18 - باب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : وَلَمْ يَرَ الْحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُصَلّي عَلَى الْجُمْدِ وَالْقَنَاطِرِ وَإِنْ جَرَى تَحْتَهَا بَوْلٌ أَوْ فَوْقَهَا أَوْ أَمَامَهَا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ . وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى سَقْفِ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَصَلَّى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الثَّلْجِ . 377 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حَازِمٍ ، قَالَ : سَأَلُوا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ الْمِنْبَرُ ؟ فَقَالَ : مَا بَقِيَ في النَّاسِ أَعْلَمُ مِنِّي ، هُوَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ ، عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَامَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ عُمِلَ وَوُضِعَ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ ، كَبَّرَ وَقَامَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، فَقَرَأَ وَرَكَعَ وَرَكَعَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى فَسَجَدَ عَلَى الْأَرْضِ ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ ، ثُمَّ رَكَعَ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ رَجَعَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ بِالْأَرْضِ . فَهَذَا شَأْنُهُ . قَالَ أَبُو عَبْد اللَّهِ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ عبد الله : سَأَلَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ : فَإِنَّمَا أَرَدْتُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ أَعْلَى مِنْ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ : فَقُلْتُ : إِنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ كَانَ يُسْأَلُ عَنْ هَذَا كَثِيرًا فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا . قَوْلُهُ : ( بَابُ الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ ) يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى الْجَوَازِ ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ وَعَنِ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْمَكَانِ الْمُرْتَفِعِ لِمَنْ كَانَ إِمَامًا . قَوْلُهُ : ( قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ الْمُصَنِّفُ ، وَالْحَسَنُ هُوَ الْبَصْرِيُّ ، وَالْجَمْدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمِيمِ بَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ : الْمَاءُ إِذَا جَمَدَ ، وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الْآتِي أَنَّهُ صَلَّى عَلَى الثَّلْجِ ، وَحَكَى ابْنُ قُرْقُولٍ أَنَّ رِوَايَةَ الْأَصِيلِيِّ ، وَأَبِي ذَرٍّ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، قَالَ الْقَزَّازُ : الْجَمَدُ مُحَرَّكُ الْمِيمِ هُوَ الثَّلْجُ ، نَقَلَ ابْنُ التِّينِ عَنِ الصِّحَاحِ : الْجُمُدُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالْمِيمِ وَبِسُكُونِ الْمِيمِ أَيْضًا مِثْلِ عُسُرٍ وَعُسْرٍ : الْمَكَانُ الصُّلْبُ الْمُرْتَفِعُ . قُلْتُ : وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادًا هُنَا ، بَلْ صَوَّبَ ابْنُ قُرْقُولٍ وَغَيْرُهُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَاسِبُ لِلْقَنَاطِرِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ يَكُونُ تَحْتَهُ مَا ذُكِرَ مِنَ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ ، وَالْغَرَضُ أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ يَخْتَصُّ بِمَا لَاقَى الْمُصَلِّي ، أَمَّا مَعَ الْحَائِلِ فَلَا . قَوْلُهُ : ( وَصَلَّى أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الْمَسْجِدِ ) ، وَلِلْمُسْتَمْلِي : عَلَى سَقْفٍ . وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ قَالَ : صَلَّيْتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ فَوْقَ الْمَسْجِدِ بِصَلَاةِ الْإِمَامِ ، وَصَالِحٌ فِيهِ ضَعْفٌ ، لَكِنْ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٍ فَاعْتُضِدَ . قَوْلُهُ : ( حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) هُوَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ، وَسُفْيَانُ هُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ ابْنُ دِينَارٍ . قَوْلُهُ : ( مَا بَقِيَ بِالنَّاسِ ) ولِلْكُشْمِيهَنِيِّ فِي النَّاسِ ، ( أَعْلَمُ مِنِّي ) أَيْ بِذَلِكَ . قَوْلُهُ : ( مِنْ أَثْلٍ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ شَجَرٌ مَعْرُوفٌ ، وَالْغَابَةُ بِالْمُعْجَمَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ . قَوْلُهُ : ( عَمِلَهُ فُلَانٌ مَوْلَى فُلَانَةَ ) اخْتُلِفَ فِي اسْمِ النَّجَّارِ الْمَذْكُورِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجُمُعَةِ ، وَأَقْرَبُهَا مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ فِي شَرَفِ الْمُصْطَفَى مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ ، عَنْ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلٍ ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ : كَانَ بِالْمَدِينَةِ نَجَّارٌ وَاحِدٌ يُقَالُ لَهُ : مَيْمُونٌ ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الْمِنْبَرِ . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا يُعْرَفُ اسْمُهَا لَكِنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ . وَنَقَلَ ابْنُ التِّينِ ، عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ النَّجَّارَ كَانَ مَوْلًى لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْأَصْلِ مَوْلَى امْرَأَتِهِ وَنُسِبَ إِلَيْهِ مَجَازًا ، وَاسْمُ امْرَأَتِهِ فَكِيهَةُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ دُلَيْمٍ ، وَهِيَ ابْنةُ عَمِّهِ ، أَسْلَمَتْ وَبَايَعَتْ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْمُرَادَةَ . لَكِنْ رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ : مَوْلًى لِبَنِي بَيَاضَةَ . وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ لِأَبِي مُوسَى الْمَدِينِيِّ نَقْلًا عَنْ جَعْفَرٍ المُسْتَغْفِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فِي أَسْمَاءِ النِّسَاءِ مِنَ الصَّحَابَةِ عُلَاثَةُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْمُثَلَّثَةِ ، ثُمَّ سَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ : وَفِيهِ أَرْسَلَ إِلَى عُلَاثَةَ امْرَأَةً قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ ، فَقَدْ قَالَ أَبُو مُوسَى : صَحَّفَ فِيهِ جَعْفَرٌ أَوْ شَيْخُهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ فُلَانَةُ ، انْتَهَى . وَوَقَعَ عِنْدَ الْكِرْمَانِيِّ قِيلَ : اسْمُهَا عَائِشَةُ ، وَأَظُنُّهُ صَحَّفَ الْمُصْحَفَ ، وَلَوْ ذَكَرَ مُسْتَنَدَهُ فِي ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَى . ثُمَّ وَجَدْتُ فِي الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُصَلِّي إِلَى سَارِيَةٍ فِي الْمَسْجِدِ وَيَخْطُبُ إِلَيْهَا وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهَا ، فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ فَصَنَعَتْ لَهُ مِنْبَرَهُ هَذَا ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَلَوْ صَحَّ لَمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الْمُرَادَةُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ هَذَا إِلَّا بِتَعَسُّفٍ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْغَرَضُ مِنْ إِيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمِنْبَرِ ، وَفِيهِ جَوَازُ اخْتِلَافِ مَوْقِفِ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فِي الْعُلْوِّ وَالسُّفْلِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي حِكَايَتِهِ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . وَلِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ذَلِكَ بَحْثٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِارْتِفَاعِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ التَّعْلِيمِ لَمْ يَسْتَقِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَتَنَاوَلُهُ ، وَلِانْفِرَادِ الْأَصْلِ بِوَصْفٍ مُعْتَبَرٍ تَقْتَضِي الْمُنَاسَبَةُ اعْتِبَارَهُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعَمَلِ الْيَسِيرِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي مَوْضِعِهِ . قَوْلُهُ : ( قَالَ : فَقُلْتُ ) أَيْ قَالَ عَلِيٌّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . قَوْلُهُ : ( فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا ) صَرِيحٌ فِي أَنَّ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ لَمْ يَسْمَعْ هَذَا الْحَدِيثَ مِنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ . وَقَدْ رَاجَعْتُ مُسْنَدَهُ فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَخْرَجَ فِيهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ قَوْلَ سَهْلٍ : كَانَ الْمِنْبَرُ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ فَقَطْ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمَنْفِيَّ فِي قَوْلِهِ : فَلَمْ تَسْمَعْهُ مِنْهُ ؟ قَالَ : لَا جَمِيعُ الْحَدِيثِ لَا بَعْضُهُ ، وَالْغَرَضُ مِنْهُ هُنَا وَهُوَ صَلَاتُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْمِنْبَرِ دَاخِلٌ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ ، فَلِذَلِكَ سَأَلَ عَنْهُ عَلِيًّا ، وَلَهُ عِنْدَهُ طَرِيقٌ أُخْرَى مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِيهِ . وَفِي الْحَدِيثِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى الْخَشَبِ ، وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ ، وَابْنُ سِيرِينَ ، أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمَا . وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ وَعَنْ مَسْرُوقٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ لَبِنَةً لِيَسْجُدَ عَلَيْهَا إِذَا رَكِبَ السَّفِينَةَ ، وَعَنِ ابْنِ سِيرِينَ نَحْوُهُ . وَالْقَوْلُ بِالْجَوَازِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ .
الشروح
فتح الباري شرح صحيح البخاريبَاب الصَّلَاةِ فِي السُّطُوحِ وَالْمِنْبَرِ وَالْخَشَبِ · ص 579 فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب · ص 225 18 - باب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب ولم ير الحسن بأسا أن يصلى على الجمد والقناطر ، وإن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة . وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإمام . وصلى ابن عمر على الثلج . مقصود البخاري بهذا الباب : أنه تجوز الصلاة على ما علا على وجه الأرض ، سواء كان موضوعا عليها وضعا ، كمنبر وسرير من خشب أو غيره ، أو كان مبنيا عليها ، كسطح المسجد وغرفة مبنية عليه أو على غيره ، وكذلك ما علا على وجه الأرض مما يذوب ، كالثلج والجليد . فهذه ثلاث مسائل : الأولى : الصلاة على ما وضع على الأرض مما يتأبد فيها ، أو ينقل عنها كمنبر وسرير ونحوه ، فيجوز ذلك عند أكثر العلماء . قال أبو طالب : سألت أحمد عن الصلاة على السرير الفريضة والتطوع ؟ قال : نعم ، إذا كان يمكنه مثل السطح . وقال حرب : سألت إسحاق عن الصلاة على السرير من الخشب ؟ قال : لا بأس به . وروى حرب بإسناده ، عن الأوزاعي ، أنه لم ير بأسا بالصلاة على الأسِرّة وأشباهها . وليس في هذا اختلاف بين العلماء ، إلا خلاف شاذ قديم . روى أبو نعيم الفضل بن دكين : ثنا أبو بكر بن عياش ، عن إسماعيل بن سُميع ، عن علي بن كثير ، قال : رأى عمار رجلا يصلي على رابية ، فمده من خلفه ، فقال : هاهنا صل في القرار . ولعل هذا المصلي كان إماما لقوم يصلون تحته ، وسيأتي الكلام على ذلك - إن شاء الله تعالى . المسألة الثانية : الصلاة فيما بني على وجه الأرض كغرفة في المسجد ، أو فوق سطح المسجد ، وكله جائز لا كراهة فيه بغير خلاف ، إلا في مواضع يسيرة اختلف فيها ؛ وقد أشار البخاري إلى بعضها : فمنها : صلاة المأموم فوق سطح المسجد بصلاة الإمام في أسفل المسجد ، وقد حكى عن أبي هريرة أنه فعله . وحكى ابن المنذر فعل ذلك عن أبي هريرة وسالم بن عبد الله . قال : وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي ، وحكي عن مالك : أنه إن صلى الجمعة على سطح المسجد أعادها ظهرا . ومذهب مالك : أن الجمعة لا تصلى فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام . وفي سائر الصلوات عنه روايتان : الجواز ، والكراهة ، وهي آخر الروايتين عنه . وممن يرى جواز ذلك : الثوري وأحمد وإسحاق . وروى سفيان ، عن يونس بن عبيد ، عن عبد ربه ، قال : رأيت أنس بن مالك صلى يوم الجمعة في غرفة بالبصرة بصلاة الإمام . واحتج أحمد بهذا . وروى ابن أبي ذئب ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : رأيت أبا هريرة يصلي على سطح المسجد بصلاة الإمام . واشترط الإمام أحمد أن يكون ذلك بقرب الإمام ، أو يسمع قراءته - : نقله عنه حنبل ، ولم يشترط غير ذلك . واشترط أكثر أصحابنا - كالخرقي وأبي بكر عبد العزيز وابن أبي موسى والقاضي - : إيصال الصفوف دون قرب الإمام . وقد أشار إليه أحمد في رواية أبي طالب ، في الرجل يصلي فوق السطح بصلاة الإمام : إن كان بينهما طريق أو نهر فلا . قيل له : فأنس صلى يوم الجمعة في سطح ؟ فقال : يوم جمعة لا يكون طريق الناس . يشير إلى أن يوم الجمعة تمتلئ الطرقات بالمصلين ، فتتصل الصفوف . قال أبو طالب : فإن الناس يصلون خلفي في رمضان فوق سطح بيتهم ؟ فقال أحمد : ذاك تطوع . ففرق أحمد بين الفريضة والنافلة في إيصال الصفوف . ونقل حرب ، عن أحمد خلاف ذلك ، في امرأة تصلي فوق بيت ، وبينها وبين الإمام طريق ، فقال : أرجو أن لا يكون به بأس . وذكر أن أنس بن مالك كان يفعل ذلك . ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، أن ذلك يجوز يوم الجمعة ، إذا ضاق المكان ، كما فعل أنس . وظاهر هذه الرواية : أنه لا يجوز لغير ضرورة . والمذهب المشهور عنه : جوازه مطلقا ، كما تقدم . وذكر أبو بكر الرازي : أن المشهور عند أصحابهم - يعني : أصحاب أبي حنيفة - أنه يكره ارتفاع المأموم على الإمام ، والإمام على المأموم ، خلافا لما قاله الطحاوي من التفريق بينهما . ومنها : إذا بني على قنطرة مسجد أو غيره ، فإنه تجوز الصلاة إليه ، حكاه عن الحسن ، وخالفه غيره في ذلك . روى حرب بإسناده ، عن همام : سئل قتادة عن المسجد يكون على القنطرة ؟ فكرهه . قال همام : فذكرت ذلك لمطر ، فقال : كان الحسن لا يرى به بأسا . قال حرب : وقلت لأحمد : المسجد يبنى على القنطرة ؟ فكرهه ، وذكر : أراه عن ابن مسعود كراهته . ونقل المروذي عن أحمد ، قال : كره ابن مسعود أن يصلى في المسجد الذي بني على القنطرة . قال : وقلت لأبي عبد الله - يعني : أحمد - : ترى أن أصلي في مسجد بني على ساباط ؟ قال : لا ؛ هذا طريق المسلمين . وأصل هذه المسألة : أن طريق المسلمين لا يبنى فيه مسجد ولا غيره عند الإمام أحمد . وهواء الطريق حكمه عنده حكم أسفله ، فلا يجوز عنده إحداث ساباط على الطريق ، ولا البناء عليه . والنهر الذي تجري فيه السفن حكمه عنده كحكم الطريق ، لا يجوز البناء عليه . ورخص آخرون في بناء المساجد في الطريق الواسع ، إذا لم يضر بالمارة . ومنهم من اشترط لذلك إذن الإمام ، وحكي رواية عن أحمد - أيضا . قال الشالنجي : سألت أحمد : هل يبنى على خندق مدينة المسلمين مسجد للمسلمين عامة ؟ قال : لا بأس بذلك ، إذا لم يضيّق الطريق . قال : وقال أبو أيوب - يعني : سليمان بن داود الهاشمي - : لا بأس بذلك ، إلا أن يكون في الثغر مخافة العدو . وبه قال أبو خيثمة . والبخاري يميل إلى الجواز ، وقد ذكره في أبواب : المساجد ، وفي البيوع ، واستدل بحديث الهجرة ، وأن أبا بكر ابتنى بفناء بيته بمكة مسجدا يقرأ فيه القرآن . وسيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وأما ما حكاه أحمد ، عن ابن مسعود ، فروى وكيع وحرب بإسنادهما ، عن ابن سيرين ، أنه رأى مسجدا فوق قنطرة تحتها قذر ، فقال : كان ابن مسعود يكره الصلاة في مثل هذا . وهذه الكراهة : يحتمل أن تكون لكون القنطرة طريقا للناس ، فلا يبنى عليها ، كما قاله الإمام أحمد ، ويحتمل أن تكون لكون القذر تحت هذا المسجد ؛ فإن في جواز الصلاة في علو الأماكن المنهي عن الصلاة فيها كالحش ونحوه لأصحابنا وجهين . ولو صلى على سرير قوائمه على نجاسة صحت صلاته ، وإن تحرك بحركته ، عند أصحابنا وأصحاب الشافعي . وحكي عن الحنفية ، أنه إن تحرك بحركته لم تصح ، وإلا صحت . وقد حكى البخاري عن الحسن ، أنه يصلي على القناطر وإن جرى تحتها بول ، أو فوقها أو أمامها ، إذا كان بينهما سترة . فأما إن كان البول يجري تحتها فقد ذكرنا حكمه آنفا ، وأما إن كان أمامها أو فوقها ، وبينهما سترة فقد رخص فيه الحسن ، كما حكاه عنه . وعن أحمد في الصلاة إلى الحش من غير حائل روايتان : إحداهما : تصح مع الكراهة . والثانية : لا تصح ، وهي اختيار ابن حامد وغيره . ولا يكفي حائط المسجد ، ولا يكون حائلا - : نص عليه أحمد . ومن الأصحاب من تأول قوله على أن النجاسة كانت تصل إلى ما تحت مقام المصلَّى ، فإن لم يكن كذلك كفى حائط المسجد . ونقل حرب عن إسحاق ، أنه كره الصلاة في مسجد في قبلته كنيف ، إلا أن يكون للكنيف حائط من قصب أو خشب غير حائط المسجد ، وإن صلى فيه أعاد ، وإن كان للكنيف سترة من لُبُود ، فلا يصلي في المسجد من ورائه ، وإن كان الكنيف عن يمين القبلة أو يسارها فلا بأس . ونقل أبو طالب ، عن أحمد : إذا كان الكنيف أسفل من المسجد بذراع ونصف فلا بأس . ورخصت طائفة في الصلاة إلى الحش إذا كان بينهما سترة . وقال الأوزاعي ، في رجل يصلي وبين يديه حش ، ودونه جدار من قصب ، وهو يصلي نحوه : لا أعلم به بأسا . وقال الليث بن سعد : كتب إلي عبد الله بن نافع مولى ابن عمر : أما ما ذكرت من مصلى قبلته إلى مرحاض ، فإنما جعلت السترة لتستر من المرحاض وغيره ، وقد حدثني نافع ، أن دار ابن عمر التي هي وراء جدار قبلة النبي صلى الله عليه وسلم كانت مربدا لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم يذهبن فيه ، ثم ابتاعته حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم منهن ، فاتخذته دارا . ولكن ؛ عبد الله بن نافع منكر الحديث : قَالَه البخاري وغيره . والعجب أن البخاري اعتمد على ما ذكره في رسالته إلى الليث في إنكار النهي عن الصَّلاة في أعطان الإبل ، واستدل بما استدل به ، ولا دلالة فيه ، كما سيأتي في موضعه - إن شاء الله تعالى . وعند الشافعي وأصحابه : تكره الصلاة على مدفن النجاسة ، وتصح . ومن أصحابه من كره الصلاة إلى النجاسة أيضا . وحكي عن ابن حبيب المالكي ، أن من تعمد الصلاة إلى نجاسة بطلت صلاته ، إلا أن تكون بعيدة جدا . المسألة الثالثة : إذا كان المستعلي على وجه الأرض مما لا يبقى على حاله كالثلج والجليد ، فقد حكى عن الحسن جواز الصلاة على الجليد . ومعناه : إذا جمد النهر جازت الصلاة فوقه . وقد صرح بجوازه أصحابنا وغيرهم من الفقهاء ؛ فإنه يصير قرارا متمكنا كالأرض ، وليس بطريق مسلوك في العادة حتى تلحق الصلاة عليه بقارعة الطريق في الكراهة . وحكى البخاري عن ابن عمر ، أنه صلى على الثلج . ونص أحمد على جواز الصلاة عليه والسجود عليه . ونقل عنه حرب ، قال : يبسط عليه ثوبًا ويصلي . قلت : فإن لم يكن معه إلا الثوب الذي على جسده ؟ قال : إن أمكنه السجود عليه سجد ، وإلا أومأ . قال : وإذا كان الثلج باردا فإنه عذر ، وسهل فيه . قَالَ : وسمعت إسحاق - يعني : ابن راهويه - يقول : إذا صليت في الثلج أو الرمضاء أو البرد أو الطين فآذاك فاسجد على ثوبك ، وإذا اشتد عليك وضع اليدين على الأرض فضعهما على ثوبك ، أو أدخلهما كميك ، ثم اسجد كذلك . قال : وسمعته - مرة أخرى - يقول : إن كنت في ردغة أو ماء أو ثلج ، لا تستطيع أن تسجد ، فأومئ إيماء ، كذلك فعل أنس بن مالك وجابر بن زيد وغيرهما . انتهى . وأنس إنما صلى على راحلته في الطين ، لا على الأرض . وحاصل الأمر : أنه يلزمه السجود على الثلج ما لم يكن عليه فيه ضرر ، فإن كان عليه ضرر لم يلزمه ، وأجزأه أن يومئ . ولأصحابنا وجه آخر : أنه يلزمه السجود عليه بكل حال ، ولا يجزئه الإيماء . والثلج نوعان : تارة يكون متجلدا صلبا ، فهذا حكمه حكم الجليد كما تقدم ، وتارة يكون رخوا لا تستقر الأعضاء عليه ، فيصير كالقطن والحشيش ونحوهما . ومن سجد على ذلك لم يجزئه إلا من عذر ، صرح بذلك طائفة من أصحابنا ، وجعلوا استقرار الجبهة بالأرض شرطًا ، واستدلوا بأنه لو علق بساطا في الهواء وصلى عليه لم يجزئه ، وكذا لو سجد على الهواء أو الماء . وللشافعية في ذلك وجهان : أصحهما عندهم : أنه يلزمه أن يتحامل على ما يسجد عليه بثقل رأسه وعنقه حتى يستر جبهته ، ولا تصح صلاة بدون ذلك . والثاني : لا يجب ذلك . ولهم - أيضا - في الصلاة على الأرجوحة ، وعلى سرير تحمله الرجال وجهان ، أصحهما : الصحة . وروى عبد الرحمن بن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن صالح مولى التوأمة ، قال : سمعت ابن عباس يقول : سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء من أمر الصلاة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض ، حتى تجد حجم الأرض . خرجه الإمام أحمد . وفي إسناده لين . وروى حرب الكرماني : ثنا إسحاق - هو : ابن راهويه - : ثنا سويد بن عبد العزيز ، عن أبي جبيرة زيد بن جبيرة ، عن داود بن حصين ، عن نافع ، عن ابن عمر ، قال : أصاب الناس الثلج على عهد عمر بن الخطاب ، فبسط بساطا ثم صلى عليه ، وقال : إن الثلج لا يتيمم به ، ولا يصلى عليه . واحتج إسحاق بهذا الحديث . وإسناده ضعيف ؛ فإن زيد بن جبيرة وسويد بن عبد العزيز ضعيفان . وقد روى أبو عبيد في كتاب الطهور بإسناد آخر ، وفيه ضعف - أيضا - : أن عمر أصابه الثلج بالجابية لما قدم الشام ، فقال : إن الثلج لا يتيمم به . ولم يذكر الصلاة . واختلف الرواة عن أحمد في الغريق في الماء : هل يومئ بالسجود ، أم يلزمه أن يسجد بجبهته على الماء ؟ على روايتين عنه . وقال القاضي أبو يعلى في بعض كتبه : لم يوجب أحمد السجود على الماء ؛ لأنه ليس بقرار ، وإنما أراد أنه يجب عليه أن يومئ في الماء إلى قرب الأرض ، وإن غاص وجهه في الماء . وهذا الذي قاله بعيد جدا . وحمل أبو بكر عبد العزيز الروايتين عن أحمد على حاليين : فإن أمكنه السجود على متن الماء سجد ، وإلا أومأ . وقال أبو بكر الخلال : قول أحمد : يومئ ، يريد بالركوع . وقوله : يسجد على متن الماء ، في السجود . فلم يثبت عن أحمد في الإيماء بالسجود خلافا . ولو كان في وحل وطين لم يلزمه السجود عليه ، وإنما عليه أن يومئ ، ولم يحك أكثر الأصحاب فيه خلافًا ، بل قال ابن أبي موسى : لا يلزمه ذلك - قولا واحدا . ومنهم من خرج فيه وجها آخر : بوجوب السجود على الطين إذا قلنا : لا تجوز له الصلاة في الطين على راحلته ، بل تلزمه الصلاة بالأرض ، وهو رواية عن أحمد ، اختارها ابن أبي موسى . وفرق ابن أبي موسى بين المسألتين ، ووجه الفرق : أن المانع من الصلاة على الراحلة امتناع القيام والاستقرار بالأرض دون امتناع السجود بالأرض ، ولأن في السجود على الطين ضررا ؛ فإنه ربما دخل في عينيه وأنفه وفمه ، وربما غاص فيه رأسه وشق عليه رفعه ، فلا يلزمه ، بخلاف السجود على متن الماء . وممن قال : يومئ بالسجود ولا يسجد على الطين : أبو الشعثاء وعمارة بن غزية . وفيه حديث مرفوع : خرجه الطبراني وابن عدي من طريق محمد بن فضاء ، عن أبيه ، عن علقمة بن عبد الله ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : إذا لم يقدر أحدكم على الأرض ، إذا كنتم في طين أو قصب أومئوا إيماء . وفي رواية لابن عدي : أو في ماء أو في ثلج . ومحمد بن فضاء ، ضعيف ؛ ضعفه يحيى والنسائي وغيرهما . ومذهب مالك : أنه يصلي في الطين بالأرض ، ولا يصلي على الراحلة . واختلفت الرواية عنه في السجود في الطين : فروي عنه : أنه يسجد عليه . وروي عنه : أنه يومئ . وحمل ذلك طائفة من أصحابه على اختلاف حالين : فالحال التي يسجد عليه : إذا كان خفيفا ، كما سجد النبي صلى الله عليه وسلم في اعتكافه في الماء والطين ، وانصرف وعلى جبهته أثر الماء والطين . والحال التي يومئ : إذا كان كثيرا ، يغرق فيه المصلي . ونص أحمد على أنه إذا خشي أن تفسد ثيابه بالسجود على الطين أومأ ، ولم يسجد عليه . وكذا قال أبو الشعثاء جابر بن زيد . خرج البخاري في هذا الباب حديثين :
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجبباب الصلاة في المنبر والسطوح والخشب · ص 235 الحديث الأول : قال : 377 - ثنا علي بن عبد الله : ثنا سفيان : ثنا أبو حازم : سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي في الناس أعلم به مني ، هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عمل ووضع ، فاستقبل القبلة ، كبر وقام الناس خلفه فقرأ ، وركع وركع الناس خلفه ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم قرأ ، ثم ركع ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض ، فهذا شأنه . قال أبو عبد الله : قال علي بن عبد الله المديني : سألني أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ، قال : فإنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . قال : فقلت : إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرا ، فلم تسمعه منه ؟ قال : لا . هذا الحديث بتمامه مشهور عن ابن عيينة بهذا الإسناد ، رواه عنه الشافعي وغيره ، ولم يسمع منه الإمام أحمد إلا : كان من أثل الغابة - يعني : منبر النبي صلى الله عليه وسلم - وقد خرج هذا القدر منه عن سفيان في مسنده . وكان سفيان يختصر الحديث أحيانا . وإنما خرج أحمد بتمامه في مسنده من طريق عبد العزيز بن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد ، وقال في آخر الحديث : فلما انصرف قال : يا أيها الناس ، إنما فعلت هذا لتأتموا بي ، وتعلموا صلاتي . وقد خرجه البخاري في موضع آخر من كتابه ، ومسلم - أيضا - من حديث يعقوب بن عبد الرحمن ، عن أبي حازم ، بهذه الزيادة . ومقصود البخاري بتخريج هذا الحديث هنا : الاستدلال على جواز الصلاة على ما يوضع على الأرض من منبر وما أشبهه كالسرير وغيره . وما ذكره البخاري عن علي ابن المديني ، أن أحمد بن حنبل سأله عن هذا الحديث ، وقال : إنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس ، فلا بأس بأن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث . فهذا غريب عن الإمام أحمد ، لا يعرف عنه إلا من هذا الوجه ، وقد اعتمد عليه ابن حزم وغيره ، فنقلوا عن أحمد : الرخصة في علو الإمام على المأموم . وهذا خلاف مذهبه المعروف عنه ، الذي نقله عنه أصحابه في كتبهم ، وذكره الخرقي ومن بعده ، ونقله حنبل ويعقوب بن بختان ، عن أحمد ، أنه قال : لا يكون الإمام موضعه أرفع من موضع من خلفه ، ولكن لا بأس أن يكون من خلفه أرفع . وممن كره أن يكون موقف الإمام أعلى من المأموم : النخعي والثوري ومالك وأبو حنيفة والأوزاعي . وقد روي ذلك عن ابن مسعود من غير وجه أنه كرهه ، ونهى عنه . وخرج أبو داود من رواية الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام ، أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان ، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجذبه ، فلما فرغ من صلاته قال : ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك - أو ينهى عن ذلك - ؟ قال : قد ذكرت حين مددتني . ومن رواية ابن جريج : أخبرني أبو خالد ، عن عدي بن ثابت ، قال : حدثني رجل ، أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن ، فأقيمت الصلاة ، فتقدم عمار بن ياسر ، وقام على دكان يصلي ، والناس أسفل ، فتقدم حذيفة ، فأخذ على يديه ، فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة ، فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة : ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مقام أرفع من مقامهم - أو نحو هذا ؟ قال عمار : لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي . ورخص طائفة في ارتفاع الإمام على المأمومين . وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه أم الناس فوق كنيسة وهم تحتها . وروي نحوه عن سحنون . وأما مذهب الشافعي ، فإنه قال : أختار للإمام الذي يعلم من خلفه أن يصلي على الشيء المرتفع ، ليراه من وراءه ، فيقتدوا بركوعه وسجوده . قال : وإذا كان الإمام علم الناس مرة أحببت أن يصلي مستويا مع المأمومين ؛ لأنه لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى على المنبر إلا مرة . وكذا حكى ابن المنذر عن الشافعي جوازه إذا أراد تعليمهم ، واختاره ابن المنذر ، وقال : إذا لم يرد التعليم فهو مكروه ؛ لحديث ابن مسعود . ومن أصحابنا من حكى رواية عن أحمد كذلك . والذين كرهوا ذلك مطلقا اختلفوا في الجواب عن حديث سهل بن سعد في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر : فمنهم من قال : قد يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما هو مكروه لغيره لبيان جوازه ، ولا يكون ذلك مكروها في حقه في تلك الحال ، ويكره لغيره بكل حال . وهذا ذكره طائفة من أصحابنا كالقاضي أبي يعلى وغيره ، ووقع في كلام الخطابي ما يشبهه . ومنهم من قال : المكروه أن يقوم الإمام على مكان مرتفع على المأمومين ارتفاعا كذراع ونحوه ، فإنه يحوج المأمومين في صلاتهم إلى رفع أبصارهم إليه للاقتداء به ، وهو مكروه ، فأما الارتفاع اليسير فغير مكروه ، ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم كان وقوفه على درجة المنبر الأولى ، فلا يكون ذلك ارتفاعا كثيرا . وتقدير الكثير بالذراع قول القاضي أبي يعلى من أصحابنا . وقياس المذهب : أنه يرجع فيه إلى العرف . وذكر الطحاوي - من الحنفية - أنه مقدر بما زاد على قامة الإنسان . واستغرب ذلك أبو بكر الرازي . واختلف القائلون بكراهة ذلك : هل تبطل به الصلاة ، أم لا ؟ فقال أكثرهم : تكره الصلاة ، ولا تبطل . وقد تقدم أن الصحابة بنوا على الصلاة خلف من أمهم مرتفعا عليهم ، ولم يستأنفوا الصلاة . وقالت طائفة : تبطل الصلاة بذلك ، وهو قول مالك وابن حامد من أصحابنا ، وحكي عن الأوزاعي نحوه . واختلف أصحابنا : هل النهي متوجه إلى الإمام ، أن يعلو على من خلفه ، أم النهي متوجه إلى المأموم ، أن يقوم أسفل من إمامه ؟ على وجهين : أحدهما : أن النهي للإمام . فإن قلنا : إن هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة الإمام . وهل تبطل صلاة من خلفه أم لا ؟ فيه روايتان عن أحمد في صلاة من اقتدى بإمام ، صلاته فاسدة . والثاني : أن النهي متوجه إلى المأمومين خاصة . فعلى هذا ؛ إن كان الإمام في العلو وحده ، وقلنا : هذا النهي يبطل الصلاة ، بطلت صلاة المأمومين وصلاة الإمام ؛ لأنه صار منفردا ، وقد نوى الإمامة ، وهذا مبطل عند أصحابنا . وإن كان معه في العلو أحد صحت صلاته وصلاة من معه ، وفي صلاة من أسفل منهم الخلاف السابق . واعلم ؛ أنه لم يقع في صحيح البخاري حكاية قول لأحمد في غير هذه المسألة ، وهو خلاف مذهبه المعروف في كتب أصحابه ، ولم أعلم أحدا منهم حكى ذلك عن أحمد ، إلا أن القاضي أبا يعلى حكاه في كتاب الجامع الصغير له وجها . والله أعلم . وفي قول سهل بن سعد : لم يبق أعلم بالمنبر مني : دليل على أن من اختص بعلم ، فإنه لا يكره له أن ينبه على اختصاصه به ؛ ليؤخذ عنه ، وتتوفر الهمم على حفظه وضبطه عنه ، وقد سبق في كتاب : العلم شيء من ذلك . وبقية فوائد الحديث تذكر في مواضع أخر - إن شاء الله تعالى .
عمدة القاري شرح صحيح البخاريباب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب · ص 101 باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب أي هذا باب في بيان حكم الصلاة في المنبر إلى آخره يعني يجوز ، ولما كان فيه خلاف لبعض التابعين ، وللمالكية في المكان المرتفع لمن كان إماما لم يصرح بالجواز وعدمه ، ولكن مراده الجواز. قوله : في المنبر كان ينبغي أن يقول على المنبر ، وحديث الباب يدل عليه ، ولكن كلمة في تجيء بمعنى على كما في قوله تعالى : وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ والمنبر بكسر الميم من نبرت الشيء إذا رفعته ، والقياس فيه فتح الميم ؛ لأن الكسرة علامة الآلة ، ولكنه سماعي ، والسطوح جمع سطح البيت والخشب بفتحتين ، وبضمتين أيضا . ( قال أبو عبد الله ) هو البخاري نفسه . ( ولم ير الحسن بأسا أن يصلى على الجمد والقناطر وإن جرى تحتها بول أو فوقها أو أمامها إذا كان بينهما سترة ) . مطابقة هذا الأثر للترجمة تأتي في القناطر ، والمراد من الحسن هو البصري. قوله : على الجمد بفتح الجيم ، وسكون الميم ، وفي آخره دال مهملة . قال السفاقسي : الجمد بفتح الجيم ، وضمها مكان صلب مرتفع ، وزعم ابن قرقول أن في كتاب الأصيلي وأبي ذر بفتح الميم قال : والصواب سكونها ، وهو الماء الجليد من شدة البرد ، وفي المحكم : الجمد الثلج ، وفي المثنى لابن عديس : الجمد بالفتح والإسكان الثلج . قال أبو عبد الله موسى بن جعفر : الجمد محرك الميم الثلج الذي يسقط من السماء ، وقال غيره : الجمد والجمد بالفتح والضم ، والجمد بضمتين ما ارتفع من الأرض ، وفي ديوان الأدب للفارابي : الجمد ما جمد من الماء ، وهو نقيض الذوب ، وهو مصدر في الأصل ، وفي الصحاح : الجمد بالتحريك جمع جامد مثل خادم وخدم ، والجمد والجمد مثل عسر وعسر مكان صلب مرتفع ، والجمع أجماد ، وجماد مثل رمح وأرماح ورماح. قوله : والقناطر جمع قنطرة . قال ابن سيده : هي ما ارتفع من البنيان ، وقال القزاز : القنطرة معروفة عند العرب . قال الجوهري : هي الجسر . ( قلت ) القنطرة ما تبنى بالحجارة ، والجسر يعمل من الخشب أو التراب . قوله : وإن جرى تحتها بول يتعلق بالقناطر فقط ظاهرا قاله الكرماني . ( قلت ) يجوز أن يتعلق بالجمد ؛ لأن الجمد في الأصل ماء فبشدة البرد يجمد ، وربما يكون ماء النهر يجمد فيصير كالحجر حتى يمشي عليه الناس ، فلو صلى شخص عليه وكان تحته بول أو نحوه لا يضر صلاته ، فإن قلت : على هذا كيف يرجع الضمير في تحتها إلى الجمد وهو غير مؤنث ؟ ( قلت ) قد مر أن الجوهري قال إن الجمد جمع جامد ، فإذا كان جمعا يجوز إعادة الضمير المؤنث إليه ، وكذلك الضمير في فوقها وأمامها يجوز أن يرجع إلى القناطر بحسب الظاهر ، وإلى الجمد بالاعتبار المذكور ، والمراد من أمامها قدامها ، وقال بعضهم : الجمد الماء إذا جمد ، وهو مناسب لأثر ابن عمر الآتي أنه صلى على الثلج ( قلت ) إن لم يقيد الثلج بكونه متجمدا متلبدا لا تجوز الصلاة عليه فلا يكون مناسبا له ، وفي المحتبى سجد على الثلج أو الحشيش الكثير أو القطن المحلوج يجوز إن اعتمد حتى استقرت جبهته ، ووجد حجم الأرض ، وإلا فلا ، وفي فتاوى أبي حفص لا بأس أن يصلي على الجمد ، والبر ، والشعير ، والتين ، والذرة ، ولا يجوز على الأرز ؛ لأنه لا يستمسك ، ولا يجوز على الثلج المتجافي ، والحشيش ، وما أشبهه حتى يلبده فيجمد حجمه. قوله : إذا كان بينهما سترة قال الكرماني أي بين القناطر والبول ، أو بين المصلي والبول ، وهذا التقييد مختص بلفظ بأمامها دون أخويها ( قلت ) المصلي غير مذكور إلا أن يقال إن قوله أن يصلي يدل على المصلي ، والمراد من السترة أن يكون المانع بينه وبين النجاسة إذا كانت قدامه ، ولم يعين حد ذلك ، والظاهر أن المراد منه أن لا يلاقي النجاسة سواء كانت قريبة منه أو بعيدة ، وقال ابن حبيب من المالكية إن تعمد الصلاة إلى نجاسة ، وهي أمامه أعاد إلا أن تكون بعيدة جدا ، وفي المدونة من صلى وأمامه جدار أو مرحاض أجزأه. ( وصلى أبو هريرة على ظهر المسجد بصلاة الإمام ) مطابقة هذا الأثر للترجمة ظاهرة ، وهي في قوله : والسطوح ، وقوله : على ظهر المسجد رواية الأكثرين ، وفي رواية المستملي : على سقف المسجد ، ووصل ابن أبي شيبة هذا الأثر عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة ، قال : صليت مع أبي هريرة فوق المسجد بصلاة الإمام وهو أسفل ، وصالح تلكم فيه غير واحد من الأئمة ، ولكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن أبي هريرة ، فتقوى بذلك ؛ فلأجل ذلك ذكره البخاري بصيغة الجزم ، وروى ابن أبي شيبة عن أبي عامر عن سعيد بن مسلم قال رأيت سالم بن عبد الله يصلي فوق ظهر المسجد صلاة المغرب ، ومعه رجل آخر يعني ويأتم بالإمام ، وروي عن محمد بن عدي عن ابن عون قال : سئل محمد عن الرجل يكون على ظهر بيت يصلي بصلاة الإمام في رمضان فقال : لا أعلم به بأسا إلا أن يكون بين يدي الإمام ، وقال الشافعي : يكره أن يكون موضع الإمام أو المأموم أعلى من موضع الآخر إلا إذا أراد تعليم أفعال الصلاة ، أو أراد المأموم تبليغ القوم ، وقال في المهذب : إذا كره أن يعلو الإمام فالمأموم أولى ، وعندنا أيضا يكره أن يكون القوم أعلى من الإمام ، وقال ابن حزم وقال مالك وأبو حنيفة : لا يجوز . ( قلت ) ليس مذهب أبي حنيفة هذا ، ومذهبه أنه يجوز ، ولكنه يكره ، وقال شيخ الإسلام : إنما يكره إذا لم يكن من عذر ، أما إذا كان من عذر فلا يكره كما في الجمعة إذا كان القوم على الرف وبعضهم على الأرض ، والرف بتشديد الفاء شبه الطاق قاله الجوهري ، وعن الطحاوي أنه لا يكره ، وعليه عامة المشايخ . ( وصلى ابن عمر على الثلج ) وكان الثلج متلبدا ؛ لأنه إذا كان متجافيا لا تجوز كما ذكرنا ، وليس لهذا الأثر مطابقة للترجمة إلا إذا شرطنا التلبد ؛ لأنه حينئذ يكون متحجرا فيشبه السطح أو الخشب. 43 - حدثنا علي بن عبد الله قال : حدثنا سفيان قال : حدثنا أبو حازم قال : سألوا سهل بن سعد من أي شيء المنبر ؟ فقال : ما بقي بالناس أعلم مني هو من أثل الغابة ، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقام عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عمل ، ووضع فاستقبل القبلة كبر وقام الناس خلفه فقرأ وركع وركع الناس خلفه ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض ، ثم عاد إلى المنبر ، ثم قرأ ، ثم ركع ، ثم رفع رأسه ، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض فهذا شأنه . مطابقته للترجمة ظاهرة . ذكر رجاله : وهم أربعة : الأول : علي بن عبد الله هو ابن المديني . الثاني : سفيان بن عيينة . الثالث : أبو حازم بالحاء المهملة وبالزاي سلمة بن دينار . الرابع : سهل بن سعد الساعدي آخر من مات من الصحابة بالمدينة . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وصيغة الإخبار كذلك في موضع ، وفيه السؤال ، وفيه أن رواته ما بين بصري ومكي ومدني . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري أيضا في الصلاة عن قتيبة ، وكذلك أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن قتيبة ، وأخرجه مسلم أيضا في الصلاة عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وزهير بن حرب عن علي بن المديني ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أحمد بن ثابت الجحدري عنه به . ذكر لغاته ومعانيه : قوله : من أي شيء أي من أي عود ، واللام في المنبر للعهد أي عن منبره عليه الصلاة والسلام ، وفي رواية أبي داود أن رجالا أتوا سهل بن سعد الساعدي وقد امتروا في المنبر مم عوده أي وقد شكوا في منبر النبي صلى الله عليه وسلم من أي شيء كان عوده . قوله ما بقي بالناس أي في الناس ، ويروى كذلك عن الكشمهيني. قوله : هو مبتدأ ، وقوله : من أثل الغابة خبره ، وفي رواية أبي داود من طرفاء الغابة ، وفسر الخطابي الأثل بالطرفاء ، وقال ابن سيده : الأثل يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه ، وقال أبو زياد : من العضاه أثل ، وهو طوال في السماء ليس له ورق ينبت مستقيم الخشبة وخشبه جيد يحمل إلى القرى فيبنى عليه بيوت المدر ، ورقه هدب رقاق ، وليس له شوك ، ومنه تصنع القصاع والأواني الصغار والكبار والمكاييل والأبواب ، وهو النضار ، وقال أبو عمر : وهو أجود الخشب للآنية ، وأجود النضار الورس لصفرته ، ومنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم نضار ، وفي الواعي : الأثلة خمصة مثل الأشنان ، ولها حب مثل حب التنوم ، ولا ورق لها ، وإنما هي أشنانة يغسل بها القصارون غير أنها ألين من الأشنان ، وقال القزاز هو ضرب من الشجر يشبه الطرفاء وليس به ، وهو أجود منه عودا ، ومنه تصنع قداح الميسر ، والتنوم بفتح التاء المثناة من فوق وضم النون المشددة ، وبعد الواو الساكنة ميم ، وهو نوع من نبات الأرض فيه ثمر ، وفي ثمره سواد قليل ، والغابة بغين معجمة ، وباء موحدة أرض على تسعة أميال من المدينة كانت إبل النبي صلى الله عليه وسلم مقيمة بها للرعي ، وبها وقعت قصة العرنيين الذين أغاروا على سرحه صلى الله عليه وسلم ، وقال ياقوت : بينها وبين المدينة أربعة أميال ، وقال البكري : هما غابتان عليا وسفلى ، وقال الزمخشري : الغابة بريد من المدينة من طريق الشام . قال الواقدي : ومنها صنع المنبر ، وفي الجامع : كل شجر ملتف فهو غابة ، وفي المحكم : الغابة الأجمة التي طالت ، ولها أطراف مرتفعة باسقة ، وقال أبو حنيفة : هي أجمة القصب ، قال : وقد جعلت جماعة الشجر غابا مأخوذ من الغيابة ، والجمع غابات وغياب ، والطرفاء بفتح الطاء وسكون الراء المهملتين ممدودة شجر من شجر البادية ، واحدها طرفة مثل قصبة وقصباء ، وقال سيبويه : الطرفاء واحد وجمع. قوله : عمله فلان بالتنوين ؛ لأنه منصرف ؛ لأنه كناية عن علم المذكر بخلاف فلانة فإنه كناية عن علم المؤنث ، والمانع من صرفه وجود العلتين ، وهما العلمية والتأنيث ، واختلفوا في اسم فلان الذي هو نجار منبره صلى الله تعالى عليه وسلم ففي كتاب الصحابة لابن الأمين الطليطلي : إن اسم هذا النجار قبيصة المخزومي قال : ويقال ميمون ، وقال : وقيل : صلاح غلام العباس بن عبد المطلب ، وقال ابن بشكوال : وقيل : ميناء ، وقيل : إبراهيم ، وقيل : باقوم بالميم في آخره ، وقال ابن الأثير : كان روميا غلاما لسعيد بن العاص مات في حياة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وروى أبو سعد في شرف المصطفى من طريق ابن لهيعة عن عمارة بن غزية عن عباس بن سهل عن أبيه قال : كان بالمدينة نجار واحد يقال له ميمون فذكر قصة المنبر ، وقال ابن التين : عمله غلام لسعد بن عبادة ، وقيل : لامرأة من الأنصار ، وقال أبو داود : حدثنا الحسن بن علي قال : حدثنا إبراهيم بن أبي داود ، عن نافع ، عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما بدا قال له تميم الداري : ألا أتخذ لك منبرا يا رسول الله تجمع أو تحمل عظامك ؟ قال : بلى . فاتخذ له منبرا مرقاتين ، وفي طبقات ابن سعد من حديث أبي هريرة وغيره قالوا : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إلى جذع ، فقال : إن القيام يشق عليه ، فقال تميم الداري : ألا أعمل لك منبرا كما رأيته بالشام ؟ فشاور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المسلمين في ذلك فرأوا أن يتخذه ، فقال العباس بن عبد المطلب : إن لي غلاما يقال له كلاب أعمل الناس ، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مره أن يعمله فعلمه درجتين ومقعدا ، ثم جاء به فوضعه في موضعه ، وعند ابن سعد أيضا بسند صحيح : إن الصحابة قالوا : يا رسول الله إن الناس قد كثروا فلو اتخذت شيئا تقوم عليه إذا خطبت . قال : ما شئتم . قال سهل : ولم يكن بالمدينة إلا نجار واحد ، فذهبت أنا وذاك النجار إلى الغابتين ، فقطعت هذا المنبر من أثله ، وفي لفظ : وحمل سهل منهن خشبة . قوله : مولى فلانة لم يعرف اسمها ، ولكنها أنصارية ، ووقع في الدلائل لأبي موسى المديني نقلا عن جعفر المستغفري أنه قال في أسماء النساء من الصحابة علاثة بالعين المهملة وبالثاء المثلثة ، ثم ساق هذا الحديث من طريق يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم ، وقال فيه : أرسل إلى علاثة امرأة قد سماها سهل ، ثم قال أبو موسى : صحف فيه جعفر أو شيخه ، وإنما هي فلانة ، وقال الحافظ الذهبي : علاثة في حديث سهل أن مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا ، وإنما هي فلانة ، وقال الكرماني : قيل في فلانة اسمها عائشة الأنصارية ، وقال بعضهم : وأظنه صحف المصحف ( قلت ) هذا الطبراني روى في معجمه الأوسط من حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله عليه الصلاة والسلام كان يصلي إلى سارية المسجد ، ويخطب إليها ، ويعتمد عليها ، وأمرت عائشة فصنعت له منبره هذا . انتهى ، وبه يستأنس أن فلانة هي عائشة المذكورة ، ولا سيما قال قائله الأنصارية ، ولا يستعبد هذا ، وإن كان إسناد الحديث ضعيفا فحينئذ إن المصحف من قال علاثة لا من قال عائشة الأنصارية ، وقد جاء في الرواية في الصحيح : أرسل أي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى فلانة سماها سهل . مري غلامك النجار أن يعمل لي أعوادا أجلس عليهن إذا كلمت الناس ، فأمرته فعملها من طرفاء الغابة ، ثم جاء بها ، فأرسلت بها إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأمر بها فوضعت هاهنا ، وعن جابر : إن امرأة قالت : يا رسول الله ألا أجعل لك شيئا تقعد عليه فإن لي غلاما نجارا ... الحديث ، وفي الإكليل للحاكم عن يزيد بن رومان : كان المنبر ثلاث درجات فزاد به معاوية لعله قال : جعله ست درجات ، وحوله عن مكانه فكسفت الشمس يومئذ . قال الحاكم : وقد أحرق الذي عمله معاوية ، ورد منبر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المكان الذي وضعه فيه ، وفي الطبقات : كان بينه وبين الحائط ممر الشاة ، وقيل في الإكليل أيضا من حديث المبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس رضي الله تعالى عنه لما كثر الناس قال النبي صلى الله عليه وسلم : ابنوا لي منبرا فبنوا له عتبتين ، وقد ذكرنا عن أبي داود في حديث ابن عمر مرقاتين ، وهي تثنية مرقاة وهي الدرجة ، فإن قلت : في الصحيح : ثلاث درجات فما التوفيق بينهما ؟ ( قلت ) الذي قال مرقاتين كان لم يعتبر الدرجة التي كان يجلس عليها ، والذي روى له ثلاثا اعتبرها. قوله : فقام عليه ، ويروى فرقى عليه. قوله : حين عمل ووضع كلاهما مجهولان. قوله : كبر بدون الواو ؛ لأنه جواب عن سؤال كأنه قيل ما عمل بعد الاستقبال ؟ قال كبر ، ويروى فكبر ، وفي بعض النسخ : وكبر بالواو. قوله : ثم رجع القهقرى أي رجع إلى ورائه ، فإذا قلت : رجعت القهقرى فكأنك قلت : رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم ؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع فيكون انتصابه على أنه مفعول مطلق لكنه من غير لفظه كما تقول : قعدت جلوسا. قوله : على الأرض ، وذكر بعضه بالأرض ، وذكر الفرق بينما من حيث إن في الأول لوحظ معنى الاستعلاء ، وفي الثاني معنى الإلصاق ذكر استنباط الأحكام منه منها أن فيه الدلالة على ما ترجم له ، وهي الصلاة على المنبر ، وقد علل صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته عليه ، وارتفاعه على المأمومين بالاتباع له والتعليم ، فإذا ارتفع الإمام على المأموم فهو مكروه إلا لحاجة كمثل هذا فيستحب ، وبه قال الشافعي وأحمد والليث ، وعن مالك والشافعي المنع ، وبه قال الأوزاعي ، وحكى ابن حزم عن أبي حنيفة المنع ، وهو غير صحيح ، بل مذهبه الجواز مع الكراهة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، وعن أصحابنا عن أبي حنيفة جوازه إذا كان الإمام مرتفعا مقدار قامة ، وعن مالك : تجوز في الارتفاع اليسير . ومنها أن المشي اليسير في الصلاة لا يفسدها ، وقال صاحب المحيط : المشي في الصلاة خطوة لا يبطلها ، وخطوتين أو أكثر يبطلها ، فعلى هذا ينبغي أن تفسد هذه الصلاة على هذه الكيفية ، ولكنا نقول : إذا كان لمصلحة ينبغي أن لا تفسد صلاته ، ولا تكره أيضا كما في مسألة من انفرد خلف الصف وحده ، فإن له أن يجذب واحدا من الصف إليه ويصطفان ، فإن المجذوب لا تفسد صلاته ولو مشى خطوة أو خطوتين ، وقال الخطابي فيه أن العمل اليسير لا يفسد الصلاة ، وكان المنبر ثلاث مراقي ، ولعله إنما قام على الثانية منها فليس في نزوله وصعوده إلا خطوتان . ومنها أن فيه استحباب اتخاذ المنبر ، وكون الخطيب على مرتفع كمنبر أو غيره. ومنها أن فيه تعليم الإمام المأمومين أفعال الصلاة ، وأنه لا يقدح ذلك في صلاته ، وليس من باب التشريك في العبادة بل هو كرفع صوته بالتكبير ليسمعهم. ومنها أن فيه أن العالم إذا انفرد بعلم شيء يقول ذلك ليؤديه إلى حفظه. ( قال أبو عبد الله : قال علي بن عبد الله : سألني أحمد بن حنبل رحمه الله عن هذا الحديث قال : فإنما أردت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان أعلى من الناس فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث. قال : فقلت : إن سفيان بن عيينة كان يسأل عن هذا كثيرا فلم تسمعه منه . قال : لا ) أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وعلي بن المديني الإمام الحجة شيخه ، وأحمد بن حنبل الإمام الجليل المشهورة آثاره في الإسلام ، المذكورة مقاماته في الدين قال ابن راهويه : هو حجة بين الله وبين عباده في أرضه ، مات ببغداد سنة إحدى وأربعين ومائتين. قوله : بهذا الحديث أي بدلالة هذا الحديث ، وجوز العلو بقدر درجات المنبر ، وقال بعض الشافعية : لو كان الإمام على رأس منارة المسجد ، والمأموم في قعر بئره صح الاقتداء. قوله : قال فقلت أي قال علي بن المديني لأحمد بن حنبل ، وفي بعض النسخ قال قلت بدون الفاء. قوله : إن سفيان ، وفي بعض النسخ : فإن سفيان بالفاء. قوله : يسأل على صيغة المجهول. قوله : فلم تسمعه متضمن للاستفهام بدليل الجواب بكلمة لا ، ثم إن المنفي هو جميع الحديث ؛ لأنه صريح في ذلك ، ولا يلزم من ذلك عدم سماع البعض ، والدليل على ذلك أن أحمد قد أخرج في مسنده عن ابن عيينة بهذا الإسناد من هذا الحديث قول سهل : كان المنبر من أثل الغابة فقط .