17 - بَاب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ 376 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ ، وَرَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذَاكَ الْوَضُوءَ ، فَمَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا تَمَسَّحَ بِهِ ، وَمَنْ لَمْ يُصِبْ مِنْهُ شَيْئًا أَخَذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صَاحِبِهِ . ثُمَّ رَأَيْتُ بِلَالًا أَخَذَ عَنَزَةً فَرَكَزَهَا ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ مُشَمِّرًا صَلَّى إِلَى الْعَنَزَةِ بِالنَّاسِ رَكْعَتَيْنِ ، وَرَأَيْتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْ الْعَنَزَةِ . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرَ ) يُشِيرُ إِلَى الْجَوَازِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعَ الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا يُكْرَهُ ، وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ الْبَابِ بِأَنَّهَا كَانَتْ حُلَّةً مِنْ بُرُودٍ فِيهَا خُطُوطٌ حُمْرٌ ، وَمِنْ أَدِلَّتِهِمْ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : مَرَّ بِالنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلٌ وَعَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ ، وَإِنْ وَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ قَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ كَذَا ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ فَقَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ وَهُوَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الرَّدِّ عَلَيْهِ بِسَبَبٍ آخَرَ . وَحَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى مَا صُبِغَ بَعْدَ النَّسْجِ . وَأَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : زَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ لُبْسَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِتِلْكَ الْحُلَّةِ كَانَ مِنْ أَجْلِ الْغَزْوِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَقِبَ حِجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إِذْ ذَاكَ غَزْوٌ . قَوْلُهُ : ( أَخَذَ وَضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) بِفَتْحِ الْوَاوِ ، أَيِ الْمَاءَ الَّذِي تَوَضَّأَ بِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ عَلَى طَهَارَةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَيَأْتِي بَاقِي مَبَاحِثِهِ فِي أَبْوَابِ السُّتْرَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْأَحْمَرِ · ص 578 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في الثوب الأحمر · ص 218 17 - باب الصلاة في الثوب الأحمر 376 - حدثنا محمد بن عرعرة : حدثني عمر بن أبي زائدة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا ، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة . هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة ، مختصرا وتاما ، وقد سبق في أبواب الوضوء بعضه ، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا . والمقصود منه هاهنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس ، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر . قال أبو عبيد : الحلة : برود اليمن من مواضع مختلفة منها . قال : والحلة إزار ورداء ، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين . انتهى . وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد الحبرة - : حكاه عنه عبد الرزاق ، وهو في مسند الإمام أحمد وكتاب الترمذي . وحينئذ ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بردا مخططا فيه خطط حمر ، ولم يكن كله أحمر . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس : باب : الثوب الأحمر ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء . والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة . ثم قال : باب : الميثرة الحمراء ، وخرج فيه من حديث البراء ، قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر . المياثر : مراكب ، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم . وقد قيل : إنها كانت من ديباج أو حرير - : قاله أبو عبيد وغيره . وفسر يزيد بن أبي زياد الميثرة بجلود السباع . وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن مياثر النمور . وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر : خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء . ورواه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة . كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج . وخالفه هشيم ، فرواه عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين . خرجه ابن سعد من هذين الوجهين . والمرسل أشبه . وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر : فرخص فيه ابن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وعلي بن حسين ، وابنه أبو جعفر . وروي عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يلبس بردا أحمر . وفي صحيح مسلم ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له : بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان ، فقال : هذه ميثرتي أرجوان . والأرجوان : الشديد الحمرة . وكرهت طائفة الثياب الحمر ، منهم : طاوس ، ومجاهد ، وعطاء . وروي عن الحسن وابن سيرين ، قالا : هو زينة آل قارون . وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي ، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته . وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة . وروي عن عائشة ، أنها كانت تلبس درعا أحمر . وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة ، خرجها أبو داود وغيره ، يطول ذكرها هاهنا ، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة ، وكره الشديد الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمد ، ورجحه كثير من أصحابنا . وفي صحيح مسلم ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر . وخرجه النسائي ، وزاد فيه : المفدم . والمفدم : المشبع بالعصفر . وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال : إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها . وقد اختلف في لبس المعصفر : فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد . ورخصوا فيه للنساء . وحكى ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن . وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع . خرجه أبو داود . وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء ، كما تقدم ، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة . وهذا القول روي عن ابن عباس ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهن منه . ورخصت طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائل ، وعروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي . وكرهت طائفة المشبع منه - وهو المفدم - دون الخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد . وحكي عن مالك وأحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورد ، وما كان خفيفا . وحكى الترمذي في كتابه هذا القول عن أهل الحديث : أنهم كرهوا لبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفرا . وقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - وقالا : إنما هو مدر أو تراب . وفي كراهة المصبوغ بالمغرة : حديث خرجه أبو داود ، في إسناده مقال . ومن الناس من قال : يكره المعصفر خاصة ، دون سائر ألوان الحمرة . وقال : لم يصح في غيره نهي . ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز ، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري . وزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه ، فأما ما صبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخل في النهي . وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده ، واستحسن لبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة . واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيء من حمرة : هل يكره أم لا ؟ فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عمامة واعتم بها ، فرأى فيها خيطا أحمر ، فردها . وكذلك روى المروذي عن أحمد ، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها حمرة . وخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أرى الحمرة قد علتكم ؟ فقمنا سراعا ، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها . وفي إسناده رجل لا يعرف . وخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قرة : أذكر ابن جريج ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد الله بن سرجس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوما وعليه نمرة ، فقال لرجل من أصحابه : أعطني نمرتك ، وخذ نمرتي ، فقال : يا رسول الله ، نمرتك أجود من نمرتي . قال : أجل ؛ ولكن فيها خيط أحمر ، فخشيت أن أنظر إليه فيفتنني - ؟ فأقر به أبو قرة ، وقال : نعم . وهذا غريب . ورخص فيه آخرون . روي عن الحسن ، وقد سبق . ونص عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر ، قال : لا بأس به . ويستدل لهذا : بحديث لبس النبي صلى الله عليه وسلم حلة حمراء وبردا أحمر ؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في الثوب الأحمر · ص 99 باب الصلاة في الثوب الأحمر أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في الثوب الأحمر يعني تجوز ، وقال بعضهم : يشير إلى الجواز ، والخلاف في ذلك مع الحنفية . ( قلت ) لا خلاف للحنيفة في جواز ذلك ، ولو عرف هذا القائل مذهب الحنفية لما قال ذلك ، ولم يكتف بهذا حتى قال ، وتأولوا حديث الباب بأنها كانت حلة من برود فيها خطوط حمر ، ولا يحتاج إلى هذا التأويل ؛ لأنهم لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر حتى تأولوا هذا ، وإنما قالوا : مكروه لحديث آخر ، وهو نهيه صلى الله عليه وسلم عن لبس المعصفر ، والعمل بما روي من الحديثين أولى من العمل بأحدهما ، فاحتجوا بالأول على الجواز ، وبالثاني على الكراهة ، وقال أيضا : ومن أدلتهم ما أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو قال مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل ، وعليه ثوبان أحمران فسلم عليه فلم يرد عليه ، وهو حديث ضعيف الإسناد . ( قلت ) عرق العصبية حين تحرك حمله على أن سكت عن قول الترمذي عقيب إخراجه هذا الحديث هذا حديث حسن . 42 - حدثنا محمد بن عرعرة قال : حدثني عمر بن أبي زائدة عن عون ابن أبي جحيفة عن أبيه قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت الناس يبتدرون ذاك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس ، والدواب يمرون من بين يدي العنزة . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله وهم أربعة : الأول : محمد بن عرعرة بالمهملتين المفتوحتين وسكون الراء الأولى مر في باب خوف المؤمن أن يحبط عمله . الثاني : عمر بن أبي زائدة أخو زكريا الهمداني الكوفي ، وعمر بدون الواو . الثالث : عون بالنون في آخره ابن أبي جحيفة . الرابع : أبوه أبو جحيفة بضم الجيم ، وفتح الحاء المهملة ، وسكون الياء آخر الحروف ، وفتح الفاء ، وفي آخره هاء ، واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة ، وتخفيف الواو ، وبالهمزة بعد الألف الكوفي مر في كتاب العلم . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول ، وفيه أن رواته ما بين كوفي وبصري . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في اللباس عن محمد بن عرعرة عن عون به ، وفي اللباس أيضا عن إسحاق عن النضر بن شميل عنه ببعضه ، وأخرجه أيضا في باب سترة الإمام سترة من خلفه ، وبعده بقليل في باب الصلاة إلى العنزة ، وأخرجه مسلم في الصلاة عن محمد بن حاتم عن بهز عنه ، وأخرجه أيضا عن محمد بن مثنى ، ومحمد بن بشار ، وعن زهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود فيه عن محمد بن سليمان الأنباري عن وكيع ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمود بن غيلان ، عن عبد الرزاق ، وأخرجه النسائي في الزينة عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام ، عن إسحاق الأزرق ، وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن أيوب بن محمد الهاشمي عن عبد الواحد بن زياد. ذكر معانيه : قوله : في قبة حمراء من أدم قال الجوهري : القبة من البناء ، والجمع قبب وقباب . ( قلت ) المراد من القبة هنا هي التي تعمل من الجلد ، وقد فسر ذلك بكلمة من البيانية ، والأدم بفتح الهمزة ، والدال جمع الأديم ، وفي المحكم الأديم الجلد ما كان ، وقيل : الأحمر ، وقيل : هو المدبوغ ، وقيل : هو بعد الأفيق ، وذلك إذا تم واحمر ، والأفيق هو الجلد الذي لم يتم دباغه ، وقيل : هو ما دبغ بغير القرظ قاله ابن الأثير ، والأدم اسم الجمع عند سيبويه ، والأدام جمع أديم كيتيم وأيتام ، وإن كان هذا في الصفة أكثر ، وقد يجوز أن يكون جمع أدم ، وفي المخصص عن أبي حنيفة : إذا رشف الجلد وبسط حتى يبالغ فيه ما قبل من الدباغ فهو حينئذ أديم وأدم وأدمة ، وفي نوادر اللحياني من خط الحافظ : الأدم والأدم جمع الأديم وهو الجلد ، وفي الجامع : الأديم باطن الجلد ، ورؤية أبي جحيفة النبي صلى الله عليه وسلم كانت بالأبطح بمكة صرح بذلك في رواية مسلم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، وهو بالأبطح ، وهو الموضع المعروف ، ويقال له البطحاء ، ويقال : إنه إلى منى أقرب ، وهو المحصب ، وهو خيف بني كنانة ، وزعم بعضهم أنه ذو طوى ، وليس كذلك كما نبه عليه ابن قرقول ، وعند النسائي ، وهو في قبة حمراء في نحو من أربعين رجلا. قوله : وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم بفتح الواو هو الماء الذي يتوضأ به ، وقوله : يبتدرون أي يتسارعون ويتسابقون إليه تبركا بآثاره الشريفة ، وفي رواية مسلم ، وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم . قال : فأخذت بيده فوضعتها على وجهي ، فإذا هي أبرد من الثلج ، وأطيب رائحة من المسك ، وفي رواية : فأخرج فضل وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدره الناس فنلت منه شيئا. قوله : ذلك ، ويروى : ذاك الوضوء. قوله : من بلل يد صاحبه ، ويروى من بلال يد صاحبه. قوله : عنزة بفتح العين المهملة والنون والزاي ، وهي مثل نصف الرمح أو أكبر شيئا ، وفيها سنان مثل سنان الرمح والعكازة قريب منها. قوله : في حلة حمراء في موضع النصب على الحال ، والحلة ثوبان إزار ورداء ، وقيل : أن يكون ثوبين من جنس واحد سميا بذلك لأن كل واحد منهما يحل على الآخر ، وقيل : أصل تسميتها بهذا إذا كان الثوبان جديدين فما حل طيهما فقيل لهما حلة لهذا ، ثم استمر عليهما الاسم ، وقال ابن الأثير : الحلة واحدة الحلل ، وهي برود اليمن ، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد ، وقال غيره : والجمع حلل وحلال ، وحلله الحلة ألبسه إياها ، وفي رواية أبي داود : وعليه حلة حمراء برود يمانية قطري. قوله : برود جمع برد مرفوع ؛ لأنه صفة للحلة ، وقوله : يمانية صفة للبرود أي منسوبة إلى اليمن. قوله : قطري بكسر القاف ، وسكون الطاء ، والأصل قطري بفتح القاف والطاء ؛ لأنه نسبة إلى قطر بلد بين عمان وسيف البحر ، ففي النسبة خففوها وكسروا القاف وسكنوا الطاء ، ويقال : القطري ضرب من البرود فيها حمرة ، ويقال : ثياب حمر لها أعلام فيها بعض الخشونة ، وقيل : حلل جياد تحمل من قبل البحرين ، وإنما لم يقل قطرية مع أن التطابق بين الصفة والموصوف شرط ؛ لأنه بكثرة الاستعمال صار كالاسم لذلك النوع من الحلل ، ووصف الحلة بثلاث صفات الأولى صفة الذات ، وهي قوله : حمراء ، والثانية : صفة الجنس ، وهي قوله : برود بين به أن جنس هذه الحلة الحمراء من البرود اليمانية ، والثالثة : صفة النوع ، وهي قوله : قطري ؛ لأن البرود اليمانية أنواع : نوع منها قطري بينه بقوله : قطري ، وقيل : إنما لبس النبي صلى الله عليه وسلم الحلة الحمراء في السفر ليتأهب للعدو ، ويجوز أن يلبس في الغزو ما لا يلبس في غيره . ( قلت ) فيه نظر ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن في هذا السفر للغزو ؛ لأنه كان عقيب حجة الوداع ، ولم يبق له غزو إذ ذاك ، وكأن هذا القائل نقل عن بعض الحنفية أنه ذهب إلى عدم جواز لبس الثوب الأحمر ، ثم لما أوردوا عليه ما روي في هذا الحديث أجاب بما ذكرنا . ( قلت ) لا النقل عنه صحيح ، ولا هو مذهب الحنفية ، فلا يحتاج إلى الجواب المذكور. قوله : مشمرا بكسر الميم الثانية نصب على الحال من النبي صلى الله عليه وسلم يقال شمر إزاره تشميرا أي رفعه ، وشمر عن ساقه ، وشمر في أمره أي خف ، والمعنى رفعها إلى أنصاف ساقيه كما جاء في رواية مسلم كأني أنظر إلى بياض ساقيه. قوله : صلى بالناس صلاته هذه هي صلاة الظهر ، وفي رواية مسلم : فتقدم فصلى الظهر ركعتين ، ثم صلى العصر ركعتين ، ثم لم يزل يصلي ركعتين حتى رجع إلى المدينة. قوله : يمرون بين يدي العنزة ، وفي رواية : تمر من ورائها المرأة ، وفي لفظ : يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع . ذكر استنباط الأحكام منه : فيه جواز لبس الثوب الأحمر والصلاة فيه ، والباب معقود عليه ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، وفيه جواز ضرب الخيام والقباب ، وفيه التبرك بآثار الصالحين ، وفيه نصب علامة بين يدي المصلي في الصحراء ، وفيه جواز قصر الصلاة في السفر ، وهو الأفضل عند أصحابنا ، والذي في مسلم يدل عليه ، وفيه جواز المرور وراء سترة المصلي ، وقال ابن بطال فيه إنه يجوز لباس الثياب الملونة للسيد الكبير والزاهد في الدنيا والحمرة أشهر الملونات وأجل الزينة في الدنيا ، وفيه طهارة الماء المستعمل ، قيل فيه حجة على الحنفية في قولهم بنجاسة الماء المستعمل . ( قلت ) ليس كذلك ؛ فإن المذهب أن الماء المستعمل طاهر حتى يجوز شربه ، والتعجين به غير أنه ليس بطهور ، فلا يجوز به الوضوء ولا الاغتسال ، وكونه نجسا رواية عن أبي حنيفة ، وليس العمل عليها على أن حكم النجاسة في هذه الرواية باعتبار إزالة الآثام النجسة عن البدن المذنب فيتنجس حكما بخلاف فضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فإنه طاهر من بدن طاهر ، وهو طهور أيضا أطهر من كل طاهر وأطيب .