوَ مِنْ ظُرُوفِ الزَّمَانِ وَإِنَّمَا نُوِّنَ لِلْفَرْقِ وَمَعْنَاهُ حِينَئِذٍ أَيْ إِنْ أَخْرَجُوكَ مِنْ مَكَّةَ ، فَحِينَئِذٍ لَا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ إِلَّا قَلِيلًا . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ أَمْكَنَ حَمْلُ مَا وَرَدَ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : لَا وَاللَّهِ حِينَئِذٍ . ثُمَّ أَرَادَ بَيَانَ السَّبَبِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : لَا يَعْمِدُ إِلَخْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنَّمَا أَطَلْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّنِي مُنْذُ طَلَبْتُ الْحَدِيثَ وَوَقَفْتُ عَلَى كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَقَعَتْ عِنْدِي مِنْهُ نَفْرَةٌ لِلْإِقْدَامِ عَلَى تَخْطِئَةِ الرِّوَايَاتِ الثَّابِتَةِ ، خُصُوصًا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَمَا زِلْتُ أَتَطَلَّبُ الْمُخَلِّصَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَنْ ظَفِرْتُ بِمَا ذَكَرْتُهُ ، فَرَأَيْتُ إِثْبَاتَهُ كُلَّهُ هُنَا ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ . قَوْلُهُ : ( لَا يَعْمِدُ إِلَخْ ) أَيْ لَا يَقْصِدُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَى رَجُلٍ كَأَنَّهُ أَسَدٌ فِي الشَّجَاعَةِ يُقَاتِلُ عَنْ دِينِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَيَأْخُذُ حَقَّهُ وَيُعْطِيكَهُ بِغَيْرِ طِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ ، هَكَذَا ضُبِطَ لِلْأَكْثَرِ بِالتَّحْتَانِيَّةِ فِيهِ وَفِي يُعْطِيكَ ، وَضَبَطَهُ النَّوَوِيُّ بِالنُّونِ فِيهِمَا . قَوْلُهُ : ( فَيُعْطِيكَ سَلَبَهُ ) أَيْ سَلَبَ قَتِيلِهِ فَأَضَافَهُ إِلَيْهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مَلَكَهُ . ( تَنْبِيهٌ ) : وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ الَّذِي خَاطَبَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِذَلِكَ عُمَرُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ وَلَفْظُهُ أنَّ هَوَازِنَ جَاءَتْ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ قَالَ : فَهَزَمَ اللَّهُ الْمُشْرِكِينَ ، فَلَمْ يَضْرِبْ بِسَيْفٍ وَلَمْ يَطْعَنْ بِرُمْحٍ ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ : مَنْ قَتَلَ كَافِرًا فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقَتَلَ أَبُو طَلْحَةَ يَوْمَئِذٍ عِشْرِينَ رَاجلًا وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ . وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ : إِنِّي ضَرَبْتُ رَجُلًا عَلَى حَبْلِ الْعَاتِقِ وَعَلَيْهِ دِرْعٌ فَأَعْجَلْتُ عَنْهُ ، فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ : أَخَذْتُهَا فَأَرْضِهِ مِنْهَا ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ أَوْ سَكَتَ ، فَسَكَتَ . فَقَالَ عُمَرُ . وَاللَّهِ لَا يَفِيئُهَا اللَّهُ عَلَى أَسَدٍ مِنْ أُسْدِهِ وَيُعْطِيكَهَا ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : صَدَقَ عُمَرُ وَهَذَا الْإِسْنَادُ قَدْ أَخْرَجَ بِهِ مُسْلِمٌ بَعْضَ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ ، لَكِنَّ الرَّاجِحَ أَنَّ الَّذِي قَالَ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو قَتَادَةَ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ فَهُوَ أَتْقَنُ لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ غَيْرِهِ . وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَيْضًا قَالَ ذَلِكَ تَقْوِيَةً لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ . قَوْلُهُ : ( صَدَقَ ) أَيِ الْقَائِلُ : ( فَأَعْطِهِ ) بِصِيغَةِ الْأَمْرِ لِلَّذِي اعْتَرَفَ بِأَنَّ السَّلَبَ عِنْدَهُ . قَوْلُهُ : ( فَابْتَعْتُ بِهِ ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْهُ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ وَأَنَّ الثَّمَنَ كَانَ سَبْعَ أَوَاقٍ . قَوْلُهُ : ( مَخْرَفًا ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالرَّاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُ الرَّاءِ أَيْ بُسْتَانًا ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُخْتَرَفُ مِنْهُ التَّمْرُ أَيْ يُجْتَنَى ، وَأَمَّا بِكَسْرِ الْمِيمِ فَهُوَ اسْمُ الْآلَةِ الَّتِي يُخْتَرَفُ بِهَا ، وَفِي الرِّوَايَةِ الَّتِي بَعْدَهَا خِرَافًا وَهُوَ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَهُوَ التَّمْرُ الَّذِي يُخْتَرَفُ أَيْ يُجْتَنَى ، وَأَطْلَقَهُ عَلَى الْبُسْتَانِ مَجَازًا فَكَأَنَّهُ قَالَ : بُسْتَانُ خِرَافٍ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْبُسْتَانَ الْمَذْكُورَ كَانَ يُقَالُ لَهُ : الْوَدِّيَّيْنِ . قَوْلُهُ : ( فِي بَنِي سَلِمَةَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ هُمْ بَطْنٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَهُمْ قَوْمُ أَبِي قَتَادَةَ . قَوْلُهُ : ( تَأَثَّلْتُهُ ) بِمُثَنَّاةٍ ثُمَّ مُثَلَّثَةٍ أَيْ أَصَّلْتُهُ ، وَأَثْلَةُ كُلِّ شَيْءٍ أَصْلُهُ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَوَّلُ مَالٍ اعْتَقَدْتُهُ أَيْ جَعَلْتُهُ عُقْدَةً ، وَالْأَصْلُ فِيهِ مِنَ الْعَقْدِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا عَقَدَ عَلَيْهِ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 631 فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 636 4322- وَقَالَ اللَّيْثُ : ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ، عَنْ عُمَرَ بْنِ كَثِيرِ بْنِ أَفْلَحَ ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، وَآخَرُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَخْتِلُهُ مِنْ وَرَائِهِ لِيَقْتُلَهُ ، فَأَسْرَعْتُ إِلَى الَّذِي يَخْتِلُهُ ، فَرَفَعَ يَدَهُ لِيَضْرِبَنِي ، وَأَضْرِبُ يَدَهُ فَقَطَعْتُهَا ، ثُمَّ أَخَذَنِي فَضَمَّنِي ضَمًّا شَدِيدًا حَتَّى تَخَوَّفْتُ ، ثُمَّ برَكَ فَتَحَلَّلَ وَدَفَعْتُهُ ، ثُمَّ قَتَلْتُهُ وَانْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ ، وَانْهَزَمْتُ مَعَهُمْ ، فَإِذَا بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي النَّاسِ فَقُلْتُ لَهُ : مَا شَأْنُ النَّاسِ ؟ فقَالَ : أَمْرُ اللَّهِ ، ثُمَّ تَرَاجَعَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلٍ قَتَلَهُ فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَقُمْتُ لِأَلْتَمِسَ بَيِّنَةً عَلَى قَتِيلِي ، فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَشْهَدُ لِي ، فَجَلَسْتُ ، ثُمَّ بَدَا لِي فَذَكَرْتُ أَمْرَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ جُلَسَائِهِ : سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ عِنْدِي فَأَرْضِهِ مِنْهُ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : كَلَّا لَا يُعْطِهِ أُصَيْبِغَ مِنْ قُرَيْشٍ وَيَدَعَ أَسَدًا مِنْ أُسْدِ اللَّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَالَ : فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدَّاهُ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُ مِنْهُ خِرَافًا ، فَكَانَ أَوَّلَ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ . قَوْلُهُ : ( وَقَالَ اللَّيْثُ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ) هُوَ الْأَنْصَارِيُّ شَيْخُ مَالِكٍ فِيهِ ، وَرِوَايَتُهُ هَذِهِ وَصَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْهُ لَكِنْ بِاخْتِصَارٍ وَقَالَ فِيهِ : عَنْ يَحْيَى لَمْ يَقُلْ : حَدَّثَنِي ، وَذَكَرَ فِي آخِرِهِ كَلِمَةً قَالَ فِيهَا : قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ : حَدَّثَنَا اللَّيْثُ يَعْنِي بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ هُوَ ابْنُ صَالِحٍ كَاتِبُ اللَّيْثِ ، وَأَكْثَرُ مَا يُعَلِّقُهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ اللَّيْثِ مَا أَخَذَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ الْمَذْكُورِ ، وَقَدْ أَشْبَعت الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ ، وَقَدْ وَصَلَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ حَجَّاجِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنِ اللَّيْثِ قَالَ : حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَذَكَرَهُ بِتَمَامِهِ . قَوْلُهُ : ( تَخَوَّفْتُ ) حُذِفَ الْمَفْعُولُ وَالتَّقْدِيرُ : الْهَلَاكَ . قَوْلُهُ : ( ثُمَّ بَرَكَ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِالْمُوَحَّدَةِ . وَلِبَعْضِهِمْ بِالْمُثَنَّاةِ أَيْ تَرَكَنِي ، وَفِي رِوَايَةِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ ثُمَّ نُزِفَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا فَاءٌ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ بَعْدَهَا فَتَحَلَّلَ . قَوْلُهُ : ( سِلَاحُ هَذَا الْقَتِيلِ الَّذِي يَذْكُرُ ) فِي رِوَايَةِ الْكُشْمِيهَنِيِّ الَّذِي ذَكَرَهُ وَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ سَلَبَهُ كَانَ سِلَاحًا . قَوْلُهُ : ( أُصَيْبِغَ ) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُعْجَمَةٍ عِنْدَ الْقَابِسِيِّ ، وَبِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ ، وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : وَصَفَهُ بِالضَّعْفِ وَالْمَهَانَةِ ، وَالْأُصَيْبِغُ نَوْعٌ مِنَ الطَّيْرِ ، أَوْ شَبَّهَهُ بِنَبَاتٍ ضَعِيفٍ يُقَالُ لَهُ الصَّبْغَاءُ إِذَا طَلَعَ مِنَ الْأَرْضِ يَكُونُ أَوَّلَ مَا يَلِي الشَّمْسَ مِنْهُ أَصْفَرُ ، ذَكَرَ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ ، وَعَلَى هَذَا رِوَايَةُ الْقَابِسِيِّ ، وَعَلَى الثَّانِي تَصْغِيرُ الضَّبْعِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ ، وكَأَنَّهُ لَمَّا عَظَّمَ أَبَا قَتَادَةَ بِأَنَّهُ أَسَدٌ صَغَّرَ خَصْمَهُ وَشَبَّهَهُ بِالضَّبْعِ لِضَعْفِ افْتِرَاسِهِ وَمَا يُوصَفُ بِهِ مِنَ الْعَجْزِ ، وَقَالَ ابْنُ مَالِكٍ : أُضَيْبِعٌ بِمُعْجَمَةٍ وَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ تَصْغِيرُ أَضَبَعَ وَيُكَنَّى بِهِ عَنِ الضَّعِيفِ . قَوْلُهُ : ( وَيَدَعُ ) أَيْ يَتْرُكُ وَهُوَ بِالرَّفْعِ وَيَجُوزُ للنَّصب وَالْجَرُّ .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله عز وجل وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 299 323 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمر بن كثير بن أفلح ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة ، عن أبي قتادة ، قال : خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حنين ، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة ، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف ، فقطعت الدرع ، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت ، ثم أدركه الموت فأرسلني فلحقت عمر ، فقلت : ما بال الناس ؟ قال : أمر الله عز وجل ثم رجعوا ، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم فقال : من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه ، فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، قال : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، فقمت فقلت : من يشهد لي ؟ ثم جلست ، قال : ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، فقمت فقال : ما لك يا أبا قتادة ؟ فأخبرته فقال رجل : صدق ، وسلبه عندي ، فأرضه مني ، فقال أبو بكر : لا ها الله إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فيعطيك سلبه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق ، فأعطه فأعطانيه ، فابتعت به مخرفا في بني سلمة ، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ويحيى بن سعيد هو الأنصاري قاضي المدينة ، وعمر بن كثير ضد القليل ابن أفلح المدني مولى أبي أيوب الأنصاري وثقه النسائي وغيره ، وهو من التابعين الصغار ، ولكن ذكره ابن حبان في أتباع التابعين وليس له في البخاري سوى هذا الحديث بهذا الإسناد ، وحرف يحيى بن يحيى الأندلسي في روايته فقال عمرو بن كثير بفتح العين والصواب عمر بضم العين ، وأبو محمد اسمه نافع بن عباس معروف باسمه وكنيته ، وهو مولى أبي قتادة ويقال مولى عقيلة بنت طلق ، ويقال عبلة بنت طلق ، وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي وقيل غيره . والحديث مضى في الخمس في باب من لم يخمس الأسلاب ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك إلى آخره ، ومضى الكلام فيه هناك . قوله : جولة بفتح الجيم ، وسكون الواو ، أي : تقدم وتأخر ، وفي العبارة لطف حيث لم يقل هزيمة ، وهذه الجولة كانت في بعض المسلمين لا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن حواليه ، قوله : قد علا رجلا أي : ظهر على قتله ، قوله : على حبل عاتقه العاتق موضع الرداء من المنكب والحبل العصب ، قوله : بالسيف ويروى بسيف بدون الألف واللام ، قوله : فقطعت الدرع أي : اللبس الذي كان لابسه ، قوله : وجدت منها أي : من تلك الضمة ريح الموت ، أي : من شدتها ، قوله : فأرسلني أي : أطلقني ، قوله : فلحقت عمر رضي الله تعالى عنه فيه حذف تقديره : فانهزم المسلمون وانهزمت معهم فلحقت عمر ، قوله : ما بال الناس ؟ أي : ما حالهم ؟ قوله : قال : أمر الله أي : قال عمر : حكم الله تعالى وما قضى به ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا الذي أصابهم أمر الله ، قوله : ثم رجعوا أي : ثم تراجعوا ، وهكذا في الرواية الآتية وكيفية رجوعهم قد تقدمت عن قريب ، قوله : من قتل قتيلا أي : مشرفا على القتل ، فهو مجاز باعتبار المآل ، قال الكرماني : ويحتمل أن يكون حقيقة بأن يراد بالقتيل القتيل بهذا القتل لا بقتل سابق ، كما قال المتكلمون في جواب المغالطة المشهورة ، وهو أن إيجاد المعدوم محال ؛ لأن الإيجاد إما حال العدم فهو جمع بين النقيضين ، وإما حال الوجود ، وهو تحصيل للحاصل أن إيجاد الموجود بهذا الوجود لا بوجود متقدم ، قوله : فأرضه مني هكذا رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فأرضه منه ، قوله : فقال أبو بكر أي : الصديق رضي الله عنه ، قوله : لا ها الله كلمة ها للتنبيه ، وقد يقسم بها يقال : لا ها الله ما فعلت ، أي : لا والله ، وقال ابن مالك : فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه ، قال : ولا يكون ذلك إلا مع الله ، أي : لم يسمع لا ها الرحمن كما سمع لا والرحمن ، وحكى ابن التين عن الداودي أنه روى رفع الله ، والمعنى يأبى الله ، وقيل : إن ثبتت الرواية بالرفع فيكون ها للتنبيه ، والله مبتدأ ، وقوله : لا يعمد خبره ، وفيه تأمل ، قوله : إذا بكسر الهمزة وبالذال المعجمة المنونة ، وقال الخطابي : هكذا نرويه ، وإنما هو في كلامهم ، أي : العرب لا ها الله ذا يعني بدون الهمزة في أوله ، والهاء فيه بمنزلة الواو ، والمعنى : لا والله لا يكون ذا ، وقال عياض في المشارق : عن إسماعيل القاضي ، أن المازني قال : قول الرواة : لا ها الله إذا خطأ ، والصواب : لا ها الله ذا ، أي : ذا يميني وقسمي ، وقال أبو زيد : ليس في كلامهم لا ها الله إذا ، وإنما هو لا ها الله ذا ، وذا صلة في الكلام ، والمعنى : لا والله هذا ما أقسم به ، وقال الطيبي : ثبت في الرواية : لا ها الله إذا ، فحمله بعض النحويين على أنه من تعبير بعض الرواة ؛ لأن العرب لا تستعمل لا ها الله بدون ذا ، وإن سلم استعماله بدون ذا فليس هذا موضع إذا ؛ لأنها حرف جزاء ، ومقتضى الجزاء أن لا يذكر إلا في قوله : لا يعمد بل كان يقول : إذا يعمد إلى أسد ليصح جوابا لطالب السلب . انتهى . وقد أطال بعضهم الكلام في هذا جدا مختلطا بعضه ببعض من غير ترتيب ، فالناظر فيه إن كان له يد يشمئز خاطره من ذلك ، وإلا فلا يفهم شيئا أصلا ، والذي يقال بما يجدي الناظر أنه إن كان إذا على ما هو الموجود في الأصول يكون معناه حينئذ ، وإن كان ذا بدون الهمزة فوجهه ما تقدم ، فلا يحتاج إلى الإطالة الغير الطائلة ، قوله : لا يعمد أي : لا يقصد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى رجل كأنه أسد في الشجاعة يقاتل عن دين الله ورسوله ، فيأخذ حظه ويعطيكه بغير طيبة من نفسه ، وقال الكرماني : ويعمد بالغيبة والتكلم ، ووقع في مسند أحمد أن الذي خاطب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك عمر ، ولفظه فيه : فقال عمر : والله لا يفيئها الله على أسد ويعطيكها ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : صدق عمر ، قلت : صاحب القصة أبو قتادة ، فهو أتقن لما وقع فيها من غيره ، وقيل يحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضا قال ذلك تقوية لأبي بكر رضي الله تعالى عنه قوله : فابتعت به أي : اشتريت بذلك السلب ، وقال الواقدي : باعه لحاطب بن أبي بلتعة بسبع أواق ، قوله : مخرفا بفتح الميم والراء بينهما خاء معجمة ، قيل : يجوز فيه كسر الخاء ، وهو البستان ، وسمي بذلك لأنه يخترف منه التمر ، أي : يجنى ، وذكر الواقدي أن هذا البستان كان يقال له الودنين والمخرف بكسر الميم اسم الآلة التي يجتنى بها ، قوله : في بني سلمة بكسر اللام بطن من الأنصار ، وهم قوم أبي قتادة ، قوله : تأثلته بالتاء المثناة من فوق ، وفتح الهمزة ، وسكون الثاء المثلثة ، وضم التاء المثناة من فوق ، أي : اتخذته أصل المال واقتنيته ، وأثلة كل شيء أصله .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب قول الله عز وجل وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا · ص 300 ( وقال الليث : حدثني يحيى بن سعيد ، عن عمر بن كثير بن أفلح ، عن أبي محمد مولى أبي قتادة : أن أبا قتادة قال : لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين ، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله ، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها ثم أخذني فضمني ضما شديدا حتى تخوفت ، ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته وانهزم المسلمون وانهزمت معهم ، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له : ما شأن الناس ؟ قال : أمر الله ، ثم تراجع الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه ، فقمت لألتمس بينة على قتيلي فلم أر أحدا يشهد لي ، فجلست ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رجل من جلسائه : سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي فأرضه منه ، فقال أبو بكر : كلا لا يعطه أصيبغ من قريش ويدع أسدا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم قال : فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأداه إلي فاشتريت منه خرافا ، فكان أول مال تأثلته في الإسلام ) . هذا طريق آخر في الحديث المذكور ، وهو معلق وصله البخاري في الأحكام عن قتيبة ، عن الليث ، ويحيى بن سعد هو الأنصاري . قوله : " يختله " بالخاء المعجمة والتاء المثناة من فوق ، أي : يخدعه ، قوله : " حتى تخوفت " أي : الهلاك ، وهو مفعول قد حذف ، قوله : " بدا لي " أي : ظهر لي ، قوله : " الذي يذكر " أي : أبو قتادة ، وفي رواية الكشميهني الذي ذكره ، قوله : " كلا " كلمة ردع ، قوله : " لا يعطه " أي : لا يعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم سلاح الرجل الذي هو سلبه ، قوله : " أصيبغ " بضم الهمزة ، وفتح الصاد المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وكسر الباء الموحدة بعدها الغين المعجمة ، وهو نوع من الطير ضعيف شبهه به لعجزه وهوانه ، وقيل شبهه بالصبغاء ، وهو نبت معروف ، وقيل نبت ضعيف كالثمام إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر ، هذا الضبط رواية القابسي ، وفي رواية أبي ذر بالضاد المعجمة والعين المهملة ، وعلى روايته هو تصغير الضبع على غير قياس ، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد صغر خصمه ، وشبهه بالضبع لضعف افتراسه ، وما يوصف به من العجز ، وقال ابن مالك : أضيبع بالضاد المعجمة والعين المهملة تصغير أضبع ، ويكنى به عن الضعيف ، قوله : " ويدع " أي : يترك ، وهو بالنصب ، وقال الكرماني : ويدع بالرفع والجر نحو : لا تأكل السمك وتشرب اللبن .