حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الصلاة في الثوب الأحمر

باب الصلاة في الثوب الأحمر 376 - حدثنا محمد بن عرعرة : حدثني عمر بن أبي زائدة ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله في قبة حمراء من أدم ، ورأيت بلالا أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء ، فمن أصاب منه شيئا تمسح به ، ومن لم يصب منه شيئا أخذ من بلل يد صاحبه ، ثم رأيت بلالا أخذ عنزة فركزها ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمرا ، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين ، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة . هذا الحديث قد خرجه في مواضع متعددة ، مختصرا وتاما ، وقد سبق في أبواب الوضوء بعضه ، ويأتي في مواضع متفرقة - أيضا . والمقصود منه هاهنا : أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في حلة حمراء مشمرا وصلى بالناس ، فدل على جواز الصلاة في الثوب الأحمر .

قال أبو عبيد : الحلة : برود اليمن من مواضع مختلفة منها . قال : والحلة إزار ورداء ، لا يسمى حلة حتى يكون ثوبين . انتهى .

وكذلك فسر سفيان الثوري الحلة الحمراء في هذا الحديث ببرد الحبرة - : حكاه عنه عبد الرزاق ، وهو في مسند الإمام أحمد وكتاب الترمذي . وحينئذ ؛ فالحلة الحمراء التي لبسها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانت بردا مخططا فيه خطط حمر ، ولم يكن كله أحمر . وقد بوب البخاري في كتاب : اللباس : باب : الثوب الأحمر ، ثم خرج فيه من حديث البراء بن عازب ، قال : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء .

والقول في هذا الحديث كالقول في حديث أبي جحيفة . ثم قال : باب : الميثرة الحمراء ، وخرج فيه من حديث البراء ، قال : نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج والقسي والإستبرق ومياثر الحمر . المياثر : مراكب ، سميت مياثر لوثارتها - وهو لينها ووطأتها ، وكانت من زي العجم .

وقد قيل : إنها كانت من ديباج أو حرير - : قاله أبو عبيد وغيره . وفسر يزيد بن أبي زياد الميثرة بجلود السباع . وقد خرج النسائي من حديث المقدام بن معدي كرب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه نهى عن مياثر النمور .

وفي الصلاة في الثوب الأحمر حديث آخر : خرجه الطبراني من رواية سعد بن الصلت ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن علي بن حسين ، عن ابن عباس ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس يوم العيد بردة حمراء . ورواه حجاج بن أرطاة ، عن أبي جعفر محمد بن علي ، عن جابر بن عبد الله ، قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة . كذا رواه حفص بن غياث ، عن حجاج .

وخالفه هشيم ، فرواه عن حجاج ، عن أبي جعفر - مرسلا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبس يوم الجمعة برده الأحمر ، ويعتم يوم العيدين . خرجه ابن سعد من هذين الوجهين . والمرسل أشبه .

وقد اختلف العلماء في لبس الأحمر : فرخص فيه ابن المسيب ، والشعبي ، والنخعي ، والحسن ، وعلي بن حسين ، وابنه أبو جعفر . وروي عن علي بن أبي طالب ، أنه كان يلبس بردا أحمر . وفي صحيح مسلم ، أن أسماء بنت أبي بكر أرسلت إلى ابن عمر تقول له : بلغني أنك تحرم مياثر الأرجوان ، فقال : هذه ميثرتي أرجوان .

والأرجوان : الشديد الحمرة . وكرهت طائفة الثياب الحمر ، منهم : طاوس ، ومجاهد ، وعطاء . وروي عن الحسن وابن سيرين ، قالا : هو زينة آل قارون .

وهو المنصوص عن أحمد في رواية المروذي ، وسوى بين الرجال والنساء في كراهته . وروى عن عطاء وطاوس ومجاهد الرخصة فيه للنساء خاصة . وروي عن عائشة ، أنها كانت تلبس درعا أحمر .

وفي كراهة الأحمر من اللباس أحاديث متعددة ، خرجها أبو داود وغيره ، يطول ذكرها هاهنا ، وربما تذكر في موضع آخر - إن شاء الله تعالى . ومنهم من رخص فيما حمرته خفيفة ، وكره الشديد الحمرة ، وروي ذلك عن مالك وأحمد ، ورجحه كثير من أصحابنا . وفي صحيح مسلم ، عن علي ، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس المعصفر .

وخرجه النسائي ، وزاد فيه : المفدم . والمفدم : المشبع بالعصفر . وفي صحيح مسلم - أيضا - عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، قال : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ ثوبين معصفرين ، فقال : إن هذه من ثياب الكفار ، فلا تلبسها .

وقد اختلف في لبس المعصفر : فكرهه طائفة ، روي عن عمر وعثمان وابن عمر وأنس ، وهو قول الزهري وسعيد بن جبير ومالك وأحمد . ورخصوا فيه للنساء . وحكى ابن عبد البر الإجماع على جوازه لهن .

وفي الرخصة لهن فيه حديث مرفوع . خرجه أبو داود . وهذا قد يخالف رواية المروذي عن أحمد بكراهة الأحمر للنساء ، كما تقدم ، لكن تلك مقيدة بإرادة الزينة به ، فقد تكون الرخصة محمولة على من لم يرد به الزينة .

وهذا القول روي عن ابن عباس ، أنه يكره المعصفر للتزين به ، ويرخص فيما امتهن منه . ورخصت طائفة في المعصفر مطلقا للرجال والنساء ، روي عن أنس ، وعن أبي وائل ، وعروة ، وموسى بن طلحة ، والشعبي ، وأبي قلابة ، وابن سيرين ، والنخعي وغيرهم ، وهو قول الشافعي . وكرهت طائفة المشبع منه - وهو المفدم - دون الخفيف ، روي عن عطاء وطاوس ومجاهد .

وحكي عن مالك وأحمد - أيضا - ؛ فإنه قال في المصبوغ بالدم : إن كانت حمرته تشبه المعصفر أكرهه ، وقال : لا بأس بالمورد ، وما كان خفيفا . وحكى الترمذي في كتابه هذا القول عن أهل الحديث : أنهم كرهوا لبس المعصفر ، ورأوا : أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس به ، إذا لم يكن معصفرا . وقد روي عن علي وابن عمر الرخصة في المصبوغ بالمشق - وهو المغرة - وقالا : إنما هو مدر أو تراب .

وفي كراهة المصبوغ بالمغرة : حديث خرجه أبو داود ، في إسناده مقال . ومن الناس من قال : يكره المعصفر خاصة ، دون سائر ألوان الحمرة . وقال : لم يصح في غيره نهي .

ومنهم من حمل أحاديث الرخصة على الجواز ، وأحاديث النهي على كراهة التنزيه ، وهذه هي طريقة ابن جرير الطبري . وزعم الخطابي أن المكروه من الأحمر ما صبغ من الثياب بعد نسجه ، فأما ما صبغ غزله ثم نسج - كعصب اليمن - فغير داخل في النهي . وكذلك الشافعي فرق في المصبوغات بين ما صبغ قبل نسجه وبعده ، واستحسن لبس ما صبغ غزله ، دون ما صبغ بعد نسجه للزينة .

واختلف القائلون بكراهة الأحمر ، فيما إذا كان في الثوب شيء من حمرة : هل يكره أم لا ؟ فروي عن ابن عمر ، أنه اشترى عمامة واعتم بها ، فرأى فيها خيطا أحمر ، فردها . وكذلك روى المروذي عن أحمد ، أنه أمره أن يشتري له تكة لا تكون فيها حمرة . وخرج أبو داود من حديث رافع بن خديج ، قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر ، فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى إبلنا أكسية فيها خيوط عهن حمر ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ألا أرى الحمرة قد علتكم ؟ فقمنا سراعا ، فأخذنا الأكسية فنزعناها عنها .

وفي إسناده رجل لا يعرف . وخرج الطبراني وغيره من حديث إسحاق بن راهويه ، قال : قلت لأبي قرة : أذكر ابن جريج ، عن مسلم بن أبي مريم ، عن عبد الله بن سرجس ، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى يوما وعليه نمرة ، فقال لرجل من أصحابه : أعطني نمرتك ، وخذ نمرتي ، فقال : يا رسول الله ، نمرتك أجود من نمرتي . قال : أجل ؛ ولكن فيها خيط أحمر ، فخشيت أن أنظر إليه فيفتنني - ؟ فأقر به أبو قرة ، وقال : نعم .

وهذا غريب . ورخص فيه آخرون . روي عن الحسن ، وقد سبق .

ونص عليه أحمد في رواية أخرى عنه في كساء أسود عليه علم أحمر ، قال : لا بأس به . ويستدل لهذا : بحديث لبس النبي صلى الله عليه وسلم حلة حمراء وبردا أحمر ؛ فإن المراد بالحلة البرد المخطط بحمرة ، كما قاله سفيان الثوري وغيره .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث