70 - بَاب وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ ، وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ 4372 - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ ، قَالَ : حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَاذا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي خَيْرٌ ، يَا مُحَمَّدُ ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ ، فَتُرِكَ حَتَّى كَانَ الْغَدُ ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فقَالَ : مَا قُلْتُ لَكَ : إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، فَتَرَكَهُ حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ ، فَقَالَ : مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ فَقَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ فَقَالَ : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ، فَانْطَلَقَ إِلَى نخل قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، فَقَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، يَا مُحَمَّدُ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيَّ ، وَإنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ ، فَمَاذَا تَرَى ؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ : صَبَوْتَ ؟ قَالَ : لَا والله ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنْ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَوْلُهُ : ( بَابُ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ ) أَمَّا حَنِيفَةُ فَهُوَ ابْنُ لُجَيْمِ بِجِيمٍ ابْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، وَهِيَ قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ شَهِيرَةٌ يَنْزِلُونَ الْيَمَامَةَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْيَمَنِ ، وَكَانَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ فِي سَنَةِ تِسْعٍ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أنهم كَانُوا سَبْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ . وَأَمَّا ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ فَأَبُوهُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وبمثلثة خَفِيفَةٍ ابْنِ النُّعْمَانِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْحَنَفِيُّ ، وَهُوَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَكَانَتْ قِصَّتُهُ قَبْلَ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ بِزَمَانٍ ، فَإِنَّ قِصَّتَهُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ ، وَكَأنَ الْبُخَارِيُّ ذَكَرَهَا هُنَا اسْتِطْرَادًا . ثُمَّ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَحَادِيثَ : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِسَمَاعِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ لَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ ، عَنْ سَعِيدٍ فَقَالَ : عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ، فَإِنَّ اللَّيْثَ مَوْصُوفٌ بِأَنَّهُ أَتْقَنُ النَّاسِ لِحَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَعِيدٌ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ حَدَّثَهُ بِهِ قَبْلُ ، أَوْ ثَبَّتَهُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ، فَحَدَّثَ بِهِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ . قَوْلُهُ : ( بَعَثَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ ) أَيْ بَعَثَ فُرْسَانَ خَيْلٍ إِلَى جِهَةِ نَجْدٍ ، وَزَعَمَ سَيْفٌ فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لَهُ أَنَّ الَّذِي أَخَذَ ثُمَامَةَ وَأَسَرَهُ هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ إِنَّمَا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي زَمَانِ فَتْحِ مَكَّةَ ، وَقِصَّةُ ثُمَامَةَ تَقْتَضِي أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِحَيْثُ اعْتَمَرَ ثُمَامَةُ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بِلَادِهِ ثُمَّ مَنَعَهُمْ أَنْ يَمِيرُوا أَهْلَ مَكَّةَ ، ثُمَّ شَكَا أَهْلُ مَكَّةَ إِلَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذَلِكَ ، ثُمَّ بَعَثَ يَشْفَعُ فِيهِمْ عِنْدَ ثُمَامَةَ . قَوْلُهُ : ( مَاذَا عِنْدَكَ ) أَيْ أَيُّ شَيْءٍ عِنْدَكَ ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ مَا : اسْتِفْهَامِيَّةٌ وَذَا : مَوْصُولَةٌ وَعِنْدَكَ : صِلَتُهُ ، أَيْ مَا الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي ظَنِّكَ أَنْ أَفْعَلَهُ بِكَ ؟ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ ظَنَّ خَيْرًا فَقَالَ : عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ ؛ أَيْ لِأَنَّكَ لَسْتَ مِمَّنْ يَظْلِمُ ، بَلْ مِمَّنْ يَعْفُو وَيُحْسِنُ . قَوْلُهُ : ( إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ ) كَذَا لِلْأَكْثَرِ بِمُهْمَلَةٍ مُخَفَّفَةِ الْمِيمِ ، وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ ذَمٍّ بِمُعْجَمَةٍ مُثْقَّلِ الْمِيمِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَى رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ أَيْ صَاحِبِ دَمٍ ، لِدَمِهِ مَوْقِعٌ يَشْتَفِي قَاتِلُهُ بِقَتْلِهِ وَيُدْرِكُ ثَأْرَهُ لِرِيَاسَتِهِ وَعَظَمَتِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَلَيْهِ دَمٌ وَهُوَ مَطْلُوبٌ بِهِ ، فَلَا لَوْمَ عَلَيْكَ فِي قَتْلِهِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ بِالْمُعْجَمَةِ فَمَعْنَاهَا ذَا ذِمَّةٍ ، وَثَبَتَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَضَعَّفَهَا عِيَاضٌ بِأَنَّهُ يَقْلِبُ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا ذِمَّةٍ يَمْتَنِعُ قَتْلُهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ : يُمْكِنُ تَصْحِيحُهَا بِأَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ ، وَالْمُرَادُ بِالذِّمَّةِ الْحُرْمَةُ فِي قَوْمِهِ ، وَأَوْجَهُ الْجَمِيعِ الْوَجْهُ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ مُشَاكِلٌ لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لِقَوْلِهِ : عِنْدِي خَيْرٌ ; وَفِعْلُ الشَّرْطِ إِذَا كُرِّرَ فِي الْجَزَاءِ دَلَّ عَلَى فَخَامَةِ الْأَمْرِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ ) أَيْ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ ; هَكَذَا اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي عَلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ . وَحَذَفَ الْأَمْرَيْنِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى حَذْفِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدَّمَ أَوَّلَ يَوْمٍ أَشَقَّ الْأَمْرَيْنِ عَلَيْهِ ، وَأَشْفَى الْأَمْرَيْنِ لِصَدْرِ خُصُومِهِ وَهُوَ الْقَتْلُ ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الِاسْتِعْطَافِ وَطَلَبِ الْإِنْعَامِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي ، فَكَأَنَّهُ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ رَأَى أَمَارَاتِ الْغَضَبِ فَقَدَّمَ ذِكْرَ الْقَتْلِ ، فَلَمَّا لَمْ يَقْتُلْهُ طَمِعَ فِي الْعَفْوِ فَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِمَّا قَالَ اقْتَصَرَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَلَى الْإِجْمَالِ تَفْوِيضًا إِلَى جَمِيلِ خُلُقِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وَقَدْ وَافَقَ ثُمَامَةُ فِي هَذِهِ الْمُخَاطَبَةِ قَوْلَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ؛ لِأَنَّ الْمَقَامُ يَلِيقُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ : ( فَقَالَ : أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ يَا ثُمَامَةُ وَأَعْتَقْتُكَ وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ فِي الْأَسْرِ جَمَعُوا مَا كَانَ فِي أَهْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ طَعَامٍ وَلَبَنٍ فَلَمْ يَقَعْ ذَلِكَ مِنْ ثُمَامَةَ مَوْقِعًا ، فَلَمَّا أَسْلَمَ جَاءُوهُ بِالطَّعَامِ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا . فَتَعَجَّبُوا فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ الْكَافِرَ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ . قَوْلُهُ : ( فَبَشَّرَهُ ) أَيْ بِخَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، أَوْ بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ أَوْ بِمَحْوِ ذُنُوبِهِ وَتَبِعَاتِهِ السَّابِقَةِ . قَوْلُهُ : ( فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّهُ خَرَجَ مُعْتَمِرًا حَتَّى إِذَا كَانَ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَبَّى ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ يُلَبِّي . فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ فَقَالُوا : لَقَدِ اجْتَرَأْتَ عَلَيْنَا ، وَأَرَادُوا قَتْلَهُ ، فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : دَعُوهُ فَإِنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى الطَّعَامِ مِنَ الْيَمَامَةِ فَتَرَكُوهُ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : لَا وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ ) كَأَنَّهُ قَالَ : لَا مَا خَرَجْتُ مِنَ الدِّينِ ؛ لِأَنَّ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ لَيْسَتْ دِينًا ، فَإِذَا تَرَكْتُهَا لَا أَكُونُ خَرَجْتُ مِنْ دِينٍ ، بَلِ اسْتَحْدَثْتُ دِينَ الْإِسْلَامِ . وَقَوْلُهُ : مَعَ مُحَمَّدٍ أَيْ وَافَقْتُهُ عَلَى دِينِهِ فَصِرْنَا مُتَصَاحِبَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ أَنَا بِالِابْتِدَاءِ وَهُوَ بِالِاسْتِدَامَةِ . وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هِشَامٍ وَلَكِنْ تَبِعْتُ خَيْرَ الدِّينِ دِينِ مُحَمَّدٍ . قَوْلُهُ : ( وَلَا وَاللَّهِ ) فِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ : وَاللَّهِ لَا أَرْجِعُ إِلَى دِينِكُمْ وَلَا أَرْفَقُ بِكُمْ ، فَأَتْرُكُ الْمِيرَةَ تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ . قَوْلُهُ : ( لَا تَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) زَادَ ابْنُ هِشَامٍ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْيَمَامَةِ فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إِلَى مَكَّةَ شَيْئًا ، فَكَتَبُوا إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّكَ تَأْمُرُ بِصِلَةِ الرَّحِمِ ، فَكَتَبَ إِلَى ثُمَامَةَ أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْحَمْلِ إِلَيْهِمْ . وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ رَبْطُ الْكَافِرِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَالْمَنُّ عَلَى الْأَسِيرِ الْكَافِرِ وَتَعْظِيمُ أَمْرِ الْعَفْوِ عَنِ الْمُسِيءِ ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسَدَاهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ وَالْمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ . وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ الْإِحْسَانَ يُزِيلُ الْبُغْضَ وَيُثَبِّتُ الْحُبَّ ، وَأَنَّ الْكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ ثُمَّ أَسْلَمَ شَرَعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ فِي عَمَلِ ذَلِكَ الْخَيْرِ . وَفِيهِ الْمُلَاطَفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الْأُسَارَى إِذَا كَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ الْعَدَدُ الْكَثِيرُ مِنْ قَوْمِهِ ، وَفِيهِ بَعْثُ السَّرَايَا إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ ، وَأَسْرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ ، وَالتَّخْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي قَتْلِهِ أَوِ الْإِبْقَاءِ عَلَيْهِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي :
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ وَحَدِيثِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ · ص 688 عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب وفد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال · ص 21 ( باب وفد بني حنيفة ، وحديث ثمامة بن أثال ) أي هذا باب في بيان وفد بني حنيفة ، وحنيفة هو ابن لجيم بالجيم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وهي قبيلة كبيرة مشهورة ينزلون اليمامة بين مكة واليمن ، وثمامة بضم الثاء المثلثة ، وتخفيف الميم ابن أثال بضم الهمزة ، وتخفيف الثاء المثلثة ابن النعمان بن مسلمة الحنفي ، وهو من فضلاء الصحابة ، وكانت قصته قبل وفد بني حنيفة بزمان فإنها كانت قبل فتح مكة ، فلا وجه لذكرها هاهنا ، فقيل : ذكرها هاهنا استطرادا ، وليس بشيء . 368 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، حدثنا الليث قال : حدثني سعيد بن أبي سعيد أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه قال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال فربطوه بسارية من سواري المسجد ، فخرج إليه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ماذا عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي خير يا محمد إن تقتلني تقتل ذا دم ، وإن تنعم تنعم على شاكر ، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت ، فترك حتى كان الغد ، ثم قال له : ماذا عندك يا ثمامة ؟ قال : ما قلت لك إن تنعم تنعم على شاكر ، فتركه حتى كان بعد الغد فقال : ماذا عندك يا ثمامة ؟ فقال : عندي ما قلت لك ، فقال : أطلقوا ثمامة فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل ثم دخل المسجد فقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، يا محمد ، والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك ، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي ، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك فأصبح دينك أحب الدين إلي ، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك فأصبح بلدك أحب البلاد إلي ، وإن خيلك أخذتني ، وأنا أريد العمرة ، فماذا ترى ، فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمره أن يعتمر ، فلما قدم مكة قال له قائل : صبوت . قال : لا والله ، ولكن أسلمت مع محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا والله لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم . مطابقته للجزء الثاني من الترجمة ظاهرة ، وسعيد بن أبي سعيد المقبري ، واسم أبي سعيد كيسان المديني ، وقد مر غير مرة ، والحديث مر مختصرا في باب الصلاة في باب الاغتسال إذا أسلم ، وربط الأسير أيضا في المسجد بهذا الإسناد بعينه . قوله : ( بعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلا ) أي فرسان خيل ، وهذا من ألطف المجازات وأحسنها . قوله : ( قبل نجد ) بكسر القاف ، وفتح الباء الموحدة أي جهتها . قوله : ( فجاءت برجل ) يعني أسروه ، وجاؤوا به ، وزعم سيف في كتاب الردة أن الذي أسره العباس بن عبد المطلب ، ورد عليه بأن العباس إنما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في زمان فتح مكة ، وقصة ثمامة قبل ذلك . قوله : ( ماذا عندك ) أي أي شيء عندك ، وقال بعضهم : يحتمل أن تكون ما استفهامية ، وذا موصولة ، وعندك صلته أي ما الذي استقر في ظنك أن أفعله بك انتهى . قلت : هذا يأتي على أوجه : الأول : أن تكون ما استفهامية ، وذا إشارة نحو ماذا الوقوف . الثاني : أن تكون ما استفهامية ، وذا موصولة بدليل افتقاره للجملة بعده . الثالث : أن تكون ماذا كله استفهاما على التركيب كقولك لماذا جئت ؟ الرابع : أن تكون ماذا كله اسم جنس بمعنى شيء أو موصولا بمعنى الذي . الخامس : أن تكون ما زائدة ، وذا للإشارة . السادس : أن تكون ما استفهاما ، وذا زائدة على خلاف فيه . قوله : ( عندي خير ) يعني لست أنت ممن تظلم بل أنت تعفو وتحسن . قوله : ( ذا دم ) بالدال المهملة ، وتخفيف الميم عند الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني بالذال المعجمة ، وتشديد الميم ، وقال النووي : معنى الأول إن تقتل تقتل ذا دم أي صاحب دم لأجل دمه ، ومعنى الثاني ذا ذمة ، وكذلك وقع في رواية أبي داود ، ورده عياض لأنه ينقلب المعنى لأنه إذا كان ذا ذمة يمتنع قتله فوجهه النووي بأن المراد بالذمة الحرمة في قومه . قوله : ( حتى كان الغد ) ويروى فترك حتى كان الغد ، وإنما ذكر في اليوم الأول شيئين لأن أحدهما أشق الأمرين ، وهو القتل ، والآخر أشقى الأمرين ، واقتصر في اليوم الثاني على الشيء الثاني لأجل الاستعطاف ، وطلب الإنعام ، واقتصر في اليوم الثالث على الإجمال تفويضا إلى جميل خلقه صلى الله عليه وسلم . قوله : ( أطلقوا ثمامة ) وفي رواية قال : قد عفوت عنك يا ثمامة وأعتقتك . قوله : ( إلى نخل ) بالخاء المعجمة ، وفي كتاب الصلاة بالجيم ، وهو الماء قاله الكرماني . قوله : ( وبشره ) أي بخير الدنيا والآخرة . قوله : ( صبوت ) أي ملت إلى دين غير دينك . قوله : ( قال : لا ) أي لا صبوت من الدين ؛ لأن عبادة الأوثان ليست بدين حتى إذا تركتها أكون خارجا من دين ، بل دخلت في دين الإسلام ، وأسلمت مع محمد بمعنى وافقته على دين الحق فصرنا متصاحبين في الإسلام ، وفي رواية ابن هشام ، ولكن تبعت خير الدين دين محمد صلى الله عليه وسلم . قوله : ( حتى يأذن فيها النبي صلى الله عليه وسلم ) أي إلى أن يأذن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . قال ابن هشام : ثم خرج إلى اليمامة فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئا ، فكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إنك تأمر بصلة الرحم ، فكتب إلى ثمامة أن تخلي بينهم وبين الحمل إليهم .